الحلقة الأولى: بومبيو يروي تفاصيل تصفية سليماني... ويعد نظام طهران «إرهابياً»

«القتال من أجل أميركا» يتضمن تفاصيل مثيرة عن رحلة سريّة إلى كوريا الشمالية والعلاقة مع «الموساد»

السيارة التي كان يستقلها سليماني مشتعلة بعد استهدافها بصواريخ أميركية قبل عامين (أ.ف.ب)
السيارة التي كان يستقلها سليماني مشتعلة بعد استهدافها بصواريخ أميركية قبل عامين (أ.ف.ب)
TT

الحلقة الأولى: بومبيو يروي تفاصيل تصفية سليماني... ويعد نظام طهران «إرهابياً»

السيارة التي كان يستقلها سليماني مشتعلة بعد استهدافها بصواريخ أميركية قبل عامين (أ.ف.ب)
السيارة التي كان يستقلها سليماني مشتعلة بعد استهدافها بصواريخ أميركية قبل عامين (أ.ف.ب)


تفاصيل مثيرة للغاية وضعها وزير الخارجية الأميركي سابقاً مايك بومبيو، في كتاب مذكراته «لا تعطِ أي بوصة، القتال من أجل أميركا التي أحب»، ليس فقط في روايته الأحداث وكيف رآها بعيني كبير الدبلوماسيين الأميركيين خلال عهد الرئيس السابق دونالد ترمب، بل أيضاً بنظرة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، باعتبارها جهاز التجسس التابع لأقوى دولة في العالم: الولايات المتحدة. كشف بومبيو جوانب من بعض التحديات الهائلة التي واجهها وهو يرتقي سلم المراتب والمناصب في عمله عبر الإدارات الأميركية، كاشفاً أن الهجوم الذي استهدف مقر وحدات مشاة البحرية الأميركيين (المارينز)، في بيروت منتصف الثمانينات من القرن الماضي «ترك أثراً عميقاً» لا يمّحي من ذاكرته. كاد يقول إن وعيه حيال إيران وأدواتها من «حزب الله» و«الجهاد الإسلامي» وغيرهما، تشكل في تلك اللحظة. وأكد أنه أدرك في وقت مبكر، أن «النظام الإيراني مجرد تنظيم إرهابي» تجلبب بعباءة واتخذ هيئة «دولة بما فيها من مكونات». لكن وصوله إلى المراتب العليا كشف له أيضاً أن النخب الحاكمة في الولايات المتحدة، بما في ذلك ترمب نفسه، لم يكن في واردهم إطاحة النظام و«قطع رأسه»، على الرغم من القرار الاستثنائي الذي قاده إلى قرار القضاء على قائد «فيلق القدس» لدى «الحرس الثوري» الجنرال قاسم سليماني، رداً على استمراره في استهداف مصالح الولايات المتحدة. وهو خلص إلى أن المقر الرئيسي لتنظيم «القاعدة» في طهران، و«ليس في تورا بورا بأفغانستان، أو باكستان، أو العراق أو سوريا».
على الرغم من أن بومبيو كشف بعض أسرار الاجتماعات التي رسمت خلالها خيارات السياسات الأميركية في عهد ترمب، والجهود الكبيرة التي بذلت لإصلاح ما أفسدته إدارة الرئيس السابق باراك أوباما ونائبه آنذاك الرئيس الحالي جو بايدن، فإن بومبيو بدا حذراً في تجاوز ما يمكن اعتباره «خطوطاً حمراء» في عالمي الدبلوماسية والجاسوسية. ولم يتردد في عرضه الشيق لرحلته السريّة الأولى إلى كوريا الشمالية، واجتماعه مع زعيمها كيم جونغ أون، في محاولة لإحداث اختراق في الجهود للتخلص من ترسانته للأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل.

بشار الأسد (أ.ف.ب)

«مهمة سريّة»
تتألف مذكرات بومبيو من 17 فصلاً في 438 صفحة، ويستهلها برواية عن «مهمة سريّة» قام بها يوم الجمعة العظيمة 30 مارس (آذار) 2018، أوصلته كمدير لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) إلى بيونغ يانغ؛ «أحد أكثر الأمكنة ظلاماً» على الأرض، للاجتماع مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون؛ «أحد أكثر سكانها قتامة»، موضحاً أن غايته كانت تتمثل في «تصحيح جهود الماضي الفاشلة التي لم تُزِل» الأسلحة النووية والدمار الشامل لدى كوريا الشمالية النووية، مما «قاد حقيقة إلى التهديد الكبير الحالي». وكشف أن «ترمب أبلغني أنه مستعد للقيام بمجازفات، وأنا كمدير لـ(سي آي إيه)، كنت مستعداً للقيام بذلك أيضاً». وذكر أنه عندما دخلت طائرته الأجواء الكورية الشمالية، رافقتها طائرات حربية معادية، مشيراً إلى أنه «في العادة، يشير هذا العمل إلى عدوانية، وربما إلى هجوم وشيك. غير أن طاقمنا وأنا، كنا على ثقة بأن ذلك مجرد وعيد كوري شمالي نموذجي». ووصف اسم «جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية»؛ أي الاسم الرسمي لكوريا الشمالية، بأنه «كذبة»، لأنها «ليست ديمقراطية، وليست جمهورية، وهي بالتأكيد لا تخدم مصالح شعبها»، مضيفاً أنه عند الوصول إلى مطار بيونغ يانغ، تبلغ الوفد بأن حراس بومبيو لا يمكنهم أن يأخذوا أسلحتهم إلى وسط المدينة. وعندما نزل بومبيو من الطائرة، كان عند أسفل السلم «أحد أبغض الرجال الذين التقيتهم»؛ الجنرال المتقاعد كيم يونغ تشول، الذي يخدم نائباً لرئيس حزب العمال الكوري، الاسم الرسمي للحزب الشيوعي الكوري الشمالي.

قاسم سليماني (أ.ف.ب)

«أكلنا العشب 50 عاماً»
عوض أن يصافح ضيفه أو يرحب به، قال تشول: «أكلنا العشب في الأعوام الـ50 الأخيرة. يمكننا أن نأكل العشب في الأعوام الـ50 المقبلة». وقال بومبيو: «بالطبع، لم يكن تشول يأكل العشب. كغيره من جميع أفراد النخبة الكورية الشمالية المصابين بهوس السرقة، كان يحتسي أفخر الكحول ويولم على لحم الوانغيو البقري. أكل العشب كان للناس العاديين»، مضيفاً أنه اتخذ «مجازفة محسوبة»، وأجاب: «جنرال تشول، جميل أني أراك أيضاً. أتطلع بشغف إلى الغداء. وأفضل عشبي مطبوخاً على البخار». ثم عرض لتفاصيل الزيارة وشروطها الأميركية، ومنها رفض أي «حيلة» أو «بروباغندا» كورية شمالية، بما في ذلك عبر المطار والطريق إلى مكتب الزعيم كيم جونغ أون في بيونغ يانغ، مضيفاً أن شقيقته كيم يو جونغ التي رافقت بومبيو وفريقه عبر أبواب عملاقة وسقوف عالية، وصولاً إلى مكتب كيم الذي «كان واقفاً عند نهاية سجادة حمراء طويلة، مرتدياً بدلة (الزعيم الصيني التاريخي) ماو (تسي دونغ) السوداء النموذجية أمام جدار برتقالي لامع». وشرح أن «أسوأ ديكتاتور في العالم استقبلني بابتسامة». ونقل عن كيم قوله: «حضرة المدير، لم أعتقد أنك ستأتي. أعرف أنك كنت تحاول قتلي». ورد بومبيو مازحاً: «حضرة الرئيس، لا أزال أحاول قتلك».
كانت هذه مجرد افتتاحية للفصل الأول في كتاب بومبيو، الذي «غاص» في عرض مسهب للسياسات الخارجية الأميركية قبل عهد ترمب، منتقداً خصوصاً أوباما ونائبه آنذاك بايدن. ثم عرض لانتقاله من الكونغرس إلى «سي آي إيه»، وما رافق ذلك من «مطبات» السياسات الداخلية والخارجية الأميركية، بما في ذلك انتفاضات الربيع العربي، وصولاً إلى قرار الرئيس ترمب ونائبه بنس، تعيينه أولاً مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية، ثم وزيراً للخارجية.

ترمب وكيم عند الخط الفاصل بين الكوريتين في يونيو 2019 (أ. ب)

مشكلة الشرق الأوسط
في محطة لاحقة، كتب بومبيو أن «الديكتاتور السوري بشار الأسد المدعوم من إيران دعا روسيا إلى الحارة (العربية) واستخدم الأسلحة الكيميائية ضد شعبه، وأوباما وجه رسالة سيئة لأخصام أميركا بتراجعه بضعف عن الخط الأحمر الذي وضعه هناك»، مضيفاً أن لبنان تردى بعدما «طور حزب الله، وهو ميليشيا تابعة لإيران، ووضع الآلاف من الصواريخ الموجهة بدقة على الحدود الشمالية لإسرائيل». وقال إن «الدول الخليجية، بينما كانت تحاول التوازن علانية، كانت أيضاً خائفة من الدعم الأميركي لإيران»، ملاحظاً أن «ثقتهم بالولايات المتحدة انحدرت إلى أدنى مستوياتها» بسبب ذلك.
وكشف أن استراتيجيته للشرق الأوسط «استندت إلى أعمدة رئيسية قليلة: بناء سياسات تعكس حقيقة رئيسية: إيران هي أكبر صانع مشاكل في الشرق الأوسط؛ استعادة العلاقة مع إسرائيل؛ وإنشاء شراكة أمنية خليجية إسرائيلية جديدة». وأكد أن «المهمة الشرق الأوسطية، التي استوجبت عنايتنا الفورية، هي إلحاق هزيمة مميتة بخلافة دولة (داعش) في العراق وسوريا». وأوضح أنه بموازاة وضع الخطط العسكرية للقتال ضد الإرهاب، «اتخذنا خطوات أولى للابتعاد عن سياسة أوباما - بايدن للمحاباة الفاشلة ومواجهة النظام الإيراني». وأكد أن «المهمة رقم واحد لي كمدير لوكالة الاستخبارات المركزية هي التأكد من أن لدينا الأدوات التي نحتاج إليها لمواجهة (المرشد الإيراني علي خامنئي) وأتباعه»، مضيفاً أنه «فيما أعلن الرئيس ترمب أن تغيير النظام ليس مهمتنا، وأنا اتبعت هذا التوجيه، كنت أعرف أن وضع ضغط على النظام سيرفع بشكل كبير إمكانية انهياره». وكشف أن مهمته هذه «تظللت بخلاف في الإدارة»، إذ إن ترمب وعد في حملته الانتخابية بترك الاتفاق النووي، المعروف رسمياً باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، والذي عقده الرئيس أوباما مع إيران عام 2015 آسفاً، «لأننا لم نتراجع عن هذا الفشل بالسرعة المبتغاة». وأكد أن «فريق الرئيس للأمن القومي بكامله - وزير الدفاع جيم ماتيس ووزير الخارجية ريكس تيليرسون ومستشار الأمن القومي هـ. ماكماستر - اعتقدوا أن البقاء هو الخيار الصحيح»، لأن الانسحاب من الاتفاق «خطر للغاية، ويمكن أن يقودنا إلى حرب»، لافتاً إلى أنه كمدير لوكالة الاستخبارات المركزية «بدا له ذلك تماماً» مثل تفكير وزير الخارجية السابق جون كيري ومدير «سي آي إيه» سابقاً جون برينان وبايدن. واعتبر أن «الخطوة الأولى لمواجهة التهديد النووي من إيران عدم الاستماع إلى المحللين المؤيدين بشدة للاتفاق النووي (…) وإنشاء مركز مهمة الجمهورية الإيرانية» كفريق دعم ضد «الحرس الثوري» الإيراني، وهو «وحدة نخبة عسكرية»، ولكنها أيضاً «مافيا محلية في وحشيتها وسيطرتها الفاسدة على الاقتصاد الإيراني»، كاشفاً أنه وضع عميلاً اسمه «مايك» على رأس فريق الدعم الذي «زود بمشغلين مخضرمين عملوا على أهداف صعبة في العراق وأفغانستان وروسيا».
أما «الخطوة الثانية في مواجهة إيران»، فتمثلت بـ«بناء شراكات دولية»، مضيفاً أن «لا علاقة كانت أكثر حرجاً كالتي كانت لدى أميركا، ويجب أن تستمر مع إسرائيل والموساد». وإذ أشاد برئيس جهاز المخابرات الإسرائيلي آنذاك، يوسي كوهين، قال: «بخلاف وضعي، هو جاسوس حقيقي، بوظيفة لها قصة بدأت في الثمانينات» من القرن الماضي، واصفاً إياه بأنه «لا يخاف، مبتكر، وجذاب»، يعتقد أن «إيران هي المشكلة»، علماً بأن «سي آي إيه» كانت تعتبر أن «إيران مشكلة» من كثير من المشاكل. وأشار إلى أنهما اجتمعا للمرة الأولى في فبراير (شباط) 2017 بفندق الملك داود بالقدس خلال رحلته الدولية الأولى مديراً لوكالة الاستخبارات، مؤكداً أنهما اتفقا على أن «عملنا المشترك لسحق إيران يجب أن يتكامل 100 في المائة»، فضلاً عن بناء علاقة وثيقة للغاية عائلياً ودينياً.

هجوم بيروت
وروى بومبيو في كتابه، أنه وجد الرئيس ترمب محقاً تماماً في قوله إن «العالم مكان لئيم وسيئ»، مستذكراً كم تأثر يوم الأحد 23 أكتوبر (تشرين الأول) 1983، حين كان في الكلية العسكرية الأميركية، بخبر عن «هجوم إرهابي قتل وجرح المئات من مشاة البحرية الأميركيين في ثكناتهم ببيروت». وتساءل يومها: «من يفعل ذلك بجنود أميركيين؟ ما دافعهم؟»، إلى أسئلة أخرى، مضيفاً: «علمنا سريعاً أن تجسيداً مبكراً لتنظيم حزب الله الإرهابي المدعوم من إيران نفذ التفجير»، الذي قُتل فيه 241 من العسكريين الأميركيين وجُرح 128 آخرون. وقال: «لم أنسَ قط تلك اللحظة عندما قتل فيها الإيرانيون عناصر الجيش الأميركي». وبالإضافة إلى ذلك، ذكر بالثورة الإسلامية الإيرانية التي قادها المرشد الأول آية الله الخميني عام 1979، ثم مهاجمة السفارة الأميركية بطهران واحتجاز العاملين فيها رهائن لمدة 444 يوماً، موضحاً أن «النظام الإيراني اليوم هو القوة خلف شبكة جماعات إرهابية تقاتل لإنشاء (الهلال الشيعي) لأراضٍ (…) تمتد من إيران إلى العراق ولبنان وسوريا واليمن». ولفت إلى وقوف إيران وراء هجوم أبراج الخبر في المملكة العربية السعودية عام 1996، حين سقط 19 من سلاح الجو الأميركي قتلى. ورأى أن «النظام الإيراني الشيعي أنشأ قضية مشتركة مع تنظيم القاعدة السني. انسَ ما تفكر به حول الخصام السني - الشيعي الذي يحول دون تعاونهما»، مكرراً أن «طهران هي اليوم القاعدة الرئيسية لقيادة القاعدة الرفيعة». وقال: «المقر الرئيسي العملاني لـ(القاعدة) ليس في تورا بورا بأفغانستان، أو في باكستان. ليس في سوريا أو العراق. إنه في عاصمة إيران»، متهماً «النظام الإيراني بأنه في الواقع جماعة إرهابية. ولكن بخلاف غالبية الجماعات الإرهابية، يمتلك النظام - بحماية الحرس الثوري - كل أدوات فن الحكم: حدوداً معترفاً بها دولياً، ودبلوماسيين في الأمم المتحدة، وعملة إلزامية، وتحكماً تاماً بحقول نفط هائلة، ومصارف، وقطاعات أخرى في الاقتصاد الإيراني».

«ما أفسده أوباما»
وكتب وزير الخارجية السابق كيف سعى ترمب إلى إصلاح «ما أفسده أوباما»، مكرراً مساوئ الاتفاق النووي بشكل خاص ودعم إيران لجماعات مثل «حزب الله» في لبنان و«حماس» و«الجهاد الإسلامي» في الأراضي الفلسطينية والحوثيين في اليمن، قائلاً إن «العقل المدبر لهذا المشروع الشرير هو قائد في الحرس الثوري اسمه قاسم سليماني، الذي صار محور التركيز في جهودنا الحازمة لإحباط أجندة إيران». وشكلت هذه الرؤية محور الفصل السادس من مذكرات بومبيو الذي كشف أنه كتب يوماً رسالة لسليماني قال فيها: «إننا سنحاسبه ونحاسب إيران على أي هجمات ضد المصالح الأميركية في العراق من القوى التي تحت سيطرته»، مؤكداً أن ذلك كان مؤشراً إلى «تغيير هائل» في سياسة الإدارة الأميركية، التي كانت قبل ترمب متساهلة للغاية مع سقوط ضحايا أميركيين في الهجمات التي تشنها جماعات مدعومة من إيران، مضيفاً أن سليماني لم يرد قط على رسالته. ولكن «بعد سنتين، في 29 ديسمبر (كانون الأول) 2019. كنت جالساً مع الرئيس ترمب بمنزله الفخم في فلوريدا، مارالاغو، وهذه المرة كوزير للخارجية. وكان بجانبي وزير الدفاع ورئيس الأركان المشتركة. كنا هناك في عمل خطير: سيدي الرئيس، لدينا توصية لك - الهدف هو الجنرال قاسم سليماني». وأضاف: «في غضون أيام قليلة فحسب، سيشعر سليماني والإيرانيون بالأثر الكامل لرفضنا محاباة شرهم. بدلاً من ذلك، سيلقون طعم الهجوم الأميركي». وشرح أنه «رغم المكانة الضئيلة لسليماني، زرع الخوف الحقيقي في قلوب زعماء الشرق الأوسط»، مضيفاً أنه «متصلب بكونه رأس حربة عقود من العمل العسكري الإيراني في العراق ولبنان وسوريا، قاد سليماني منذ عام 1998 وحدة قوة القدس الإجرامية»، التي تعد «السبب الرئيسي لماذا بلدان مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن في حال فوضوية اليوم». وحمل سليماني المسؤولية عن مقتل 600 من الجنود الأميركيين خلال حرب العراق. وكشف أنه ذهب إلى بغداد يوماً واجتمع مع رئيس الوزراء آنذاك حيدر العبادي لإقناعه بعدم الحصول على موارد الطاقة من إيران، فقال العبادي لبومبيو: «حضرة المدير، حين تغادر، سيأتي قاسم سليماني ليراني. يمكنك أن تأخذ أموالي. هو سيأخذ حياتي».
ثم تحدث عن اجتماعات مع مسؤولين عراقيين آخرين، بينهم الرئيس آنذاك برهم صالح وعادل عبد المهدي، في ظل تصاعد التهديدات الإيرانية ضد المصالح الأميركية في العراق، وصولاً إلى قوله إن «عواقب رفضنا لمحاباة إيران عبر التراجع عن العقوبات كان أيضاً واضحاً في 14 سبتمبر (أيلول) 2019. فبعد شهرين تقريباً من إسقاط إيران مسيرة (أميركية)، أطلقت صواريخ كروز من إيران لضرب المملكة العربية السعودية. الأهداف كانت منشآت نفط رئيسية عائدة لشركة أرامكو السعودية، وبالتالي أدى الهجوم إلى تهديد إمدادات الطاقة العالمية». وأشار إلى التعاون بين الولايات المتحدة والسعودية «لإعادة المنشآت إلى العمل. أرامكو قامت بعمل رائع» في هذا السياق. وأضاف أن «السعوديين كانوا يريدون أيضاً أن يعرفوا ما الذي كنا مستعدين للقيام به في هذا الوقت الخطر. أوصيت الرئيس بأن نرسل أنظمة دفاع جوي إلى المملكة العربية السعودية. فوافق على توفير أسلحة دفاعية لها، لكنه رفض الجزء الثاني من توصيتي - أن تنفذ الولايات المتحدة هجوماً بعمل مباشر لتدفع إيران الثمن».

القضاء على سليماني
وفي وقت غير بعيد، استهدفت القوات الأميركية «كتائب حزب الله العراقي» رداً على هجوم قتل فيه متعهد أميركي. وبعد هجوم آخر، شارك بومبيو في اجتماع عقده الرئيس ترمب بتاريخ 29 ديسمبر (كانون الأول) 2019 في مارالاغو بمشاركة وزير الدفاع مارك أسبر ورئيس الأركان الجنرال مارك ميلي. واستهله بومبيو: «سيدي الرئيس، سليماني مسافر من بيروت إلى دمشق ثم بغداد. يطير على رحلات تجارية، ونعرف طريق رحلته. إنه يتآمر لقتل المزيد من الأميركيين. ولدينا الأدوات الضرورية لوقف قيادته لهذه الجهود الإجرامية. لقد أسقطوا مسيرتين أميركيتين، أطلقوا صواريخ باليستية على المملكة العربية السعودية، والآن قتلوا أميركياً... كل ذلك بتوجيه من الجنرال سليماني. حان الوقت لوقف حكمه الإجرامي. هذا هدف عسكري مشروع». وكتب بومبيو مفسراً أن «الذهاب إلى هجوم عبر قتل سليماني سيكون حدثاً مزلزلاً. طبيعياً، حين تخلصت أميركا من قائد إرهابي في عالم ما بعد 11 سبتمبر (أيلول) 2001، يتبع التنظيم البلا قيادة ما يسميه مدربو فرق كرة القدم الأميركية عقلية الرجل التالي - أي ثاني أفضل اللاعبين المتوافرين في الملعب». وفي «حال سليماني، سيأتي جنرال آخر» ولكن «لا أحد لديه هذا المزيج من السلطة، والعقول، والوحشية، والجاذبية العامة داخل إيران» لأن محاولة استبداله تشبه محاولة تغيير (لوحة أصلية) لرامبراندت» (بلوحة مقلدة). وأكد أن الرئيس ترمب «تفهم المخاطر الكبيرة. كما فعلنا جميعاً. ولكن الوقت حان للضغط على الزناد». وأضاف أن «ميلي وأسبر أطلعا الرئيس على الخطة المقترحة. وأضفت أننا على استعداد للتواصل مباشرة مع الإيرانيين بعد الهجوم حتى نوضح أن هذه ليست محاولة لقطع رأس النظام، بيد أننا مستعدين للتصعيد إذا كانت هذه أمنيتهم». وأجاب ترمب: «هلم». وجرى تحديد 3 يناير (كانون الثاني) 2020 موعداً للعملية مع وصول سليماني إلى مطار بغداد الدولي حيث استقبله مؤسس «كتائب حزب الله» أبو مهدي المهندس. وكتب أنه مع انطلاق موكبه «كانت مسيرة أميركية من طراز أم كيو - 9 ريبر تتقفى كل حركتهما. ومع مغادرة سيارة سليماني المطار (...) سقطت عليها صواريخ هيل فاير (...) ضرب الردع الأميركي، وسليماني لن يؤذي أحداً على الإطلاق بعد الآن».


مقالات ذات صلة

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الولايات المتحدة​ الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

تواجه المحكمة العليا للولايات المتحدة، التي كانت تعدّ واحدة من أكثر المؤسّسات احتراماً في البلاد، جدلاً كبيراً يرتبط بشكل خاص بأخلاقيات قضاتها التي سينظر فيها مجلس الشيوخ اليوم الثلاثاء. وتدور جلسة الاستماع، في الوقت الذي وصلت فيه شعبية المحكمة العليا، ذات الغالبية المحافظة، إلى أدنى مستوياتها، إذ يرى 58 في المائة من الأميركيين أنّها تؤدي وظيفتها بشكل سيئ. ونظّمت اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، التي يسيطر عليها الديمقراطيون، جلسة الاستماع هذه، بعد جدل طال قاضيين محافظَين، قبِل أحدهما وهو كلارنس توماس هبة من رجل أعمال. ورفض رئيس المحكمة العليا جون روبرتس، المحافظ أيضاً، الإدلاء بشهادته أمام الك

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي كيفين مكارثي قبول دعوة الرئيس جو بايدن للاجتماع (الثلاثاء) المقبل، لمناقشة سقف الدين الأميركي قبل وقوع كارثة اقتصادية وعجز الحكومة الأميركية عن سداد ديونها بحلول بداية يونيو (حزيران) المقبل. وسيكون اللقاء بين بايدن ومكارثي في التاسع من مايو (أيار) الجاري هو الأول منذ اجتماع فبراير (شباط) الماضي الذي بحث فيه الرجلان سقف الدين دون التوصل إلى توافق. ودعا بايدن إلى لقاء الأسبوع المقبل مع كل من زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر (ديمقراطي من نيويورك)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب ميتش ماكونيل (جمهوري من كنتاكي)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز (ديمقراطي م

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

تمكّن تلميذ أميركي يبلغ 13 سنة من إيقاف حافلة مدرسية تقل عشرات التلاميذ بعدما فقد سائقها وعيه. وحصلت الواقعة الأربعاء في ولاية ميشيغان الشمالية، عندما نهض مراهق يدعى ديلون ريفز من مقعده وسيطر على مقود الحافلة بعدما لاحظ أنّ السائق قد أغمي عليه. وتمكّن التلميذ من إيقاف السيارة في منتصف الطريق باستخدامه فرامل اليد، على ما أفاد المسؤول عن المدارس الرسمية في المنطقة روبرت ليفرنوا. وكانت الحافلة تقل نحو 70 تلميذاً من مدرسة «لويس أي كارتر ميدل سكول» في بلدة وارين عندما فقد السائق وعيه، على ما ظهر في مقطع فيديو نشرته السلطات.

يوميات الشرق أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

كشفت دراسة أجريت على البشر، ستعرض خلال أسبوع أمراض الجهاز الهضمي بأميركا، خلال الفترة من 6 إلى 9 مايو (أيار) المقبل، عن إمكانية السيطرة على مرض السكري من النوع الثاني، من خلال علاج يعتمد على النبضات الكهربائية سيعلن عنه للمرة الأولى. وتستخدم هذه الطريقة العلاجية، التي نفذها المركز الطبي بجامعة أمستردام بهولندا، المنظار لإرسال نبضات كهربائية مضبوطة، بهدف إحداث تغييرات في بطانة الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة لمرضى السكري من النوع الثاني، وهو ما يساعد على التوقف عن تناول الإنسولين، والاستمرار في التحكم بنسبة السكر في الدم. وتقول سيلين بوش، الباحثة الرئيسية بالدراسة، في تقرير نشره الجمعة الموقع ال

حازم بدر (القاهرة)
آسيا شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

نقلت وكالة الإعلام الروسية الحكومية عن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قوله، اليوم (الجمعة)، إن موسكو تعزز الجاهزية القتالية في قواعدها العسكرية بآسيا الوسطى لمواجهة ما قال إنها جهود أميركية لتعزيز حضورها في المنطقة. وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، تملك موسكو قواعد عسكرية في قرغيزستان وطاجيكستان، لكن الوكالة نقلت عن شويغو قوله إن الولايات المتحدة وحلفاءها يحاولون إرساء بنية تحتية عسكرية في أنحاء المنطقة، وذلك خلال حديثه في اجتماع لوزراء دفاع «منظمة شنغهاي للتعاون» المقام في الهند. وقال شويغو: «تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها، بذريعة المساعدة في مكافحة الإرهاب، استعادة حضورها العسكري في آسيا الوسطى

«الشرق الأوسط» (موسكو)

إدارة ترمب تلمّح إلى استئناف التجارب لتطوير ترسانتها النووية

شي وبوتين في الذكرى الثمانين لانتصار الصين على اليابان (إ.ب.أ)
شي وبوتين في الذكرى الثمانين لانتصار الصين على اليابان (إ.ب.أ)
TT

إدارة ترمب تلمّح إلى استئناف التجارب لتطوير ترسانتها النووية

شي وبوتين في الذكرى الثمانين لانتصار الصين على اليابان (إ.ب.أ)
شي وبوتين في الذكرى الثمانين لانتصار الصين على اليابان (إ.ب.أ)

لمح مسؤولون أميركيون بصورة متزايدة إلى أن الرئيس دونالد ترمب سيأمر بنشر مزيد من الأسلحة النووية، وإجراء تجربة جديدة، لتوجيه رسالة محددة إلى كل من الصين وروسيا مفادها أن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة اليدين حيال تطوير ترسانتيهما.

ورصدت صحيفة «نيويورك تايمز» تزايد هذه المؤشرات منذ انتهاء صلاحية معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية الجديدة «نيو ستارت»، الأسبوع الماضي، وهي آخر اتفاقية تضع قيوداً على تطوير الأسلحة النووية، ونشرها بين الولايات المتحدة وروسيا.

أرشيفية لصواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين (رويترز)

وإذا نفذ الرئيس ترمب مثل هذه الخطط، فسينهي أكثر من 40 عاماً من الرقابة النووية المشددة في الولايات المتحدة، والتي خفضت أو أبقت على عدد الأسلحة المخزنة في الصوامع والقاذفات والغواصات، ليكون أول من يزيدها مجدداً بعد الرئيس الأسبق رونالد ريغان. وكان آخر اختبار نووي أجرته الولايات المتحدة عام 1992.

أرشيفية لصاروخ باليستي عابر للقارات روسي من طراز «توبول إم» يعبر الساحة الحمراء خلال عرض عسكري في موسكو (أ.ف.ب)

وأضفى ترمب كثيراً من الغموض على الاستراتيجية التي سيعتمدها في نهاية المطاف رداً على تطوير كل من روسيا والصين ترسانتيهما من الأسلحة النووية، وأكد أخيراً أنه يجب على البلدان النووية الثلاثة الدخول في مفاوضات للحد من تطوير هذه الأسلحة ونشرها، وسط خشية من أن الإخفاق في ذلك سيؤدي إلى سباق تسلح جديد.

«أحادية غير مقبولة»

وبالتزامن مع انتهاء معاهدة «نيو ستارت»، الخميس الماضي، انتقدها وكيل وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الحد من التسلح والأمن الدولي توماس دينانو خلال مؤتمر في جنيف؛ لأنها «تفرض قيوداً أحادية غير مقبولة على الولايات المتحدة»، مشيراً إلى أن ترمب، خلال ولايته الأولى، انسحب من معاهدتين سابقتين مع روسيا - معاهدة القوات النووية متوسطة المدى ومعاهدة الأجواء المفتوحة «بسبب انتهاكات روسية»، وكرر أن معاهدة «نيو ستارت» لم تشمل فئات جديدة كلياً من الأسلحة النووية التي تطورها روسيا والصين، وأن أي معاهدة جديدة يجب أن تفرض قيوداً على الصين، وهي القوة النووية الأسرع نمواً في العالم.

الرئيس الروسي ونظيره الصيني شي جينبينغ خلال مكالمة عبر تقنية الفيديو

وأشار دينانو إلى أن الولايات المتحدة باتت الآن حرة «لتعزيز الردع نيابة عن الشعب الأميركي»، مضيفاً أن الولايات المتحدة «ستُكمل برامجها الجارية لتحديث أنظمتها النووية»، في إشارة إلى إنفاق مئات المليارات من الدولارات على صوامع جديدة وغواصات وقاذفات جديدة.

وأشار إلى أن واشنطن «تحتفظ بقدرات نووية غير منشورة يمكن استخدامها لمواجهة البيئة الأمنية الناشئة، إذا ما أمر الرئيس بذلك».

ولفت إلى أن أحد الخيارات هو «توسيع القوات الحالية» و«تطوير ونشر قوات نووية جديدة ذات مدى مسرح العمليات»، وهي الأسلحة قصيرة المدى التي نشرت روسيا كثيراً منها.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

ويتمحور أحد التعزيزات الوشيكة حول الغواصات الـ14 الأميركية من فئة «أوهايو»، التي تحتوي كل منها على 24 قاذفة لإطلاق صواريخ ذات رؤوس نووية، علماً أن القوات البحرية الأميركية عطلت 4 قاذفات على كل غواصة امتثالًا لقيود معاهدة «نيو ستارت».

والآن، بعد رفع هذه القيود، تمضي الخطط لإعادة فتح هذه القاذفات؛ ما يسمح بتحميل 4 صواريخ إضافية على كل غواصة. وستضيف هذه الخطوة وحدها مئات الرؤوس الحربية النووية. ويمكن أن يكون الهدف من هذه الخطوة دفع القوى النووية الأخرى إلى التفاوض، لكن الصين لم تُبدِ حتى الآن أي اهتمام بهذا الأمر.

«علامة ضعف»

ويوضح الخبيران الاستراتيجيان النوويان فرانكلين ميلر وإريك إيدلمان أن الصين «تعد أي استعداد للانخراط في الحد من التسلح علامة ضعف، وتنظر إلى عملية الشفافية والتحقق التي من المفترض أن تدعم مثل هذا الاتفاق على أنها تدخلية، وتشبه التجسس».

وخلال خطابه في جنيف، قدّم دينانو أول شرح مفصّل لما قصده الرئيس ترمب، العام الماضي، عندما أمر باستئناف تجارب الأسلحة النووية، مشيراً إلى أن الإدارة تعتقد أن روسيا والصين أجرتا بالفعل مثل هذه التجارب، وأضاف أن دعوة الرئيس لإجراء التجارب «على قدم المساواة» قد تسمح للولايات المتحدة بفعل الشيء نفسه، وأكد أن الحكومة الأميركية كانت على علم بأن الصين أجرت «تجارب نووية تفجيرية» سعت إلى إخفائها، ومنها واحدة أجريت في 22 يونيو (حزيران) 2020، قرب نهاية ولاية ترمب الأولى.

الرئيس الصيني يقف داخل سيارة خلال عرض عسكري في بكين بمناسبة الذكرى الـ80 لنهاية الحرب العالمية الثانية يوم 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

وأفادت الشبكة العالمية الرئيسية المعنية برصد التزام حظر التجارب النووية، في بيان صدر أخيراً، بأنها لم ترصد أي انفجار تجريبي في ذلك التاريخ.

وناقش مسؤولون استخباريون أميركيون طوال السنوات الخمس الماضية ما إذا كانت الحكومة الصينية أجرت التجربة بالفعل أو لا، لكن دينانو لم يبدِ أي شك، وقال إن بكين استخدمت ما يسمى «فك الارتباط» لإخفاء تجاربها، مشيراً بذلك إلى تقنية يستخدمها مصممو القنابل لفصل موجات الصدمة الناتجة عن الانفجار النووي، بحيث لا تؤثر في قشرة الأرض. وتشمل هذه التقنية حصر انفجار صغير في حاوية خلف جدران فولاذية فائقة الصلابة.

وتعرف الولايات المتحدة هذه العملية جيداً؛ فبين عامي 1958 و1961، أي قبل الحظر العالمي للتجارب النووية بمدة طويلة، أجرى مصممو الأسلحة النووية الأميركيون أكثر من 40 تجربة من هذا النوع.


زلزال إبستين يهز واشنطن ويربك العالم

صورة تُظهر بعضاً من وثائق إبستين الجديدة التي أفرجت عنها وزارة العدل في 30 يناير 2026 (أ.ف.ب)
صورة تُظهر بعضاً من وثائق إبستين الجديدة التي أفرجت عنها وزارة العدل في 30 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

زلزال إبستين يهز واشنطن ويربك العالم

صورة تُظهر بعضاً من وثائق إبستين الجديدة التي أفرجت عنها وزارة العدل في 30 يناير 2026 (أ.ف.ب)
صورة تُظهر بعضاً من وثائق إبستين الجديدة التي أفرجت عنها وزارة العدل في 30 يناير 2026 (أ.ف.ب)

تتفاعل قضية إبستين بشكل متسارع، وتتخطى تداعياتها الولايات المتحدة لتصل إلى كل أرجاء العالم وتهز الداخل الأميركي والساحة الدولية. فمع نشر وزارة العدل أكثر من ثلاثة ملايين وثيقة جديدة من الملفات، بدأت صورة الملف،الذي بدا، في بداية الأمر جنائياً، تتشعب وتتعقد وتطرح أسئلة أكثر من الأجوبة التي يسعى إليها أعضاء «الكونغرس».

كشف الأسماء المحجوبة

النائبان رو خانا وتوماس ماسي أمام وزارة العدل في 9 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ومع وجود كثير من المعلومات والأسماء المحذوفة في الملفات الجديدة التي جرى نشرها، سمحت وزارة العدل لأعضاء «الكونغرس» بزيارة مقرها، للاطلاع على الأسماء التي جرى شطبها. ومِن هناك خرج كل من النائبيْن الجمهوري توماس ماسي، والديمقراطي رو خانا، ليعلنا أنهما لاحظا أنه جرى حجب أسماء أكثر من 6 أفراد متورطين في عمليات إبستين دون مبرر، خلافاً لتعليمات القانون الذي جرى إقراره، والذي يُلزم الوزارة برفع السرية عن كل الأسماء ما عدا أسماء الضحايا.

وقال ماسي، عقب اطلاعه على الوثائق: «هناك ستة رجال. دخلنا هنا (وزارة العدل) لمدة ساعتين للاطلاع على ملايين الملفات... وخلال بضع ساعات، عثرنا على ستة رجال حُجبت أسماؤهم، وهم متورطون وفق الملفات...». وقال ماسي إنه سيعطي وزارة العدل الفرصة لمراجعة «أخطائها» والكشف عن الأسماء قبل أن يفعل ذلك شخصياً. من ناحيته شدد خانا على أن ورود اسم شخص في الملفات «لا يعني أنه مذنب»، رافضاً توصيف السعي لرفع السرية عن الملفات بحملة «مطاردة الساحرات» كما يصفها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وتكمن المعضلة هنا في أن بعض الأسماء جرى حجبها من قِبل مكتب التحقيقات الفيدرالي قبل وصولها إلى وزارة العدل، ما طرح أسئلة حول مدى تشعب المسألة وتورط أسماء بارزة فيها. وهذا ما تحدّث عنه النائب الديمقراطي قائلاً إن الوثائق التي قُدِّمت إلى وزارة العدل من مكتب التحقيقات الفيدرالي ومن هيئة المحلّفين الكبرى كانت منقّحة عند تسلّمها، مستبعداً وجود سوء نية من جانب المحامين الذين كانوا يراجعونها في الوزارة؛ «لأنه من الواضح أنهم لم يحصلوا على النسخة الكاملة».

ماكسويل تلتزم الصمت

غيلين ماكسويل رفضت الإجابة عن أسئلة المُشرعين في 9 فبراير 2026 (رويترز)

يأتي هذا بينما رفضت غيلين ماكسويل، شريكة إبستين، الإجابة عن أسئلة المُشرّعين، في جلسةٍ عقدتها لجنة الرقابة بمجلس النواب. ومثلت ماكسويل، التي حُكم عليها بالسجن لمدة عشرين عاماً بتُهم الاتجار بقاصرات، عبر الفيديو أمام اللجنة، لكنها لجأت إلى حقها الدستوري المنصوص عليه في التعديل الخامس بالتزام الصمت، لعدم تجريم نفسها من خلال إفادتها.

وقال محامي ماكسويل، ديفيد أوسكار ماركوس، إنها «مستعدة للتحدث بشكل كامل وصريح، إذا مُنحت عفواً من الرئيس ترمب». وأضاف: «هي وحدها القادرة على تقديم الرواية الكاملة. قد لا يروق البعضَ ما سيُقال، لكن الحقيقة هي الأهم». ويُشكك البعض في مصداقية ماكسويل، التي لم تفارق ابستين في مسيرته، ويتهمها الديمقراطيون باستعمال ورقة الإفادة لاستدراج ترمب للعفو عنها مقابل تبرئة ساحته، رغم عدم ثبوت تورطه في الملفات حتى الساعة. إلا أن عدداً من الديمقراطيين كتبوا في منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي أن اسم الرئيس الأميركي مذكور 38 ألف مرة في الوثائق الجديدة التي جرى الإفراج عنها.

بيل وهيلاري كلينتون في حفل تنصيب ترمب 20 يناير 2025 بالكونغرس (أ.ف.ب)

ويستعد «الكونغرس» للاستماع إلى إفادات أساسية في هذا الملف، إذ تَمثل وزيرة العدل بام بوندي أمام اللجنة القضائية في مجلس النواب، يوم الأربعاء، في حين تبقى الإفادة الأهم للرئيس السابق بيل كلينتون، وزوجته هيلاري، اللذين سيمثلان في جلستين منفصلتين ومغلقتين، حتى الساعة، أمام لجنة الرقابة في 26 و27 من شهر فبراير (شباط) الحالي، في حدث نادر للغاية، إذ سيكون كلينتون الرئيس الأول منذ أكثر من 4 عقود الذي يُدلي بإفادته أمام «الكونغرس» بهذا الأسلوب، على أثر استدعائه على خلفية اتهامات بتورطه في ملفات إبستين.


موقف أميركي «خجول» من قرارات إسرائيل الجديدة في الضفة الغربية

آليات إسرائيلية تجرف الأرض تمهيداً لبناء مستوطنات قرب جنين بالضفة الغربية المحتلة... 23 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)
آليات إسرائيلية تجرف الأرض تمهيداً لبناء مستوطنات قرب جنين بالضفة الغربية المحتلة... 23 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)
TT

موقف أميركي «خجول» من قرارات إسرائيل الجديدة في الضفة الغربية

آليات إسرائيلية تجرف الأرض تمهيداً لبناء مستوطنات قرب جنين بالضفة الغربية المحتلة... 23 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)
آليات إسرائيلية تجرف الأرض تمهيداً لبناء مستوطنات قرب جنين بالضفة الغربية المحتلة... 23 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)

قبل أيام من زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى واشنطن، اتخذت حكومته خطوة تبدو للوهلة الأولى «إجرائية» لكنها تحمل مضموناً سيادياً ثقيلاً: قرارات صادرة عن المجلس الوزاري الأمني تُسهّل على الإسرائيليين شراء الأراضي في الضفة الغربية، وتوسّع أدوات الإنفاذ الإسرائيلي داخل مناطق تُدار رسمياً من السلطة الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو.

وبينما أعاد مسؤول في البيت الأبيض تأكيد معارضة الرئيس، دونالد ترمب، لضم الضفة الغربية، فإن ردّ واشنطن جاء بلا «أسنان» سياسية: موقف منسوب لمسؤول مجهول لا يواكبه أي إجراء رادع، ما فتح باب التكهنات بأن الأمر قد يكون غضّ طرفٍ محسوباً أكثر منه اعتراضاً فعلياً.

ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

هذا بالضبط ما حدث عشية وصول نتنياهو إلى واشنطن، حيث نقلت «رويترز» عن مصدر في البيت الأبيض، تأكيده أن الرئيس ترمب ما زال يعارض ضم إسرائيل للضفة، ويعتبر أن «استقرار» الضفة يتسق مع هدف السلام وأمن إسرائيل. لكن طريقة إخراج هذا الموقف، فتحت الباب أمام قراءة مختلفة: ليس السؤال هل ترفض واشنطن الضم «كعبارة»، بل هل ترفضه «كسلوك» وتبعات وخطوات تراكمية تقود إليه.

الخطوة الإسرائيلية في جوهرها ليست حدثاً منفصلاً، بل حلقة ضمن هندسة سياسية معروفة: تغييرٌ تدريجي في قواعد اللعبة داخل الضفة يخلق حقائق جديدة، ثم يُطالب العالم بالتعامل معها كأمر واقع. وهنا يكمن المعنى الأثقل: حتى مع «رفض» الضم رسمياً، يمكن تمرير سياسات تُنتج الضم فعلياً من دون الإعلان عنه. وهذا ما سمّاه بعض المراقبين «الضم بالتقسيط»: تجنب الكلمة المحرِّجة دولياً، مع السير في اتجاهها عملياً.

رد خجول

اقتصار الرد على تسريب أو تصريح بلا هوية رسمية يشي بمحاولة إدارة التوازن بين رسائل متناقضة: طمأنة أطراف عربية ودولية بأن واشنطن لم تغيّر موقفها، وفي الوقت نفسه عدم فتح مواجهة مع نتنياهو، قبيل اللقاء في واشنطن. هذا النوع من «الدبلوماسية الخافتة» ليس تفصيلاً بروتوكولياً: إنه إشارة بأن الاعتراض الأميركي يمكن استيعابه عبر إدارة الضجيج، لا عبر تغيير المسار.

فلسطينيون يتظاهرون أمام جنود إسرائيليين أغلقوا مدخل مخيم نور شمس في الضفة الغربية يوم الاثنين (أ.ف.ب)

والأهم أن الموقف الأميركي، حتى عندما يكون واضحاً لغوياً، يفقد جزءاً كبيراً من مفعوله إذا لم يُترجم إلى تكلفة سياسية. في العادة، الدول لا تغيّر سياساتها بسبب جُمل، بل بسبب معادلة حوافز وعقوبات أو على الأقل رسائل علنية قاطعة. لذلك، فإن «الاعتراض بلا إجراءات» يتحول في الحسابات الإسرائيلية إلى هامش للمناورة، لا إلى خط أحمر.

التوقيت هنا يوحي برسالتين متزامنتين: إلى الداخل الإسرائيلي، بأن الحكومة ماضية في أجندة ترضي قاعدتها اليمينية وتيارات المستوطنين؛ وإلى واشنطن، بأن المجال المتاح لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء يتقلص سريعاً. منطق «التثبيت قبل التفاوض» معروف: خلق حقائق جديدة قبل أي مسار سياسي محتمل، ودخول إلى طاولة تفاوض لاحقة مع أوراق محسومة على الأرض.

كما أن الخطوة تُقرأ ضمن وزن الوزير بتسلئيل سموتريتش داخل الحكومة الإسرائيلية، وإصراره على تفكيك الفكرة العملية للدولة الفلسطينية، حتى لو بقيت كصيغة خطابية. وحين تصير أجندة «تقليص قابلية حل الدولتين» برنامجاً عملياً، تتحول كل تعديلات تقنية إلى رافعة سياسية.

مستوطنون إسرائيليون في جولة أسبوعية بمدينة الخليل بالضفة الغربية في 7 فبراير 2026 (رويترز)

التبعات على حل الدولتين

الضفة الغربية ليست «ملفاً جانبياً» منفصلاً عن غزة؛ هي القلب الجغرافي والسيادي لأي تصور لدولة فلسطينية. لذلك فإن أي خطوة تُضعف القدرة الفلسطينية على إدارة الأرض، أو تغيّر ميزان السلطة داخلها، تُقاس بنتيجة واحدة: هل تجعل الدولة الفلسطينية أقل قابلية للحياة أم أكثر؟ منتقدو الخطوة يرون أنها تسير في الاتجاه الأول، لأنها حتى من دون إعلان ضم، تُسرّع تآكل الفاصل بين سلطة الاحتلال والسلطة المحلية، بما يحولها إلى سلطة إدارة شؤون السكان.

ومن زاوية واشنطن، تظهر مفارقة إضافية: الإدارة التي لا تُبدي حماساً لتبني الإجماع الدولي حول حل الدولتين كحل نهائي، تُسهم عملياً، سواء بقصد أو من دونه، في تقليص البدائل أيضاً. فكلما تراجعت «قابلية الدولتين»، تزداد احتمالات السيناريوهات الصفرية: إدارة أمنية مفتوحة، أو انفجارات دورية، أو واقع دولة واحدة بلا مساواة، وهو ما يجعل «الاستقرار» الذي يتحدث عنه البيت الأبيض هدفاً أصعب، لا أسهل.

ردود الفعل التي نقلتها الصحافة الأميركية، عن إدانات عربية وإسلامية وقلق أممي، تعكس أن الضفة ما زالت خطاً أحمر سياسياً لكثير من العواصم، حتى تلك التي تربطها بإسرائيل قنوات اتصال أو مصالح. كما أن أي شعور بأن واشنطن «تتساهل» سيُحرج حلفاءها ويُضعف قدرتهم على الدفاع عن شراكاتهم أمام الرأي العام.

جرافات عسكرية إسرائيلية تهدم 3 منازل يملكها فلسطينيون في قرية شقبا غرب مدينة رام الله بالضفة الغربية في 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وعلى المستوى الأممي، تكرار تحذيرات المؤسسات الدولية، مثل موقف مكتب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، يُعيد تثبيت الإطار القانوني الذي تعتبره إسرائيل مُقيداً وغير عادل، بينما تراه أطراف أخرى أساساً لأي تسوية. هذا التباين ليس جديداً، لكن الجديد هو أن السياسات على الأرض تتقدم أسرع من قدرة الدبلوماسية على اللحاق بها.

وإذا كان المطلوب حقاً «استقرار الضفة»، فالسؤال ليس عن تكرار العبارة، بل عن معنى الاستقرار: هل هو هدوء مؤقت تحت ضغط الأمر الواقع، أم استقرار نابع من أفق سياسي قابل للتطبيق؟ ما يجري يوحي بأن واشنطن، حتى الآن، تميل إلى الخيار الأول، وهذا ما يجعل كل خطوة إسرائيلية جديدة تُقرأ كاختبار لمصداقية «الرفض» الأميركي، لا كحدث منفصل بذاته.