ناشرون مغاربة: جمالية الغلاف تثير فضول القارئ لاكتشاف الكتاب

غلاف الكتاب العربي في سوق نشر ضعيفة (2-2)

عبد القادر عُرابي   -    يوسف كرماح
عبد القادر عُرابي - يوسف كرماح
TT

ناشرون مغاربة: جمالية الغلاف تثير فضول القارئ لاكتشاف الكتاب

عبد القادر عُرابي   -    يوسف كرماح
عبد القادر عُرابي - يوسف كرماح

في الحلقة الأولى من هذا الملف، تحدث ناشرون من مصر ولبنان عن الأهمية الاستثنائية التي يحظى بها غلاف الكتاب باعتباره «العتبة» التي يخطو عبرها القارئ إلى مضمون العمل، و«الهوية البصرية» التي ترسم ملامحه، وتشكل عنصر الجذب الذي يساعد على اتخاذ قرار الشراء من عدمه، وتناولوا في الوقت نفسه التحديات الجدية التي تواجه صناعة أغلفة الكتب في سوق نشر ضعيفة مقارنة بالغرب.
هنا الحلقة الأخيرة التي يشارك فيها ناشرون من المغرب والسعودية:

يتفق الناشرون المغاربة على أهمية الغلاف في صناعة الكتاب والترويج له؛ لأنه البوابة الأولى والعتبة المهمة لدخول المتن واكتشافه، بل يذهبون إلى أن الأغلفة المميزة تكون مستفزة، وجماليتها تبث الفضول في القارئ لاكتشاف الكتاب. إن الأغلفة قد تصبح، في بعض الأحيان، كما يقولون، علامة تجارية تميز دار نشر عن أخرى.
ولا شك أن للكتاب، بوصفه نصاً، علاقة بكاتبه الذي يحرص على الصيغة التي سيجري اقتراحه بها على قارئه، ما دام الغلاف عتبة يتداخل فيها الإبداع والسلعة، وفق رأي الكاتب المغربي عبد الكريم جويطي؛ أي «بين ما لا يمكن تقويمه مادياً وما له ثمن في السوق»، مما يعني أن للغلاف «عيناً على النص وعلى السوق». ويتحدث جويطي، في هذا السياق، عن «أشكال لا حصر لها من الأغلفة، تبدأ من الخجول والمتكتم، لتصل إلى المتبرج والصارخ»، قبل أن يشدد على أن «الغلاف شيء مهم جداً»، و«أول تحية يوجهها الكتاب للقارئ»، ولذلك «على هذه التحية أن تكون حارّة ومضيافة».
ونظراً لأهمية أغلفة الكتب، في علاقتها بالإبداع والتسويق، فقد تحوَّل تصميمها إلى تخصص مهم ضمن تخصصات مهن صناعة الكتاب. بشأن الأهمية التي يعطيها الناشرون المغاربة لأغلفة كتبهم لجذب اهتمام القارئ، وكيف ينعكس ذلك على قيمة الإصدار، وإن كان يجري تكليف فنانين معينين للقيام بالمهمة، أم يتم الاكتفاء بلوحات أو رسومات جاهزة، وأحياناً أجنبية عند وضع الغلاف، استقينا رأييْ ناشريْن مغربيين في الموضوع.
- كرماح: الأغلفة علامة تجارية
يرى يوسف كرماح، صاحب دار النشر «أكورا»، بطنجة، أن الغلاف من العتبات المهمة للكتاب، وأنه المحفز الأساس لاكتشاف المتون.
يشير كرماح إلى أن جُلّ دُور النشر تسعى جادة لابتكار أسلوب جديد يميّز أغلفتها، إلى حد أن هذه الأغلفة تصبح، في بعض الأحيان، علامة تجارية تميز دار نشر عن أخرى، من حيث الشكل والتصميم والتنسيق، الشيء الذي يجعل المتلقي يستطيع تمييز أغلفة الدار من رمزها. وكما هو ملاحَظ ولهذه الأسباب، يسعى جُلّ دُور النشر إلى توحيد شكل أغلفتها، لحفظ خصوصية الدار ورمزيتها.
ينطلق كرماح من تجربة «دار أكورا للنشر والتوزيع»، فيقول: «نركز كثيراً على الغلاف؛ لأنه يبقى، شئنا أم أبينا، البوابة الأولى والعتبة المهمة لدخول المتن واكتشافه. الأغلفة المميزة تكون مستفزة، وجماليتها تبث الفضول في القارئ لاكتشاف الكتاب، حتى وإن كان صاحب الكتاب كاتباً لامعاً. هناك كتب تسهم أسماؤها اللامعة في تسويقها، ولكن عندما تكون أغلفتها منفّرة أو ليست بجودة عالية، لا تترك أي خيار للقارئ العادي أو القارئ الذي لم يتعرف بعدُ على هذه الأسماء».

وعن تكليف فنانين لإنجاز أغلفة الكتب، يقول كرماح إنه ليس بالضرورة أن يكون المصمم فناناً، بل يكفي أن يمتلك من ينجز الغلاف الحس الفني، وأن يكون على دراية بالمجال الثقافي لكي يصمم أغلفة تتلاءم مع مضمون الكتاب. ويقول كرماح إن «دار أكورا» تعتمد، في الغالب، على مصمم واحد موظف لدى الدار أو مستقل بذاته، ينجز أغلفة مقابل مقدار مادي حتى يجري الحفاظ على خصوصية الدار الفنية والجمالية والرمزية.
وعن اختيار الغلاف يرى كرماح أن هذا الاختيار يختلف من دار لأخرى، وفق تدابير وخصوصيات كل دار.
وعن تجربة «دار أكورا»، يقول: «نرحب باقتراحات الكُتاب أولاً، إذا كان الكاتب يفضل لوحة معينة لكتابه، فهذا جيد. وإن لم تكن لديه أي فكرة، نترك للمصمم حرية الإبداع ليبتكر لنا أربعة أو خمسة أغلفة متنوعة، ليختار منها الكاتب الغلاف الذي يناسبه، لنناقش تفاصيله، قبل أن نستقر في النهاية على غلاف بإمكانه فرض حضوره في سوق الكتاب».
- عُرابي: الغلاف واجهة
أما عبد القادر عرابي، مدير مؤسسة «آفاق للدراسات والنشر» بمراكش، فيرى أن النشر من الصناعات المكونة من تخصصات مختلفة، بدءاً بالمؤلف أو المترجم، مروراً بالراقن والمصحح أو المراجع، والمصفف الفني، ومصمم الغلاف، وراسم لوحته، أو الخطّاط كاتب عنوان الكتاب إذا كان الأمر يتطلب خطاً يدوياً، ثم المطبعي، ثم الناشر والموزع، والمسوِّق التجاري، والمروِّج الثقافي، والكتبي، وصولاً إلى القارئ، إلى غيرها من الصنائع المختلفة، وهي أشغال وصنائع تتطلب التخصص والمعرفة والدراية.
ويتساءل عُرابي: «هل لدى منشأة النشر المغربية الإمكانيات والكفاءات لجمع هذه الصنائع داخل مقاولاتها لتتمكن من إنتاج كتب تحترم الصناعة؟ وهل هذه المهن قائمة بذاتها منظمة ومستقلة وتختص بعملها؟»، ويجيب بـ«لا».
وفي المجمل، يضيف عُرابي أنه يجري تكليف شخص قد يكون هو مدير المنشأة أو موظفاً بها، بأعمال المصحح والمراجع والمصفف ومصمم الغلاف والموزع ومتابع العمل مع المطبعة وغيرهم. وهذا طبعاً لا يحقق تميزاً للدار الناشرة في سوقها الوطنية، فبالأحرى في الأسواق التنافسية، حيث تقدم الكتب في حُلَل جميلة تعكس مهارة صُناعها.
ويتفق عرابي مع الرأي القائل إن الغلاف واجهة صناعة الكتاب كلها، ورغم ذلك فإن صناعته تعتمد على تقنيين وليس على فنانين أو متخصصين خريجي معاهد فنون، مشيراً إلى أن السبب يعود إلى ندرة هؤلاء وارتفاع متطلباتهم، في حين أن موارد دُور النشر محدودة، وعائدات مبيعاتها ضعيفة، لذلك تنتج كتباً وأغلفة بما هو متوفر.
بدوره يشدد كرماح على أن موضوع الأغلفة يثير أمراً آخر مهمّاً يتعلق بمسألة حقوق الملكية الفكرية؛ ذلك أن ما ينتجه التقنيون أو الفنيون أو الخطاطون أو أصحاب اللوحات المستعملة لا يتقاضون أجوراً أو عائداتٍ محترمة عنه، كما تنتشر القرصنة والقطع واللصق.
«كيف يمكن أن تتطور لدينا صناعة نشر تنتج أعمالاً يتوفر فيها الحد الأدنى من شروط المهنية؟»، يتساءل عرابي، الذي يخلص إلى أن صناعة النشر في العالم العربي ضحية شروط مجتمعية لا تنتج قُراء، كما أنها ضحية سياسات لا ثقافية، وإن كانت لدينا وزارات ومؤسسات مهامُّها إدارة وتدبير الثقافة، ومن الطبيعي أن يكون لهذه الصناعة ضحاياها أيضاً؛ وهم الفنيون والتقنيون الذين تُهدَر حقوقهم.
- سليكي: وجه يحمل ملامح القبول
يعود طارق سليكي، مسؤول دار النشر «سليكي أخوين»، بطنجة، إلى طفولته، فيقول: «منذ الصغر كانت تُردَّد على آذاننا: (لا تحكم على الكتاب أبدًا من غلافه)، لكن في الواقع، تُقدِّم الأغلفة أدلة قيِّمة للقراء المحتملين حول ما قد يجدونه بين دفتي الغلاف».
يرى سليكي أنه غالباً ما يحدث «اقتناء الكتاب من رفوف المكتبات بفضل الأغلفة، فهي تمارس الغواية على القارئ (أو النقر عليها عند التصفح عبر الإنترنت)، وهذه هي الخطوة الأولى التي يتخذها القارئ قبل شراء أي كتاب».
بالنسبة لتجربتهم في دار النشر، يقول سليكي: «قبل البدء في تصميم أي غلاف، نقوم بدراسة الغلاف لتصميمه اعتباراً من مجموعة من المقاييس التي يمكن تحديدها»، والتي تتمثل في «جمع العناصر المهمة والملهمة لتصميم غلاف الكتاب، وتحديد الخطوط العريضة للموضوعات الرئيسية للكتاب» و«النظر في النوع الأدبي للكتاب» و«احترام التسلسل الهرمي لعناصر الغلاف» و«التخلص من الفوضى» و«التفكير في الغلاف عندما يتم تصغيره في الكتالوغات أو الدعايات» و«اختيار الخطوط والألوان المناسبة» و«جعل العنوان بارزاً» و«الاهتمام كذلك بكعب الكتاب والغلاف الرابع».
يعتقد سليكي أن «الغلاف لا يقل أهمية عن الكتاب نفسه»؛ فهو «الوجه الذي يحمل ملامح القبول»، قبل أن يستدرك بضرورة الاهتمام بشكل كبير بالكتاب من الداخل، إخراجاً وخطّاً ومسافة وهوامش، ما دام الأمر أنه إذا كان الغلاف ذا أهمية، فالعلاقة تكون أقوى وأطول مع صفحات الكتاب.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر: محاكمة عاجلة للمتهم بالتعدي على «فرد أمن التجمع»

صورة نشرتها الداخلية المصرية للمتهم بعد توقيفه - (حساب الداخلية على فيسبوك)
صورة نشرتها الداخلية المصرية للمتهم بعد توقيفه - (حساب الداخلية على فيسبوك)
TT

مصر: محاكمة عاجلة للمتهم بالتعدي على «فرد أمن التجمع»

صورة نشرتها الداخلية المصرية للمتهم بعد توقيفه - (حساب الداخلية على فيسبوك)
صورة نشرتها الداخلية المصرية للمتهم بعد توقيفه - (حساب الداخلية على فيسبوك)

أمرت النيابة العامة المصرية بإحالة رجل أعمال متهم بالتعدي على فرد أمن بأحد المجمعات السكنية وإتلاف جهاز اتصال لاسلكي للمحاكمة الجنائية العاجلة.

وضبطت وزارة الداخلية صاحب أحد المصانع والمقيم بتجمع سكني في التجمع الخامس (شرق القاهرة)، بعد وقت قصير من تداول مقطع فيديو يظهر فيه وهو يقوم بالتعدي على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسب، وانتشر الفيديو على نطاق واسع.

وفجَّر مقطع الفيديو غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتصدرت كلمة «فرد أمن» قوائم البحث على «إكس» بمصر، وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل «نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ».

وبحسب بيان النيابة الصادر (الأحد) فإن التحقيقات بدأت بعد تلقي بلاغٍ يفيد بتضرر فرد أمن بأحد المجمعات السكنية من قيام مالك إحدى الوحدات السكنية بالتعدي عليه بالسب والضرب حال مباشرته مهام عمله، وإتلاف جهاز الاتصال اللاسلكي عهدته، مما أسفر عن إصابته.

واستمعت النيابة، بحسب بيانها، إلى «أقوال المجني عليه، الذي قرر أنه على إثر خلافات سابقة تتعلق بطبيعة عمله، تعدى عليه المتهم بالضرب، محدثاً إصاباته المتمثلة في سحجات وكدمات بالكتف الأيمن ومقدمة الرأس وأسفل العين اليمنى، وذلك على النحو الثابت بالتقرير الطبي. كما أيَّد أقواله عدد من أفراد الأمن وشهود الواقعة».

وباستجواب المتهم، أقرَّ بارتكابه الواقعة «على إثر خلافات سابقة بينه وبين المجني عليه، فأسندت إليه النيابة العامة اتهامات استعراض القوة والتلويح بالعنف، والضرب، والإتلاف، والسب والقذف، مع استمراره حبسه احتياطياً وإحالته للمحاكمة».

وقال المحامي المصري محمد رضا لـ«الشرق الأوسط» إن الاتهامات التي يواجهها المتهم تصل عقوبتها إلى 5 سنوات مع تعدد الاتهامات الواردة في قرار الإحالة، مشيراً إلى أن تفاصيل التقرير الطبي ومدة العلاج التي يستلزمها المعتدى عليه ستلعب دوراً في تحديد العقوبة التي ستصدرها المحكمة.

وأضاف أن المتهم سيظل محبوساً على ذمة القضية، وسيتم احتساب فترة حبسه من مدة العقوبة الموقعة عليه ما لم تقرر المحكمة الإفراج عنه مؤقتاً، وهو أمر يكون خاضعاً للدائرة التي تنظر القضية، مشيراً إلى أن التصالح لن يوقف إجراءات المحاكمة للمتهم أو يبرئه ولكن قد يخفف العقوبة.

وأوضح أن «التصالح يكون في الشق الخاص بالمجني عليه وهو فرد الأمن، أما الشق الذي لا يجوز فيه التصالح فهو مرتبط بحق المجتمع والمتمثل في قرار الإحالة بتوجيه اتهام باستعراض القوة والتلويح بالعنف».


توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
TT

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس»، الذي حصد المركز الثاني في تصويت الجمهور لأفضل «فيلم وثائقي» بمهرجان «برلين السينمائي الدولي»، بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي، بل رحلة شخصية بدأت منذ اللحظة التي خرج فيها من السجن؛ تلك اللحظة التي ظنّ فيها أن الحكاية انتهت، ليكتشف أن الحكاية الحقيقية لم تبدأ بعد، ففكرة الفيلم، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، وُلدت من شعور داخلي ملحّ بالرغبة في البوح وتحويل التجربة من جرح صامت إلى شهادة حيّة.

منذ خروجه، كان يفكر في طريقة يروي بها ما يحدث داخل السجون السورية، لكنه لم يشأ أن يكون فيلمه مجرد استعراض للعذابات؛ فالألم حاضر، وثقيل، ولا يحتاج إلى مزيد من الإثبات، ما كان يشغله أكثر تلك المساحات الخفية التي لا يراها أحد: لحظات التضامن، ونوبات الضحك الخاطفة، والحكايات التي كان المعتقلون يخترعونها كي ينجوا بأرواحهم... كان يريد أن يتحدث عن المقاومة بمعناها الإنساني؛ عن الحب في قلب القسوة، عن الأمان الذي يُصنع من لا شيء.

الفيلم عُرض لأول مرة في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

بدأ المخرج السوري المقيم في بلجيكا منذ سنوات العمل فعلياً على فيلمه الحاصل على تمويل من «البحر الأحمر» عام 2022، عبر خطة تستهدف أن يُصوَّر الفيلم في استوديو ببلجيكا، عبر بناء ديكورات تحاكي الزنازين والممرات، لكن التحضيرات انقلبت رأساً على عقب مع سقوط النظام السوري، فوجد صابوني نفسه أمام خيار لم يكن في الحسبان؛ العودة إلى المكان الحقيقي.

لم يكن القرار سهلاً كما يصفه، لكنه شعر بأن اللحظة تاريخية، وأن التصوير داخل سجن «صيدنايا» نفسه سيمنح الفيلم صدقاً لا يمكن اصطناعه، وفي البداية كان قد اختار شخصيات تعيش في أوروبا، وبدأ العمل معها بالفعل، غير أن ظروف اللجوء حالت دون عودتهم إلى سوريا بعد سقوط نظام الأسد.

اضطر توفيق صابوني إلى البحث من جديد، أجرى لقاءات مطولة مع نحو 25 معتقلاً سابقاً، يستمع إلى حكاياتهم، لا ليبحث عن الأشد مأساوية، بل عن الأكبر قدرة على الحكي... لم يكن يريد نسخاً متشابهة من الألم، بل شخصيات متباينة في طباعها وحضورها؛ مَن يتكلم بهدوء، مَن ينفعل... مَن يتردد قبل أن يفتح ذاكرته، في النهاية استقر على 4، شكّلوا العمود الفقري للفيلم، لكل منهم طريقته في استعادة الماضي.

العودة إلى السجن كانت أصعب اختبار، يصف صابوني اللحظة الأولى لدخوله المكان بصفته شخصاً حراً بأنها مواجهة مباشرة مع ذاته؛ الجدران نفسها، الرائحة نفسها، الممرات الضيقة التي حفظ تفاصيلها عن ظهر قلب... في البداية طغى الشعور بالرهبة، ثم بدأ يتحول تدريجاً إلى إحساس مختلف أقرب إلى الانتصار الشخصي.

وثق الفيلم جانباً من معاناة السجناء (إدارة المهرجان)

لم يكن، كما يؤكد، انتصاراً على نظام أو على سلطة، بل على المكان ذاته، على الذكرى التي حاولت أن تكسره... أن يعود إليه واقفاً، بكاميرا، وبفريق عمل، كان الأمر بالنسبة إليه استعادة لكرامته المسلوبة، فخلال التصوير، لم تكن الصعوبة في إعادة تمثيل التفاصيل القاسية بقدر ما كانت في حماية الحالة النفسية للمشاركين.

الحديث عمّن رحلوا؛ عن الذين ماتوا تحت التعذيب أو اختفوا، كان يفتح أبواباً مؤلمة، فكان عليه أن يوازن بين حاجته إلى الصدق، وواجبه في عدم الدفع بهم إلى إعادة عيش الصدمة كاملة؛ لذا تحوّل موقع التصوير إلى مساحة إنصات طويلة، وإلى عملية شفاء جماعية أكثر من أنه عمل فني، كما يصفه.

أما مسألة التمويل، فكانت رحلة أخرى من الصبر. يؤكد توفيق صابوني أن جمع الميزانية استغرق أكثر من عامين، ففي كل مرحلة تمويل كان عليه أن يعيد كتابة المعالجة، وأن يشرح رؤيته من جديد، ولم يكن من السهل إقناع جهات الإنتاج بفيلم يدور في سجن، ويعتمد على الذاكرة وإعادة التمثيل، لكن إصراره على أن الحكاية تستحق أن تُروى هو ما أبقى المشروع حياً حتى نهاية 2024، حين اكتمل التمويل وبدأ التصوير فعلياً، ليخرج الفيلم بإنتاج بلجيكي - فرنسي - سعودي.

الملصق الترويجي للفيلم (إدارة مهرجان برلين)

خلال العمل تراكمت المواد المصورة حتى تجاوزت 100 ساعة، كان بإمكانه أن يصنع أجزاء عدة، أو سلسلة كاملة، فالمادة غنية والقصص كثيرة، لكنه، كما يؤكد، اختار أن يكون الفيلم شهادة واحدة، مكثفة، أشبه بوثيقة لا تتكرر، فبالنسبة إليه، هذه الحكاية تُروى مرة واحدة، بهذا الشكل، وبهذا الصدق.

الفيلم صادم دون شك، وفق مخرجه الذي يشير إلى أنه لم يرد أن يكون صدمة متواصلة، ففي غرفة المونتاج، سعى إلى إيجاد توازن دقيق بين مشاهد العنف وقصص الأمل، وكان يدرك أن المشاهد لا يستطيع تحمّل 90 دقيقة من الألم الخالص، لذلك؛ أفسح المجال للحظات الضوء... حكايات عن الخيال الذي كان يحميهم؛ عن الأغاني التي كانوا يهمسون بها، وعن الأحلام الصغيرة التي أبقتهم أحياء... هذا التوازن، كما يراه، هو ما منح الفيلم قدرته على الاستمرار في ذهن المتفرج.


«معركة خاسرة»... اقتحامات قردة البابون تفاقم الصراع بين السكان والحياة البرية في كيب تاون

لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات
لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات
TT

«معركة خاسرة»... اقتحامات قردة البابون تفاقم الصراع بين السكان والحياة البرية في كيب تاون

لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات
لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات

على تخوم حي «دا غاما بارك»، حيث تلتقي ضواحي كيب تاون بسفح جبلها المهيب، كانت قردة البابون تتحرك بخفة وجرأة؛ تقفز من الأسفلت إلى جدران الحدائق، ثم تعلو أسطح المنازل قبل أن تنسحب بخفة العارف بمسالك المكان. وفي الطريق الضيق، كان أبناء عائلات البحرية الجنوب أفريقية، المقيمون في منازل متواضعة، يلعبون بين ضحكات متقطعة ونظرات حذرة؛ فمنهم من يبتسم للمشهد كأنه عرض عابر، ومنهم من يلتفت بقلق مكتوم، بينما يواصل معظمهم اللعب غير عابئين، وكأن الألفة مع الخطر أصبحت جزءاً من الحياة اليومية.

وعلى بُعد أميال، حيث تمتد الرؤية نحو قمة شامخة وخليج فسيح، كانت نيكولا دي شود تستعرض صوراً لمطبخها بعدما بعثرت القردة محتوياته إثر اقتحام مفاجئ. وفي حادثة أخرى، ألقى أحد القردة بكلبها عبر الشرفة. ثم جاء يناير (كانون الثاني)، فاندفع ذكر من البابون إلى داخل منزلها بجرأة صادمة، رافضاً المغادرة لمدة عشر دقائق بدت كأنها دهر طويل.

تقول دي شود (61 عاماً)، وهي صانعة أفلام وثائقية انتقلت قبل 5 سنوات من جوهانسبرغ إلى «سايمونز تاون»: «لقد أصبح الأمر بالغ الصعوبة، ومؤلماً نفسياً بالفعل».

لكن قردة البابون في كيب تاون، وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية، لم تشعل نزاعاً مع البشر فحسب، بل عمّقت الخلاف بينهم أيضاً، مع تصاعد الجدل حول إمكانية التعايش بين الطرفين أو ضرورة إبعاد القردة عن المناطق السكنية بالكامل.

وخلال احتجاج عام 2024 ضد دخول القردة إلى مجتمع «كوميتجي»، انتهت مواجهة بين مؤيدين ومعارضين لوجودها باستخدام رذاذ الفلفل ضد أحد الأشخاص وأحد القردة.

ووصفت «خطة العمل لإدارة بابون الكيب لعام 2025» الوضع بأنه «مشكلة معقدة مستعصية»، مشيرة إلى أنه «لا يوجد حل واحد يمكن أن يرضي جميع الأطراف أو ينهي النزاع بصورة نهائية».

تغطي جبال المدينة مساحة تمتد إلى نحو 25 ألف هكتار ضمن متنزه جبل الطاولة الوطني، إلا أن المتنزه مجزأ. وتميل قردة «الشاكما» إلى البحث عن الغذاء في الأراضي المنخفضة، وهي مساحات اقتطعت المدينة جزءاً كبيراً منها مع نمو عدد السكان بنسبة 65 في المائة، ليبلغ 4.8 مليون نسمة بين عامي 2001 و2022.

قرد البابون يقفز بخفة من الأسفلت إلى جدران الحدائق (لقطة من فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي)

وحسب بيانات الخطة، ارتفع عدد القردة، التي لا تواجه مفترسات طبيعية في شبه جزيرة الكيب، بوتيرة مماثلة؛ من نحو 360 قرداً في عشرة قطعان مطلع القرن، إلى أكثر من 600 في 17 قطيعاً عام 2024.

ومع اعتياد كثير من القطعان على البحث عن طعام بشري عالي السعرات، ازداد عدد القردة التي تُقتل بالرصاص، أو تدهسها السيارات، أو تنهشها الكلاب، أو تتعرض للصعق الكهربائي. ففي عام 2013، سُجلت وفاة 4 قردة لأسباب مرتبطة بالبشر، وفق الإحصاء الرسمي السنوي، في حين بلغ العدد 33 في عام 2024.

ويرى نشطاء حقوق الحيوان أن على السكان تحمّل مسؤولية التعايش، عبر إحكام إغلاق حاويات القمامة، وتأمين الأبواب والنوافذ، وتدريب الكلاب على عدم مهاجمة القردة.

وتطالب ليندا سيلك، وهي معالجة وناشطة تعمل على توعية الناس بكيفية العيش إلى جانب الطبيعة، بمزيد من المساءلة، قائلة: «لم تُسجَّل أي إدانة ناجحة بحق شخص أطلق النار على قرد بابون».

في المقابل، يرى توم كوهين، وهو صحافي أميركي تقاعد في كيب تاون عام 2019، أن التعايش الحضري السلمي أمر مستحيل. ووصف القطيعين اللذين يترددان على «سايمونز تاون» بأنهما «اعتادا كلياً على الغذاء البشري والمستوطنات من أجل البقاء»، مضيفاً: «لم يعودا قردة برية».

ورغم جهوده لتحصين منزله، تمكنت قردة في فبراير (شباط) 2025 من تحطيم نافذة الحمام والدخول، فكسرت جهاز الميكروويف وتركت فضلاتها خلفها. ويقول: «رائحة القردة تبقى عالقة، أؤكد لك ذلك».

وكانت مستويات الحكومة الثلاثة قد وافقت على إقامة أسوار لإبعاد القردة عن بعض المناطق، وتطبيق لائحة جديدة تعتمد سياسة «صفر تسامح» تجاه إيذاء الرئيسيات.

وفي «سايمونز تاون»، عُدَّ بناء سياج أمراً غير عملي بسبب طبيعة التضاريس، لذلك اقترحت السلطات نقل القطيعين إلى محمية في وقت لاحق من هذا العام، مع إبقاء القتل الرحيم، الذي يرفضه نشطاء حقوق الحيوان، خياراً أخيراً.

غير أن الخطة برمتها تواجه الآن طعناً قانونياً؛ إذ يعترض كثير من النشطاء على فكرة المحمية، ويفضل بعضهم الاستمرار بالاعتماد على الحراس الذين يطلقون كرات الطلاء قرب القردة لإخافتها وإبعادها عن المنازل، وهي مهمة تولتها منذ مارس (آذار) 2025 منظمة «شراكة بابون الكيب» غير الربحية.

وتقول ساندي ماكدونالد (54 عاماً)، التي تقود منظمة «حفظ مدني لشبه جزيرة الكيب» مع ليندا سيلك: «ما يقلقنا أن قرار نقلها إلى محمية، بل وحتى إعدامها، اتُّخذ قبل استقرار الإدارة الجديدة لحراس البابون». وتضيف أن دخول القردة إلى معظم تلك المناطق «تراجع بشكل ملحوظ».

أما نيرين دورمان (47 عاماً)، المقيمة في «ويلكوم غلين»، فترفض فكرة المحمية بشدة، قائلة: «الأجدى أن تُعدم بدلاً من حبسها في أسر دائم».

غير أن جوسلين مورميل، العالمة في «شراكة بابون الكيب» التي درست قردة جنوب أفريقيا لمدة 15 عاماً، ترى أن الحراس وحدهم لا يمكنهم حل المشكلة في «سايمونز تاون». وتقول: «إنها معركة خاسرة نخوضها يومياً لإرضاء القردة والناس هناك».

وخلال أطروحة الدكتوراه، درست مورميل قرية «روي - إلس»، الواقعة على بُعد نحو 32 كيلومتراً جنوب كيب تاون، حيث اختار السكان نهج التعايش. لكنها وجدت أن معدلات نفوق القردة بقيت أعلى من نظيرتها في البرية، مع مقتل 11 صغيراً دهساً خلال 4 سنوات. وتقول: «لا يمكنني أبداً الترويج لفكرة تقاسم المساحة».

من جهته، حمّل جاستن أورايين، أستاذ في جامعة كيب تاون، نشطاء الرفق بالحيوان جانباً من مسؤولية النزاع بين الإنسان والحياة البرية، مشيراً إلى طعون قانونية أسهمت، حسب رأيه، في عرقلة قرارات إدارية مهمة تتعلق بإدارة القردة، ما أدى في نهاية المطاف إلى تشكّل أحد القطيعين في «سايمونز تاون».

وقال: «لا توجد مساءلة لأولئك الذين ينتقدون أساليب إدارة البابون من دون تقديم بديل عملي قابل للتنفيذ».