هل تدخل ليبيا عام الحسم؟

معادلة السهل الممتنع

عرض عسكري في طرابلس يوليو الماضي (أ.ف.ب)
عرض عسكري في طرابلس يوليو الماضي (أ.ف.ب)
TT

هل تدخل ليبيا عام الحسم؟

عرض عسكري في طرابلس يوليو الماضي (أ.ف.ب)
عرض عسكري في طرابلس يوليو الماضي (أ.ف.ب)


استمر الصراع في ليبيا لأكثر من عقد من الزمان، وبقيت الأزمات على حالها رغم التوقيع على كثير من الاتفاقات التي قللت من المواجهات المسلحة، وأيقن الجميع أن الحل لن يكون عسكرياً، ولكنها لم توقف الانقسام السياسي والمناطقي.
حالة ليبيا تنطبق عليها الجملة الشهيرة «السهل الممتنع». فهو بلد للوهلة الأولى يبدو سهلاً من حيث تجانسه الاجتماعي، ولا يعرف انقساماً دينياً ولا مذهبياً ولا توجد فيه قبائل متحاربة (إنما متنافسة). صحيح أنه عرف تنوعاً بين أقاليمه ومناطقه، وأن دولته الوطنية لم تترسخ بعد، حيث أسهم النظام السابق في إضعافها وفي بناء «أدوات حكم» تدير البلاد بآلية ليست لها علاقة بتقاليد مؤسسات الدولة الوطنية، فكانت الكتائب محل الجيش الوطني، واللجان الثورية في مواجهة الإدارة والبيروقراطية، وكانت الجماهيرية في مواجهة مبادئ الجمهورية في النظم الحديثة.
كل ذلك جعل فرصة «السهل» الذي يعبر عنه تجانس المجتمع الليبي، لكي يكون معبراً لترويض صعوبات الانقسام «الممتنع» وخروج البلاد من أزماتها.

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة (المكتب الإعلامي للدبيبة)

والحقيقة أن الأزمة الليبية في جوهرها هي أزمة انقسام سياسي ومناطقي دعمته قوى إقليمية، وهذا الانقسام، سواء في الشرق أو الغرب، خلق أدوات إدارة وحكماً وشبكات مصالح طوال السنوات الماضية جعلت التخلي عنها أمراً ليس سهلاً، وهو شبيه بانقسامات كثيرة عرفتها تجارب عربية وأفريقية وعالمية تحول فيها هذا الانقسام من انقسام بين نخب سياسية إلى انقسام له قاعدة اجتماعية وشبكات مصالح، بحيث لم يعد الخلاف فقط بين قادة في بني غازي أو طرابلس أو مصراتة، إنما صار بين شبكات مصالح مستفيدة من هذا الانقسام.
وقد قابلها رأي عام شعبي عابر للمناطق يرفض هذا الانقسام ويعمل على تجاوزه ويطالب بتوحيد البلاد ولو بصورة فيدرالية بين أقاليمه الثلاثة، ويحتج على سوء الأحوال المعيشية في كل المناطق دون تمييز.

فتحي باشاغا رئيس حكومة «الاستقرار» (المكتب الإعلامي للحكومة)

اتفاقات كثيرة

لذا، علينا ألا نندهش من أن كثيراً من الاتفاقات التي وقع عليها فرقاء الساحة الليبية منذ اتفاق الصخيرات في المغرب في 2015، مروراً بتفاهمات برلين وباريس وإعلان القاهرة وغيرها، لم تنفذ على أرض الواقع، وأن أي اتفاقات مستقبلية لا تتضمن آلية للتنفيذ وتفاهماً محلياً ودولياً على «فرض التنفيذ» سيكون مسارها الفشل.
وحتى حكومة عبد الحميد الدبيبة التي انبثقت من ملتقى الحوار الليبي الذي تشكل برعاية أممية وضم ممثلين مختارين من مختلف المناطق والأطياف السياسية الليبية وقاموا في فبراير (شباط) 2021، بانتخاب رئيس حكومة ومجلس رئاسي، حل مكان حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايزالسراج، لم تستطع تغيير معادلة الانقسام في ليبيا، بل أصبحت جزءاً منه رغم الدعم الإقليمي والدولي غير المسبوق الذي نالته.
وقد عهد إلى الحكومة الحالية مهمة توحيد المؤسسات الليبية وإجراء انتخابات في 2022، ثم جرى تأجيلها رغم المطالبات الدولية والإقليمية والمحلية طوال العام الماضي بضرورة إجرائها، كما عجزت لأسباب كثيرة عن توحيد المؤسسات، واستمر الانقسام بين المناطق الليبية المختلفة وتعمق بعد أن كلف مجلس الدولة والبرلمان وزير الداخلية الأسبق ورجل مصراتة القوي فتحي باشاغا بتشكيل حكومة جديدة خلفاً لحكومة الدبيبة، وهو ما لم يعترف به الأخير مدعوماً بقوى مسلحة في طرابلس.

لقطة فيديو لحفتر متحدثاً في عرض عسكري

وقد تعمق الانقسام في الساحة الليبية ولم يعد أساساً بين طرفين (الشرق والغرب)، إنما أصبح بين أطراف ثلاثة؛ هم خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني والرجل القوي المسيطر على الشرق الليبي، وعبد الحميد الدبيبة، رئيس الحكومة الانتقالية في طرابلس، وأخيراً فتحي باشاغا الذي نال دعم البرلمان والمجلس الأعلى للدولة، وهو مدعوم من قوى سياسية وعسكرية، كثير منها من مصراتة.
ورغم أن الانقسام الحادث بين أطراف الساحة الليبية ظل مدعوماً من قوى عسكرية وميليشيات مسلحة، بعضها أجنبي موجود على الأرض، فإن الجميع في داخل ليبيا وخارجها بات يعتبر أن «الانتخابات هي الحل»، ومعها الشعار القديم «توحيد المؤسسات»، وهما حلان أو مخرجان يدعمهما الجميع قولاً، وهو «السهل»، وبقيت آليات تنفيذهما وهو «الممتنع».
وقد تأجلت الانتخابات الليبية التي كان مزمعاً عقدها في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021، وبدا واضحاً أن أزمة الانتخابات الليبية ليست أزمة إجراءات، إنما هي أزمة بنيوية أكثر عمقاً، تتعلق بتخوفات متبادلة بين أطراف الساحة الليبية من اليوم التالي لإعلان اسم الفائز بهذه الانتخابات.

جنود تابعون لحكومة الدبيبة في طرابلس مايو الماضي (أ.ب)

والحقيقة أن سؤال إجراء الانتخابات بات شعاراً مرفوعاً من مختلف فرقاء الساحة الليبية، كما أكد عليه أيضاً المبعوث الأممي الجديد لليبيا السنغالي عبد الله باثيلي، الذي طالب الجميع بضرورة الالتزام بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وضمان وجود سلطة تنفيذية واحدة، كما دعمت قوى إقليمية ودولية كبرى مؤثرة في الملف الليبي هذا التوجه، وهو يمثل في حد ذاته بيئة مؤاتية لإجراء الانتخابات، ولكنها تظل غير كافية.
والحقيقة أن الانتخابات الليبية تواجه تحدياً رئيسياً يتجاوز «الجوانب اللوجيستية» التي يتحدث فيها كثير من لجان مراقبة محلية ودولية وقضاة، وصناديق زجاجية وغيرها، ليصل إلى إيجاد صيغة للتفاهم على شخص أو أشخاص محل توافق بين الأطراف الليبية المختلفة، ولا يمثل نجاح أي منهم في الانتخابات تهديداً «وجودياً» لباقي الأطراف ويعترف بنجاحه المرشحون الخاسرون، وهو يتطلب توافقاً على المسار الانتخابي وآلية لفرض نتائجه.

جانب من جلسة عامة للمشاركين بمجموعة العمل الأمني المعنية بليبيا في تونس عقدت في وقت سابق هذا العام (السفارة الأميركية)

التنافس المقيد

والحقيقة أنه قبل خوض غمار الانتخابات الليبية لا بد من معرفة؛ هل لو تنافس خليفة حفتر وفتحي باشاغا وسيف الإسلام القذافي وعبد الحميد الدبيبة سيحترم الخاسرون نتيجة الانتخابات وسيقبل حفتر برئاسة سيف الإسلام أو الدبيبة أو العكس؟ الحقيقة أن الرهان على «تنافس مقيد» محددة شروطه وقواعده مسبقاً وضمانات لاحترام نتائجه، هو شرط أساسي لكي تكون الانتخابات أداة للتوافق وليس الانقسام.
والسؤال المطروح: هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات لوضع قواعد «التنافس المقيد» من أسماء مرشحين وقاعدة دستورية، وسيترك إرادة الناخبين الحرة تختار بين مرشحين يمكن أن يتعايشوا معاً؟ وهنا لا توجد حتى الآن أي مؤشرات على السير في هذا الاتجاه، والسؤال الثاني يتعلق بآلية «الجبر»، أي هل سيمتلك المجتمع الدولي أدوات خشنة لفرض احترام نتيجة الانتخابات على الجميع؟ والحقيقة لا توجد أيضاً حتى اللحظة مؤشرات حاسمة لصالح هذا التوجه.
وبالتوازي مع مسألة «التنافس المقيد»، مطلوب أيضاً التوافق على القاعدة الدستورية التي ستجري على أساسها الانتخابات، فالدستور الليبي الصادر في 2016 وتضمن 12 باباً و220 مادة لم يترجم على أرض الواقع في نصوص ملزمة، حيث أعلن في اجتماع القاهرة الذي عقد في شهر مايو (أيار) الماضي، من أجل وضع قاعدة دستورية تجري على أساساها الانتخابات، وأعلن وقتها التوافق على 140 مادة أخذت من مواد الأبواب الأول والثاني والثالث والرابع من الدستور، وتركت بعض المواد القليلة جداً كما قيل وقتها «لمزيد من المراجعة والدراسة والتعديل».
ومنذ ذلك التاريخ، لم يتم التوافق على هذه المواد «القليلة جداً» لوضع قاعدة دستورية تجري على أساسها الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وحتى لو حدث هذا التوافق على الورق، فإن أزمة ليبيا ستبقى في إعمال النص الدستوري وفرض احترامه في الواقع.

قائد القوات التركية في ليبيا إلى جانب الدبيبة والحداد أثناء مناورات في أكتوبر الماضي (حكومة الوحدة)

إجراءات جراحية

والحقيقة أن هناك تخوفات لدى أطراف ليبية كثيرة من تبني النظام الرئاسي خوفاً من أن يتحول إلى نظام استبدادي يعيد النظام القديم، وهناك تيار يدعم النظام البرلماني الذي يقوم على مواءمات بين القوى والأحزاب السياسية ومدعوم من المجتمع الدولي، وهناك أفكار أيضاً لخلق نظام هجين كمخرج من الأزمة.
والواضح أن تجربة فشل النظام البرلماني الهجين في تونس، والصعوبات الكبيرة التي تواجهها بعد التحول نحو النظام الرئاسي جعل إجابة سؤال ما النظام السياسي الأمثل في ليبيا ليست سهلة، ويمكن القول إن المخرج لن يكون في النظام البرلماني الذي فشل في تونس، إنما في النظام الرئاسي مع وضع الضمانات المطلوبة لكي يصبح نظاماً رئاسياً ديمقراطياً وليس فردياً.
تبقى إشكالية تحقيق المطلب الذي رفع عقب انتخاب ملتقى الحوار الليبي للدبيبة وأعضاء المجلس الرئاسي الثلاثة؛ وهو توحيد مؤسسات الدولة قبل إجراء الانتخابات، خصوصاً المؤسسة الأمنية والعسكرية ووضع دستور جديد، وهو ما لم يحدث حتى الآن لأسباب لا تتحملها فقط الحكومة الحالية. وسيصبح مطلوباً إما العمل على توحيد المؤسسات عبر خطوات تدريجية مدروسة قبل إجراء أي انتخابات، وهو خيار ثبتت صعوبة تحقيقة، أو أن يجري توحيد المؤسسات في أعقاب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وهو يتطلب أن يتمتع الرئيس المنتخب بحد أدنى من القبول «العابر للمناطق» بين الأجهزة والمؤسسات المنقسمة، حتى يستطيع أن يتخذ إجراءات جراحية من أجل توحيدها.
لن تخرج ليبيا من أزمتها المستمرة إلا بالتفاهم على اتفاق أو نص دستوري أو انتخابات؛ مع آلية لتنفيذه وفرض احترامه، وهو يتطلب أن يكون هذا الاتفاق واقعياً وقابلاً للتحقيق لا مليئاً بالأحلام والأمنيات الوردية، وأيضاً أن يمتلك «الرعاة» أدوات تنفيذه على أرض الواقع، وإلا سيصبح العام المقبل مثل الأعوام السابقة وسيدفع الشعب الليبي الطيب والصبور ثمن خطيئة الانقسام السياسي والعسكري.
- مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

قاطنو «الإيجار القديم» بمصر يعوِّلون على القضاء مع تمسك الحكومة بالقانون

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
TT

قاطنو «الإيجار القديم» بمصر يعوِّلون على القضاء مع تمسك الحكومة بالقانون

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)

يعوِّل قاطنو «الإيجار القديم» في مصر على القضاء لإلغاء بعض مواد القانون الذي أثار إقراره في يوليو (تموز) الماضي موجة من الجدل والاعتراضات، في وقت فيه أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي عدم إلغاء «قانون الإيجار القديم»، وجدد تعهده بوضع التدابير المناسبة لإتاحة وحدات سكنية بديلة للمستحقين.

ونص القانون رقم 164 لسنة 2025، والذي يتكون من عشر مواد، على إنهاء عقود «الإيجار القديم» بعد سبع سنوات للشقق السكنية، وخمس سنوات لغير السكنية، ما لم يتم الاتفاق على الإنهاء المبكر بين المالك والمستأجر؛ مع تشكيل لجان حصر في كل محافظة لتقسيم المناطق إلى متميزة ومتوسطة واقتصادية، وفق معايير تشمل الموقع الجغرافي، ونوعية البناء والمرافق والخدمات.

وحدد القانون، الذي بدأ تنفيذه مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي، قيمة الزيادة في الإيجار، ليرتفع إلى 20 ضعفاً في المناطق المتميزة، بحد أدنى ألف جنيه (20 دولاراً)، و10 أضعاف في المناطق المتوسطة والاقتصادية، وبحد أدنى 400 جنيه و250 جنيهاً على التوالي. كما يتيح القانون توفير سكن لقاطني الإيجار القديم ممن ليست لديهم وحدات بديلة، وأكثر الفئات احتياجاً.

ولا تزال طعون عديدة مرفوعة من محامين ومستأجرين ضد قانون «الإيجار القديم» قيد الانتظار أمام المحكمة الدستورية العليا. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تلقَّت «الدستورية» أول دعوى دستورية تطعن طعناً مباشراً على بعض مواد القانون.

ويطالب المحامون والمستأجرون بإلغاء القانون لأسباب مختلفة، من بينها ما يتعلق بعدم صواب إجراءات تحديد القيمة الإيجارية أو لوجود أخطاء إجرائية في الإعلان عن تشكيل «لجان الحصر».

ويراهن الأربعيني أحمد إسماعيل، الذي يقطن في منطقة الزيتون بشرق القاهرة، على حكم القضاء بشأن القيمة الإيجارية التي تم تقديرها للمسكن التي تقطنه والدته. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «والدتي مريضة، ومقيمة مع شقيقتي الصغرى منذ 30 عاماً في الشقة، ولا يمكن أن تغادرها لأخرى في المستقبل، حيث إن معاشها قليل».

عقارات قديمة في وسط القاهرة (أ.ف.ب)

ويقول رئيس «اتحاد مستأجري الإيجار القديم»، شريف الجعار، إن لجوء المستأجرين إلى القضاء أمر طبيعي، ويتابع: «سيظل المستأجرون متمسكين بالمسار القانوني»، لكنه أعرب عن أمله أن يستجيب مجلس النواب ويناقش القانون من جديد، متوقعاً أن يقضي القضاء المصري ببطلان «مادة الطرد» التي قال إنها تصطدم بحقوق المستأجرين.

وقال مدبولي في مؤتمر صحافي، الثلاثاء، إن الآلية المتبعة بشأن قانون «الإيجار القديم» تعتمد على تقدم المتضرر للتسجيل وطلب سكن بديل، مشيراً إلى أن إجمالي من سجلوا حتى الآن بلغ 70 ألفاً فقط، رغم تمديد مهلة التسجيل لثلاثة أشهر إضافية بعد المهلة الأولى التي أعقبت صدور القانون.

ويُلزم القانون الحكومة بتوفير سكن لقاطني الإيجار القديم ممن ليست لديهم وحدات بديلة، والفئات الأكثر احتياجاً، قبل انتهاء المدة الانتقالية المحددة بـسبع سنوات تتحرر بعدها العلاقة الإيجارية بين المالك والمستأجر. ويقطن في هذه الوحدات نحو 1.6 مليون أسرة، وفق تقديرات رسمية.

وتستمر الحكومة في تلقي طلبات «السكن البديل» حتى 14 أبريل (نيسان) المقبل بعد تمديد فترة التقديم، والتي كان مقرراً أن تنتهي في 13 يناير (كانون الثاني) الماضي. لكن بحسب مراقبين، فإن السكن البديل لا يُغري كثيراً من المستأجرين من المتمسكين برفضهم المادة التي تجبرهم على إخلاء منازلهم.

جلسة سابقة لمجلس النواب المصري (المجلس)

والشهر الماضي، دعا نواب في البرلمان لإعادة مناقشة قانون «الإيجار القديم»، وقالت عضوة مجلس النواب سناء السعيد إنها قامت بعمل تعديلات على قانون «الإيجار القديم» بإلغاء المادة الثانية «التي تثير لغطاً في المجتمع المصري».

وتابعت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت، الاثنين والثلاثاء الماضيين، في جمع توقيعات النواب»، مضيفة: «من حق نائب البرلمان، في ضوء اللائحة والدستور والقانون، أن يجري تعديلات على أي قانون قائم».

وقالت إن التعديلات المقترحة تستند إلى حكم المحكمة الدستورية العليا الذي تحدث عن تحرير القيمة الإيجارية وليس طرد المستأجرين.


السيسي يؤكد أهمية الحفاظ على أرصدة «استراتيجية آمنة» من المنتجات البترولية

الرئيس السيسي خلال اجتماع مع رئيس الوزراء لمتابعة مستجدات ملف المواد البترولية (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي خلال اجتماع مع رئيس الوزراء لمتابعة مستجدات ملف المواد البترولية (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يؤكد أهمية الحفاظ على أرصدة «استراتيجية آمنة» من المنتجات البترولية

الرئيس السيسي خلال اجتماع مع رئيس الوزراء لمتابعة مستجدات ملف المواد البترولية (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي خلال اجتماع مع رئيس الوزراء لمتابعة مستجدات ملف المواد البترولية (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الأربعاء، الأهمية القصوى للحفاظ على «أرصدة استراتيجية آمنة» من المنتجات البترولية، وذلك لتأمين إمدادات الغاز اللازمة بالكميات المطلوبة، سواء لاستخدامات المواطنين أو لتلبية احتياجات القطاعات الإنتاجية.

جاء ذلك خلال اجتماع عقده مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، ووزير الكهرباء والطاقة المتجددة محمود عصمت، ووزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي.

ووفق إفادة لمتحدث الرئاسة المصرية محمد الشناوي، فإن الاجتماع تناول الاحتمالات والبدائل المختلفة على مستوى قطاعي الكهرباء والبترول؛ لتوفير الوقود المكافئ، وضمان استقرار واستمرارية توليد الطاقة الكهربائية.

وأشارت الإفادة إلى أن السيسي تابع ما يتعلق بتعزيز الجاهزية لتأمين إمدادات الغاز اللازمة لقطاع الكهرباء للتعامل مع أي مستجدات، خاصة في ظل الحرب الجارية في المنطقة، وما ترتب عليها من تداعيات اقتصادية سلبية، وتأثير على الأسعار، لا سيما أسعار المنتجات البترولية.

كما اطَّلع الرئيس المصري على خطة العمل الحكومية لضمان توفير احتياجات قطاع الكهرباء من المنتجات البترولية، وانتظام ضخ إمدادات الغاز للشبكة القومية للكهرباء، بما يحقق استدامة واستقرار التغذية الكهربائية وخفض الفاقد.

وبحسب المتحدث الرئاسي، تناول الاجتماع «تطورات معدلات الإنتاج في مصر من الغاز والزيت والمكثفات، وموقف مستحقات الشركات الأجنبية وجهود السداد، وخريطة الاستكشافات المحققة خلال الفترة الماضية، وأنشطة الحفر الاستكشافي، وسبل جذب الاستثمارات ذات الصلة، وأنشطة التكرير».

من جهته، أشار وزير البترول إلى وجود خطة لتطوير وتعظيم الاستفادة من معامل تكرير البترول القائمة، بما يدعم زيادة الإنتاج والقيمة المضافة، ويقلل الفاتورة الاستيرادية للوقود.

وتم خلال الاجتماع استعراض مذكرة تفاهم تم التوقيع عليها بين الجانبين المصري والليبي بخصوص التعاون في مجالات البترول والغاز الطبيعي والتعدين، وتستهدف تأسيس مرحلة جديدة من التعاون المصري - الليبي في قطاع البترول بمجالات البحث والاستكشاف وتكرير خام البترول، لتعظيم القيمة المضافة وتطوير المصافي، ودراسة التعاون في نقل الزيت الخام والغاز الطبيعي بين البلدين.

ووجَّه السيسي باتخاذ كل ما يلزم للسعي نحو سداد كامل مستحقات الشركات الأجنبية ذات الصلة العاملة في مصر، وتكثيف الجهود الحكومية لتعزيز فرص جذب الاستثمارات لقطاع الطاقة، بما يضمن تحقيق مستهدفات القطاع.

كما أشار إلى ضرورة تأسيس وتجهيز بنية تحتية متكاملة لاستقبال الواردات من الغاز المسال، واستقدام وتشغيل «سفن التغييز»، وذلك بالتوازي مع مواصلة دعم زيادة الإنتاج المحلي وتعزيز أنشطة الاستكشاف والإنتاج.


مدينة الدلنج بجنوب كردفان تشهد قصفاً مدفعياً مكثفاً

سودانيون يصلون على أرواح ضحايا هجوم بطائرة مسيرة في ولاية جنوب كردفان (أرشيفية - رويترز)
سودانيون يصلون على أرواح ضحايا هجوم بطائرة مسيرة في ولاية جنوب كردفان (أرشيفية - رويترز)
TT

مدينة الدلنج بجنوب كردفان تشهد قصفاً مدفعياً مكثفاً

سودانيون يصلون على أرواح ضحايا هجوم بطائرة مسيرة في ولاية جنوب كردفان (أرشيفية - رويترز)
سودانيون يصلون على أرواح ضحايا هجوم بطائرة مسيرة في ولاية جنوب كردفان (أرشيفية - رويترز)

شهدت مدينة الدلنج السودانية، بولاية جنوب كردفان، قصفاً مكثفاً قالت مصادر محلية إن «قوات الدعم السريع» استخدمت فيه المدفعية الثقيلة، والضربات الجوية، وكان هو الأعنف منذ بدء محاولتها تطويق المدينة.

وبات القتال في الدلنج والبلدات المحيطة محور الحرب التي تدور على مدى الأسابيع الماضية بعد أن تمكن الجيش السوداني في وقت سابق من فك الحصار عن كادوقلي عاصمة الولاية.

وقال شهود عيان ومصادر عسكرية إن «قوات الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، شنَّتا الأربعاء قصفاً مدفعياً على الدلنج أسفر عن إصابات متفاوتة بين السكان.

ووفقاً لشهود العيان، انطلقت القذائف المدفعية من مناطق الكدر، والحجيرات، والفراقل بشمال غربي الدلنج، وألحقت أضراراً بالغة بمنازل المواطنين.

قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو يحيِّي حشداً خلال تجمع في ولاية نهر النيل بالسودان (أرشيفية - أ.ب)

وكان الجيش السوداني قد تصدى، الأحد الماضي، لهجوم بري واسع النطاق نفذته «قوات الدعم السريع» من محاور عدة على الدلنج، واستولى على عربات قتالية ودراجات نارية تخص القوة المهاجمة.

ومطلع الأسبوع الحالي، كثفت «قوات الدعم السريع» قصفها على مواقع الجيش في مدن وبلدات جنوب كردفان، وأحدثت خسائر وسط المدنيين، وممتلكاتهم.

«نقطة مهمة للتقدم»

وكان الجيش قد استعاد في الأسبوع الأول من فبراير (شباط) الماضي مدينة الدلنج، ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان.

وقد تمنح السيطرة على الدلنج «قوات الدعم السريع» نقطة مهمة للتقدم باتجاه مدينة كادوقلي التي ترغب في الاستيلاء عليها للسيطرة على كامل إقليم جنوب كردفان وجبال النوبة.

ومن المتوقع على نطاق واسع أن يشن الجيش السوداني هجوماً مضاداً في غضون الأسابيع المقبلة لاستعادة الأراضي التي سيطرت عليها «قوات الدعم السريع».

وفي مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تواصلت الهجمات بالمسّيرات الانتحارية والاستراتيجية لأكثر من ثلاثة أيام على التوالي؛ ونقلت منصات إعلامية موالية للجيش السوداني أن مجموعة من الطائرات المسيرة استهدفت محطة الكهرباء الرئيسة ومقر الإمدادات الطبية في المدينة والذي دُمر بالكامل.

طفل وسيدة أصيبا جرّاء هجوم بطائرة مُسيرة في الأبيض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)

وفي المقابل قالت منصات «الدعم السريع» إن الهجمات التي شنتها قوات «تحالف تأسيس» على مدينة الأبيض خلال الأسبوع الحالي استهدفت بشكل مباشر المواقع العسكرية التي يتحصن فيها الجيش والقوات المساندة له من حركات دارفور المسلحة.

تبرؤ الجيش

من جهة أخرى تبرأ الجيش السوداني، الأربعاء، من فيديو راج على نحو واسع النطاق، تظهر فيه مجموعة من الأشخاص يرتدون ملابس عسكرية ويعلنون تأييدهم لإيران في الحرب، نافياً أن تكون لهم «أي علاقة بالقوات المسلحة».

وقال المتحدث باسم الجيش عاصم عوض في بيان: «المجموعة التي ظهرت في الوسائط ترتدي زياً عسكرياً وتهتف لصالح الحرب لا تتبع القوات المسلحة»، مضيفاً: «سيتم اتخاذ الإجراءات القانونية ضدهم».

وكان ناشطون قد تداولوا بكثافة مقطع فيديو لأحد قادة «كتائب الحركة الإسلامية» التي تقاتل في صفوف الجيش، يُدعى الناجي عبد الله، ويعلن فيه التأييد و«الوقوف بقوة» إلى جانب إيران في الحرب الدائرة حالياً بالمنطقة.

وتداولت حسابات سودانية على منصات التواصل الاجتماعي أنباء عن اعتقاله من قبل السلطات السودانية، لكن لم يتسن التأكد من مدى صحتها.