«المنطاد الصيني» يعيد التوتر مع الولايات المتحدة إلى المربّع الأول

«البنتاغون» يتمسك بأنه «أداة تجسس»... وبكين تصرّ على أنه «مخصص للبحث العلمي»

علم أميركي أمام مقر حكومي صيني ببكين خلال مناسبة احتفالية في 9 نوفمبر 2017 (أ.ب)
علم أميركي أمام مقر حكومي صيني ببكين خلال مناسبة احتفالية في 9 نوفمبر 2017 (أ.ب)
TT

«المنطاد الصيني» يعيد التوتر مع الولايات المتحدة إلى المربّع الأول

علم أميركي أمام مقر حكومي صيني ببكين خلال مناسبة احتفالية في 9 نوفمبر 2017 (أ.ب)
علم أميركي أمام مقر حكومي صيني ببكين خلال مناسبة احتفالية في 9 نوفمبر 2017 (أ.ب)

على الرغم من الجهود التي يبذلها مسؤولو البلدين، لإصلاح العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة والصين، لم يحتج الأمر سوى «منطاد تجسس»، ليظهر هشاشة الثقة القائمة بينهما، في ظل التوتر المتصاعد، وتنافسهما الاستراتيجي للهيمنة العسكرية والجيوسياسية والتكنولوجية، على الساحة الدولية. وفيما بدت العلاقات بين واشنطن وبكين مهيأة لتحقيق تقدم متواضع، على طريق خفض تلك التوترات، خصوصاً بعد قمة بايدن شي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، والاتصالات والوفود التي تبادلها البلدان، كان من المفترض أن تؤدي زيارة وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن إلى وضع «أرضية مشتركة»، تثبت ما تم تحقيقه بين البلدين. فتصاعد التوتر بينهما، من شأنه أن يؤثر، ليس فقط على دول منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بل والعالم كله، الذي يواصل تلقي نتائج الحرب الروسية في أوكرانيا. لكن اكتشاف «منطاد التجسس» بحسب البنتاغون، وقرار بلينكن إلغاء الزيارة، أعادا الأمور إلى المربّع الأول. وعلى الرغم من ذلك، حرص بلينكن على القول خلال مؤتمره الصحفي المشترك مع نظيره الكوري الجنوبي في واشنطن، الجمعة، إنه اتصل بنظيره الصيني وانغ يي، وأبلغه بأن الولايات المتحدة «لا تزال ملتزمة» بالمشاركة الدبلوماسية مع الصين، وأنه «يخطط لزيارة بكين عندما تسمح الظروف بذلك». وأكد بلينكن أنه أوضح للوزير الصيني أن وجود منطاد المراقبة هذا في المجال الجوي الأميركي هو «انتهاك واضح» لسيادة الولايات المتحدة والقانون الدولي، وأنه عمل غير مسؤول، وأن «قرار جمهورية الصين الشعبية اتخاذ هذا الإجراء عشية زيارتي المخطط لها تضر بالمناقشات الموضوعية التي كنا مستعدين لها».
وردت الصين بحملة على السياسيين الأميركيين ووسائل الإعلام الأميركية. وقالت وزارة الخارجية الصينية، في بيان صدر بعد إرجاء بلينكن زيارته، إن «بعض السياسيين ووسائل الإعلام في الولايات المتحدة استخدموا الحادثة ذريعة لمهاجمة الصين وتشويه صورتها». وأمس، أصدرت الخارجية الصينية بياناً آخر قالت فيه إن «الصين... لم تنتهك أبداً أراضي ومجال أي دولة ذات سيادة». وأشارت الوزارة إلى أن الحفاظ على قنوات الاتصال على كل المستويات أمر مهم «خصوصاً في التعامل بطريقة هادئة وموثوقة مع بعض المواقف غير المتوقعة».
وفيما يتعلق بزيارة بلينكن، قالت الخارجية الصينية: «في الواقع، لم تعلن الصين ولا الولايات المتحدة (رسمياً) عن أي زيارة». وأضافت أن «نشر المعلومات (المتعلقة بهذه الزيارة) قرار الولايات المتحدة، ونحن نحترم ذلك». وكانت الصين قد أصدرت في وقتٍ سابق بياناً نادراً عبرت فيه عن «الأسف»، وألقت باللوم على «الرياح» في دفع ما وصفته بأنه منطاد مدني إلى المجال الجوي الأميركي. وأكدت الخارجية الصينية على موقعها على الإنترنت، أن الوزير وانغ يي، أخبر بلينكن في المكالمة الهاتفية التي جرت في وقت متأخر من يوم الجمعة أن «الصين دولة مسؤولة وتلتزم دائما بشكل صارم بالقانون الدولي».
وأثار الكشف عن موقع المنطاد غضباً من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة، بما في ذلك دعوات لإسقاطه، وهو ما شكل ضغطاً على إدارة بايدن، على الرغم من إعراب الصين بشكل غير معهود عن أسفها. وأصر البلدان على ادعاءات متنافسة، ففي حين وصف قادة البنتاغون المنطاد بأنه أداة تجسس، «لجمع المعلومات الاستخباراتية»، أصرت الصين على وصفه بأنه منطاد مدني، مخصص للبحث العلمي، وأنه انحرف عن مساره.
وبعد بيانات ومواقف صدرت من رئيس مجلس النواب الجمهوري، كيفين ماكارثي، ومن نواب جمهوريين وديمقراطيين، أعلن رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، بوب مينيديز، الجمعة، دعمه قرار بلينكن تأجيل زيارته إلى بكين. وأعرب مينيديز في بيان عن «انزعاجه» لاكتشاف المنطاد، واتهم بكين بانتهاك سيادة الولايات المتحدة بهذا التصرف، داعيا الإدارة الأميركية لسرعة تلقي المعلومات الاستخباراتية لمناقشة آخر التطورات مع الصين.
وعلى الرغم من عدم وجود أي مؤشر على أن البالون يشكل تهديداً عسكرياً أو استخباراتياً خطيراً للولايات المتحدة، فإن تحليقه في هذا التوقيت فوق الأجواء الأميركية، أضاف عنصراً جديداً من التقلبات، في العلاقة التي يراقبها العالم.
ولعلّ أكبر التحديات، هي قضية الحفاظ على السلام في مضيق تايوان، وإعادة بناء اقتصادات ما بعد الوباء ومكافحة تغير المناخ. كما طرح فرضيات أخرى، عن احتمال وجود خلافات داخل الحكومة الصينية، حول استراتيجيتها تجاه الولايات المتحدة، منافسها الاستراتيجي الرئيسي.
وقال محللون إن الصين كانت تتطلع إلى تقليل التوترات في الخارج لتركيز جهودها على إصلاح اقتصادها المحاصر، والانتقال من العزلة التي سببها فيروس كوفيد، ومحاولة جذب الاستثمارات الأجنبية وإعلان انفتاحها على الأعمال التجارية مرة أخرى.
لكن تحليق المنطاد، في هذا التوقيت، يشير إلى أنه يتعارض مع الرسائل الصينية العامة، ما يثير تساؤلات عمّا إذا كان هناك خلافات في التنسيق داخل نظام الأمن الصيني نفسه، بحسب بعض المحللين. وبينما كان الزعيم الصيني، شي جينبينغ، يسعى إلى خفض التوتر في العلاقات الأميركية الصينية، التي تعد من بين مسؤولياته الرئيسية، التي تراقبها النخبة الصينية، بعدما شلت واشنطن شركات الاتصالات الصينية الكبرى، وفرضت حظراً شاملاً على تصدير تكنولوجيا أشباه الموصلات، تحدث البعض عن احتمال أن يكون إطلاق المنطاد «رسالة اعتراض» من النخبة الأمنية والعسكرية الصينية، ردا على الاندفاعة الأميركية النشطة، لترتيب علاقاتها التحالفية مع دول المنطقة. وتوجت أخيراً بالاتفاق الأمني مع الفلبين، لتمكين الجيش الأميركي من استخدام 9 قواعد استراتيجية في مواجهة الشواطئ الصينية، وبالقرب من تايوان. وكانت سبقتها أيضا اتفاقات مماثلة مع استراليا واليابان وأخيرا مع كوريا الجنوبية. وهو ما يثير التساؤل عن قدرة الزعيم الصيني على إدارة العلاقات الداخلية مع النخبة الصينية، التي تشكك في قيادته للتنافس مع الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

بايدن يستضيف رئيس الفلبين لمواجهة تصاعد التوترات مع الصين

الولايات المتحدة​ بايدن يستضيف رئيس الفلبين لمواجهة تصاعد التوترات مع الصين

بايدن يستضيف رئيس الفلبين لمواجهة تصاعد التوترات مع الصين

في تحول كبير نحو تعزيز العلاقات الأميركية - الفلبينية، يستضيف الرئيس الأميركي جو بايدن، الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس جونيور، في البيت الأبيض مساء الاثنين، في بداية أسبوع من اللقاءات رفيعة المستوى، تمثل تحولاً في العلاقة بين البلدين التي ظلت في حالة من الجمود لفترة طويلة. زيارة ماركوس لواشنطن التي تمتد 4 أيام، هي الأولى لرئيس فلبيني منذ أكثر من 10 سنوات.

هبة القدسي (واشنطن)
العالم الحرب الباردة بين أميركا والصين... هل تتغيّر حرارتها؟

الحرب الباردة بين أميركا والصين... هل تتغيّر حرارتها؟

من التداعيات المباشرة والأساسية للحرب في أوكرانيا عودة أجواء الحرب الباردة وبروز العقلية «التناحرية» التي تسود حالياً العلاقة بين الولايات المتحدة والصين. ومع كل ما يجري في العالم، نلمح الكثير من الشرارات المحتملة التي قد تؤدي إلى صدام بين القوتين الكبريين اللتين تتسابقان على احتلال المركز الأول وقيادة سفينة الكوكب في العقود المقبلة... كان لافتاً جداً ما قالته قبل أيام وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين وشكّل انعطافة كبيرة في مقاربة علاقات واشنطن مع بكين، من حيّز المصالح الاقتصادية الأميركية إلى حيّز الأمن القومي.

أنطوان الحاج
الاقتصاد الشركات الأميركية في الصين  تخشى مزيداً من تدهور علاقات البلدين

الشركات الأميركية في الصين تخشى مزيداً من تدهور علاقات البلدين

تخشى الشركات الأميركية في الصين بشكل متزايد من مزيد من التدهور في العلاقات بين البلدين، وفقاً لدراسة استقصائية أجرتها غرفة التجارة الأميركية في الصين. وأعرب 87 في المائة من المشاركين في الدراسة عن تشاؤمهم بشأن توقعات العلاقة بين أكبر الاقتصادات في العالم، مقارنة بنسبة 73 في المائة في استطلاع ثقة الأعمال الأخير. ويفكر ما يقرب من ربع هؤلاء الأشخاص، أو بدأوا بالفعل، في نقل سلاسل التوريد الخاصة بهم إلى دول أخرى.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد دعوات أميركية للحد من اعتماد الدول الغنية على السلع الصينية

دعوات أميركية للحد من اعتماد الدول الغنية على السلع الصينية

من المتوقع أن يبحث قادة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى في قمتهم المقررة باليابان الشهر المقبل، الاتفاق على تحديد رد على التنمر الاقتصادي من جانب الصين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الصين تنتقد «الإكراه الاقتصادي» الأميركي

الصين تنتقد «الإكراه الاقتصادي» الأميركي

انتقدت بكين الجمعة، عزم واشنطن فرض قيود جديدة على استثمارات الشركات الأميركية في نظيرتها الصينية، معتبرة أن خطوة كهذه هي أقرب ما يكون إلى «إكراه اقتصادي فاضح وتنمّر تكنولوجي». وتدرس إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، برنامجاً لتقييد استثمارات خارجية أميركية، بما يشمل بعض التقنيات الحسّاسة التي قد تكون لها آثار على الأمن القومي. وتعاني طموحات الصين التكنولوجية أساساً من قيود تفرضها الولايات المتحدة ودول حليفة لها، ما دفع السلطات الصينية إلى إيلاء أهمية للجهود الرامية للاستغناء عن الاستيراد في قطاعات محورية مثل أشباه الموصلات. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية وانغ ونبين، إن «الولايات المتحد

«الشرق الأوسط» (بكين)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟