حصاد 2022 السينمائي (5): السينما العالمية تجتاز نصف المأزق... وينتظرها عام صعب

أرقام ودلالات تحدد مستقبلها

مشهد من فيلم «تيرنينغ رد» الذي تسبب في طرد رئيس شركة ديزني
مشهد من فيلم «تيرنينغ رد» الذي تسبب في طرد رئيس شركة ديزني
TT

حصاد 2022 السينمائي (5): السينما العالمية تجتاز نصف المأزق... وينتظرها عام صعب

مشهد من فيلم «تيرنينغ رد» الذي تسبب في طرد رئيس شركة ديزني
مشهد من فيلم «تيرنينغ رد» الذي تسبب في طرد رئيس شركة ديزني

لم تعلن بعد الأرقام الرسمية لإيرادات السينما عن سنة 2022 حول العالم، لكن ما هو متوقع أن تزيد عن 20 مليار دولار وهذا أعلى بنحو 40 في المائة عما حصدته السينما في العام الماضي، لكنه ما زال أقل بنحو 30 في المائة عن إيرادات عام 2020 الذي انتشر به وباءان: «كوفيد» و«منصات عرض الأفلام في المنازل».
أميركياً، نحو 7 مليارات و200 مليون دولار تم حصدها سنة 2022 (من دون حساب الغزو الكبير الحالي لفيلم «أفاتار: طريق الماء» الذي بوشر بعرضه أواسط هذا الشهر)، وهو رقم أعلى مما تم جمعه في العام الماضي لكنه أقل بـ35 في المائة مما تم تسجيله سنة 2019.
عام 2022. بتسجيله تقدّماً تجارياً ملحوظاً، هو عام الثقة بأن السينما، في عروضها الكلاسيكية داخل صالات السينما، تستطيع الاستمرار في منهجها. لكن هذه الثقة مهزوزة إلى حد أن الإجماع على الطريقة التي يمكن للسينما العالمية تأكيد هذه الاستمرارية والدفاع عنها في مواجهة التقدّم الذي أحرزته منصّات عروض الأفلام المباشرة على النت. قدر لا بأس به من الارتباك والحيرة حول كيف يمكن الاستفادة من سوق الإنترنت من دون الإضرار بسوق صالات السينما.

توم كروز أنقذ فيلمه «توب غن - مافيريك» شركة  باراماونت

- دليل ناصع
يؤدي هذا الارتباك إلى وضع من التخبط وعدم القرار. رجال الأعمال الذين جيء بهم منذ عقود لإدارة صناعة السينما، عوض المنتجين الممارسين في هوليوود الأولى وحتى مطلع الثمانينات، يفهمون لغة واحدة هي لغة المال، والجميع تنافسوا سابقاً وما زالوا يتنافسون على تأدية المهمّة بنجاح كون مصلحة كل منهم المادية (نسب العقود والأرباح بالإضافة إلى الرواتب الهائلة التي يتقاضونها) مرتبطة بتحقيق الأهداف التجارية المناطة لكل استوديو.
هؤلاء اختلفوا في التصرّف حول ما هي الطريقة الأمثل لتسويق الفيلم تجارياً؟ هل بعرضه في الصالات أولاً ولفترة زمنية كافية لاسترداد تكاليفه أو أرباحه منها قبل إحالته إلى المنابر الافتراضية أو إطلاقه على تلك المنابر في وقت واحد (أو بعد أيام معدودة) من إطلاقه في صالات السينما؟
لا تجسيد لهذا التخبط في القرار من حقيقة أنه في مطلع شتاء هذا العام تم إقالة بوب تشابك، رئيس شركة ديزني، بسبب وضع كل بيض الإنتاجات على الإنترنت مباشرة، مما منع تحقيق ما كانت تتوخاه «ديزني» لها من عروضها التجارية الكلاسيكية.
تحديداً في هذا الإطار فيلما «لوكا، صول« (Luca‪، ‬ Soul) و«تيرنينغ رَد» (Turning Red) الكرتونيين اللذان كانا من بين ما توخت «ديزني» عبرهما قيادة إيرادات السنة. النتيجة هي أن «ديزني» خسرت هذا الرهان على الأولوية، مما انعكس على بورصات وول ستريت وأدّي لطرد تشابك بقرار سريع.‬
لكن في المقابل، نجد أن شركة باراماونت سرحت رئيس إنتاجاتها جيم جيانولوليس من وظيفته، لأنه أصر على منح الأفلام حقها الكامل في صالات السينما، بينما أرادت الإدارة العليا لباراماونت الإسراع في عملية تحويل أفلامها إلى العروض المنزلية حتى وإن كان لتلك الأفلام احتمالات نجاح كبيرة.
وما حدث لفيلم «توب غن: مافيريك» أنصع دليل على أن الفيلم يستطيع الاستفادة من حياتين عوض حياة واحدة إذا ما مُنح الفرصة لذلك. باراماونت أرادت بث الفيلم على المنصّات بعد أسبوعي عرضه في الصالات. توم كروز، بطل الفيلم وأحد منتجيه، لوّح باللجوء إلى القضاء إذا لم تلتزم باراماونت بالعقد المبرم في عقدها، وهو منح الفيلم ثلاثة أشهر من العروض السينمائية. هو انتصر والفيلم أنجز طنّاً من المال قبل أن يتم تحويله إلى منصّة باراماونت الإلكترونية. بذلك أنقد كروز فيلمه، ولم تخسر باراماونت رهانها على صالات السينما.
أقسى ما في الأمر ذلك القرار التي اتخذته «وورنر» في مطلع 2022 ببث أفلامها في صالات السينما وعلى منصّتها الخاصة (وورنر ديسكفري) معاً أو بعد 45 يوماً من عروضها السينمائية في أميركا كحد أقصى و31 يوماً كحد أقصى في عروضه العالمية. صوني (مالكة كولمبيا التي هي من بين استوديوهات هوليوود العتيدة) باتت الملاذ الأخير، إذ اختارت تخصيص صالات السينما بإنتاجاتها لكن حتى تصمد حيال منافسيها عليها، أكثر من أي وقت مضى، اللجوء إلى أفلام تضمن نجاحاتها كما حدث هذا العام عندما عرضت Spider‪ - ‬Man‪:‬ No Way Home.‬‬

«قرار بالمغادرة» أحد أفضل 10 أفلام سنة 2022

- نقاط مستقبلية
هذه القرارات ليست أخيرة في أي اتجاه. وهناك ممانعة شديدة من قِبل المخرجين والمنتجين للطريقة التي بات من المتوقع أن تُشحن أفلامهم إلى السوق الإلكترونية، عوض أن تتمتع بالعروض التي تستحقها في صالات السينما.
القراءة في مستقبل العروض السينمائية من خلال ما حدث سنة 2022 لا تبعث بالطمأنينة. هناك انعكاسات سلبية ليس فقط بسبب الصراع بين صالات السينما ومنصات الأفلام المباشرة على النت، بل كذلك بسبب شيوع نوع واحد من الأفلام في السنوات الأخيرة، مما حجّم احتمالات منح الأفلام المختلفة عن سينما الكوميكس والأكشن الفرصة المناسبة.
هناك خمس نقاط رئيسية ضمن هذه القراءة قد تهيمن على سوق العام الجديد وهي:
1 - احتمال استمرار فوضى العروض الحالية لفترة زمنية قصيرة قبل أن تطلق هوليوود أفلام الصيف لتقيس عليها أي طريق ستختاره. لن تتخلى عن المنصّات لكنها لا تريد كذلك التخلي عن احتمالات النجاح الكبيرة في صالات السينما.
2 - الفيلم المستقل سيواصل الاصطدام بجدار الممانعة وقلة الاستحواذ على فرص إنتاج وبالتالي فرص عروض.
3 - مهرجانات السينما هي حالة متميّزة: بين تلك الكبيرة رفض مهرجان فينيسيا الإذعان لوباء «كورونا»، حتى في أشد جنوحه وانتشاره، وسيبقى على هذا الوضع. هذا العام عادت معظم المهرجانات للعمل كلاسيكياً من دون اللجوء إلى العروض المنزلية كما كان الحال في العامين الماضيين. الواضح بأنها لا تستطيع تعريض نفسها لأزمة جديدة إذا ما عاد الوباء للانتشار في العام المقبل. هي في وضع حرج.
4 - المنصّات الإلكترونية ستواجه قوانين أوروبية تحد من شيوعها غير المشروط حالياً. هذا لأن السينما الأوروبية (على الأخص) تعاني من ارتباك كبير دلّ عليه تعثر نشاطات الأسواق السينمائية في برلين و«كان» في عام 2022. هناك أزمة تفصح عن نفسها عندما نلاحظ أن معظم شركات التسويق والتوزيع الأوروبية غير قادرة اليوم على برمجة أعمالها، أو هي لا تستطيع معرفة ما سيكون الحال عليه بعد ثلاثة أشهر.
5 - المنتجون المستقلون، أو أولئك الذين ينجزون خارج أميركا أفلاماً جماهيرية الهدف مشتركون في محاولة قراءة المستقبل القريب بناء على حال الأسواق بعد زلزالي «كورونا» و«المنصّات». لا أحد يريد أن يخسر ماله في وضع كهذا غير مأمون العواقب. هنا تتبدّى حاجته الماسة للاشتراك في المهرجانات الكبيرة كسبيل لتسويق الأفلام غير الأميركية. اختيار صائب وإن كان ليس مضمون النتائج أيضاً.

- أفضل 10 أفلام
على صعيد مختلف تماماً فإن الأفلام، بصرف النظر عن منشئها، التي تستحق الإدراج في قوائم نقاد السينما كانت وفيرة هذا العام. نحو 30 فيلماً تستحق الإشادة، لكن ليس من بينها بالضرورة ما ذهب إليه نقاد الغرب في هذا المجال كون النظرة الفاعلة والمفيدة في هذا المجال عليها أن تكون مستقلّة تماماً. قائمة العشرة التالية مرتّبة أبجدياً (قائمة أفضل الأفلام العربية نُشرت هنا في الأسبوع الماضي).

1‪ - ‬ Avatar‪:‬ The Way of Water‬‬
فانتازيا وأكشن من إخراج جيمس كاميرون في إتقان بصري وتقني فريدين (الولايات المتحدة)

‪2 - Banshees of Inisherin‬‬
‫حكاية بسيطة حول صداقة تقارب نهاياتها بين رجلين. أفضل ما حققه مارتن مكدوناف إلى اليوم (آيرلندا)‬‬

‪3 - Bardo‬‬
‫سيرة حياة مفتوحة على هواجس متعددة وتعليقات حول الذات والمجتمع من أليخاندرو إيناريتو (المكسيك)‬‬

4‪ - ‬ Blonde‬
سيرة حياة مارلين مونرو بالأبيض والأسود وعبرها ما تعرّضت إليه من محن ومتاعب (الولايات المتحدة)

‪5 - Decision to Leave‬‬
‫تحرٍ يقع في هوى المرأة التي يعتقد أنها قتلت زوجها. تشويق وغموض جيدين (كوريا)‬

‪6 - Don›t Look Up‬‬
‫كوميديا سياسية ساخرة مما قد يقع في البيت الأبيض والإعلام الرسمي الأميركي إذا ما تعرضت الأرض لنهاية‬

‪7 - EO‬‬
‫فيلم البولندي ييرزي سكوليموفسكي عن حمار يعبر رحلة أوروبية تعبر عن أفضل وأسوأ ما فيها من مشاكل‬

‪8 - Guillermo del Torro›s Pinocchio‬‬
‫حكاية بينوكيو كما لم نرها من قبل على الشاشة. بصريات مذهلة ورسوم متقنة مع بعد سياسي واضح.‬ ‬

‪9 - Klondike‬‬
‫دراما رائعة عن امرأة حبلى وزوجها على خط المواجهة في حرب روسيا وأوكرانيا سنة 2014 (أوكرانيا)‬

‪10 - Nope‬‬
‫خيال علمي مختلف حول أفرو - أميركي وشقيقته يكتشفان وجود عدو آت من الفضاء (الولايات المتحدة)‬‬
‪ ‬‬تسجيلي

‪Compationate Spy‬‬
‫في صميم الحرب الباردة تمكن جاسوس يعمل داخل المختبرات النووية الأميركية من تسريب معلومات سرية إلى العدو الروسي (الولايات المتحدة).‬‬
رسوم:

‪The Sea Beast‬‬
‫أنيميشن رائع على أكثر من مستوى، درامياً وفنياً، حول وحش بحري ‬يحاول صياد قتله ويدافع عنه شاب (الولايات المتحدة).‬


مقالات ذات صلة

إليزابيث راسموسن: نشأتي قرب الدائرة القطبية جعلت السماء جزءاً من هويتي

يوميات الشرق عرض الفيلم في النسخة الماضية من «مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

إليزابيث راسموسن: نشأتي قرب الدائرة القطبية جعلت السماء جزءاً من هويتي

قالت المخرجة النرويجية، إليزابيث راسموسن، إن الشرارة الأولى للفيلم الوثائقي «نحن غبار النجوم» جاءت من قصة بدت لها في البداية أقرب إلى الحكايات الخيالية.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما «أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية»

محمد رُضا (لندن)
سينما «ذباب» (مهرجان برلين)

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق أحمد السعدني ومايان السيد في مشهد من فيلم افتتاح المهرجان (الشركة المنتجة)

«هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة بإضافات جديدة

يستعد مهرجان «هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة المقررة خلال الفترة من 17 إلى 20 أبريل الجاري في مدينة لوس أنجليس الأميركية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق خالد الحربي وخالد يسلم في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)

«هجير»... بيتهوفن سعودي من جدة القديمة

«هجير» يسرد رحلة داخلية تعيد تعريف حاسة السمع، لا بوصفها قدرة حسية فحسب، بل كوسيلة لصياغة الموسيقى والإبداع.

إيمان الخطاف (الدمام)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً