هل باتت مفاعلات الاندماج النووي الآمنة والنظيفة قاب قوسين أو أدنى؟

إنجاز علمي باهر لأغراض عسكرية ومدنية

هل باتت مفاعلات الاندماج النووي الآمنة والنظيفة قاب قوسين أو أدنى؟
TT

هل باتت مفاعلات الاندماج النووي الآمنة والنظيفة قاب قوسين أو أدنى؟

هل باتت مفاعلات الاندماج النووي الآمنة والنظيفة قاب قوسين أو أدنى؟

منذ إعلان وزيرة الطاقة الأميركية الشهر الماضي عن نجاح علماء في مختبرات «لورنس ليفرمور الوطنية» بولاية كاليفورنيا، التابعة للوزارة، في تحقيق إنجاز علمي فائق يمثل «اختراقاً كبيراً» في تكنولوجيا الاندماج النووي، ومعظم عناوين وسائل الإعلام تبشر - بشكل غير دقيق ومضلل أحياناً - بمستقبل من الطاقة النظيفة الوفيرة التي تنتجها محطات الطاقة النووية الاندماجية.
لكن ما هو هذا الإنجاز العلمي الباهر؟ وهل حقاً يمثل علامة فارقة في مسار تطوير تقنية الاندماج النووي؟ وهل باتت مفاعلات الاندماج النووي الآمنة والنظيفة وبأسعار معقولة قاب قوسين أو أدنى، بحيث تشكل مكوناً رئيسياً – إن لم يكن المكون الرئيسي - من مزيج الطاقة النظيفة الخالية من الكربون بحلول منتصف هذا القرن، وهو المتطلب الضروري لتحقيق أهداف اتفاق باريس المناخية؟

اندماج نووي
بدايةً، من المفيد العودة للوراء والتذكير بأن العلماء اكتشفوا قبل نحو قرن أن تفاعلات اندماج أنوية ذرات خفيفة مثل الهيدروجين مع بعضها بعضاً ينتج منها أنوية ذرات أثقل مثل الهيليوم، كما أن تفاعلات انشطار أنوية ذرات عناصر ثقيلة مثل نظير اليورانيوم ينتج منها أنوية ذرات عنصرين أخف. ويصاحب كلا النوعين من التفاعلات النووية إطلاق كميات هائلة من الطاقة تعادل نحو مليون ضعف ما يطلق أثناء حرق الكميات نفسها من الوقود الأحفوري. وقبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية تمكن العلماء والمهندسون من التحكم في تفاعلات الانشطار النووي، ونجحوا في تطوير تقنياتها في البداية لغرض تصميم وصنع القنابل النووية الانشطارية. وقد استخدمت أميركا اثنتين منها لتدمير مدينتي هيروشيما وناغازاكي؛ مما عجّل في استسلام اليابان وإنهاء الحرب. ثم نجحوا في تصميم وتشييد المئات من مفاعلات الانشطار النووي لتوليد الكهرباء.
بيد أن التحكم في تفاعلات الاندماج النووي كان أكثر صعوبة. وتلك التفاعلات هي المسؤولة عن ديمومة تشغيل الشمس والنجوم لبلايين السنين داخل المجرات الكثيرة في هذا الكون العظيم. وتمكن العلماء عام 1952 - رغم الصعوبات التي واجهتهم - من تصميم وصنع قنابل نووية حرارية (تعرف بالقنابل الهيدروجينية نسبة إلى وقودها) ذات قوة تفجيرية هائلة. لكن التحدي التكنولوجي غير المسبوق الذي ما فتئ يواجه العلماء والمهندسين منذ ذلك الحين هو كيفية تطويع هذه التفاعلات على سطح الأرض في مفاعلات يتم التحكم فيها بحيث يمكن تسخيرها في توليد الكهرباء أو الحرارة وبتكلفة زهيدة للمساعدة على تلبية احتياجات العالم من الطاقة النظيفة.
ورغم جهود آلاف العلماء في عشرات المختبرات حول العالم لنحو سبعة عقود وتخطي العديد من العتبات التكنولوجية بنجاح، لكن بعض «العقبات الرئيسية» لا تزال قائمة أمام الاندماج النووي. ولم تتمكن أي تقنية حتى الآن من إنتاج قدر أكبر من الطاقة اللازمة لتشغيل مثل هذه المفاعلات.
وهناك نهجان رئيسيان تم اللجوء إليهما لمواجهة تحدي الاندماج «الاندماج المغناطيسي»، باستخدام قفص من المجالات المغناطيسية القوية لحصر وقود الاندماج المكون من بلازما الهيدروجين ونظائره الساخنة لدرجات حرارة عالية جداً (لأكثر من مائة مليون درجة مئوية كما هي في قلب النجوم)؛ أو «اندماج الحبس بالقصور الذاتي»، باستخدام أشعة الليزر النبضية القوية أو حزم الجسيمات لضغط وتسخين كريات الوقود الصغيرة على الفور.
إن إنجاز الاندماج النووي الذي أعلنته وزارة الطاقة الأميركية مهم جداً من الناحيتين العلمية والتقنية، بل وباهر حقاً؛ ففي الخامس شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي نجح فريق علماء في مرفق الإشعال الوطني (NIF) بمختبر «ليفرمور» في إحداث ما يعرف «بالاشتعال» لأول مرة في العالم في تجربة اندماج خاضعة للتحكم؛ مما يعني أنه تم إنتاج طاقة من تفاعلات الاندماج النووي في الوقود أكثر من طاقة الليزر المستخدمة لإحداث الاشتعال وإطلاق التفاعلات الاندماجية ذاتياً إلى أن تتطاير وتتلاشى بقايا الوقود.

إنجاز علمي
لكن أهمية الإنجاز لا تتعلق إلا قليلاً بفرص توليد الكهرباء تجارياً من تقنية الاندماج النووي على نطاق واسع - بعكس ما هيأت لذلك معظم وسائل الإعلام. وللتدليل على ذلك يكفي التذكير بأن إحداث انفجار صغير واحد (أو ما يسمى «بالطلقة») في هذه التجربة تم باستخدام أقوى نظام ليزر في العالم، تبلغ مساحة منشأته أكبر من ثلاثة ملاعب لكرة القدم، حيث أسفر عن إنتاج طاقة اندماج أكثر قليلاً من طاقة الليزر الذي أصاب الهدف (تكفي لتسخين كوبين من الشاي تقريباً). وكان عائد الاندماج هذا أصغر بنحو 250 مرة من كمية الطاقة الكهربائية التي احتاج إليها نظام الليزر من أجل إشعال «الطلقة». وسيحتاج مفاعل الاندماج العملي القائم على هذا النهج إلى عائد اندماج أكثر 10 - 20 مرة لكل طلقة من الكهرباء الموردة إلى الليزر، وبالتالي 2500 - 5000 ضعف عائد تجربة «ليفرمور»، وسيحتاج إلى العمل بمعدل نحو 10 طلقات في الثانية – أي ما لا يقل عن مليون طلقة في اليوم، في حين يمكن لجهاز ليفرمور الحالي إدارة طلقتين في اليوم الواحد فقط.
للتعرف إذن على حقيقة الأهمية التي يمثلها هذا الإنجاز العلمي؛ ينبغي التمعن في قول وزيرة الطاقة الأميركية بحفل الإعلان – بما معناه - إن هذا الإنجاز العلمي يمثل تقدماً مهماً للولايات المتحدة في مجالي الدفاع والطاقة. وتقديم الوزيرة الإشارة إلى الدفاع قبل الطاقة لم يأت اعتباطاً. ويعضد ذلك أن كبار المسؤولين الحكوميين الموجودين إلى جانبها في الحفل كانوا من وزارة الدفاع وليسوا من مسؤولي وزارة الطاقة. على أن الطريقة التي قدم بها هذا الاختراق والتغطية الإعلامية التي تبعته حجبت إلى حد كبير، أو أخفت عن قصد، الأثر الرئيسي لهذا الإنجاز العلمي المتمثل فيما سيوفره من دعم لبرنامج الإشراف على مخزون الأسلحة النووية الحرارية التابع للإدارة الوطنية للأمن النووي بالولايات المتحدة. وبدلاً من ذلك، ركزت وسائل الإعلام - حتى بعض الجادة منها - على ما ذكرته الوزارة بأن هذا الإنجاز «سيوفر رؤى لا تقدر بثمن حول آفاق طاقة الاندماج النظيف، والتي من شأنها أن تغير قواعد اللعبة للجهود المبذولة لتحقيق هدف اقتصاد خال من الكربون -» رغم أن علاقته بإنتاج الطاقة بعيدة وعرضية فقط.
وما ذكرته الوزيرة في معرض حديثها، أن هذا الإنجاز يمثل خطوة تمكن من الوصول إلى مفاعلات الاندماج النووي تجارياً «خلال سنوات» كان مضللاً، إلا أن رئيسة المختبر التي حضرت المؤتمر الصحافي أوضحت، أن الإفادة منه في تطوير تقنية الاندماج النووي وصولاً إلى مفاعلات تجارية يحتاج إلى جهود كبيرة للتغلب على عقبات فنية ‏ستستغرق نحو عقدين.
لذا؛ وبينما تمثل «تجربة ليفرمور» تقدماً حقيقياً، فإنها أقل بكثير من الأداء اللازم لمفاعل اندماج عملي. إضافة إلى ذلك، فإن فجوة الطاقة الهائلة المذكورة آنفاً لا تأخذ في الاعتبار مشكلات لم تحل بعد، مثل تلك المتعلقة بالأضرار الهيكلية الناجمة عن نيوترونات الاندماج، وتوليد وإعادة تدوير التريتيوم المشع بكفاءة وأمان.
وفي المقابل، فإن نظام الاندماج بالليزر الموجود حالياً في إحدى منشآت «مختبرات ليفرمور» مفيد جداً لوظيفة الدفاع الوطني الأقل لفتا للانتباه؛ ألا وهي دراسة فيزياء التفجيرات النووية الحرارية دون تفجير قنابل حقيقية. ومن المعروف أن تطوير الأسلحة (وخاصة النووية) يحتاج عادة إلى إجراء تجارب متعددة للتعرف على مدى فاعلية التصاميم أو التحسينات التي يدخلها المصممون، أو للتأكد من صلاحية وفعالية المخزون منها. ولأن إجراء التجارب على الأسلحة النووية أصبح محظوراً، وفقاً للقانون الأميركي منذ عام 1996 (ووفقاً لمعاهدة حظر التجارب الشاملة التي وقّعتها 196 دولة، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ بعد)، فقد لجأ العلماء إلى اختبار مدى صلاحية وفاعلية مخزون الأسلحة النووية بعمليات محاكاة في نماذج رياضية معقدة باستخدام حواسيب فائقة السرعة. لكن مهما بلغت فاعلية تلك النماذج، فإنها تبقى أقل مما يمكن التحقق منه في تجربة عملية في الطبيعة. ومن هنا جاء اهتمام وزارة الدفاع الأميركية بإمكانية استخدام تقنية الاندماج النووي باستخدام الليزر لهذا الغرض. وقامت الوزارة بدعم وتمويل تطوير هذه التقنية الباهظة التكاليف عبر نحو ثلاثة عقود رغم أنها أقل واعدية للطاقة من تقنية النهج المغناطيسي للاندماج.
وفي الواقع تم الإعلان عن عدد من الاختراقات الفيزيائية والتكنولوجية المهمة في تجارب النهج المغناطيسي للاندماج في الأشهر الأخيرة، وهو النهج الذي لجأت إليه معظم الدول المتقدمة لكونه أقرب بكثير من نهج الاندماج بالليزر لتحقيق هدف توليد الكهرباء. ويجري حالياً تشييد المفاعل النمطي العالمي الذي تساهم فيه دول كثيرة منها الولايات المتحدة. ‏ومن المتوقع بناء مفاعل نمطي شبه تجاري باستخدام هذه التقنية في العقد المقبل. وهناك شركات خاصة أنشئت بهدف تطوير تصاميم متعددة لمفاعلات الاندماج النووي بنهجيها والاستفادة منها تجارياً، حيث حصلت هذه الشركات على تمويل بمليارات الدولارات من كبار المستثمرين وصناديق المخاطرة. وقد ينجح بعضها في إنتاج الكهرباء تجارياً قبل منتصف القرن، إلا أن العقبات الإضافية التي يجب التغلب عليها من أجل الوصول إلى مفاعل اندماج مغناطيسي عملي ما زالت هائلة.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.