الحوثيون يكسرون الأرقام القياسية في الانتهاكات ضد الأقليات

تقارير دولية ساوت بين الجماعة المدعومة من إيران وتنظيمي «داعش» و«القاعدة»

يهود يمنيون وصلوا إلى إسرائيل عام 2009 بعد الانتهاكات الحوثية بحقهم (رويترز)
يهود يمنيون وصلوا إلى إسرائيل عام 2009 بعد الانتهاكات الحوثية بحقهم (رويترز)
TT

الحوثيون يكسرون الأرقام القياسية في الانتهاكات ضد الأقليات

يهود يمنيون وصلوا إلى إسرائيل عام 2009 بعد الانتهاكات الحوثية بحقهم (رويترز)
يهود يمنيون وصلوا إلى إسرائيل عام 2009 بعد الانتهاكات الحوثية بحقهم (رويترز)

أجمعت تقارير دولية وأخر يمنية إلى جانب أنشطة حقوقية خلال العام الماضي على إدانة ميليشيات الحوثي بانتهاك الحريات الدينية والمذهبية والاعتداء عليها، واستهداف الأقليات والمذاهب وأتباعها ودور العبادة، مساوية بين الجماعة الانقلابية والتنظيمات الإرهابية مثل «القاعدة» و«داعش».
وفي حين ذكرت التقارير بحصاد جرائم الميليشيات الحوثية ضد الأقليات الدينية منذ 15عاما، برز اسم الميليشيات كأكثر الجهات خطورة على الحريات العامة، والدينية خاصة، إذ صدرت لأول مرة أكثر من ثلاثة تقارير عن الحريات الدينية في اليمن خلال عام واحد.
ومنذ بدء صعودها مثلت ميليشيات الحوثي خطراً على حرية التدين وعلى المذاهب والأقليات المختلفة، فوفقاً لمختلف التقارير والروايات؛ بدأت الميليشيات بملاحقة الأقلية اليهودية في محافظة صعدة، معقل الميليشيات، منذ أكثر من 15 عاما، وطردها من المحافظة، والاستيلاء على ممتلكاتها، على الرغم من أن هذه الأقلية لم تكن توجد سوى في قرية صغيرة وبأعداد محدودة.
- تصنيف أميركي
في الخامس من ديسمبر (كانون الأول) الماضي؛ صنفت الخارجية الأميركية الميليشيات الحوثية من الجماعات التي تنتهك وبشكل خاص الحقوق الدينية والتسامح معها؛ إلى جانب عدد من المنظمات في المنطقة العربية وقارة أفريقيا، مثل جبهة النصرة، وجماعة «بوكو حرام»، وتنظيم «داعش»، وسبق للولايات المتحدة أن تحدثت عن تعامل الميليشيات الحوثية القاسي مع الأقليات الدينية.
وبينما كان العام الماضي يعدّ أيامه الأخيرة، كشف المركز الأميركي للعدالة عن مئات الانتهاكات التي طالت الحريات الدينية والأقليات في اليمن على يد ميليشيات الحوثي التي لاحقت الأقلية اليهودية، حسب تقرير المركز، وعرضتها لعدة جرائم وانتهاكات شملت الاختطاف والتهجير القسري، ونهب الممتلكات العقارية والمنقولة، وإغلاق المدارس الدينية.
ووفقاً للتقرير؛ فإن الميليشيات الحوثية اختطفت 10 من أفراد الأقلية اليهودية، وأغلقت مدرستين تابعتين لها، وهجَّرت 64 فرداً منها بشكل قسري ونهبت ممتلكاتهم، ولم يتبقَ منهم في اليمن سوى ستة أشخاص، كما اختطفت وعذبت ستة أفراد من الأقلية المسيحية التي تعرضت لانتهاكات أخرى تمثلت بسبع حالات قتل ارتكبها تنظيما «القاعدة» و«داعش»، وحالتي اقتحام وتدمير وحرق كنائس.
وتحقق المركز، وهو منظمة حقوقية يمنية تعمل من الولايات المتحدة الأميركية، من عدد 71 حالة اختطاف ارتكبتها ميليشيات الحوثي بحق البهائيين، منهم ستة أطفال و20 امرأة، و25 محاكمة غير عادلة، صدر في بعضها أحكام بالإعدام ومصادرة الممتلكات، إلى جانب تهجير 6 أفراد و25 أسرة إلى خارج اليمن، ونهب تسعة منازل مملوكة للبهائيين ومؤسسات تابعة لهم.
ومن الانتهاكات التي مارستها الميليشيات الحوثية على أساس مذهبي، استعرض التقرير ما وقع بحق جماعة السلفيين في قرية دماج في محافظة صعدة، موثقا 1154 انتهاكا منها 199 حالة قتل بينهم 29 طفلا وأربع نساء، وبلغت الإصابات 599 بينهم 71 طفلا و 9 نساء، وتعرضت 33 امرأة للإجهاض بسبب الخوف خلال القصف.
وبسبب حصار وقصف قرية دماج ذكر التقرير أنه أصيب 113 طفلا بجفاف شديد وسوء تغذية، و67 آخرين بالتهابات رئوية، وتضررت 361 من الأعيان المدنية في القرية، منها ست حالات قصف مساجد، و346 منزلا، وثلاثة مستشفيات، وانتهى الحصار بتهجير سكان القرية الذين يزيد عددهم على خمسة آلاف فرد.
- انهيار التعايش
صدر خلال العام الماضي كتاب حول تاريخ وجود الأقليات الدينية والتعايش بين مكونات المجتمع اليمني قبل اجتياح الميليشيات الحوثية للعاصمة صنعاء، وما تبع ذلك من أحداث دفعت برموز هذه الأقليات وكثير من أفرادها إلى الفرار خارج البلاد، أو الانتقال إلى مناطق سيطرة الحكومة الشرعية.
وطبقا لما جاء في الكتاب الصادر عن «المجلس الوطني للأقليات»، وهو مؤسسة يمنية غير حكومية؛ فإن الأقليات في اليمن عاشت بسلام مع الأغلبية المسلمة، وأن التاريخ الحديث لم يسجل أي انتهاكات جسيمة بحق مجتمع الأقليات الدينية والعرقية «مثلما يحدث حالياً في مناطق سيطرة عصابة الحوثي» كما جاء فيه.
وفي أوائل العام الماضي أطلق مركز إنصاف للدفاع عن الحريات والأقليات، تقريراً حول الحريات الدينية في اليمن، شرح فيه التدهور الذي تشهده البلاد في هذا المجال منذ السنوات الأولى للانقلاب والحرب، مبينا أن السبب الأساسي هو سيطرة الجماعات المسلحة غير الحكومية على مناطق شاسعة من البلد، وأن الأشخاص ذوي الآراء أو المعتقدات المختلفة، يتعرضون للملاحقات والتهجير وصولاً إلى حالات قتل.
وعدّد التقرير ممارسات ميليشيات الحوثي وما تمارسه من أعمال اضطهاد واعتقال وترحيل، ضد مخالفيهم من الأقليات الدينية أو المذاهب الاسلامية المختلفة، ومحاولة فرض تعليماتهم وأفكارهم باستخدام القوة، والحالات المبلغ عنها من هذه الممارسات في صنعاء.
- إدانات أممية
في سبتمبر (أيلول) الماضي أدان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف الاضطهاد الذي تمارسه الميليشيات الحوثية ضد البهائيين بسبب معتقدهم، واستنكر التقرير الذي أعده فريق الخبراء الدوليين والإقليميين حول اليمن؛ اضطهاد البهائيين بوسائل عدة، مثل الاحتجاز واتهامهم بالردة وإصدار أحكام الإعدام بحقهم والسخرية منهم، ووصفهم بأوصاف تتضمن ازدراء واحتقارا مثل تسميتهم بالشياطين.
وكانت فعاليات سابقة عُقدت في المجلس خلال يونيو (حزيران) الماضي ناقشت تعمد ميليشيات الحوثي تحريف المناهج التعليمية لتصبح أدوات مذهبية لغسل أدمغة الأطفال ونشر الإرهاب والعنف والفوضى، ونقض التعايش والتسامح، والإخلال بالقيم الإنسانية وزراعة الاستعلاء والعنصرية، وتحويل اليمن إلى بؤرة لاستهداف الأقليات والحريات الدينية.
وفي إحدى الفعاليات في الشهر نفسه؛ اتهمت مستشارة البرلمان الأوروبي لشؤون الشرق الأوسط منال المسلمي الميليشيات الحوثية بمنع المصلين من أداء صلاة التراويح في المساجد خلال شهر رمضان.
وأواخر أبريل (نيسان) من العام الماضي أيضاً؛ ناقشت ندوة حقوقية اعتداء ميليشيات الحوثي على الحريات الدينية، واتهم المتحدثون فيها الميليشيات الحوثية بارتكاب أكثر من 738 انتهاكاً ضد دور العبادة و المصلين، وتدميرها 73 مسجدا بشكل كامل وجزئي، وفي الندوة أشار المؤرخ المختص بمنطقة الشرق الأوسط أدريان كالاميل إلى أن الحوثيين استغلوا الإرهاب بجميع أشكاله.
واستهجن كالاميل تجاهل الصحافة الغربية العدد المذهل لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها الميليشيات الحوثية اليمنيين، ومن ذلك تدمير 9 مساجد في تعز وصنعاء وعدن، منبها إلى أنها وبعد اتفاق استوكهولم؛ دمرت أكثر من 49 مسجدًا في الحديدة، وعملت على عسكرة أكثر من 100 مسجد في جميع أنحاء البلاد.
واستعرض أساليب هجمات الميليشيات الحوثية على المساجد والمصلين مثل الضربات الصاروخية الباليستية أو قذائف المدفعية التي تنفجر عند ضرب أماكن العبادة، واستحداث المتارس فيها وتفخيخها واستخدام المنارات لاستهداف المواطنين بالقناصات، وذكَّر بجامع الفردوس في صنعاء الذي سيطرت ميليشيات الحوثي عليه وحولت فناءه إلى محال تجارية.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.