مراجعات لم يكتبها «الإخوان»... كيف وصلت الجماعة إلى بداية النهاية؟

مسار من الأخطاء والانشقاقات يشكك بقدرة التنظيم على التعافي من «محنته» الأخيرة

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

مراجعات لم يكتبها «الإخوان»... كيف وصلت الجماعة إلى بداية النهاية؟

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

يكاد تنظيم «الإخوان المسلمين» يكمل مائة عام من الوجود الصاخب، ورغم فشله في كل الساحات والمساحات وخصومته الممتدة مع المجتمعات والحكومات بما كان يحتم عليه أن يحرص على المراجعة الجادة لأهداف مشروعه ووسائله وسلوكه في السعي لأهدافه، خصوصاً مع ما تكبده من خسائر وما سبَّبه من دمار وخراب، أصاب مصائر الكثير من الدول التي ابتُليت بوجوده بين ظهرانيها. رغم ذلك كله، تمسكت الجماعة برفع شعار «المحنة» التي تستلزم الصبر، شاهرةً في وجه من يريد مراجعةً أو تقييماً الاتهامَ بأنه «داعية فتنة»، يستهدف بلبلة الصف «الإخواني» وهدم «الجماعة الربانية».
لم يُعرف عن «الإخوان» أي انخراط جاد في مراجعة، على مستوى الأفكار والأدبيات والسلوك والاجتهادات السياسية والفكرية، وهو ما أسهم في تكلسها تنظيمياً وفكرياً على نحو كان من أهم الأسباب التي ساقتها إلى محنها الحقيقية والمفتعلة. وقد ضربت الجماعة جملة من التطورات الدراماتيكية في السنوات الماضية، على نحو لم تعرفه عبر تاريخها تحلت في مواجهتها بحالة من حالات الإنكار التي جعلتها تحمّل الجميع مسؤولية ما جرى منها ولها، من دون أن تشير ولو من طرف خفيّ بإصبع الاتهام إلى مناهج التفكير أو التدبير التي حكمت سلوكها، سواء في مرحلة ما قبل يناير (كانون الثاني) 2011 أو ما جرى خلال يناير وما تلاها من وصولها للحكم على نحو ما يعرفه الناس جميعاً.
- خطايا التأسيس
لم تبدأ خطايا الجماعة مع الانتقال من مربع الدعوة والتربية إلى مربع السياسة ومحاولة الوصول للحكم الذي استجلب عليهم غضب الجميع في الداخل والخارج، يوم أعلنها حسن البنا في العام 1938 مع رسالة المؤتمر الخامس التي كشفت حقيقة مشروعه بوصفه مشروعاً سياسياً يتوسل بالدين، السلاح الأكثر فاعلية في السيطرة على عواطف الناس. منذ هذه اللحظة، بدأ نزيف الجماعة الشعبي على عكس ما يعتقد الكثيرون، وبدأ الصعود ولكن نحو الهاوية في الحقيقة. فقد غادرها الكثير من الشخصيات العاقلة، ممن ارتبطت بها تحت دعاوى الإحياء الإسلامي والدعوة لتمكين القيم الإسلامية من النفوس، والتوسل في الأساس بنمط محبب للمصريين وهو التصوف، إذ غلبت على عملية التربية والدعوة في هذه المرحلة، المأثورات ووظائف الحركات الصوفية.

محمد مرسي وإلى يمينه محمود حسين الذي يقود إحدى الجبهات المنقسمة (غيتي)

لم تناقش أبداً جريمة تأسيس ما سُمي بـ«النظام الخاص»، تلك الميليشيا العسكرية الموازية للنظام العام للجماعة، والذي خرج تماماً عن سيطرة حسن البنا وإن كان البعض يعتقد أن الأمر لم يكن يعدو توزيعاً للأدوار، وأن التدبير كان يقتضي أن يفعل «النظام الخاص» ما يفعله، فإذا كُشف أمره أعلن البنا أنه غير مسؤول عن أعماله.
في لقاء جمعني بمحمد فريد عبد الخالق -وكان سكرتيراً لحسن البنا في أحرج المراحل- أكد أن البنا غضب من عمليات «النظام الخاص» غضباً شديداً، وظل يردد وهو يشد شعره: «أنا أبني وهم يهدمون». إذن فقد بدأ الهدم مبكراً بالفعل، ولم يكن حسن البنا قد استكمل البناء بعد، إذ دخلت الجماعة صراعاً مفتوحاً مع الجميع، وفقدت قيادة المؤسس الذي كان لا يزال يحتفظ بالكثير من الأفكار والخطط لجماعته، وقد هضم الدرس بأن سلوك مسار السياسة ومخالفة نصائح شيخ كالحافظ التيجاني الذي نصحه بألا يقترب من السياسة ويبقى في دائرة الدعوة والتربية، كان خطأ كارثياً أدركه قبل اغتياله بشهور.
- «مفاصلة شعورية» وعزلة وجدانية
ظلت الجماعة تمارس نشاطها بإرادة النظام الخاص ورؤيته المغلقة في الفترة من 1949 بعد اغتيال مؤسسها حتى تغيرت طبعتها تماماً مع سيد قطب في 1954 الذي كتب خطتها الجديدة لتنتقل من حالة «روح جديدة تنساب في الأمة لتحييها بالقرآن» بتعبير البنا، إلى حالة «المفاصلة الشعورية» والعزلة الوجدانية التي تنطلق من النظر إلى المجتمعات الإسلامية بوصفها مجتمعات جاهلية، ابتعدت عن حاكمية الله لحساب حاكمية البشر وضلَّت في التصور والاعتقاد والسلوك، ما أنتج أفكار الاستعلاء الإيماني. وأتعجب كيف يستقيم جمع كلمة استعلاء مع إيمان في جملة واحدة؟ ولكن الفكرة مرت وكسبت في السجون زخماً وأنصاراً جدداً، حتى تحورت فكرة «الإخوان»، لتترسخ في وعيهم مقولات «المؤامرة على الإسلام بين كيد أعدائه وجهل أبنائه» أو «جاهليتهم»، كما سمّاها قطب.

القرضاوي حاول التوسط في صراع الجبهات (إ.ب.أ)

وبين مؤامرة محاولة اغتيال جمال عبد الناصر في 1954 وتنظيم 1965 الذي تزعمه سيد قطب، جرت تحت الجسر مياه، وانتعشت نظريات سيد قطب ووجدت أنصاراً ودخلت الجماعة نفقاً طويلاً، كان آخره تجربة «الإخوان» القصيرة في حكم مصر والتي سيطرت على مقدراتها مجموعة قطبية أدمنت العمل السري ولم تتحرر من مشكلاته حتى عندما وصلت إلى الحكم، ولم تتصرف إلا بالطريقة التي درجت عليها واعتادتها طوال عقود.
نحن هنا أمام مدرستين في التفكير والتدبير يستحيل الجمع بينهما... فقد بدا أن محاولة الجمع بين السلمية والعنف، بين السرّيّ والعلنيّ، بين الدعوة والسياسة، بين الشارع والحكم، محاولة للإمساك بكل شيء. وهو السلوك الذي تمسكت به الجماعة عبر تاريخها، بحديثها عن نفسها كهيئة إسلامية جامعة بتعبير البنا، وبدا أمراً مستحيلاً، تأكدت استحالته بالتجربة والبرهان، بما يؤكد الحاجة إلى مراجعة مفصلة لتلك المواضع التي تأكد فيها فشل «الإخوان» عبر تاريخهم الممتد خلال قرن من الزمان، وما يقف وراء ذلك من قيم وأفكار ومفاهيم.

شكَّلت محاولة اغتيال عبد الناصر في 1954 نقطة تحول في مسيرة «النظام الخاص» للجماعة (غيتي)

تبدو المراجعة أمراً يفرضه العقل، أو بتعبير «الإخوان» الأثير حين يعتقدون في حتمية شيء فيقولون إنه «فريضة شرعية وضرورة بشرية»، وهو ما ينطبق على المراجعة التي نناقش فيها ما جرى لهذا التنظيم: أفكاره، وقيمه، ومشاريعه، وأهدافه، ووسائله، وفعله بنفسه وبالآخرين. عبر مراجعة هادئة لم يكتبها «الإخوان»، أتقمص فيها شعور «الإخوان»، من دون عقلهم المحجوب خلف أساطير التنظيم، آمل بأن أبدد الدخان الذي حجب الرؤية عن عقولهم التي أدمنت الإنكار.
- «جماعة المؤمنين» ووهم «الرعاية الإلهية»
«صنع الله دعوة الإخوان المسلمين على عينه، فرسم لها طريقها وحدد لها أهدافها واختار لها الخير في كل خطواتها ومراحلها حتى في حالة الهزيمة والانكسار، بل إن أشخاصها وقيادتها جاءت أشبه بالاختيار الرباني فعكست في أفكارها وتصرفاتها وقرارتها الشخصية، وربما صفاتها وأسمائها العناية الإلهية لدعوة الإخوان، والتي تضع كل شيء في موضعه ونصابه لذا لم تكن مصادفة أن يكون حسن البنا هو المرشد الأول الذي بدأ الدعوة ووضع البناء، وحسن الهضيبي هو المرشد الثاني الذي قاد سفينة الدعوة في محنتها وتصدى لمن كادوا لها من رجال الثورة فكان الهضبة التي تحطمت عليها مخططاتهم ومكائدهم، ثم جاء عمر التلمساني بعده فأعاد تجميعها وتلمّس لها خطواتها بعد المحنة الناصرية، وحل بعده حامد أبو النصر مرشداً رابعاً فكان عنوان النصر الذي أحرزه الإخوان في النقابات ونوادي هيئات التدريس والمجالس المحلية والبرلمان إلى أن توفاه الله، وتولى بعده مصطفى مشهور الذي يضع الإخوان عليه الآمال في أن يعيد شهرة الجماعة عالمياً، وهو صاحب الجهد الأكبر في بناء وقيادة التنظيم العالمي للإخوان».

مصطفى مشهور ومأمون الهضيبي يتصدران مشيعي جنازة حامد أبو النصر التي شهدت «بيعة المقابر» عام 1995 (غيتي)

يرى الباحث حسام تمام أن هذه المقولة التي صدّر بها أحد الصحافيين «الإخوان» حواراً أجراه مع مصطفى مشهور، عقب توليه منصب المرشد العام لـ«الإخوان» سنة 1996، تكشف بجلاء طبيعة النظرة «الإخوانية» لتاريخ الجماعة، بوصفه تاريخاً لجماعة المؤمنين التي تعهدتها الرعاية الإلهية، فالله تعالى هو من رسم طريقها واختار لها كل خطواتها. إذن أي خلاف أو نقد في تلك الحالة يكون أقرب إلى التجديف والإلحاد، فمن ذلك الشخص الذي يستدرك على فعل الله في خلقه؟ بهذه الروح تعامل «الإخوان» مع تاريخهم، وجرائمهم بحق الدين والوطن، ثم الادعاء المكرر بنصرتهما في كل ما فعلوه عبر تاريخهم.
في حواره مع المتحدث الإعلامي لجبهة محمود حسين، إحدى الجبهات المتنازعة على قيادة التنظيم والمعروفة بـ«جبهة إسطنبول»، مع قناة «مكملين» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، قال علي حمد إن «التنظيم هو الضمانة التي تحول دون الذوبان والاندماج مع الغير»، في سياق تبريره للتمسك بالتنظيم، رغم حالة الانقسام التي تحولت فيها الجماعة من حالة التنظيم الواحد والقيادة الواحدة إلى شظايا تدّعي كل منها أنها الأقدر على تجسيد أفكارها وقيادة مشروعها الملتبس وتنظيمها الغامض المشتت.

لم تدرس الجماعة بجدية أسباب فشل تجربة حكم الرئيس السابق محمد مرسي القصيرة (غيتي)

الفارق الزمني بين المقولتين الأولى والثانية يتجاوز عقدين من الزمان، لكن طريقة التفكير واحدة، بما يعكس حقيقة أن التنظيم «الإخواني» يعد -عند الجماعة- هدفاً بذاته، لا وسيلة لتحقيق مشروع ما.
- كيف سيطر «النظام الخاص» على روح «الإخوان»؟
المتأمل في تاريخ التنظيم وتركيبة قيادته يدرك أنه ظل تنظيماً سرّياً غامض الأهداف يتوسل بجمهور عريض لا يعرف شيئاً عن حقيقة أهدافه ووسائله، إلا ما عرفه من خلال تنظيم عام ادعى الصلة بالدعوة ومكارم الأخلاق وتمكين القيم من النفوس.
أنشأ حسن البنا التنظيم واحتفظ بخطته الاستراتيجية، وكثيراً ما كان يُسرّ إلى أقرب خلصائه بأنه لا يبوح عن خططه إلا في الموعد المناسب، فتدرّج في الانتقال من الدعوة إلى السياسة مراوحاً بين السرّية والعلنية... بين السلمية والعنف.
كتب البنا كل وثائق التنظيم المعروفة، سواء رسائل أو لوائح، وظل هو المفسر الحصري لها مع دائرة ضيقة من رجال «النظام الخاص»، وتحديداً خلية العشرة الذين قادهم مصطفى مشهور وأحمد حسنين معتقداً أن القدر سيمهله لتحقيق خطته والإفصاح عن مراحلها، لكنه قُتل في فبراير (شباط) 1949 قبل أن يصل إلى تحقيق تلك الأهداف.

أعضاء «الإخوان» في جامعة الأزهر خلال أعمال عنف عقب نهاية تجربة حكم الجماعة في 2013 (غيتي)

لذا بعد وفاته أمسك رجال «النظام الخاص» بقيادة التنظيم. وظلت هذه القيادة بشخوصها ونهجها هي الأمينة على أفكار حسن البنا ومشروعه، ولم يكن ظهور البعض ممن حُسبوا على التنظيم العام الدعوي سوى شكل من أشكال العلاقات العامة والاختباء خلف قيادات تبدو مدنية.
في هذا السياق، قدم النظام الخاص حسن الهضيبي، القاضي القريب من الملك (كان متزوجاً من ابنة ناظر الخاصة الملكية وقيل إنه اختيار القصر)، ورغم أن الهضيبي حاول أن يحل هذا النظام أو يعيد تأهيله ليكون خاضعاً له فإنه فشل بطبيعة الحال.
تلا الهضيبي عمر التلمساني الذي كان واجهة مدنية بشخصيته وعلاقاته بالقوى السياسية المصرية، ليتسلل النظام الخاص تحت عباءته إلى المجتمع المصري من جديد. وقد شهد عهده بروز هذا التزاوج بين من تبقى من رجال «النظام الخاص» ومجموعة القطبيين، وهم تلك الفئة التي استلهمت أفكار سيد قطب التكفيرية لتصنع مزيجاً خاصاً يجمع بين مراوغة البنا وصراحة قطب.
وبوفاة التلمساني، لم يعد «النظام الخاص» بحاجة للاختباء فقد أُعيد بناؤه من جديد، ومعه نظام عام يختبئ فيه، قوامه الوجود في النقابات والجامعات والبرلمان. قاد مصطفى مشهور الجماعة وبرزت وجوه «النظام الخاص» في عام 1986 مع ولاية محمد حامد أبو النصر الذي كان من رجال «النظام الخاص». لكن ظل مشهور يقود التنظيم فعلياً إلى أن مات أبو النصر في العام 1996، وحدثت ما تسمى «بيعة المقابر»، حيث بايع رجال «النظام الخاص» مشهور وهم يدفنون أبو النصر، في إيحاءٍ بمؤسسية زائفة لم تتمسك بها الجماعة يوماً.
ومضى قطار التنظيم يشق طريقه في الحياة السياسية والاجتماعية في مصر والكثير من أقطار العالم، ليصل مع خروجه من حكم مصر إلى مرحلة التشظي، وينقسم إلى أربعة كيانات تنظيمية... فماذا جرى للتنظيم الذي اكتسب قوته وتأثيره محلياً وإقليمياً وربما دولياً عبر تنظيم وقيادة واحدة؟ وكيف خسر التنظيم وحدته؟ وما مستقبله في ظل كل ما جرى، خصوصاً مع حالة الانكشاف الأخلاقي والسياسي التي يعيشها؟
- أخطر انقسامات «الإخوان»... متى وأين وكيف؟
لا يكاد القارئ الذي يطالع ما ينشر عن خلافات جبهات «الإخوان» المتصارعة، أن يدرك كيف وصل قطار الجماعة التي عُرفت دوماً بتنظيمها الحديدي إلى محطة الانقسام والتفتت، ما يستدعي تقديم استقصاء دقيق يوضح للقارئ الوقائع المتتالية التي تكشف حقيقة ما جرى.
في كل الصراعات بين التنظيم والدولة في مصر، كانت هناك خطوط حمر في المواجهة بين الطرفين، وكانت هذه الخطوط تُمكن التنظيم من إعادة بناء صفوفه واستعادة لُحمته، فماذا حدث هذه المرة؟
على خلفية مطاردات واسعة ونوعية لأجهزة الأمن المصرية في أعقاب فض اعتصامي «رابعة» و«النهضة» في أغسطس (آب) 2013، وبعد أيام قليلة من خروج «الإخوان» من حكم مصر، اختفت تقريباً معظم قيادات التنظيم خشية القبض عليهم وحرصوا على عدم التواصل بعضهم مع بعض.
كان هذا الهروب إيذاناً بحدوث أول فراغ قيادي كامل في تاريخ التنظيم، خصوصاً بعد القبض على معظم الهيكل القيادي المتمثل في مكتب الإرشاد والمكاتب الإدارية بالمحافظات وكذلك مجلس الشورى العام.
أدار التنظيم أموره وفقاً للمستجدات بمن تبقى من قياداته، إذ آلت إدارته إلى عضوي مكتب الإرشاد محمد كمال، ومحمد عبد الرحمن المرسي معاوناً له، ضمن مجموعة سُميت لجنة إدارة الجماعة.
وفي سياق سيولة لم يعرفها التنظيم في صفوفه عبر تاريخه بهذه الحدة، دار نقاش بين محمد كمال المنتمي إلى التيار القطبي في الجماعة، ومن تبقى من قيادات التنظيم حول مشروعية حمل السلاح في مواجهة أجهزة الأمن، إذ راجت فتاوى تماهت مع النقاش تحرض على قتل ضباط الجيش والشرطة، وحدثت بالفعل جرائم بحق الكثير من الضباط، وظهرت حركات مسلحة تتبع مباشرة تنظيم «الإخوان»، بل يشرف محمد كمال على تمويلها وترتيب خططها في استهداف الشرطة والجيش (وفق تصريحات سابقة لقادة «إخوان»، ومعلومات من قادة حاليين من جبهة محمود حسين).
كان رد الشرطة حاسماً على مجموعات العمل المسلح التابعة لـ«الإخوان»، فتم قتل مجموعة الثمانية التابعة للجماعة في منطقة 6 أكتوبر (غرب القاهرة)، وهي المجموعة التي كانت تشرف على إدارة التنظيم تحت يد محمد كمال. كان ذلك في يوليو (تموز) 2015. وساعتها أدرك تنظيم «الإخوان» أن الدولة لن تتهاون في استخدام القوة لمواجهة تنظيماته المسلحة.
حدث ساعتها نقاش كبير داخل «الإخوان». حذر إبراهيم منير من أن الاستمرار في المقاومة المسلحة للسلطة سيدفع النظام المصري إلى استخدام ورقة العنف لتصنيف التنظيم في الغرب بوصفه تنظيماً إرهابياً، ومن ثم بدأت بعدها مراجعة سياسة «الإخوان» من جانب منير وحسين ومن في نفس موقفهما، ليتم إعلان إقالة محمد كمال من إدارة التنظيم وحل اللجنة التي تدير الجماعة بالكامل.
رفض محمد كمال الأمر ومعه فريق قليل، منه علي بطيخ ومحمد منتصر الذي تم تعيينه متحدثاً إعلامياً باسم جبهة محمد كمال. كان ذلك أول شقاق كبير داخل «الإخوان» منذ فقدوا حكم مصر. بات محمد كمال معزولاً ومعه قلة قليلة، بينما أدار إبراهيم منير ومحمود حسين التنظيم من الخارج تحت قيادة القائم بأعمال المرشد محمود عزت، إذ أُعلن أن عزت رفض مسار العنف وتمسك بـ«السلمية» في مواجهة السلطة. كان هذا تأكيداً على حدوث الانقسام الأهم بين كمال الذي اعتمد العنف مساراً مباشراً ومفتوحاً في مواجهة الدولة، وعزت الذي تمسك بالكمون والرفض العلني للعنف.
- محطة الخلاف الثاني
تكرس الخلاف بين الطرفين. وخرج محمد كمال ببيان بعنوان «إبراء ذمة» يحكي فيه كيف تم إقصاؤه، وأنه لم يتأخر عن تلبية الدعوة من جانب قادة «الإخوان» للنقاش حول مستقبل الجماعة، ودعم موقفه في هذه الفترة بعض القيادات مثل علي بطيخ ومجدي شلش ومحمد منتصر، وغيرهم.
ومع دخول أكتوبر (تشرين الأول) 2016، أُعلن عن مقتل محمد كمال على يد قوات الأمن، لتبدأ ساعتها الاتهامات من جانب مجموعته لقادة التنظيم بالمسؤولية عن مقتله، وأنهم هم من أبلغوا الأمن عن مكانه، ليدخل التنظيم في أتون أزمة وخلاف أكبر.
بدأ كل من محمود حسين وإبراهيم منير ممارسة نشاطاتهما وسلطاتهما بوصفهما «القيمين على التنظيم». وأعلنا فصل القيادات المحسوبة على جبهة كمال كافة، خصوصاً مع إصرار هذه القيادات «الكمالية» على الصدام المسلح مع السلطة، فكان قرار الفصل لكل الداعمين لاستخدام العنف في مصر، ليصبح كل هؤلاء بنهاية 2017 وبداية عام 2018 خارج التنظيم، وبالتالي بات التنظيم جماعتين في هذه اللحظة.
- تنظيم «الإخوان» يصبح ثلاث جماعات
لم تقف الأمور عند هذا الحد، إذ أُلقي القبض على محمود عزت، القائم بأعمال المرشد العام في أغسطس 2020، ليبدأ النقاش حول خلافته، ومن هو الأحق بهذه الخلافة؟ احتج محمود حسين بكونه الأمين العام للجماعة، وعضو مكتب الإرشاد الوحيد خارج مصر، بينما أكد منير أنه الأحق، لأنه كان يدير التنظيم بالخارج، فضلاً عن عضويته في مجلس الشورى العالمي.
بادر منير باتخاذ إجراءات لحسم الصراع لصالحه، فأقدم على تشكيل لجنة معاونة له في إدارة التنظيم وحل ما يعرف بمكتب الإرشاد، ملغياً منصب الأمين العام، ليردّ حسين في المقابل معلناً رفض هذه القرارات بالمطلق، ومعلناً فصل إبراهيم منير ومجموعته التي شكَّلها لإدارة التنظيم، وهي لجنة من سبعة أشخاص، متذرعاً بأن أعضاء مجلس الشورى العام داخل مصر، كلهم يدعمون موقفه. وهو أمر مشكوك في صحته بالنظر لوفاة أكثر أعضاء المجلس والقبض على من تبقى منهم.
لم يكن لدى جبهة منير أي وجود داخل مصر من القيادات المحسوبة على الصف الأول، فكلهم إما في الخارج وإما في السجون، ولذلك كانت ورقة «الداخل المصري» هي الورقة التي يضغط بها حسين على جبهة منير.
جرت محاولات متعددة للصلح بين الطرفين قادها المصري يوسف القرضاوي والموريتاني محمد الحسن ولد الددو. كما جرت محاولتان للتفاهم، قادهما محمود حسين، حضر في إحداهما بنفسه للقاء محمد البحيري، القيادي التاريخي المحسوب على إبراهيم منير، لكن النقاش والاجتماع لم يسفرا عن شيء حتى وفاة منير مطلع الشهر الماضي، ما أكد أن الخلاف مستمر ليتكرس الانقسام داخل الجماعة التي ظلت تنظيماً مركزياً صارماً لعقود، فاستحالت ثلاث جماعات أو أكثر، كل منها يدّعي أنه الأمين على مشروعها والممثل لعناصرها.
- هل نشهد انهيار تنظيم «الإخوان» من داخله؟
في معرض تعليقه على مقال كتبه أكاديمي «إخواني» سابق تناول الخلافات التنظيمية بين فروع التنظيم، علق قيادي «إخواني» سابق تعليقاً كاشفاً عن طريقة التفكير الحالية لقطاع واسع داخل الجماعة، ربما يعطينا فكرة عن حقيقة ما يجري في الجزء الأكبر من التنظيم البعيد عن ضجيج المعركة التي يدور أوارها على مواقع التواصل الاجتماعي.
لم يعطِ المعلق وزناً يُذكَر لتلك الخلافات التنظيمية التي يراها عَرَضاً لمرض ونتيجة وليست سبباً، حتى عبَّر بسخرية قائلاً: «بالله عليكم أنتم بتتخانقوا على إيه؟»، مضيفاً: «لو عدنا لأصل المشكلة التي تتفرع منها بقية المشكلات فهي الأزمة الفكرية... ثم بدأ بطرح السؤال الأهم: هل من الصحيح تكوين جماعة شاملة عوضاً عن مفهوم الإسلام الشامل الذي يسع الجماعة وغيرها؟».
وأشار الرجل إلى أن الخلط بين شمولية الدين وشمولية التنظيم، دفع الجماعة إلى أن تكون إطاراً موازياً للدولة، وبالممارسة لم تعد «جماعة من المسلمين» بل جعلت من نفسها «جماعة المسلمين» التي من المفترض أن تنمو إلى دولة. فمنذ أن رأى البنا سقوط الخلافة العثمانية، أراد أن يكون دولة مصغرة بكل مقوماتها تكبر مع الزمن، من الفرد إلى الأسرة إلى المجتمع إلى الدولة إلى الخلافة إلى أستاذية العالم، وهنا نفهم أن الجماعة هي المنوط بها هذه المهمة، ومن ثم فأي نفي لفكرة «جماعة من المسلمين» لا يعد صحيحاً، لأن الممارسة تكشف عن أنها ترى نفسها «جماعة المسلمين» تتطور رويداً رويداً حتى تصل إلى «أستاذية العالم».
ولذلك في الأفكار والمفاهيم، فهي «دعوة سلفية، طريقة سنية، حقيقة صوفية، هيئة سياسية، جماعة رياضية، رابطة علمية ثقافية، شراكة اقتصادية، وفكرة اجتماعية»، حسبما وصفها البنا!
لقد أراد البنا أن يقدم الجماعة من كل الأبواب الممكنة، بما يسهل تمددها، إلا أن محاولته ومن بعده كانت تحمل مسببات التعثر، فقد أصبح التنظيم بلا رؤية سياسية واضحة.
وربما تجدر الإشارة هنا إلى ما رصدناه في أكثر من دراسة عن إصابة «الإخوان» بعمى استراتيجي كامل، وهو ما تشرحه فقرة لاحقة يقول فيها: «ولذلك اصطدم (التنظيم) مع نظام الملك (فاروق) وجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك وحتى الآن، ولا يمكن اعتبار ما حدث للجماعة من تنكيل ظلمت فيه إلى حد كبير، مقابلاً لصحة موقفها، فلا يمكن الحكم على مسار أنه صواب لأنه تم التنكيل بأصحابه».
هذه الفكرة نزلت إلى ميدان التجربة (ومن غير المتصور أنها كانت تعتقد أنها ستعمل في فضاء بلا عائق)، كانت شرعية في زمن الملك فانقسمت وتعثرت، وتحالفت مع نظام يوليو فتعثرت مرة ثانية، وعارضت نظام السادات ومبارك فتعثرت مرة ثالثة، وسعت إلى الحكم بعد 2011 فتعثرت مرة رابعة.
في كل أطوارها: من وجود قانوني، إلى وجود غير قانوني، إلى تحالف، إلى معارضة، ثم سعي إلى حكم... كانت مآلات الجماعة هي التعثر والتنكيل. وفي أدبياتها تستدعي «غزوة أحد» كأن مسار الدعوة الإسلامية كان كله «غزوة أحد»!
إذا كانت التجربة الميدانية، بأكثر من شكل وفي أكثر من زمان، لم تأتِ بغير التعثر، وهو ما حدث في الجزائر وسوريا وتونس والمغرب واليمن والعراق والسودان... كله تعثر، في أكثر من زمن وأكثر من بلد، ألا يدعو هذا إلى التفكير في أصل الفكرة نفسها: معطيات كهذه تؤدي دائماً إلى نتائج كهذه؟
بينما تلفت شهادة أخرى إلى أن هناك «كهانة» تسيطر على عمل «الإخوان» التنظيمي، بدت مظاهرها -على حد تعبيره- في رغبة البعض أن يبدو كأنه شخص غير عادي يعلم ما لا يعلمه الآخرون، لديه حرص على الجاه والسلطة، يغلفه دائماً بالتأكيد على الزهد في الدنيا والمناصب، والتأكيد على أن كل كلمة أو سلوك إنما هي لوجه الله، مؤكداً أنه في الوقت الذى يعلم فيه الجميع أنه لا وجود لتنظيم على أرض الواقع، وإن ظل البعض لسنوات عجاف يتكلم باسمه ويتشدق باللائحة ويزعم التواصل مع الإمام الغائب، ويتكلم في وسائل الإعلام باسم تنظيم لا وجود له، وما ذاك إلا كذب أو تدليس من دون اكتراث بتوابع ذلك على مصالح الدولة المصرية، أو ما يتعرض له المنتمون السابقون أو من هم في السجون أو المطلوبون، ألا يعد ذلك في أحسن الظنون تقديماً لرغبات نفسية لدى بعض الرموز على مصالح كبرى ذات اعتبار؟
ولو تكلمنا بالمنطق فإن هذا الإصرار ليس إلا تضحية بالآخرين وبكل شيء مقابل رغبة شخصية غير مشروعة، وذلك سلوك الكهنة الذين باعوا الدين ومصالح العباد في الدنيا والآخرة، من أجل كهنوت شخصي يعبّر عن نفسية وضيعة. إن سلوك الكهنة هو الذى يعطي المبرر الوحيد لما يتعرض له الأفراد من بلاء، بينما هم حناجر وألسنة لمن يعيشون في مأمن خارج البلاد من دون عمل أو حياء.
نحن أمام شهادتين لافتتين تعرّيان حقيقة التنظيم، ليس عبر نقد من مراقبين من خارجه أو من كتاب محايدين، بل عبر أقلام من داخل الجماعة تفكر بطريقتها وتشعر بمشاعر أعضائها، وهذا مكمن الأهمية، على طريقة و«شهد شاهد من أهلها».
بين طرح للسؤال الوجودي الصحيح الذي ينسف الجماعة ويؤكد ضرورة زوالها، وبين شرح وافٍ للكهانة التي تتمسك بها قيادات تتمسك بإدارة تنظيم متداعٍ حرصاً على مكاسبها الشخصية، ومن دون اكتراث لما جناه الدين والوطن... يبدو أننا وللمرة الأولى بعد عقود من وجود التنظيم، أمام حراك داخله قد يؤدى إلى طرح الأسئلة الصحيحة التي لن تخطئها الإجابات، ليس من خارج التنظيم تلك المرة ولكن من داخله، فمثل هذه التنظيمات في العادة تنهار من الداخل وليس من الخارج، خصوصاً أن التجربة أثبتت أن كل هجوم أو نقد من خارجها، يستنفر عوامل الدفاع الذاتي ويؤخر التعافي من مرض التنظيم الذي لا أظن أن يعبر لقرن قادم.
* باحث مصري في شؤون جماعة «الإخوان المسلمين»


مقالات ذات صلة

السيسي: لا مساس بالدستور المصري

شمال افريقيا الرئيس المصري خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة المصرية (الرئاسة المصرية)

السيسي: لا مساس بالدستور المصري

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «عدم المساس بدستور بلاده»، وقال إن «لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه، ولن يمسه أحد».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
خاص سجناء سابقون في سجن تدمر يحيون خلال يونيو 2026 ذكرى «مجزرة حماة» أمام مبنى السجن الذي شهد اعتقال وإعدام كثير من «إخوان سوريا» وأحزاب يسارية وقومية (متداولة - فيسبوك)

خاص تحرك لإلغاء تجريم «الإخوان» يفتح ملف عودتهم السياسية في سوريا

يتحرك أعضاء في مجلس الشعب السوري لجمع التواقيع اللازمة لتقديم مقترح بإلغاء «القانون رقم 49 لعام 1980»، الذي يجرّم الانتماء إلى جماعة «الإخوان المسلمين»...

سعاد جرَوس (دمشق)
شمال افريقيا مبنى «نقابة الصحفيين» المصريين (النقابة)

نقيب الصحافيين المصريين يتمسك بالدفاع عن موقوفي «متصدقش»... ويعوّل على القضاء

تمسك نقيب الصحافيين المصريين خالد البلشي بالدفاع عن «جميع ممارسي مهنة الصحافة سواء نقابيين أو غير نقابيين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا نقابة الصحافيين المصريين تطالب بالإفراج عن 6 صحافيين تابعين لمنصة «متصدقش» جرى توقيفهم بتهمة التبعية لـ«الإخوان» (النقابة)

مصر: جدل حول سير التحقيقات مع صحافيي «متصدقش»

جدل متصاعد في مصر خلَّفه توقيف 6 صحافيِّين، تابعين لمنصة «متصدقش» الإلكترونية، والتي تتهمها السلطات المصرية بالانتماء لجماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)

معارض مصري يتظاهر في هولندا ويعيد أزمة «حصار السفارات»

أعاد تظاهر معارض مصري أمام مقر السفارة المصرية في هولندا الجدل مجدداً حول ما عرف بـ«حصار السفارات» المصرية في الخارج من عناصر مرتبطة بجماعة «الإخوان».

محمد عجم (القاهرة)

الحرب في قلب الخليل... 500 مستوطن يقاسمون آلاف الفلسطينيين تفاصيل الحياة

TT

الحرب في قلب الخليل... 500 مستوطن يقاسمون آلاف الفلسطينيين تفاصيل الحياة

صورة جويّة للمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)
صورة جويّة للمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

قبل الوصول إلى مدينة الخليل، التي تبعد عن القدس نحو 35 كم جنوب الضفة الغربية، على الطريق الالتفافي السريع المعروف بالطريق «60» يواجهك كثير من الشاخصات واللافتات التي توجّه العابرين على اختلاف جنسياتهم وأديانهم ومللهم، باللغات الثلاث، العبرية والإنجليزية والعربية، إلى وجهتهم، أياً كانت تلك الوجهة؛ فلسطينية أو إسرائيلية، أو ربما أبعد... «كرمي تسور - حلحول - بيت أمر - كريات جات - مخيم العروب - كريات أربع»، و«الحرم الإبراهيمي»... وغيرها.

نقطة مراقبة عند مجمّع غوش عتصبون الاستيطاني قبل الوصول إلى الخليل (الشرق الأوسط)

«ممنوع الدخول»

وقبل قليل من المدخل الرئيسي للمدينة، تعترضك لافتة ضخمة تحذر الإسرائيليين من الدخول إلى المنطقة «أ» الممنوعة عليهم، و«الخطرة»، متجاهلة أن 500 مستوطن يقيمون داخلها، ويحتلون قلب المدينة الأكبر في الضفة الغربية، أي البلدة القديمة، ويتقاسمون مع أهلها الشوارع والمنازل والمحلات والساحات وإطلالات الشرفات والحرم الإبراهيمي. ويحاولون كل يوم طرد جيرانهم، في معركة طويلة ومرهقة، وأصبحت شرسة إلى حد كبير بعد السابع من أكتوبر 2023.

في مطلع شارع «الشهداء»، المعروف في منطقة باب الزاوية المكتظة بالناس والمحال التجارية في الخليل، ينتظرك جنود إسرائيليون متأهبون. مهمتهم منع كل فلسطيني من الدخول إلى المنطقة، إلا أولئك القلائل الذين ما زالوا يسكنون هناك في أحد المنازل القديمة المتهالكة والمحاصرة، ولم يرحلوا على الرغم من أنهم يخضعون يومياً، في ذهابهم وإيابهم لتفتيش دقيق، كمشتبه بهم طوال الوقت.

قبل 7 أكتوبر وبعده

قبل السابع من أكتوبر، كنا دخلنا الشارع بعدما سمح لنا الجنود بذلك. ولكن، بعد نحو 100 متر فقط، أوقفنا جندي وقال إننا ممنوعون من مواصلة الطريق، بسبب «سحنتنا العربية»، متذرعاً بأنه لا يستطيع تأمين سلامتنا.

أما اليوم فلم يعد مسموحاً بالدخول ولا لمتر واحد.

جندي إسرائيلي يمنع العبور بأحد شوارع المدينة القديمة في الخليل (د.ب.أ)

دخلنا إلى البلدة القديمة عبر طرق أخرى مفتوحة، لكننا وجدنا الكثير من شوارع البلدة القديمة وقد أغلقت، ولم نستطع الوصول إلى مناطق كثيرة، ومن بينها شارع السهلة خلف الحرم الإبراهيمي، الذي أُغلق كذلك مثل شارع الشهداء وأصبح ممنوعاً على أي فلسطيني ما لم يكن أحد هؤلاء «المزعجين» سكان المنطقة.

خرج إلينا إسلام الفاخوري إلى حارات ليست مغلقة أمام أحد، مثل سوق «اللبن» الذي كان خاوياً؛ محال مقفلة بلا تجار ولا سكان ولا متسوقين، وهو جزء من شوارع أخرى متداخلة في البلدة القديمة.

قال الفاخوري لـ«الشرق الأوسط»، إنه يفضل الخروج لمرة واحدة في اليوم قبل أن يعود مرة أخيرة، لتجنّب الكثير من الإجراءات المذلّة والصعبة. موضحاً: «يعاملوننا كمشتبه بهم دائماً. يجب أن يكون اسمك مدرجاً على قائمة خاصة وتخضع للتفيش لدى خروجك وعودتك، ويدققون في الهويات ثم يسمحون لك بالعبور».

والفاخوري من بين قلائل بقي في منزله بشارع السهلة، قرب الحرم الإبراهيمي الذي يقع بالنسبة للطرفين الفلسطينيين والإسرائيليين في مركز الصراع.

تقاطع طرق رئيسي في مدخل الخليل (الشرق الأوسط)

يقول الفاخوري إنه بقي هنا لأنه لم يستطع تقبل فكرة مغادرة منزله كما أنه «لا يريد تركه لهم».

وأضاف: «إذا تركت البيت. فوراً يسيطرون عليه. هذا ما يريدونه أصلاً. كل ما يحدث يهدف إلى دفعنا لهجرة منازلنا. لماذا يضيق علينا الجيش؟ لماذا كل هذه الإجراءات؟ لماذا يهاجمنا المستوطنون؟ لأنهم يريدون المكان كله».

يشرح الفاخوري كيف تعرض وآخرون في المنطقة لهجمات واعتداءات متكررة، لكنه لم يستسلم، مؤكداً: «مش طالع ومش مستغني عن بيتي».

لم يغير الفاخوري موقفه حتى بعد السابع من أكتوبر عندما أصبحت معركة البقاء أصعب وأكثر تكلفة.

فمنذ السابع من أكتوبر صعّد المستوطنون في الضفة من سلوكهم العدائي وراحوا يشنون هجمات دموية في مناطق واسعة؛ يقتلون الفلسطينيين ويحرقون منازلهم وممتلكاتهم ودور عبادتهم ويخربون مزروعاتهم، ويستولون على الأراضي والمنازل وتلال الجبال وحتى على المواشي.

وقال الفاخوري: «بعد 7 أكتوبر، أصبح كل مستوطن حكومة بحالها».

وأضاف: «كنا نتحرك بحرية أكبر، وكان الاحتكاك أقل. لكن بعد 7 أكتوبر كل شيء تغير. أغلقوا البوابات وزادوا الحواجز. وأصبحت كل حركة هنا محسوبة. وفوق كل ذلك نتعرض لهجمات واعتداءات متواصلة بلا حسيب أو رقيب. يهاجمون المنازل ويعتدون علينا في الشوارع. كل يوم مشكل. كل يوم».

ما قاله الفاخوري يعطي فكرة لماذا لم يعد هناك سكان في مناطق واسعة في البلدة القديمة والمحلات مغلقة.

جنود إسرائيليون يحرسون أحد مداخل البلدة القديمة في الخليل خلال زيارة 10 مستوطنين أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

معركة بدأت في 1978

بالطبع لم يكن إغلاقاً بدأ بعد السابع من أكتوبر، بل قبل ذلك بكثير؛ فمعركة المستوطنين قديمة لكنها استفحلت بعد ذلك التاريخ.

وبحسب مركز المعلومات الوطني الفلسطيني أقيمت أولى البؤر الاستيطانية داخل البلدة القديمة عام 1978، باحتلال مجموعة من المستوطنين مبنى الدبويا وسط المدينة. وأطلق عليه المستوطنون فيما بعد اسم «بيت هداسا»، وبعد «عملية الدبويا» الشهيرة عام 1980، ورداً عليها قامت سلطات الاحتلال بهدم عشرات المنازل من أجل توسيع البؤرة الاستيطانية ذات الموقع الاستراتيجي. وفي عام 1983 أقيمت بؤرة قرب مبنى الدبويا عرفت باسم «بيت رومانو» بعد السيطرة على «مدرسة أسامة بن المنقذ» بزعم أنها أملاك يهودية.

وفي عام 1984 أنشئت بؤرة استيطانية جديدة (أبراهام أفينو) على موقع أثري في تل الرميدة، وأغلقت سلطات الاحتلال سوق الخضار المركزي في البلدة القديمة، وتم تسليمه فيما بعد للمستوطنين لإقامة بؤرة استيطانية جديدة؛ بالإضافة إلى بؤر أخرى مثل «بيت حسون» و«بيت شنرسون».

وقال المركز إن إسرائيل تسعى للسيطرة على المكان وتوسيع حجم البؤر الاستيطانية، وقد قامت من أجل ذلك باتباع سياسات عنصرية ضد السكان العرب، من خلال نشر عشرات الحواجز ونقاط التفتيش وإغلاق تام لبعض الشوارع والأسواق؛ في محاولة لطرد السكان العرب والتضييق عليهم؛ بغية تهجيرهم من المكان؛ حيث قدر عدد المحلات التجارية المغلقة بنحو 1829 محلاً تجارياً، منها 520 مغلقاً بأوامر عسكرية خاصة؛ والباقي مغلق من قبل أصحابها بسبب إغلاق الطرق ووضع الحواجز ونقاط التفتيش داخل الأزقة.

المسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة بالخليل بالضفة الغربية المحتلة وعلى أحد جوانبه تُرفع أعلام إسرائيلية يوم 16 يونيو 2026 (رويترز)

يؤكد سكان البلدة الذين التقيناهم هناك على عجل إن «المعركة معهم قديمة، لكنها اشتدت في مرحلتين، وكانت مفصلية بعد الانتفاضة الثانية عام 2000، ثم بعد السابع من أكتوبر 2023».

وإلى اليوم، غادر معظم سكان البلدة البالغ عددهم 40 ألفاً.

«الحرم الإبراهيمي»... على مرمى حجر

كان الحرم الإبراهيمي الذي يصفه الفلسطينيون بأنه أقدم مكان مقدس في العالم، على مرمى حجر. وقبل الوصول إليه، دبّ في المكان بعض الحياة؛ محلات قليلة مفتوحة يعرض فيها حرفيون وصناعيون بعض الحلي والخزف والمنحوتات الخشبية، والكثير من خرائط فلسطين والمطرزات، والأكواب المزينة والبخور وحلوى الحلقوم في مصنع قديم للغاية، أقدم من الاحتلال نفسه.

تزينت إحدى واجهات العرض بصورة للشاعر الراحل محمود درويش مرسومة على قطعة من الصدف وكتب إلى جانبها ما قاله يوماً: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». وإلى جانبه كانت هناك رسمة لفيروز وكتب إلى جانبها «أنا لحبيبي وحبيبي إلي»، وغير ذلك من خزفيات لا تشبه اللحظة.

جندي إسرائيلي يصلي خارج الحرم الإبراهيمي (مغارة المكفيلا) في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

ولكن على هذه الأرض مقابل الحرم الإبراهيمي، وقف جندي إسرائيلي خلف بوابات أمنية متأهباً ومتسلحاً، يراقب الراغبين بالصلاة، ثم يمنحهم إذناً بالمرور، عبر ضوء أخضر فقط.

مررنا ببوابات دوارة أو ما يسميه الفلسطينيون ساخرين «المعاطات» ثم ببوابات إلكترونية، قبل أن يفحص الجندي هوية كل شخص، ثم عبرنا إلى أكشاك أمنية تحت كاميرات مراقبة، وجنود حراسة، قبل أن تفحص جندية هناك الهويات مرة أخرى، ثم تسمح لنا بالمرور إلى الحرم الإبراهيمي.

خطوات قليلة تشبه عبور حدود بلد أو مقر وزارة دفاع ما، وليس مسجداً للصلاة.

كان للمكان الذي يحمل الكثير من القدسية للمسلمين هيبته، لكن قليلين كانوا هناك يصلون.

البعض جاء لأول مرة في حياته، فراح يتفقد بكثير من الدهشة مقامات الأنبياء ويكتشف زوايا كثيرة عتيقة تحت أعين الكاميرات الإسرائيلية.

كانت الكاميرات في كل مكان. وأينما وليت وجهك كان ثمة كاميرا ترصد كل حركة وكل كلمة.

فلسطينيون ينتظرون عند حاجز إسرائيلي من أجل أداء الصلاة بالمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 يونيو 2026 (رويترز)

مدير الحرم: يبثون الخوف فينا

لم يكن الشيخ معتز أبو سنينة، مدير الحرم، متحمساً لفكرة القيام بجولة في المسجد، حتى وإن بدون كاميرات أو تصوير، كي لا يستغل الإسرائيليون ذلك ويقتحموا المكان.

وطبعاً لم نصل المكان بكاميرات تصوير وميكروفونات، لأن ذلك كان سيكلفنا ساعات من الأسئلة والأجوبة وانتظار موافقات قد لا تأتي أبداً.

كانت السلطات الإسرائيلية عززت كاميرات الحرم لتطال كل زاوية بالصوت والصورة، وأجبرت إدارة الحرم على وضع مسارات خاصة فوق السجاد بحيث يتمكن الجنود من اقتحام المسجد في كل وقت وبسرعة.

وقال أبو سنينة لـ«الشرق الأوسط»: «أنت ترى. كل من يدخل إلى هنا كأنه يدخل إلى ثكنة عسكرية، وهو قيد المراقبة. حواجز بوابات وفحص دقيق وتفتيش وتدقيق بالهويات. هذه إجراءات يومية تطال كل الوافدين والقادمين إلى الحرم الإبراهيمي الشريف والذين يتعرضون أحياناً إلى إهانة ومذلة. طبعاً بما في ذلك سدنة الحرم وموظفو الحرم وإدارة الحرم، كل من يدخل إلى هذا المكان تحت مراقبة شديدة بالصوت والصورة».

بالنسبة لمدير الحرم كل هذا جزء من سياسة أوسع لمحاولة فرض واقع جديد لتفريغ الحرم وجعله مكاناً لليهود.

مصلّون داخل المسجد الإبراهيمي (الشرق الأوسط)

كان الحرم بالفعل بدون مصلين كثر، وأكد أبو سنينة أن الوضع تغير إلى حد كبير بعد السابع من أكتوبر، ووصل إلى حد منع كل فلسطيني تحت سن 25 عاماً من دخول الحرم نهائياً.

وأضاف: «إنهم يبثون الخوف والرعب في نفوس القادمين».

تقسيم زمني ومكاني

بقي جزء آخر من الحرم ممنوع علينا بشكل تام كما هو عليه الوضع في البلدة القديمة.

فبعد مجزرة الحرم الشهيرة عام 1994 التي قتل فيها المستوطن الطبيب في الجيش الإسرائيلي باروخ غولدشتاين 29 مصلياً، سيطرت إسرائيل على 63 في المائة من الحرم وحولته إلى مكان خاص باليهود.

كان غولدشتاين ناشطاً في حركة «كاخ» الإرهابية، التي أسسها المتطرف مائير كهانا.

وقال أبو سنينة: «63 في المائة ممنوعة على المسلمين منذ ذلك الوقت».

كان هناك باب فاصل وخلفه تقام صلوات تلمودية وحفلات صاخبة ونفخ في البوق. لا أحد يستطيع من المسلمين الدخول إلى هناك إلا 10 أيام في السنة، وهي أيام الجمعة في رمضان وليلة القدر وعيدا الفطر والأضحى وذكرى المولد النبوي، وذكرى الهجرة النبوية وذكرى الإسراء والمعراج». ومقابل ذلك هناك 10 أيام يمنع المسلمون من دخول الحرم نهائياً، وهي أيام خاصة بالأعياد اليهودية.

هذا ما يعرف بالتقسيم الزماني والمكاني الذي يخشى الفلسطينيون أن يحصل في المسجد الأقصى في القدس، كذلك.

قام المؤذن فأقام الصلاة وسط الناس القلائل، بعدما كان ممنوعا من الوصول إلى غرفته التي تقع في القسم الذي يسيطر عليه الإسرائيليون.

كان ممنوعاً عليه رفع الأذان عبر مكبرات الصوت والسماعات الخارجية.

قبل ذلك كان على المؤذن أن ينتظر وصول الجنود الإسرائيليين من أجل أن يصحبوه إلى غرفته، فيؤذن بالناس ثم يغادر بصحبتهم كذلك في رحلة قصيرة محفوفة بالمخاطر.

ولكن لا يسري هذا في كل أوقات الصلاة، إذ يمنع عليه الوصول في أوقات محددة من أيام السبت والجمعة وساعات من الليل.

طفل فلسطيني أمام أحد الأضرحة داخل الحرم الإبراهيمي خلال رحلة مدرسية (الشرق الأوسط)

أضرحة مشتركة وصراع على الرواية

كانت أضرحة إبراهيم ويعقوب وإسحق ويوسف أكثر الأمكنة زيارة وفرصة لأخذ الصور التذكارية.

وهي الأضرحة التي يقول اليهود إنها دليل على أن المكان يخصهم كذلك. فالصراع هنا ليس صراعاً متعلقاً بالاحتلال فحسب، بل أيضاً صراع على الرواية والمكانة الدينية بما تحمله من هوية.

وقال أبو سنينة: «إنهم يحاولون طمس الرواية والهوية. هم يقولون هذا المكان لنا. ونحن نقول مكان إسلامي خالص. هم يعتقدون بالانتساب لإبراهيم؛ ويقولون إنهم نسل ابنه، ولهم الحق في هذا المكان لكن نحن أحق بالأنبياء. ما كان إبراهيم يهودياً».

رواية مدير الحرم هي رواية الفلسطينيين والمسلمين، لكنها غير مقبولة في إسرائيل. ويقدس الإسرائيليون الحرم الإبراهيمي الذي يُطلقون عليه اسم «مغارة المكفيلا»، لأنه يحوي قبر النبي إبراهيم وزوجته سارة، في مغارة أسفل البناء المقام حالياً.

مستوطنون إسرائيليون برفقة الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش يرفعون علماً إسرائيلياً فوق مستوطنة جديدة في جبل الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

سموتريتش يعلن الحرم «ملكية سيادية»

بعد وقت قصير من زيارتنا، ذهب وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش إلى الحرم الإبراهيمي، وأعلن من هناك أن الحرم الإبراهيمي في الخليل هو «أول ملكية سيادية للشعب اليهودي»، مؤكداً من المكان الذي وصل إليه لافتتاح المساحات المسقوفة التي كان أشار إليها أبو سنينة أن الحرم سيبقى للأبد رمزاً لسيادة إسرائيل في الضفة الغربية.

وقالت «القناة 14» الإسرائيلية إن سموتريتش الذي قاد فعالية إنهاء أعمال سقف وترميم شاملة في الحرم الإبراهيمي، يستكمل خطوة تاريخية في الحرم، وذلك عقب القرار السابق له بإنهاء العمل باتفاقيات الخليل وسحب الصلاحيات المتعلقة بهذا الشأن من البلدية الفلسطينية في البلدة القديمة في الخليل.

وكان سموتريتش أعلن في يونيو (حزيران) الماضي إلغاء «اتفاقية الخليل» الخاصة بمدينة الخليل، التي يسميها أرض الآباء. وقال آنذاك في حفل افتتاح مستوطنة «دورون» الجديدة في جبل الخليل في الخليل: «لقد ألغينا اتفاقيات الخليل. لسنوات عديدة، ظل أحد أكثر بنود أوسلو عبثية ساري المفعول، عندما مُنحت السلطات المتعلقة بالمستوطنات اليهودية في الخليل والأماكن المقدسة لبلدية الخليل».

ونص القرار الذي أعلنه سموتريتش بعد أن صادق عليه «مجلس التخطيط الأعلى» في «الإدارة المدنية» التابعة للجيش الإسرائيلي على سحب صلاحيات التخطيط والبناء في المنطقة «H2» من بلدية الخليل وهي البلدة القديمة.

جنود إسرائيليون منتشرون في شوارع المدينة القديمة بالخليل خلال زيارة سياحية لوفد من 10 مستوطنين للمنطقة أكتوبر 2026 (رويترز)

الخليل... تطوي صفحة أوسلو

الخليل هي المدينة الفلسطينية الوحيدة في الضفة التي حصلت على اتفاق خاص عام 1997 قسمها إلى منطقتين H1 وH2 فيما عرف بالبروتوكول المتعلق بإعادة الانتشار في الخليل، وكان ذلك استمراراً لاتفاقية أوسلو الثانية لعام 1995 وعملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية التي بدأت بموجب اتفاقيات أوسلو في عام 1993.

وبموجب اتفاقية الخليل، سحبت إسرائيل قواتها من المنطقة المصنفة H1 في الخليل، التي تمثل نحو 80 في المائة من المدينة، وتولت السلطة مسؤولية القضايا الأمنية هناك، والمدنية، ومقابل ذلك احتفظت إسرائيل بالسيطرة الأمنية على المنطقة المصنفة H2، البالغة 20 في المائة من المدينة، التي تشمل منطقة البلدة القديمة، وتضم الحرم الإبراهيمي والمستوطنة اليهودية في الخليل، فيما نقلت السلطات المدنية إلى السلطة.

وقال سموتريتش: «هذا أكثر بكثير من مجرد خطوة تخطيطية، إنه تعديل تاريخي. نحن نواصل ثورة الاستيطان، وتعزيز الحكم، وتعميق السيادة الإسرائيلية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)». وبحسبه هذه الخطوة تنطبق على جميع «المواقع الدينية والتاريخية» في الخليل. كانت الخطوة تعني نهاية حقبة أوسلو في البلدة القديمة في قلب الخليل.

صبي إسرائيلي يحمل لعبة على شكل بندقية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة مارس 2024 (أ.ف.ب)

لم يوافق الفلسطينيون. وحذرت الرئاسة من خطورة الخطوة معتبرة أنها تمس الوضع السياسي والقانوني لمدينة الخليل، والاتفاقيات الثنائية الموقعة بخصوصها. رفضت بلدية الخليل كذلك الخطوة وقالت إنها لا تقبل بها.

لكن على الأرض ثمة واقع مختلف، أصبحت إسرائيل أكثر سيطرة على كل شيء في قلب الخليل، بما في ذلك الحرم الإبراهيمي.

وبعد يوم واحد فقط من إعلان سموتريتش «إلغاء اتفاقيات الخليل» تمت الموافقة على بناء كبير لصالح مدرسة دينية يهودية، قرب الحرم. وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن الموافقة على بناء المدرسة الدينية تم دون الحاجة إلى موافقة البلدية الفلسطينية، وذلك للمرة الأولى منذ عقود.

في كلمته التي ألقاها في الحرم الإبراهيمي محتفلاً بأعمال سقفه، قال سموتريتش: «مغارة المكفيلا (الحرم الإبراهيمي) هي أول ملكية سيادية لشعب إسرائيل. المكان الذي اشتراه سيدنا إبراهيم أصبح رمزاً لسيادتنا على هذه الأرض».

زيارات لتثبيت الذاكرة

لكن ليس كل شيء يمكن فرضه بالقوة. خارج المصلى الرئيسي كان ثمة رحلة مدرسية، تحاول المعلمات خلالها الشرح للتلامذة تاريخ الحرم ومكانته والمجزرة.

بائع حلوى فلسطيني داخل البلدة القديمة في الخليل (الشرق الأوسط)

وقالت المدرّسة شريفه دويك لـ«الشرق الأوسط»، إنها قررت أن تغامر وتأتي بهم إلى الحرم بعدما تنبهت لأنهم لا يعرفون أي شيء عنه. كان الأطفال متحمسين كأنهم في مغامرة، وراحوا يشرحون كيف دخلوا من أمام الجنود بدون تفتيش، وأنهم سيعودون مرة أخرى. قالت دويك إنه كان ضرورياً أن يزوروا المكان الذي يريد اليهود أن ينساه كل فلسطيني.

وقال الحاج عبد العزيز أبو حلتم إنه جاء من ترقوميا البعيدة من أجل زيارة الحرم والبلدة القديمة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لا آتي كثيراً بسبب المخاطر وساعات الانتظار الطويلة. لكني قلت سأغامر وفعلاً تعبت من الانتظار قبل أن أصل إلى الحرم».

لا يعاني اليهود من ذلك، بل يصلون معززين بالحراسات الكثيرة في محاولة لإظهار يهودية المكان.

ويحرس نحو 1500 جندي إسرائيلي المستوطنين الـ500 في قلب الخليل.

كانت الأعلام الإسرائيلية أيضاً تحيط بأسوار الحرم الإبراهيمي في محاولة أخرى لتثبيت الرواية بصرياً بكل الطرق الممكنة.

كذلك كان يمكن مشاهدة الكثير من هذه الأعلام في مناطق واسعة في قلب الأحياء العربية.

منازل في مستوطنة أفرات كما بدت من خلف السياج الشائك بالطريق إلى الخليل (الشرق الأوسط)

جيران أعداء

ومن مكان ليس بعيداً عن الحرم ومطلاً، كان التداخل السكاني في مناطق واسعة في البلدة القديمة مذهلاً للغاية. يعتلي اليهود محلات كانت للعرب، ويفصل بين بيوتهم وبيوت الفلسطينيين جدران فقط.

قبل السابع من أكتوبر حين كان يمكن للفلسطينيين فتح محلاتهم، اضطر أصحاب المحلات إلى حماية الشارع بشبكة من الأسلاك الشائكة، حتى تقيهم مما يلقيه المستوطنون من فوقهم، أما اليوم فأغلقت هذه المحلات عن بكرة أبيها.

وفيما يتمتع المستوطنون في «بيت إبراهيم»، و«بيت هداسا»، و«بيت رومانو»، و«تل رميدا» بالحماية الكاملة، قتل فلسطينيون كثر في المنطقة في سنوات سابقة بحجة طعن أو نية طعن جنود ومستوطنين.

رغم ذلك لم يغادر محمود محامرة بيته الذي وضعت خلفه بوابة خشبية محكمة الإغلاق لتفصله عن شارع الشهداء.

لم يكن يريد الإسرائيليون أي تواصل محتمل.

والبوابة الأخيرة هناك كانت جزءاً من نظام واسع من البوابات التي تغلق شوارع البلدة القديمة، والحواجز والكاميرات الأمنية.

جنود إسرائيليون خلال جولة أسبوعية للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 مايو 2026 (رويترز)

قال محامرة الذي يعتبر في منطقته أقرب جار للمستوطنين إنه يعيش في قلق، تحول إلى كابوس بعد السابع من أكتوبر.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «كانوا يزعجوننا دائماً لكن بعد السابع من أكتوبر الحياة أصبحت غير محتملة». يتذكر محامرة قبل الانتفاضة الثانية أوقاتاً من الرخاء، لم تدم كثيراً. وقال: «كنا عايشين مع بعض. كان في حياة لكن الآن لا».

ومن على سطح منزله، راح محامرة ينظر إلى حارات كانت كلها للعرب وصارت كلها لليهود. يأخذون البيوت ويرفعون عليها علماً إسرائيلياً. رغم ذلك لا يفكر محامرة بالخروج. وقال: «مش راح أطلع من هون».

و«مش طالعين» بات شعار يرفعه كل الفلسطينيين في الضفة الغربية، لكن ليس جميعهم يستطيعون الوفاء به، إذ يواجهون اليوم أكثر حكومة إسرائيلية متطرفة، وأكثر مستوطنين عنيفين على مر الصراع.

وتعمل الحكومة الإسرائيلية اليوم لتنفيذ خطة الحسم التي تنطلق من أن الحيز بين نهر الأردن والبحر لا يتسع إلا لمطالبة قومية شرعية واحدة، المطالبة الصهيونية بالسيادة اليهودية الكاملة.

واتهمت منظمة «بتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية، الدولة العبرية بانتهاج مجموعة من السياسات المتزامنة في الضفة، في سياق مشروع أوسع يهدف إلى محو الفلسطينيين كشعب. كل هذا يحدث في البلدة القديمة في الخليل اليوم وربما تشكل الخليل بالنسبة لاسرائيل «بروفة» لما يجب ان يحدث في باقي الضفة.

غادرنا الحرم والبلدة القديمة وعبرنا بواجهة أحد أقدم المحلات، حيث رفعت خريطة كبيرة لفلسطين، نقشت عليها كلمات درويش المعروفة «كانت تسمى فلسطين... صارت تسمى فلسطين».


مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
TT

مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)

كانت القنبلة مخبأة داخل جهاز تسجيل في مسجد «أبو ذر» بطهران، بينما علي خامنئي يلقي محاضرة على مصلين في يونيو (حزيران) 1981. انفجر الجهاز، وأصيب عدد من الأشخاص، كان هو أشدهم تأثراً بجروح بليغة.

«ذَهبتُ إلى حافة الموت لكن الله أعادني (...) شعرت أنه ينتظر مني أداء تكليف عظيم». كانت هذه كلمات خامنئي مستعيداً لحظاته وقت الانفجار؛ نجا بيد يمنى مشلولة، وربط نجاته بانتظار ذلك «التكليف».

أمضى خامنئي نحو 37 عاماً مرشداً لإيران، خلفاً للمرشد الأول الخميني. ومع بلوغه ذروة النفوذ، متمركزاً في شبكات معقدة وأدوات متفرعة لضبط «الثورة الإسلامية»، تطلب الأمر - كما تفيد تقديرات - نحو 15 دقيقة من غارة إسرائيلية، أواخر فبراير (شباط) الماضي، لينتهي فصل طويل من إيران التي كنا نعرفها، ويبدو أنها تغيرت على نحو ملتبس.

المرشد السابق علي خامنئي خلال تلقيه العلاج داخل مستشفى «بهارلو» بطهران بعد تعرضه لمحاولة اغتيال في يونيو 1981 (موقع المرشد)

حتى مع مجيء المرشد الثالث مجتبى خامنئي، فإن التركة التي أورثها الأب من صلاحيات مطلقة ورمزيات دينية مكثفة، ومصالح متشابكة، ومركزية سياسية وعسكرية ومالية، لم يحصل عليها الابن بوصفه مرشداً تقليدياً، بل تقاسمها «أبناء» عديدون، كما تفعل التنظيمات الأصولية حين تنتقل بحكم الصدمة والاضطرار إلى العمل الشبكي، الخيطي.

ثمة جدل بشأن ما إذا كان خامنئي قد جهز «الثورة الإسلامية» للعمل بلا رأس، عبر رؤوس متعددة تعمل بشكل شبه مستقل، أو أنه لم يكن يتخيل المصير الذي انتهى إليه، لاعتقاده بأن «يد الله» تحميه، كما كان يكرر في مناسبات عامة، غير أن ابنه مجتبى سيبدو جواباً على لغز الدولة العميقة في إيران، التي استعدت لولادة جمهورية تعمل مثل شبكات خيطية.

في الحالتين، إيران اليوم جمهورية من خلايا متفرقة، تشبه سلوك في طريقة عملها أذرعها «المقاومة».

«لا نتحدث عن معركة الآن»

بنت «الثورة الإسلامية» مجدها على الردع البعيد. خامنئي نفسه، في هذا الردع، لم يكن يتخيل، على الأرجح، أن تقترب منه نيران المواجهات. كان هو أكثر من عبر عن هذه المقاربة، دون غيره.

في مارس (آذار) 2011، لم يخف خامنئي ارتياحه لاندلاع ما سمي آنذاك «الربيع العربي»، وقال: «في هذه الأحداث، يمكن الشعور بيد قدرة الله». وفي مايو (أيار) 2019، كان أنصاره يهتفون أمامه بشعار يدعو بحماس إلى «معركة ضد أميركا». أوقفهم خامنئي، قائلاً: «الآن لا نتحدث عن معركة. القضية هي المقاومة».

بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كانت إيران تتعرض إلى ضغوط متواترة للرد على إسرائيل والولايات المتحدة. مع ذلك ابتكرت طهران «الصبر الاستراتيجي»، الذي وصل إلى إخضاع قوى إقليمية، من وكلاء وأذرع، لفترات من الهدنة، ليست قصيرة.

من الواضح أن استراتيجية خامنئي مزيج من تصوره الديني عن التاريخ، وتكتيك إيران الذي يستند إلى إبقاء المعركة بعيدة عن طهران. حتى بعد وقائع 7 أكتوبر 2023؛ إذ يصفها رجل دين عراقي من النجف بقوله: «كأس سم سقاه يحيى السنوار للمرشد».

أشخاص يسيرون بجوار جدارية تصور المرشد السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران 13 أغسطس 2026 (رويترز)

طوال 4 عقود من وجوده على هرم السلطة، وبينما تجنب المواجهة المباشرة، كان المرشد ينسج خيوط النظام الشبكي من خلال تعيين أشخاص موالين لإدارة ملفات حيوية في الأمن والسياسة والاقتصاد والإعلام.

يشاع في طهران وبغداد وبيروت، بين دوائر مطلعة، أن مكتب المرشد ليس «مؤسسة في مبنى تقليدي لديها حارس وبوابة»، بل شبكة واسعة غير مرئية تضم عدداً غير متوقع من المسؤولين والممثلين والمندوبين والأذرع، تصل حتى إلى مؤسسات تقع تحت إشراف رئيس إيران، وظيفتهم جميعاً التأكد من أن «المرشد يرى ويسمع، ويقرر في كل شيء».

في بغداد، ظهر انعكاس لهذا التمدد، يكشف عنه مسؤول سابق، طلب التحفظ على اسمه، قال إن «رجل دين إيرانياً كان يواظب على تدقيق السياسة النفطية العراقية بشكل يومي، بأوامر شخصية من المرشد». وأضاف: «خامنئي أو مكتبه حريص على أن يحصل على تحديثات يومية بشأن الملفات الاستراتيجية».

الخطوط الحمراء... حمراء

يتجاوز موقع خامنئي حدود الدستور لـ«المرشد». يقول الباحث العراقي علي المدن، إنه «ومن خلال عقود طويلة تمتد إلى ما قبل (الثورة الإسلامية) عام 1979، راكم خامنئي عوامل وموارد تجاوزت الحدود التقليدية للصلاحيات الدستورية للمنصب. جمع، إلى جانب تجربته السياسية، رئاسة الجمهورية، وموقعه الديني، فضلاً عن شبكة واسعة من العلاقات والولاءات داخل المؤسسات».

يميل المدن، وهو باحث في «الفلسفة الإسلامية»، راكم خبرته عبر أكثر من 3 عقود من الدراسة والعيش في قم، إلى الاعتقاد بأن «موقع خامنئي الأب ليس نتاجاً لاختصاصاته الدستورية فحسب، إنما أيضاً للخبرة المتراكمة وقدرته على إدارة التوازن بين المؤسسات ومراكز القوة المختلفة».

لكن الطريقة التي بنى فيها خامنئي سلطاته غير التقليدية كانت محمية على الأرجح بفكرة الردع؛ إذ يضخ فيها «بعداً إلهياً»، في كل مرة يظهر فيها إلى العلن، مهما كان السياق.

عام 2018، كان ضيق العيش يطبق على الإيرانيين مع تفاقم العقوبات الأميركية. في أغسطس من ذلك العام، احتشد الآلاف حول منبر خامنئي ليسمعوه يقول: «أشعر بيد الله القوية تتجلى وتتبلور في قوة الشعب». هكذا تسرب إلى جمهور المرشد في إيران، وبلدان ما يسمى بـ«محور المقاومة»، كيف أن الخطوط الحمراء، حمراء لا يمكن كسرها.

مشيعون يتجمعون خلال جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في طهران (رويترز)

يقول سياسي عراقي احتك لسنوات مع سياسيين على صلة وثيقة بمكتب المرشد الأب، إنهم ليسوا أقل ثقة من خامنئي بأن «يد الله» تحميه، وتحمي «الثورة الإسلامية» وتحميهم، بل إن أقصى ما كان يعده من سيناريوهات عن المواجهات، حين تصبح مباشرة، أنها «قد تصيب الرجل الذي يجلس جوار المرشد، وليس المرشد»، على حد تعبير أحدهم.

هل كان خامنئي متيقناً من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أو رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لن يأمرا باغتياله؟ من الصعب الحصول على إجابة حاسمة، لكن المرشد نفسه حتى حين كان يتوقع انقلاب الأمور رأساً على عقب، كان يشير إلى الآخرين. في 10 يونيو (حزيران) 2005، وبمناسبة ذكرى وفاة المرشد الأول، قال خامنئي إن «هذه اليد القوية (يد الله) قد تتحول أحياناً إلى قبضة وتضرب الإنسان على رأسه».

يميل السياسي العراقي إلى أن «خامنئي لم يكن يريد الذهاب إلى المواجهة، بل إطالة الصراع على الأقل إلى نهاية حياته بالطريقة الطبيعية، وليس كما فرضها الإسرائيليون والأميركيون».

ومن وجهة نظره، فإن «بلوغ الصراع حافة قتل المرشد يعني أن مرحلة طويلة من تاريخ إيران وصلت إلى لحظة أفول».

خامنئي الابن... مرشد «الحرس»؟

مع أن كثيرين يرجحون فرضية أن خامنئي عارض توريث مجتبى مرشداً لإيران، إلا أن الأب ترك ابنه في وقت مبكر متوارياً، يتوغل في المجتمع والمؤسسات، من باب «الحرس الثوري». يقول أشخاص عراقيون ولبنانيون عاصروا تحولات إيران خلال التسعينات، طلبوا عدم الإشارة إلى أسمائهم، إن مجتبى استغل «مرونة هاشمي رفسنجاني (كان رئيساً لإيران حين لعب دوراً محورياً في انتخاب الأب مرشداً عام 1989) وانغمس في نسج علاقات مع الجميع، داخل الحرس، الحوزة، السوق، الجيش، الباسيج، والقضاء».

قال أحدهم إن خامنئي الابن هو من زج بـ«مير حسين موسوي» إلى السجن، وقضى على حركات سياسية في مهدها، أو في طور نشوئها، هندس وصول إبراهيم رئيسي إلى الرئاسة، وأسس فلسفة جديدة تتحول الدولة فيها، كمؤسسات، إلى ما يشبه (حزب الله) في قلب الدولة». لقد تعلم الرجل مبكراً مبادئ «الدولة العميقة».

هل كان الأب خامنئي يعارض التوريث، بوصفه مشروعاً يناقض «الثورة الإسلامية» التي جاءت على أنقاض نظام الشاه، لكنه في المقابل سمح للابن بأن يرث الدولة العميقة التي عينته مرشداً، أو «واجهة لها»، كما يصف رجل الدين العراقي من النجف؟

امرأة تمر بجوار ملصق يحمل صور المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

بالنسبة للباحث علي المدن، «مجتبى خامنئي ابن النظام؛ نشأ وكبر داخله (...) إنه منتَج لمؤسساته وليس واحداً من مؤسسيه، ولم يسبق له أن شغل منصباً سياسياً عاماً مماثلاً للمناصب التي شغلها والده قبل توليه القيادة، كما أن حضوره داخل المؤسسة الدينية لا يمتلك، حتى الآن، الامتداد نفسه الذي اكتسبه والده عبر عقود من التكوين العلمي وممارسة السلطة. ومن ثم فإن انتقال المنصب له لا يعني بالضرورة انتقال جميع الموارد الشخصية والسياسية التي كانت متجمعة في شخص والده».

الهوة التي يراها مختصون شاسعة بين الأب والابن تدفع رجل الدين من النجف إلى الجزم بأن «خامنئي الأب هو آخر مرشد يحمل الحد الأدنى من شروط الفقاهة، كما أنه الأخير الذي يمتلك هيمنة حقيقية على (الحرس الثوري)، على عكس خامنئي الابن الذي يهمين عليه الحرس ويدير أموره».

لا يعني ذلك، أيضاً، أن موقع المرشد أصبح رمزياً أو أن صلاحياته انتقلت إلى مؤسسة أخرى؛ إذ يميز علي المدن، بين «السلطة الدستورية للمرشد، وقدرته العملية على تركيز عملية صنع القرار في شخصه».

جمهورية انشطار الخلايا

إذا لم تنتقل السلطة من يد خامنئي الأب إلى ابنه المستتر حتى الآن، فأين استقرت؟ الجواب الجاهز أن «الحرس الثوري» يتحكم بكل شيء. على الأقل فإن هذه المؤسسة التي يمتد نفوذها وشبكاتها الأمنية والاقتصادية إلى عواصم في الشرق الأوسط ومناطق في غرب آسيا وأخرى بعيدة، هي التي أشرفت وأدارت جلسة انتخابه من قبل مجلس الخبراء في 8 مارس 2026. كان «الخبراء» يتوافدون معية أفراد من «الحرس الثوري» إلى مقر الانتخاب في مشهد دراماتيكي يعيد أجواء الحرب العالمية الثانية، يوم كانت الحكومة البريطانية تجتمع في ملاجئ «وستمنستر»، بينما يُمطر الطيران الألماني لندن بالقنابل».

يقول السياسي العراقي إن «الحرب الأخيرة على إيران أكبر مواجهة عسكرية شهدتها المنطقة، وتكاد تتجاوز حرب السنوات الثماني مع العراق».

لكن، وبالمقدار الذي يتحفظ به على تصوير الأمور في إيران بأنها سلسة، وتختزل باستبدال قائد بقائد آخر، فإن علي المدن يتحفظ أيضاً على وصف الوضع الجديد بأنه انتقال من «حكم المرشد» إلى «حكم الحرس الثوري»؛ لأنه يفترض انتقالاً مباشراً لا تسمح به بعدُ طبيعة النظام الداخلية ولا التحديات التي خلقتها أجواء الحرب.

أجواء الحرب نفسها قد تكون الكلمة المفتاحية لفهم ما تغير في إيران. على الأغلب، فإن نظام «الثورة الإسلامية» بالشكل الذي كانت عليه أيام الخميني وخامنئي، تَفَرّقَ دون أن ينفرط إلى جمهورية تنظيمات خيطية. يقول السياسي العراقي إن «إيران اليوم لا تحتاج إلى مرشد، بل إلى قادة علميات يتصرفون كمسؤولي خلايا سرية، مهمتهم الوحيدة هي البقاء».

إيرانية تمر أمام جدارية تحمل صورة المرشد علي خامنئي في شارع آزادي بطهران 29 يوليو 2026 (أ.ب)

كان وزير الخارجية عباس عراقجي وصف استراتيجية إيران خلال الحرب الأخيرة بـ«الدفاع اللامركزي»، في محاولة للقول إنها انتقلت من التركيز على حماية القيادات العليا إلى ضمان البقاء خلال الحرب. يبدو أن ذلك يجري عبر تعددية قتالية يصعب السيطرة عليها أو رصدها بسهولة.

ليس هناك دليل على أن خامنئي الأب كان قد وضع خطة لهذا الانشطار التنظيمي، لكن النتيجة واحدة، إيران اليوم «الدولة والثورة».

يظهر دوماً انعكاس إيراني في بغداد، هذه المرة انعكاس لحالة الانشطار. في مارس 2016، كانت الحكومة العراقية تفاوض فصيلاً من أجل هدنة قصيرة تستغرق يومين. كان الأميركيون قد حصلوا على وعد بوقف الهجمات على سفارتهم في بغداد، لكن المسيرات الملغمة واصلت ضرب منشأتهم.

تقول المصادر إن الاتصالات بين المسؤولين الأميركيين والعراقيين لم تكن ودية حينها، «بسبب إخفاق الحكومة في إبرام اتفاق مع فصيل». ونقلت مصادر موثوقة أن «ضابطاً في (الحرس الثوري) يعمل في العراق لم يرد على استفسارات مسؤول عراقي كبير بشأن: لماذا تواصل الهجوم رغم الاتفاق».

«مركز واحد وخيوط»

من هذه الزاوية الحادة يمكن ملاحظة ما تغير فعلاً. في عهد خامنئي كانت إيران تضم مؤسسات ومراكز قوة متعددة، وكان «الحرس الثوري» أحد أبرزها، لكن وجود مرشد ذي خبرة بمواصفات الأب أتاح له درجة عالية من المركزية في إدارة هذه المؤسسات وفي حسم الخلافات بينها.

بعد غيابه، يقول المدن: «يبدو أن عملية صنع القرار أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على التفاعل بين مكتب المرشد، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والقيادات العسكرية والأمنية، و(الحرس الثوري)، إلى جانب مؤسسات الدولة الأخرى».

يميل علي المدن إلى أن «الانتقال في إيران نسبي من مركزية شخصية عالية الحضور إلى مركزية مؤسسية أكثر تركيباً، ازدادت داخلها أهمية المؤسسات الأمنية والعسكرية بحكم الحرب والظروف التي جرت فيها عملية الخلافة».

إيرانية تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مراسم الأربعين في طهران (أ.ب)

بالفعل، تحول «الحرس الثوري» مثلاً إلى أسلوب «القطع» المنفصلة، بقيادات محلية وإقليمية تتمتع بقدر من الاستقلال العملياتي، كما لو أن «القائد الأعلى» مقتول على الدوام.

بات السؤال في إيران اليوم، وفق علي المدن، ليس من يحكم إيران؟ بل كيف يتوزع صنع القرار بعد اختفاء الشخصية التي كانت تمسك جمع الخيوط في مركز واحد؟ إنها «مرحلة إعادة تعريف العلاقة بين مؤسسة القيادة ومراكز القوة، في طور تشكل لم تكتمل فصولها بعد».

لا يخفي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان القلق من «إيران الخلايا». قال أخيراً إنه «لن يُسمح لمجموعة أن تأخذ إيران إلى شيء ما»، وصحيح أن طيفاً واسعاً من المحللين يصنفون مثل هذه التصريحات على أنها تكتيك إيراني لخلق سردية «الشرطي الجيد والشرطي الشرير»، لكن الوقائع الميدانية مرتبطة بأن إيران تتحرك كأجزاء منفصلة.

هل تستمر إيران على هذا النحو الشبكي، حيث تستطيع أن تعمل بالغموض، بلا رأس مركزي واضح قد يؤدي فقدانه في نصف ساعة إلى شل النظام بالكامل؟ ثمة إجابات مختلفة رائجة في الأوساط المهتمة، لكن ما هو أكثر أهمية اليوم يتعلق بقدرة النظام في طهران على التحكم بإيقاع «القطع» المنفصلة، وما إذا أصبح استقلالها داخل المنظومة مفرطاً ومخيفاً أكثر من الاستهداف الخارجي، أكثر مما كان خامنئي الأب ليحتمل ويتحمل.


نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
TT

نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

«تخيلي لو أنه لم يمت»، يقول محدِّثي عبر الهاتف من بيروت وهو على معرفة وثيقة بـ«حزب الله» وعلى تماسٍّ يومي بمجتمعه الأوسع.

يطرح سؤالاً افتراضياً: ماذا لو نجا حسن نصر الله، وكان عليه أن يقود المواجهة؟

لا يقصد مواجهة عسكرية مع إسرائيل. «فذلك ما يفعله الحزب وهي ملعبه»، بل «مواجهة نفسه وجمهوره وبيئته بهذه النكبة التي استجلبها لهم».

هل كان سيوقّع اتفاق وقف إطلاق النار؟ هل كان سيوافق على المفاوضات أم سيعارضها كما يفعل اليوم خليفته؟ هل كان يستطيع العودة إلى «لو كنت أعلم»، التي استخدمها بعد «حرب تموز 2006»؟

سيل من الأسئلة التي لن تجد إجابة لها و«فراغ هائل بحجم الحفرة التي ابتلعته ورفاقه في الضاحية الجنوبية» يقول مصدر آخر جنوبي واكب كل الحروب الإسرائيلية على لبنان وخسر أهلاً ورفاقاً ومنازل ويقف على نقيض سياسي من «حزب الله». ويتابع: «مرت سنتان ولا تزال البيئة والمحيط في حالة صدمة ونكران تام... حالة هذيان جماعي. كأن الناس لم يفقدوا قائداً عسكرياً أو زعيماً دينياً، بل خسروا من يمنحهم رواية عن أحوالهم».

ثمة إجماع حول قدرة نصر الله على «مسرحة» الحرب وخسائرها وتحويل أثمانها للمنكوبين والمكلومين والثكلى إلى لحظة ملحمية من النشوة والانتصار، ويبدو أن ذلك أكثر ما يفتقده محازبوه وجمهوره اليوم. فكأن انخراطهم في حرب الإسناد ودفعهم أثمانها، يبقى تفصيلاً مقابل غياب من يملي عليهم سيرتها الحسنة.

مصاب في تفجيرات «بيجر» يحمل هاتفاً عليه صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتياله (أ.ف.ب)

وذلك الفراغ الخطابي ليس مردّه فقط كون أمين عام «حزب الله» الحالي نعيم قاسم، يفتقر لملكته، بل لأن نصر الله نفسه بدأ يخسر حيّزه العام وصورته ومشهديته قبل اغتياله بوقت غير قليل، وبهذا «جاءت لحظة الاغتيال إنقاذاً له من خسائر كثيرة واستحقاقات هائلة».

ويقول المصدر: «مات نصر الله فعلياً قبل لحظة اغتياله... مات مع عملية البيجر وسلسلة الاغتيالات التي توالت. مات حين فقد قدرته على التعبئة والتبرير وحين عجز عن تقديم رواية للناس، وحين لم يعد أحد يكترث بخطاباته وينتظرها كما في السابق».

هنا يضع المصدر يده على وظيفة هي برأيه أهم من الموقع التنظيمي الحزبي الذي شغله نصر الله؛ فهو «لم يكن رجل تكتيك عسكري، ولا رجل دين بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما كان (رجل تعبئة) منح الحزب قوة تتمتع بها الدول وليس الأحزاب أو التنظيمات المسلحة».

ومعلوم أن هذا الحضور الطاغي لا يولد في لحظة.

«كأنه لم يكن»

سوسيولوجي وكاتب يرصد تحولات الحزب وبيئته الاجتماعية يتذكر نصر الله بين عامي 2000 و2006، ويصفه بأنه كان أقرب إلى «الناشط الحزبي»، قبل أن يبني تدريجياً حضوراً تكرس، في رأيه، مع اغتيال رفيق الحريري، حين أصبح لكلامه وزن إقليمي.

فمنذ التحرير عام 2000، ونصر الله يرعى هذه الهالة و«اشتغل عليها شغلاً حثيثاً»، مستنداً إلى آلة إعلامية كاملة للحزب لتكريس صورة «أقرب إلى الأسطورة وأنصاف الآلهة، مبرراً بذلك استمرارية حمل السلاح».

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)

وحتى أمس قريب كانت إطلالاته التلفزيونية أشبه بـ«سهرات أم كلثوم. تفرغ الشوارع ويتسمر الناس أمام الشاشات ويطربون لما يسمعون».

وللمفارقة لم يكن المستمعون أعضاء في «حزب الله»، ولا حتى جميعهم جزءاً من بيئته المباشرة. كان نصر الله، في مراحل مختلفة، حدثاً عاماً: «يستمع إليه المؤيد، والخصم، ودول الجوار، وكل من ينتظر معرفة ما سيحدث في اليوم التالي».

أما اليوم، بعد سنتين، «فكأنه لم يكن».

سيدة جنوبية تنتمي إلى إحدى العائلات ذات الثقل الاجتماعي والديني توجهت إلى صور والنبطية قبل يوم واحد من إحياء ذكرى السنتين، تقول: «لم أرَ صوره في الشوارع أو على الأبنية كما جرت العادة. ولولا أن لمحت صورة صغيرة وجانبية له في دكان صغير لما تنبّهت أصلاً إلى غيابه التام عن المشهد العام».

وتضيف: «حتى في الجلسات الضيقة، ما عاد أحد يتحدث عنه، وبدا لي ذلك أكثر غرابةً أنه تزامن مع توقيت الذكرى... قد يبدو لوهلة أن ثمة عدم اكتراث به، لكنني أعتقد أنه أصبح ذلك الغائب (المسكوت عنه). إنه اليوم (التابو) الشيعي بامتياز».

وحسب السيدة، وهي القريبة من بيئة الحزب وتحظى بثقة داخل مجتمعه الضيق، من دون أن تكون جزءاً منه يبدو أنه «لم يعد من محبين لـ(السيد) من خارج نواة المحازبين الصلبة ومن هم على لائحة الرواتب الحزبية».

فحتى جمهوره العريض السابق لم يذهب إلى دور العزاء وهي «طقس محوري بالنسبة للشيعة».

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام الحزب وصور أمينه العام السابق حسن نصر الله في الذكرى الثانية لاغتياله (د.ب.أ)

لم يبق إلا «الحرس»

يعيدني محدّثي الجنوبي إلى إرث نصر الله ليقول إنه «لم يبقَ من يرثه... حتى (حزب الله) كما نعرفه مات بموته».

ولشرح وجهة النظر تلك، يفنّدها صاحبها بالقول «في السياسة، تسبب نصر الله بإحراجٍ سياسيٍّ غير مسبوق لأقرب حلفائه، لجهة إعلانه حرب الإسناد بعدما تعهد شخصياً لرئيس مجل النواب نبيه برّي بعكس ذلك. ثم بعد إطلاق الصواريخ الستة، أجرى بري اتصالاته وحاول إقناع الحزب بعدم إصدار بيان يتبنى فيه الصواريخ، وأخذ تعهداً صريحاً آخر لم يعش سويعات حتى تم نقضه أيضاً».

وحتى 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 لعب نصر الله دوراً إقليمياً مع هامش مناورة مريح نسبياً فكان «الوسيط الأمين بين إيران ولبنان؛ حكومةً وطوائف وشعباً ومؤسسات، وأدى أدواراً في العلاقة مع المحيط والخارج، مُعفياً طهران من كثير من المواجهات المباشرة مع دول الجوار؛ فيمرر القرارات ويتلقى الصدمات عوضاً عنها».

لكن ذلك، يقول المصدر، بدأ يتغير تدريجياً بعد «7 أكتوبر»، ثم جذرياً بعد مقتل نصر الله، بحيث «لم يبقَ اليوم إلا (الحرس الثوري). فقط لا غير. (الحرس) يتحكم مباشرةً بكل مفاصل الحزب؛ قيادةً ومقاتلين واستراتيجياً. ونعيم قاسم غير قادر على لعب دور الوسيط أو المرسال».

مشهد من الذكرى الثانية لاغتيال أمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله في ضاحية بيروت الجنوبية (رويترز)

أما بالنسبة إلى الهيكلية الحزبية، يتابع المصدر: «فإن حسن نصر الله هو آخر العمامات السوداء في الأمانة العامة. نعيم قاسم صاحب عمامة بيضاء وفي ذلك تراتبية دينية مختلفة، أما نائبه (المتداول) فهو محمد رعد. نائب في البرلمان وليس حتى رجل دين».

وإذا لم نحتسب مَن كان مرشحاً للأمانة العامة قبل قاسم وتم استبعاده (أو هو أبعد نفسه على ما يقول البعض)، أي إبراهيم السيد أمين، وكان الأقرب للمنصب بعد هاشم صفي الدين، فقد يذهب التفكير إلى ابن نصر الله محمد مهدي. رجل دين شاب ومعمم، وكادر حزبي فاعل.

«لكنه لم يؤهَّل لذلك الدور ولم ينضج بعد» على ما يتفق أكثر من مصدر.

أبناء نصر الله... محنة التركة

يشرح أحد المصادر: «بعد مقتله ومن حوله، نتبين أهمية الروابط العائلية في دائرة الثقة التي أحاط نفسه بها والتي تبين أن قيادة الحزب تقوم عليها». وحسب المصدر، فإن «ما نسفه نصر الله في اختياره البقاء في موقعه محاطاً بهؤلاء القادة المقربين منه، وانتظاره الموت الذي كان قادماً إليه لا محالة، هو نسيج العائلة والعشيرة والحزب معاً، وهو ما يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، ترميمه».

واللافت أنه في ذلك كله، لم يشمل أبناءه ولم يعمل على تحضير أحدهم لوراثته.

وحسب الكاتب السوسيولوجي، فإن «قادة تاريخيين بهذا الحجم لا يفكرون في التوريث، ربما لنرجسيةٍ ما فيهم، مما يترك الأبناء متخبطين في هويتهم وفي إدارة ثقل التركة على كاهلهم».

والأبناء، وتحديداً جواد ومحمد مهدي اللذان كثّفا من حضورهما في الفترة الأخيرة «ظاهرة تستحق التوقف لا سيما مع محاولة كل منهما أنسنة الأب ومحاكاة صورته... لكن حقيقةً دون كثير جدوى».

وبمتابعة دقيقة لمواقع التواصل الاجتماعي التي يتوسّلها الشابان مؤخراً، ثمة جهد حثيث لديهما باقتباس سلوكيات الأب من تقليد حركة يده، أو طريقة كلامه، إلى شيء من توزيع أدوار، كأن يحاكي الأول قاعدة دينية بعمامته، ويستعين الآخر بغيفارا وتحرر الشعوب حيناً ثم الشهداء والأبرار ويقينه بعودة والده معهم حيناً آخر.

الطفل علي عبّاس (14 عاماً) الذي خسر عينه وأصيب بتشوهات في تفجيرات «بيجر» التي نفذتها إسرائيل في سبتمبر 2024 وهو لا يزال يحاول التعافي (رويترز)

«سحر العيون»... مجرد فقاعة

اليوم، وعوضاً عن البناء على تلك «الأسطورة»، «هزلت رواية نصر الله... وباتت في مهب الريح» يقول أحد المصادر. ويتابع: «بعد سنتين على موته، يكفي أن ننظر إلى الاستسهال في التصرف بسيرته من دائرته المباشرة لندرك أنه ليس هناك مِن قيِّم على هذا الإرث... كل تلك السرديات عن الكاريزما القيادية والشخصية الحاضرة وسحر العيون (التشبيه الشائع عن نصر الله والمستمد من وصف عبد الناصر)، كلها تلاشت فجأة. كأنها كانت مجرد فقاعة. فيكفي أن يزعم سياسي هامشي على شاشات التلفزة أنه كان يجالسه نحو 7 ساعات! أيُّ مبالغة تلك؟ أو مثلاً ابنه (مهدي) الذي راح يتحدث كيف يحضّر له الفطور، أو الفيديو الذي ظهر له وهو يتجول في السيارة في الضاحية ولا نعرف له سياقاً أو تاريخاً أو مصدراً. هل هو الإعلام الحزبي؟ تلفزيون المنار؟ مَن قرَّر أن هذه القصص يجب أن تخرج اليوم إلى العلن؟».

فقدان الصوت والصورة

مزيد من الأسئلة التي تصب كلها في إطار استباحة الرواية التي كان نصر الله يحتكرها. روايته عن نفسه وعن حزبه، ويضبط إيقاعها عبر آلة إعلامية ملتزمة لا تخرج عن سياق ما يمليه عليها.

فهل لهذا كان شعار الذكرى «على العهد باقون»؟ وهل لهذا أطلق قاسم مؤسسة لحفظ ونشر تراث نصر الله؟

فتاة من كشافة المهدي تحمل صورة أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

لعل هدف هؤلاء كان «أنسنة» الرجل وجعله شخصاً في المتناول لإيصال رسالة للحاضنة الشعبية الثكلى، أنه مثلهم وبينهم رغم الغياب.

لكن عملياً، النتيجة جاءت عكسية تماماً.

«الفراغ الذي بحجم الحفرة» وأزمة القيادة يقرأها السوسيولوجي من زاوية الكتلة البشرية التي كانت حاضرة بقوة، وأصبحت «غامضة ومغلقة أكثر من أي وقت مضى»، و«مجهولة تماماً لغير أبنائها المقربين».

ويقول: «كأن الشيعة كلهم انكفأوا وتركوا فراغاً في مفاصل الحياة اليومية، في علاقتهم بالأحزاب الأخرى والطوائف والمجال اللبناني الأوسع». وباستثناء القلة التي تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي وتستبسل في الدفاع عن حرب الإسناد، تبدو له الكتلة الاجتماعية التي كان نصر الله صوتها، أقل ظهوراً وحضوراً.

ويقول: «كأنهم بفقدان نصر الله فقدوا الصوت والصورة».

لكن ما يبدو من الخارج ضمور يتكشف في دوائر الثقة الضيقة عن محنة أخرى.

صاحب دكان في بيروت يجلس خارجاً بينما يبث التلفزيون إحدى خطب أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله (أ.ب)

هل «الإيواء» قادم لا محالة؟

تقول السيدة الجنوبية إن «فراغ القيادة الحزبية يبدو اليوم ترفاً مقابل فراغ محركات الحياة اليومية للجنوبيين». وتتابع: «كأن (أمل) ورثت الشارع والمشهد في صور تحديداً عوضاً عن الحزب، وما كان يشكله الحزبيون من رادع للحركيين، ما عاد اليوم موجوداً، فأصبح هؤلاء سلطة أمر واقع يتحكمون بكل شيء... وفي ذلك مرار كثير».

واليوم يريد كثير من الجنوبين تصديق كلام أمينهم العام الجديد بأن «الإيواء» قادم لا محالة، وأن إيران لن تتخلى عنهم وعن دعمعهم بالمال والسلاح والنفوذ، لكنهم يصمتون عن أن المال لن يأتي وأن مجرد استخدام كلمة إيواء بدل «سكن لائق وفرش لائق» التي وعدهم بها نصر الله بعد «حرب تموز 2006»، يقول الكثير عن أحوالهم.

مواطن لبناني من سكان الضاحية يجلس على أنقاض منزله الذي دمّر بالقصف الإسرائيلي الذي استهدف مقرّ الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في حارة حريك في بيروت في سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

وبين المكابرة والحداد العميق الذي يقاسيه مجتمع الحزب، يبقى أن أكبر صدمة «هي فقدان السلطة و(فائض القوة) الذي تمتعوا به لأكثر من عقدين وأشهروه سلاحاً يومياً في وجه بقية اللبنانيين... لذلك يبدو أن عقدهم الاجتماعي اليوم يقوم على مداواة ذلك الجرح النرجسي بأن يصبّوا جام غضبهم على العملاء».

كأن الحديث المفرط عن الخونة والعملاء يعوّضهم عن ذلك الصمت المطبق عن كل ما عداهم. وهؤلاء بحسبهم هم اللبنانيون، كل اللبنانيين من خارجهم، وكل من لم يساندهم في إسنادهم... فتراهم يستشيطون غضباً في ذكرهم ويستعينون على الشقاء بمزيد من الشتم والوعيد.