«مقابر ترهونة الجماعية»... جرائم متراكمة تنتظر التحقيق

عائلات عدة لم تعثر على مفقوديها

أخذ عينات من أهالي المفقودين (هيئة البحث عن الجثث - حكومة الدبيبة)
أخذ عينات من أهالي المفقودين (هيئة البحث عن الجثث - حكومة الدبيبة)
TT

«مقابر ترهونة الجماعية»... جرائم متراكمة تنتظر التحقيق

أخذ عينات من أهالي المفقودين (هيئة البحث عن الجثث - حكومة الدبيبة)
أخذ عينات من أهالي المفقودين (هيئة البحث عن الجثث - حكومة الدبيبة)

رغم مضي أكثر من عامين على انتهاء الحرب في العاصمة طرابلس، وتوقف الصراع المسلح، الذي تسبب في اختفاء عدد من الليبيين بمناطق غرب البلاد، إلا أن كثيرين لا يزالون في عداد المفقودين.
وفيما تواصل أسر المفقودين البحث عن أثر لهم فيما يتم انتشاله من جثث بـ«المقابر الجماعية» التي أعلن عن اكتشافها، إلا أن حقوقيين ونشطاء يرون «أن تلك المقابر ليست المستقر الوحيد للمفقودين في ظل وجود سجون ومعتقلات سرية تديرها تشكيلات مسلحة».
وقال كمال السيوي، رئيس «الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين»، إن «انتشار ظاهرة المقابر الجماعية بعدد من المدن الليبية كطرابلس وسرت، جاء نتيجة للصراعات التي شهدتها البلاد منذ «ثورة 17 فبراير»، مروراً بالصراع مع التنظيمات المتطرفة والجرائم التي ارتكبتها عصابات، كما هو الحال في مدينة ترهونة خلال وقوعها تحت سيطرة ميلشيا الكانيات».
وأضاف السيوي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «منذ 2011 وحتى اليوم، تلقينا قرابة 4 آلاف بلاغ من ذوي المفقودين». وأضاف: «المشكلة الرئيسية التي تواجهنا ليست في أعمال الحفر وانتشال الجثث، فالفرق الفنية للهيئة مدربة على مستوى دولي، وإنما في إبلاغنا بمكان وجود مقبرة جماعية أو احتمالية وجود مقبرة بهذه المنطقة أو تلك، لنبدأ الحفر».
وأفاد، «لدينا أكثر من 4 آلاف عينة بقاعدة بيانات للحمض النووي لأهالي الضحايا، ومن خلالها يمكن مطابقة العينات التي أخذت من الجثث المنتشلة»، لافتاً إلى أنه «تم العثور على جثث لعدد من النساء في المقابر المكتشفة بترهونة، وهو الأمر الذي لم يتكرر في مدينة أخرى».
وسيطرت ميلشيا «الكانيات» على ترهونة (90 كيلومتراً جنوب العاصمة)، في السنوات الأولى بعد «ثورة فبراير 2011 وحتى منتصف عام 2020. وبعد انسحاب «الجيش الوطني» من المدينة، عثر المواطنون على العديد من المقابر الجماعية، التي ضمت مئات الجثث من مختلف الأعمار.
وسلط الناشط الحقوقي كريم سلامة، وينتمي لمدينة ترهونة، ولديه تسعة أقارب استخرجت جثثهم من المقابر الجماعية، الضوء على معاناة الأهالي حتى بعد الكشف عن رفات المفقودين، منتقدا «بطء الإجراءات ما بين التعرف على رفات المفقودين والسماح بدفنهم».
وقال سلامة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن أقاربه سبق وخطفوا في هجوم قادته ميلشيا «الكانيات» على منزل عائلته في ديسمبر (كانون الأول) 2019. وبعد تحرير المدينة بأيام بدأ الكشف عن المقابر الجماعية، تم أخذ العينات من الأسرة، وتم التعرف على الجثث في يناير (كانون الثاني) 2021 إلا أنها لم تدفن إلا في مارس (آذار) من العام نفسه، بسبب كثرة التصاريح والإجراءات القانونية المطلوبة».
وقال الناشط الحقوقي، إن «ترهونة مجتمع قبلي لا مساحة كبيرة فيه لتحرك المرأة بمفردها، ويزيد الوضع سوءا إذا كانت الزوجة بلا عمل وكان أشقاؤها قد تعرضوا للخطف والقتل».
وأكمل: «إجراءات صرف معاش أو التعامل مع ميراث المفقود، تتطلب استصدار شهادة وفاة رسمية، وبالتالي فإن هؤلاء النسوة يعانين الكثير في رحلة البحث لاستكمال الأوراق الرسمية، فضلا عن العوز المادي الذي دفع بعض الفتيات للتوقف عن الدراسة».
ويحذر سلامة، «من محاولة بعض الزعامات القبلية المساعدة في إفلات متورطين بجرائم القتل المتراكمة، من خلال إحداث مصالحات بين بعض المتعاونين، مع الكانيات، وبين أهالي المفقودين بحجة الحفاظ على العلاقات بين أبناء المدينة، بخاصة بعد قتل وهروب بعض القيادات البارزة للميلشيا لدول الجوار».
وتوقع سلامة أن يتم العثور على نسبة 70 في المائة من المفقودين، وخصوصاً من أبناء ترهونة ومحيطها في المقابر الجماعية، فيما يجب البحث عن النسبة الباقية، في عموم البلاد وفي السجون التابعة للتشكيلات المسلحة.
وانضم أمين عام «المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا» عبد المنعم الحر، للطرح السابق، بوجود «مفقودين جراء الخطف والاعتقال في فترات السلم، إضافة إلى آخرين بأوقات الحروب والنزاعات المسلحة».
وشدد الحر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على أن المقابر الجماعية في ترهونة «لا تتحمل مسؤوليتها ميلشيا الكانيات فقط... هي وغيرها من الميلشيات استمدت شرعيتها من بعض قيادات (المؤتمر الوطني)، هؤلاء من زودوها بالسلاح ووفروا لها الحماية بعد ارتكاب جرائمها».
ولفت إلى أن، هناك «عناصر من الجيش الليبي تم استهدافهم خلال الضربات التي وجهتها قوات التحالف الدولي خلال فترة إسقاط النظام السابق، حيث كانوا بطريقهم لمدينة بنغازي، ويرجح أنه تم جمع جثثهم بعد احتراقها في مقبرة جماعية لم يعرف بعد موقعها، وللأسف لم يجر تحقيق موسع مع القيادات الليبية حينذاك للكشف عن موقعها».
ويقول الحر بأن «ترهونة تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد المقابر الجماعية مقارنة بمدن سرت وطرابلس وأجدابيا وباطن الجبل»، متوقعا الكشف عن المزيد من المقابر بالمناطق المستهدفة بالبحث «بخاصة إذا تمت الاستعانة بالوسائل الحديثة».
واستبعد الحقوقي أن تضم أي من المقابر جثث عناصر «داعش» أو أي من التنظيمات المتطرفة التي احتلت مدنا ليبية خلال السنوات الماضية، موضحا، أن «جثث عناصر التنظيم حفظت بثلاجات موتى في بعض المدن كمصراتة، وهناك علم دولي بشأنها».
واستبعد الحر، أن يتم فتح ملف التعويضات لأهالي الضحايا في الوقت الراهن، مطالباً «بتغيير التشريعات الخاصة بالمفقودين، وتسهيل إثبات الوفاة في الحالات التي ترتفع فيها نسب سقوط المفقود كضحية للنزاع المسلح، وبعد التأكد من عدم اعتقاله لدى أي جهة، وذلك لتفادي المشاكل الشرعية والاجتماعية والمالية التي تواجه الأهل والأقارب».


مقالات ذات صلة

سوريا تفتح تحقيقاً بشأن مقبرة جماعية تعود لعهد الأسد

المشرق العربي الميكانيكي السوري أحمد غزال قرب حفرة كانت مخصصة لدفن في المقبرة الجماعية السرية التي أنشأتها حكومة الأسد قرب بلدة الضمير (رويترز)

سوريا تفتح تحقيقاً بشأن مقبرة جماعية تعود لعهد الأسد

أمرت الحكومة السورية جنوداً من الجيش بفرض حراسة على مقبرة جماعية حُفرت لإخفاء فظائع وقعت في عهد بشار الأسد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
آسيا صورة لمقبرة إسلامية في اليابان من موقع «halaljapan»

أين يُدفن مسلمو اليابان؟

حين تضيق اليابان بالأموات... أزمة المتوفين المسلمين بين ثقافة لا تعرف الدفن وبرلمان يرفض التوسّع.

كوثر وكيل (لندن)
المشرق العربي اكتشاف سجن تحت الأرض في منطقة المخرم بريف حمص الشرقي أثناء قيام دوريات الشرطة بعمليات تفتيش وبحث (سانا)

اكتشاف سجن تحت الأرض في ريف حمص استخدمته ميليشيات الأسد

عثرت قوى الأمن الداخلي في منطقة المخرم بريف حمص الشرقي على سجنٍ تحت الأرض، كان يستخدمه نظام الأسد وميليشياته خلال فترة الاحتجاجات الشعبية لاحتجاز المدنيين.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية وزير الدفاع التركي يشار غولر يشاهد معرضاً لصور ضحايا الصراع مع «العمال الكردستاني» في شرناق (الدفاع التركية)

تركيا تطالب «العمال الكردستاني» وأذرعه بالمساهمة في إنجاح عملية السلام

بينما تتواصل الجهود لوضع الأسس القانونية لعملية السلام الداخلي في تركيا... دعا وزير الدفاع يشار غولر حزب العمال الكردستاني وأذرعه إلى المساهمة في إنجاحها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا الراحل عميد بلدية قصر بن غشير جنوب العاصمة الليبية (من مقطع فيديو للبلدية)

عودة قضية مقتل عميد بلدية ليبية إلى الواجهة بعد 6 سنوات

وسط ترحيب من أُسر ضحايا، سجنت النيابة العامة في ليبيا ستة عناصر من ميليشيا «الكانيات» في مدينة ترهونة بتهمة خطف وقتل عميد بلدية قصر بن غشير قبل 6 سنوات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».