مرثية شعرية تحتفي بجمالية الحقيقة

«الأفعوان الحجري» لنوري الجراح

غلاف «الأفعوان الحجري»
غلاف «الأفعوان الحجري»
TT

مرثية شعرية تحتفي بجمالية الحقيقة

غلاف «الأفعوان الحجري»
غلاف «الأفعوان الحجري»

تمثل الفترة الهلنستية من تاريخ البحر المتوسط سيرورة الدمج بين الهلينية، أي المركزية اليونانية، والشرق السوري الذي يمثل الأطراف. ويمكن وصف كتاب «الأفعوان الحجري» للشاعر نوري الجرّاح، الصادر مؤخراً في طبعتين عربية وإنجليزية، أنه مرثية شعرية جدلية المنزع بامتياز. وما أعنيه بذلك هو أنه نص إشكالي يترك النقاش مفتوحاً على الحسم الأنثروبولوجي.
ما فعله شاعر هذا النص باختصار هو تقديم الحسم إزاء وجهتي نظر حول رؤية حضارة العالم. وتشير وجهة النظر السائدة التي أَلِفَها الأنثروبولوجيون الغربيون طويلاً إلى أن الحضارة الهلينية (اليونانية)، حضارة المتوسط، هي حصيلة غزو شمالي من قبل شعوب هندو - أوروبية. ولكن اليونانيين أنفسهم، أصحاب ما يدعى بالمنزع الكلاسيكي في السياق الحضاري العالمي، لم يشيروا البتة إلى هذا الغزو الذي يدعى بـ«الموديل الآري».
هذا هو فصل المقال في الدراسة الأنثروبولوجية (3 أجزاء) التي أصدرها الباحث البريطاني مارتن برنال Bernal تحت عنوان «أثينا السوداء... الجذور الآفرو - آسيوية للحضارة الكلاسيكية». في «الأفعوان الحجري» يقدم نوري الجراح ما يمكن اعتباره بمثابة «المعادل الجمالي» لصنيع برنال. بؤرة ما أعنيه بالمعادل الجمالي هنا تكمن في تحويل نصب مُقام وفق الطراز التدمري، نقشت عليه كتابات بالتدمرية واللاتينية، وعثر عليه إلى الشمال من لندن على مقربة من جدار هادريان Hadrian Wall، في منطقة ساوث شيلدز South Shields التي يمر فيها نهر تاين River Tyne عند مصبه في المحيط - إلى نص شعري ملحمي.
في هذا النص نقش اسمان؛ برعتا التدمري القادم من الجنوب، وريجينا السلتية القادمة من الشمال. والسؤال؛ هل كان برعتا التدمري تاجراً وصل إلى بريطانيا قبل 2000 عام، أم مقاتلاً في القوات الرومانية القادمة من الجنوب؟
أغلب الظن أن برعتا التدمري مقاتل لم ينقش الاسم الأصلي لمحبوبته على اللوح الجنائزي التدمري، بل استبدل الاسم السلتي بصفة، هي ريجينا، باللاتينية تعني ملكة. ويظل السؤال مطروحاً؛ من هو هذا المغامر الذي جاء من الشرق ليحرر امرأة من الغرب ويسميها ريجينا مستفزاً بذلك سطوة النظام العبودي لروما؟
كيف قيض لفتى لوحته شمس تدمر أن يحيط بذراعه السمراء خصر فتاة سلتية ذات جديلة حمراء، ويهيم بها قبل 2000 عام؟
نصب شبيه بأنصاب تدمر عثر عليه بالقرب من جدار روماني أشعل مخيلة الشاعر، وله تدين هذه القصيدة التي تضيف للمرة الأولى إلى ثقافة اللغتين العربية والإنجليزية، بلغة ملحمية أيقونية المنزع، عابرة للجغرافيا والآيديولوجيا، أيقونة أقدم من كل ما عرفنا من أيقونات الحب المرتبط تحديداً بالمأساة.
مرثية التدمري لمحبوبته التي ماتت في الثلاثين ليست مجرد تاريخ ميثولوجي. يرى الأنثروبولوجيون البريطانيون أن برعتا القادم من سوريا قد يكون مقاتلاً في الجيش الروماني أو تاجراً تدمرياً وصل بطريقة ما إلى بريطانيا. ويرى شاعر «الأفعوان الحجري»، شأنه شأن آخرين، أنه قد يكون أحد النبالين السوريين الخمسمائة الذين كلفوا بالدفاع عن جدار هادريان (حسب الوثائق العسكرية الرومانية) الذي بني بأمر من الإمبراطور الروماني، الذي يحمل السور اسمه في عام 122 بعد الميلاد. وعندما أخلد برعتا إلى الراحة مع نهاية خدمته العسكرية، واصل حياته في منطقة قريبة من الحصن الرئيسي عند جدار هادريان، المسمى آربيا. ويخبرنا المؤرخون أن القانون العسكري الروماني لم يكن يسمح لمن هم من غير كبار الضباط اصطحاب عائلاتهم إلى المناطق التي يخدمون فيها لفترة ربع قرن، وهو ما يفسر بقاء الغالبية العظمى من صغار الضباط والجنود الرومانيين في بريطانيا، وارتباط معظم هؤلاء بنساء من القبائل السلتية، ومنها الكتافلانيون الذين تنتمي إليهم ريجينا، وهو ما حدث، وفقاً لمرثية «الأفعوان الحجري» لبرعتا التدمري باقترانه من السبية السلتية التي حررها.
من هذا المنظور يمكن اعتبار القصيدة صلة وصل بين الحقيقة التاريخية وبين الشعرية العابرة للثقافات. وهذا المنزع طريقة أخرى للقول إن الشعر جسر بين الحقيقة والخيال. وهذه النقطة يمكن تعقبها بمقاربات مختلفة، لعل أقربها إلينا تعقب الشعر العربي الراهن من حيث علاقته بالحقيقة الأنثروبولوجية.
وبصرف النظر عما يختاره قارئ الشعر المعاصر، فإن بعض الإلمام بالتاريخ الأوروبي ربما كان مطلوباً لإدراك مدى تماس الشاعر الجرّاح مع نقد إدوارد سعيد لباراديم النزعة المركزية الأوروبية.
أختم هذه الملاحظات بالقول إنه تكمن في هذه الملحمة الجسور رحلة شعرية مبتكرة لملمح مقموع عادة، ملمح مسكوت عنه، أو ربما منسي كلياً في التراثين الأدبي الإنجليزي والعربي. والحال أن كلا التراثين لا يمكن أن يقيّما نقدياً أو ينظر إليهما على النحو نفسه بعد الآن، في ضوء هذا الأثر الشعري. رحلة الشاعر السوري هنا، هي في تقديري سيرنادا شرقية الطراز Eastern Serenada لحن يعني هنا بلغة الموسيقى العزف في الهواء الطلق من قبل فارس تدمري قادم من الشرق ليمنح ريجينا السلتية في الشمال البريطاني الحرية والكرامة معاً، وها هنا تذهب صورة الشاعر بصورة العاشق ليطل هذا من شرفة محبوبته مسطراً شهادة أخاذة على القدرة على الإبداع الشعري، ولعلها مقاربة حداثية تجعل القدامة جنساً أدبياً ناطقاً بالكشف والإضاءة.

***
الضَّبَابُ يَفْتَرِسُ الأَقْوَاسَ والرُّمَاةَ،
الضَّبَابُ يَلْتَهِمُ الحِجَارَةَ، والسُّوْرَ، ويَهِيمُ عَلَى النَّهْرِ،
والَّذِينَ تَسَاقَطُوا مِنَ الحُصُونِ المَرْجُومَةِ بالبَلْطَاتِ والفُؤُوسِ،
سَقَطُوا فِي حُفْرَةِ الشِّتَاء...
أَرْوَاحُ الصَّرْعَى تَهِيمُ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْجَار.
***
أيْنَ هُمُ الرُّمَاةُ التَّدْمرِيُّونَ الَّذِينَ مَلَؤُوا الأَسْمَاعَ والْأَزْمِنَةَ بِصَيْحَاتِهُمُ الْمَرِحَةِ،
وأَقَاصِيصِهُمُ الَّتِي دَحْرَجَهَا الهَوَاءُ عَلَى امْتِدَادِ السُّورِ؟
نِيْرَانُهُمُ الهَائِجَةُ في أَمْوَاجِ الضَّبابِ أَرْسَلَتْ عَبِيْرَ دُخَانِهَا فِي الغَابَاتِ،
ودَلَّتْ عَلَيْهِمْ فُؤُوسُ المَوْشُومِينَ المُقبلينَ لينتحروا، كَسَمَكِ السَّالمُون، فِي أَعَالِي النَّهار.
***
بِأَيِّ لُغَاتٍ خَاطَبَ الجَرْحَى آلِهَتَهُمْ وَهُمْ يَلْفُظُونَ أَنْفَاسَهُمْ وَيُودِعُونَهَا فِي شُقُوقِ الْأَرْضِ؟
***
الضّبابُ يَلْفَحُ وجهيَ، الضّبابُ يَهيمُ بي،
فلأَتوارى أَبْعَدَ، ولأَسْمَع وقْعَ حَوافرِ خَيلٍ، ونِياقٍ تَخُبُّ،
ولألمح من وراءِ سعفِ النَّخيلِ خيالاتِ راكبينَ،
في عَجَاجٍ يلفَحني ويَمْلأُ الأَبْصارَ،
لأغيبَ في ركابِ مَنْ غابوا وأَنْهض وأَتَلقَّى صَيْفَ الجَنوب،
الرِّيحُ تَسُفّ الهاجرةَ وتَخُزُّ بالرَّملِ وجْهيَ.
***
دَمي قشعريرةُ ذِئْبٍ جَرِيحٍ، وصَوتي عُواء غَابَةٍ تَحْتَرِقُ.

من الديوان

أَنْتَ يَا مَنْ تَقِفُ لِتَقْرأَ كَلِمَاتِيَ المُرْتَجِفَةَ مِنَ البَرْدِ؛ هَلْ وصَلْتَ إِلى هُنَا، مِثْلِي، عَلَى مَرْكَبٍ مِنْ خَشَبِ الْأرزِ المَجْلُوبِ مِنْ جِبَالِ «نُومِيدْيَا»، أم عَلَى طَوْفٍ أَلْقَتْ بِهِ سَفِينَةٌ قُرْبَ شاطئٍ فِي بَحْرِ الشَّمَال؟
لَسْتُ حَامِلَ بَيَارِقَ، ولَكِنَّنِي تَاجِرُ أَقْمِشَةٍ مِنَ الشَّرق.
وَلَئِنْ تَرَكْتُ سَيْفِيَ عِنْدَ النَّهْرِ،
فَلِيُبَارِكَ الْبَعْلُ خُطْوتِي إِلَى البَيْتِ،
ولِيَصْفَحَ عَنْ إِثْمِ يَدِي.
***
في العَاصِفَةِ، وَقَدْ جُزْنَا بَحْرَ الرُّومِ، صَلَّيْتُ لَكِ يَا عَشِيرةُ، وأَنْتِ رَبَّةُ هَذِهِ الأَمْوَاجِ،
لَكِ صَلَّيْتُ،
ولِلْبَعْلِ أَعْطَيْتُ أُمْنِيَتِي.
ولمَّا رَأَيْتُ اليَابِسَةَ، رَأَيْتُكِ تَغْسِلِينَ قَدَمَكِ قُرْبَ النَّهْرِ،
رَأَيْتُ الضَّوْءَ يَتَقَطَّرُ،
مِنْ كَاحِلِكْ،
وَرَجَوْت إِيلَ فِي عَلْيَائِهِ، أَنْ يُبَارِكَ عَيْنِي الَّتي رَأَتْ.
***
كَيْفَ لِي، أَنَا بَرْعَتا بِوَجْهِيَ المُلَوَّحِ بِشَمْسِ «تَدْمُرَ»، أَنْ أُمَدِّدَكِ فِي شِغَافِ الصَّمْتِ فِي غَيْبُوبةِ السَّرِيرِ؛ كَيْفَ أَسْتَعِيدكِ مِنْ غَابَةِ الذِّئبِ، أَنَا الطَّائفُ بِالْكتَّانِ الدِّمَشْقِيِّ، وبِالْأَقْطَانِ، عَلَى بَلْدَاتٍ هَارِبَةٍ مِنْ صَخَبِ المُشَاةِ، وجَلَبَةِ السُّيُوفِ، وضَجِيجِ أَسَاطِيلِ النَّهْرِ؛
كَيْفَ أسْتَرِدُّكِ مِنْ صَمْتِ الغَابَةِ وتِيهِ النَّهْرِ.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
TT

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)

ودّع الوسط الفني في مصر، الخميس، الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق، الرئيس الأسبق للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الذي قدم العديد من الأعمال المسرحية المهمة على مدى تاريخه الفني الذي بدأ منتصف الثمانينات من القرن الماضي، كما شارك في العديد من الأعمال الدرامية لتي قدم فيها أداءً متميزاً.

ونعت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، الفنان القدير ياسر صادق، الذي وافته المنية، الخميس، «بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإبداع، قدّم خلالها نموذجاً للفنان المثقف الملتزم بقضايا مجتمعه، فأسهم بإخلاص في إثراء الحركة المسرحية والفنية في مصر، سواء من خلال أعماله الإبداعية أو إدارته للمؤسسات الثقافية، تاركاً بصمة واضحة في وجدان جمهوره وتلاميذه ومحبيه»، وفق بيان للوزارة.

ونعت نقابة المهن التمثيلية الفنان الراحل، وقالت في بيان: «رحل الفنان القدير بعد مسيرة فنية مشرفة قدّم خلالها العديد من الأعمال التي تركت أثراً واضحاً في الساحة الفنية، وكان مثالاً للفنان الملتزم صاحب الحضور الهادئ والروح الطيبة».

ونعى المخرج هشام عطوة، رئيس قطاع المسرح في وزارة الثقافة، الفنان، قائلاً في بيان: «فقدنا اليوم شخصية فنية جادة، قدمت العديد من الأعمال الفنية الناجحة»، مشيراً إلى ما قدمه الفنان القدير ياسر صادق من جهود مخلصة بالوزارة أثْرت العمل الثقافي.

الفنان ياسر صادق (وزارة الثقافة)

وقدم الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق العديد من الأعمال في التلفزيون والسينما والمسرح، وحصل على جوائز عديدة بالمسرح الجامعي منذ بداية دخوله مجال الفن، منها مخرج أول جامعة القاهرة وممثل أول الجامعة، ثم ممثل أول الجامعات المصرية عام 1985، والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل والإخراج وتخرج فيه عام 1994، وشغل منصب مدير عام المسرح الحديث، ثم رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.

ونعى رئيس دار الأوبرا المصرية، الدكتور علاء عبد السلام، صادق وقال إن «الراحل ترك بصمات واضحة في الساحة الإبداعية بأعمال بارزة، كما شارك بجهود دؤوبة ورؤية فريدة فى إثراء ميدان الثقافة المصرية».

ونعى المخرج عادل حسان، مدير المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الفنان الراحل، وقال: «لقد كان الراحل رئيساً للإدارة المركزية للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية لمدة أربع سنوات، قدم خلالها العديد من الإنجازات الإدارية الملموسة داخل هذا الصرح الفريد بوزارة الثقافة، كما أثرى الساحة الفنية المصرية بأعمال خالدة، وترك بصمة مميزة في وجدان الجمهور وذاكرة الفن المصري، وتميز الفقيد بإخلاصه لفنه».

وبالإضافة إلى شهرته في التمثيل والإخراج المسرحي، حيث قدم العديد من الأعمال من بينها «لكع ابن لكع» في مسرح الجامعة، ومسرحية «سي علي وتابعه قفة» و«حوش بديعة»، فقد شارك الفنان الراحل في العديد من الأعمال السينمائية والدرامية وعرف بأدواره البارزة في المسلسلات التاريخية مثل «أبو حنيفة النعمان»، و«عصر الأئمة» و«القضاء في الإسلام» و«ابن حزم»، وأحدث أعماله التاريخية كان ضمن مسلسل «الحشاشين»، وشارك في مسلسل «المداح» و«عهد أنيس» في السنوات الأخيرة، كما شارك في العديد من الأفلام من بينها «امرأة هزت عرش مصر» و«دانتيلا» و«بالألوان الطبيعية».


هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
TT

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام؛ نظراً لصيام ساعات طويلة يليها تناول وجبات دسمة بعد الإفطار.

ويسعى كثير من الناس خلال الإفطار لتعويض الطاقة المفقودة بسرعة، وغالباً ما يكون البروتين جزءاً كبيراً من وجبات الإفطار والسحور، سواء من اللحوم الحمراء أو البيضاء، أو منتجات الألبان.

ويؤكد خبراء التغذية أن البروتين عنصر أساسي لبناء العضلات، وصيانة الأنسجة، ودعم جهاز المناعة. وتحتوي اللحوم، والأسماك، والدواجن، والبيض، على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، في حين يمكن الحصول على البروتين النباتي من مصادر مثل البقوليات والمكسرات. والسؤال هنا: هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان مفيد أو ضار للصحة؟

تشير الدكتورة فينا في، أخصائية التغذية السريرية في الهند، إلى أن البروتين الحيواني يمتصه الجسم بكفاءة أكبر مقارنة بالمصادر النباتية، ويمنح شعوراً بالشبع لفترة أطول، ما يساعد على التحكم في الشهية خلال الإفطار بعد يوم طويل من الصيام، حسب شبكة «إنديا تي في» الهندية.

وتضيف أن قوائم الإفطار غالباً ما تركز على اللحوم، ويمكن أن يكون ذلك مفيداً إذا تم اختيارها بعناية، موضحة أن تناول البروتين باعتدال يبطئ امتصاص الكربوهيدرات، ويساعد على استقرار مستويات السكر في الدم.

وتوصي الدكتورة فينا باختيار مصادر بروتين منخفضة الدهون، وطهيها بطريقة صحية، مثل الدجاج المشوي، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب القلي الذي يزيد من الدهون غير الصحية ويؤدي إلى شعور بالكسل بعد الوجبة.

ووفق الدكتورة روزماي تراوت، أستاذة علوم الغذاء في جامعة دريكسل الأميركية، فإن اللحوم مصدر غني بالبروتين الكامل الذي يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، إضافة إلى فيتامين «B12»، والحديد، والزنك، وفق صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

في حين تشير اختصاصية التغذية الأميركية لورين مانكر إلى أن تناول اللحوم يومياً ممكن إذا كانت طازجة وغير مصنعة وبحصص معتدلة، مع دمجها بالخضراوات والألياف لتحقيق توازن غذائي صحي.

مخاطر الإفراط في البروتين

رغم فوائد البروتين العديدة، يشير خبراء التغذية إلى أن الإفراط في تناوله بشكل يومي، خصوصاً خلال رمضان، قد يؤدي إلى عدة مشاكل صحية؛ فاللحوم الغنية بالدهون تحتوي على كولسترول ودهون مشبعة قد ترفع مستويات الكولسترول الضار في الدم، مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب.

عبء إضافي

كما أن تناول كميات كبيرة من البروتين يفرض عبئاً إضافياً على الكلى والكبد، خصوصاً لدى من لديهم مشاكل صحية سابقة. إضافة إلى ذلك، فإن اللحوم المصنعة مثل النقانق واللحم المقدد، تحتوي على ملح وسكر ودهون إضافية، وهي غير مناسبة للاستهلاك اليومي، وقد يرهق الإفراط في البروتين بعد صيام طويل الجهاز الهضمي، مسبباً شعوراً بالثقل أو الانتفاخ أو الإمساك، خصوصاً إذا قل تناول الألياف والخضراوات.

ولتجنب هذه المخاطر، ينصح خبراء التغذية بالاعتدال في حصص البروتين، بحيث لا تتجاوز الوجبة الواحدة 3 إلى 4 أونصات، مع مزج البروتين الحيواني بمصادر نباتية مثل الفاصوليا والمكسرات.

كما يُفضل اختيار البروتين الصحي، مثل الدجاج الأبيض، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب اللحوم المصنعة والمقلية.

ويُنصح أيضاً بتوزيع البروتين على وجبتَي الإفطار والسحور لتقليل الضغط على الجهاز الهضمي، والحفاظ على مستويات الطاقة طوال اليوم، مع التركيز على تناول الخضراوات والألياف التي تساعد على الهضم وتحافظ على صحة الأمعاء، وشرب الماء بانتظام لتعويض السوائل اللازمة لترطيب الجسم بعد الصيام.

أما بالنسبة للكميات الموصى بها، فالجرعة اليومية من البروتين تبلغ 0.8 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم، وقد تختلف حسب مستوى النشاط البدني. ووفقاً لإرشادات النظام الغذائي الأميركي، يُنصح بتناول نحو 26 أونصة؛ أي نحو 736 غراماً، من اللحوم والدواجن والبيض أسبوعياً.


«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

في الفيلم الأرجنتيني «قطار النهر»، لا يبدأ كلُّ شيء من لحظة الهروب، بل من لحظة الشكّ الأولى؛ تلك اللحظة الخفية التي يُدرك فيها طفلٌ أن العالم أكبر من حدود قريته، وأن الصورة التي رسمها في خياله عن المدينة قد تكون أوسع من قدرته على احتوائها.

هنا، لا تبدو المغادرة فعلاً بطولياً ولا نزوة عابرة، بل سؤالاً داخلياً ينمو بصمت حتى يصير قراراً. الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى في الدورة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، كتب السيناريو الخاص به وأخرجه الثنائي الأرجنتيني الشاب لورينزو فيرو ولوكاس فينيالي. لا يتعامل العمل مع الرحلة بوصفها مغامرةً طفولية، بل بوصفها عتبة عبور بين مرحلتين: براءةٍ تعتقد أن الحلم وحده يكفي، ووعيٍ يتعلّم تدريجياً أن الطريق إلى الحلم ليس كما تصوّره الأفلام.

ومن هذه المسافة بين الصورة والواقع، تتشكّل حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتحوّل تدريجياً إلى تأمّل بصري وإنساني في معنى الحرية الأولى، وفي الثمن الصامت الذي يدفعه الإنسان حين يقرر أن يختبر العالم وحده.

مخرجا الفيلم الأرجنتيني (الشركة المنتجة)

تدور القصة حول «ميلو»، الطفل الذي يعيش في قرية أرجنتينية نائية، ويتدرّب يومياً على رقصة المالامبو تحت إشراف والده، ضمن إطار عائلي واضح التوقعات والملامح. ترى الأسرة فيه امتداداً لتقاليدها، بينما يرى هو في نفسه شيئاً آخر لم تتضح ملامحه بعد.

العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيرس، ليست بالنسبة إليه مجرد مدينة؛ إنها صورة تعلّمها من السينما والتلفزيون، مساحة افتراضية للحرية والانطلاق. وحين يقرر أن يستقل القطار ويرحل، فإن الرحلة لا تقوده فقط من الريف إلى العاصمة، بل من طفولة ساكنة إلى تجربة أكثر تعقيداً.

يقول لورينزو فيرو لـ«الشرق الأوسط» إن الدافع الأول وراء «قطار النهر» كان الرغبة في العودة إلى سؤال الطفولة بوصفها أرضاً أولى نفقدها ولا نتوقف عن الحنين إليها، مشيراً إلى أن ما جذبه إلى شخصية «ميلو» هو هذا التناقض الحاد بين الجسد الصغير والحلم الكبير، وبين انضباط التدريب اليومي الصارم ورغبة داخلية في الانفلات واختبار المجهول.

ويضيف أن الطفل في السينما يمتلك قدرة استثنائية على كشف الحقيقة، لأن نظرته لم تُثقل بعد بالحسابات أو المجاملات، ولأنه يعيش اللحظة بعفوية كاملة. وبالنسبة إليه، لم يكن الهدف أن يروي قصة صبي هارب، بل أن يتتبع لحظة وعي تتكوّن ببطء؛ لحظة يبدأ فيها الإنسان الصغير في إدراك أن العالم لا يشبه تماماً ما تخيّله.

ويشير فيرو إلى أن فكرة القطار لم تكن عنصراً سردياً فحسب، بل هي رمز للحركة المستمرة، وللرغبة في تجاوز المألوف حتى من دون ضمانات. فالقطار، في نظره، هو المسافة بين ما نعرفه وما نظن أننا نريده، بين البيت بوصفه أماناً والمدينة بوصفها احتمالاً.

ويؤكد أن «الفيلم يتعمد ترك مساحات صمت طويلة، لأن الصمت ليس فراغاً، بل زمن داخلي يتشكل فيه الإدراك. لحظات الانتظار على الرصيف، والمشي في شوارع لا يعرفها الطفل، والتحديق في وجوه الغرباء؛ كلها ليست تفاصيل عابرة، بل جوهر التجربة»، مشيراً إلى أن «الكاميرا كانت مطالَبة بأن تصبر، وأن تمنح الزمن حقه، لأن التحول الحقيقي لا يحدث في لحظة صاخبة، بل في تراكم لحظات صغيرة لا تكاد تُرى».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في برلين (إدارة المهرجان)

أما لوكاس فينيالي فيؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم يقوم على مفارقة دقيقة تتعلق بـ«ميلو» نفسه؛ فهو يعتقد أنه يهرب من ضغط العائلة وتوقعاتها، لكنه يكتشف أن ما يرافقه في الرحلة ليس مجرد حقيبة صغيرة، بل خوفه وحيرته ورغبته العميقة في أن يُعترف به.

ويقول فينيالي إن الحرية، كما يتناولها الفيلم، ليست شعاراً سهلاً ولا حالة رومانسية، بل وضعية معقّدة؛ فهي تمنح الإنسان مساحة للاختيار، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام مسؤولية هذا الاختيار. ويشير إلى أن الإيقاع البطيء للفيلم كان قراراً مسبقاً اتخذه مع فيرو، لأن التجربة الإنسانية، وخصوصاً في الطفولة، لا تحدث في انفجار درامي واحد، بل في تراكم لحظات صغيرة قد تبدو عابرة.

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

ويؤكد فينيالي أن «منح الزمن حقه داخل الكادر يسمح بظهور تفاصيل لا يمكن كتابتها في السيناريو: نظرة مترددة، وابتسامة خافتة، وخطوة متباطئة فوق رصيف محطة. هذه التفاصيل، في رأيه، هي التي تصنع صدق التجربة».

ويلفت إلى أن «العمل لا يسعى إلى تقديم رسالة مباشرة أو خاتمة مطمئنة، بل إلى خلق حالة شعورية تدعو المشاهد إلى أن يعيش الرحلة مع ميلو، لا أن يكتفي بتفسيرها من الخارج».