13 عاماً على «30 يونيو» بمصر... «الإخوان» تخفت محلياً وتتقلص دولياً

الجماعة باتت بين حظر وملاحقة وانقسامات غير مسبوقة

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

13 عاماً على «30 يونيو» بمصر... «الإخوان» تخفت محلياً وتتقلص دولياً

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

بعد 13 عاماً من الإطاحة بحكم جماعة «الإخوان» في مصر خلال أحداث «30 يونيو» 2013، تدهورت أحوال التنظيم بشكل كبير سواء داخلياً أو خارجياً.

فقد بات التنظيم، الذي استمر حكمه عاماً واحداً منذ وصول المنتمي إليه محمد مرسي لسدة الرئاسة عام 2012، يعاني خفوتاً محلياً مع ملاحقات قضائية وأمنية، كما تقلص حضوره دولياً في ظل قرارات دول غربية بملاحقته ووصمه بالإرهاب، وسط توقعات مراقبين ومحللين بأن «ينتهي التنظيم وفكره» قريباً إذا استمرت المواجهة المحلية والدولية.

يوم مفصلي

يعَد يوم 30 يونيو (حزيران) 2013 يوماً مفصلياً في التاريخ المصري الحديث؛ فبعد سنة واحدة من تولي مرسي الرئاسة، خرجت في محافظات مصر مظاهرات حاشدة تطالب بإبعاد «الإخوان» عن المشهد، وإزاحة مرسي عن الحكم. وفي الثالث من يوليو (تموز) من تلك السنة أُعلن عن عزله استجابة لهذه المطالب.

مرشد «الإخوان» محمد بديع في إحدى جلسات محاكمته (أرشيفية - أ.ب)

وفي العام نفسه، حظرت السلطات المصرية جماعة «الإخوان»، ووضعتها على قائمة «الكيانات الإرهابية». والآن، يقبع المئات من قادتها وأنصارها في السجن، وعلى رأسهم مرشدها العام محمد بديع. وقد صدرت بحق بعضهم أحكام نهائية وغير نهائية بالإعدام، والسجن المشدّد، والمؤبّد، وبات لا يُعْرَف للجماعة وجود إلا في الفضاء الإلكتروني عبر منصات في الخارج، توجد بشكل رئيسي في تركيا والمملكة المتحدة.

اختفاء في الداخل

يقول الباحث المصري المتخصص في شؤون الجماعات المتطرفة، منير أديب، إنه عند الحديث عن اختفاء «الإخوان» في الذكرى الثالثة عشرة لأحداث 30 يونيو «لا بد من التفريق بين أمرين: اختفاء التنظيم، واختفاء الفكرة».

ويتابع في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «في كلا الأمرين، نجحت الدولة المصرية وأجهزتها الأمنية على مدار 13 عاماً في تفكيك، وتحييد التنظيم، ودحض العديد من أفكاره بشكل لم يعد معه له تأثير كما كان قبل عام 2013 أو ما قبل 2011».

وتوقع أن يختفي التنظيم قريباً، وقال: «التنظيم الذي يبلغ عمره الآن 98 عاماً لم يتبق له سوى عامين فقط، ليكون عامه المائة هو عامه الأخير... ليصبح مجرد سطر في كتب التاريخ».

جانب من محاكمة لعناصر من «الإخوان» في مصر (أرشيفية - أ.ف.ب)

أما المحلل في شؤون الجماعات الدينية والمتطرفة، أحمد بان، فيقول إن الجماعة «انتقلت من فكرة التموضع الصلب داخل الحياة في مصر والعديد من الدول، إلى التموضع الافتراضي عبر منصات إعلامية، وتحديداً وسائل الإعلام غير التقليدية (النيوميديا) كمنصات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي لنشر رسائل الإحباط والفوضى».

وواصل حديثه قائلاً: «الجماعة استكملت أطوار حياتها كحركة، وانتهت كتنظيم».

تحركات دولية

دولياً، لم يكن حال التنظيم مختلفاً عنه في مصر، عبر تحركات رسمية في النمسا وألمانيا وفرنسا وهولندا، شهدت خلال السنوات الماضية تحولات جذرية في مواقفها التي انتقلت من مرحلة الرقابة والحذر إلى التضييق القانوني والملاحقة الفكرية والتنظيمية.

وفي مايو (أيار) 2026، كشفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن استراتيجية وطنية جديدة لمكافحة الإرهاب، ركَّزت في جوهرها على «جماعة الإخوان» بوصفها المنبع الفكري لـ«الإرهاب الجهادي» الحديث.

سبقها في يناير (كانون الثاني) الماضي، تصنيف واشنطن «جماعة الإخوان» بمصر، وكذلك فرعها في كل من الأردن ولبنان، «منظمات إرهابية»، وتلاه في مارس (آذار) وضع فرعها في السودان بالقائمة نفسها.

محاكمة لعناصر من «الإخوان» أُدينوا بـ«الإرهاب» في مصر (أرشيفية - أ.ف.ب)

كما وافقت أغلبية بالبرلمان الفرنسي في يناير الماضي على دعوة المفوضية الأوروبية لإضافة «جماعة الإخوان» وقادتها إلى قائمة المنظمات الإرهابية، مع إقرار البرلمان الهولندي، في مارس الماضي، مقترحاً يدعو إلى حظر جماعة «الإخوان» والمنظمات المرتبطة بها، دون تنفيذه بعد.

وعن التحركات الدولية الأخيرة، يرى بان أن التصنيف الأميركي للجماعة في دول مثل مصر والأردن ولبنان «تنظيماً إرهابياً» يمثل ضربة قاصمة للتنظيم الدولي، مؤكداً أن الإجراء أسهم في تقليص مساحات حركة التنظيم خارجياً، وحرمانه من الملاذات الآمنة؛ وتوقع استمرار حرمان الجماعة من «الرئة الدولية»؛ ما يؤثر سلباً في حركتها.

ورأى أديب أن هذه التحركات الدولية «جزء أساسي من فكرة المواجهة التي ستؤدي لاختفاء التنظيم، خصوصاً والمجتمع الدولي وأوروبا والولايات المتحدة يمثلون الرئة التي كان يتنفس منها»، مشيراً إلى أن الأمر تغير حالياً مع التحرك الأوروبي لإعادة تقييم وجود «الإخوان» ومؤسساتها؛ ما زاد الخناق على التنظيم، وأسهم في تحييده، وتعزيز التوقعات باختفائه وفكرته تماماً خلال العامين المقبلين.


مقالات ذات صلة

السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)

السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

في إطار جهود مصر لوقف التصعيد في المنطقة طالب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، البرلمان بعقد جلسة طارئة لتفويضه في أي تدخل تطلبه السعودية.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
رياضة عربية مصطفى حسين محتفلاً بالنصر في بطولة العالم للمصارعة (وزارة الشباب والرياضة)

مصر: الفوز ببطولة المصارعة العالمية يجدد مطالبات دعم الألعاب الفردية

جدد فوز المصارع المصري مصطفى حسين بالميدالية الذهبية لبطولة العالم بالمصارعة الرومانية تحت 23 عاماً مطالبات بالأوساط الرياضية المصرية بدعم أبطال الألعاب الفردية

محمد الكفراوي (القاهرة)
شمال افريقيا عبد العاطي وفيدان جددا إدانتهما للاعتداءات غير المبررة على السعودية (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

تشديد مصري - تركي على التنسيق المكثف في أزمات ليبيا والسودان وسوريا

شدد بدر عبد العاطي على «رفض المساس بأمن الدول الخليجية أو استخدام المضايق والممرات البحرية أداةً للضغط أو التصعيد».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)

مصر والسودان يرفضان محاولات الإساءة لعلاقاتهما

أكدت مصر والسودان «عمق العلاقات الأخوية» بينهما، ورفضا «محاولات الإساءة إلى العلاقات الثنائية القائمة على الاحترام المتبادل وحسن الجوار».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مجلس النواب المصري في جلسة سابقة (مجلس النواب المصري)

مصر: مطالب برلمانية بـ«تفعيل نصوص الدستور المعطّلة»

استغل نواب في غرفتي البرلمان المصري تصريحات الرئيس السيسي حول «احترام الدستور وعدم المساس به» للدعوة إلى «تفعيل نصوص دستورية معطّلّة».

رحاب عليوة (القاهرة)

«مجازر 17 أكتوبر 1961»... ذكرى تعيد فتح الجراح العالقة بين الجزائر وباريس

«مجازر 17 أكتوبر 1961» تعيد فتح الجراح العالقة بين الجزائر وباريس (الرئاسة الجزائرية)
«مجازر 17 أكتوبر 1961» تعيد فتح الجراح العالقة بين الجزائر وباريس (الرئاسة الجزائرية)
TT

«مجازر 17 أكتوبر 1961»... ذكرى تعيد فتح الجراح العالقة بين الجزائر وباريس

«مجازر 17 أكتوبر 1961» تعيد فتح الجراح العالقة بين الجزائر وباريس (الرئاسة الجزائرية)
«مجازر 17 أكتوبر 1961» تعيد فتح الجراح العالقة بين الجزائر وباريس (الرئاسة الجزائرية)

بالتزامن مع حلول الذكرى الـ65 لـ«مجازر 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1961» في باريس، أعلنت الجزائر التحضير لمشروع قانون يخص «الذاكرة الوطنية»، فيما طالب نحو 30 رئيس بلدية في فرنسا بالاعتراف بتلك الأحداث الدموية «جريمة دولة». وهاتان الخطوتان تعكسان تعثر ملف الذاكرة الاستعمارية، وبقاء ملف «المصالحة» لعام 2022 رهينة الخلافات التاريخية والأزمة الدبلوماسية المتواصلة بين البلدين.

تصميم تذكاري يخص مجازر 17 أكتوبر 1961 (وزارة الدفاع)

وجرى اليوم، السبت، تنظيم «وقفة دقيقة صمت»، حسبما أعلنت عنه وزارة المجاهدين الجزائرية في كل الأجهزة والهيئات الرسمية داخل البلاد، وبالممثليات الدبلوماسية الجزائرية بالخارج، ترحماً على أرواح المهاجرين الجزائريين، الذين قتلهم البوليس الفرنسي مطلع ستينات القرن الماضي، في وقت كانت فيه ثورة التحرير (1954 - 1962) على وشك حسم صراع طويل مع الاستعمار، دام 132 سنة.

وفي فرنسا، نشر قصر «الإليزيه»، اليوم السبت، بموقعه الإلكتروني بخصوص هذه الذكرى: «بعد 65 عاماً على أحداث 17 أكتوبر 1961، تتذكر فرنسا الجزائريين ضحايا القمع الدموي، الذي نُظّم تحت سلطة محافظ الشرطة موريس بابون... هذه الذاكرة الجريحة هي جزء من تاريخنا المشترك، والجمهورية تنظر إليها بوعي ووضوح».

في السياق ذاته، طالب نحو 30 رئيس بلدية في فرنسا بالاعتراف بـ«مجازر 17 أكتوبر 1961»، التي استهدفت مئات المتظاهرين، غالبيتهم عمال مصانع، باعتبارها «جريمة دولة». ودعا هؤلاء المنتخبون، في بيان مشترك، نشرته صحف فرنسية أمس الجمعة، على وجه الخصوص، إلى إدراج 17 أكتوبر ضمن الرزنامة الرسمية للأيام الوطنية والمراسم الرسمية.

* مطالب بالإنصاف والحقيقة

تضمن نص مشترك وقعه رؤساء البلديات، نشرته «إذاعة فرنسا الدولية» بموقعها الإلكتروني، مطالبةً بالاعتراف الكامل والصريح بمجازر 17 أكتوبر 1961، باعتبارها جريمة دولة، بالنظر إلى مسؤولية السلطات العمومية عن تنظيم حملة القمع وإدارتها. وينتمي أغلبية أصحاب المبادرة للحزب الاشتراكي الفرنسي، والحزب الشيوعي وحزب الخضر.

صورة أرشيفية لمعتقلين في مظاهرات 17 أكتوبر 1961 بباريس (صحيفة ليبراسيون)

وقبل 65 عاماً، تحديداً في ليلة 17 أكتوبر 1961، خرج آلاف الجزائريين والجزائريات في مظاهرات سلمية بباريس وضواحيها، استجابة لنداء «جبهة التحرير الوطني»، احتجاجاً على حظر التجول التمييزي المفروض عليهم، ليتعرضوا لقمع بالغ العنف على يد الشرطة الفرنسية، تحت سلطة محافظ شرطة باريس آنذاك، موريس بابون، وفق ما جاء في البيان. وحسب تقديرات مؤرخين، من بينهم جان لوك إينودي، فقد قتل نحو 300 جزائري، فيما أُلقي بالعديد من الضحايا في نهر السين.

كما طالب رؤساء البلديات بإدراج هذه الأحداث الدامية ضمن الرزنامة الرسمية للأيام الوطنية والمراسم الرسمية، «حتى تحيي الجمهورية الفرنسية سنوياً ذكرى ضحايا هذا القمع وتكرّمهم». كما دعوا إلى مواصلة فتح الأرشيف المتعلق بهذه الأحداث، وتسهيل الاطلاع عليه، إلى جانب الأرشيف المرتبط بحرب الجزائر عموماً، «حتى يتمكن الباحثون والعائلات والمواطنون من مواصلة توثيق الحقائق، ونقلها إلى الأجيال القادمة».

وشدّد الموقّعون على ضرورة إطلاق «فضاءات للذاكرة» ودعمها، وإطلاق «مبادرات تهدف إلى نقل هذه الذاكرة التاريخية، لا سيما إلى الأجيال الشابة، حتى يُدرّس تاريخ 17 أكتوبر 1961 بصورة كاملة، ويصبح معروفاً لدى الجميع». كما دعوا إلى الاعتراف بالضحايا والناجين وعائلاتهم، وتقديم الدعم اللازم لهم، بعد أن ظلت شهاداتهم وذاكرتهم مهمّشة ومتجاهلة طوال سنوات طويلة.

وجاء في البيان أن الاعتراف بهذه المجازر «لا يعني إحياء جراح الماضي، بل يعني مواجهة تاريخنا بشجاعة، وإنصاف الذين كانوا ضحايا هذا القمع»، مضيفاً أن ذلك «يمثل أيضاً اعترافاً بشهادات العائلات، وبجهود كل الذين يناضلون منذ عقود من أجل كشف الحقيقة».

مظاهرة في باريس نظمت في 2025 بمناسبة ذكرى مجازر 17 أكتوبر 1961 (ناشطون جزائريون في فرنسا)

* مسار مصالحة متعثر

كان الرئيس الفرنسي الأسبق، فرانسوا هولاند، قد اعترف في سنة 2012 خلال زيارته إلى الجزائر نهاية العام نفسه بحقيقة القمع الدموي، الذي شهدته أحداث 17 أكتوبر 1961. وفي عام 2021، أقر الرئيس إيمانويل ماكرون، بمناسبة الذكرى الستين لهذه المجازر، بهذه الوقائع، وصرح بأن الجرائم التي ارتُكبت في تلك الليلة تحت سلطة موريس بابون «لا يمكن للجمهورية أن تبررها»، دون أن يصدر حتى الآن اعتراف رسمي بها باعتبارها «جريمة دولة».

واعتبر رؤساء البلديات الموقّعون على النداء أن هذه الاعترافات «شكلت محطات مهمة، لكنها غير كافية»، مؤكدين أنها «لا ينبغي أن تكون الكلمة الأخيرة في هذا الملف». ودعوا الدولة الفرنسية إلى «مواصلة المسار الذي بدأته حتى نهايته، وتحمل مسؤولياتها كاملة تجاه هذه الأحداث التاريخية».

وتم تناول هذه الأحداث في تقرير رسمي، تسلمه الرئيس ماكرون في 20 يناير (كانون الثاني) 2021، من إعداد المؤرخ الشهير بنجامين ستورا، تطرق إلى ذاكرة الاستعمار وحرب الجزائر. وجرت هذه الخطوة بطلب من ماكرون. وتضمنت الوثيقة مقترحات لتعزيز الاعتراف بالذاكرة التاريخية، وتهدئة الخلافات بين البلدين، كما تطرقت إلى مجازر 17 أكتوبر في إطار معالجة إرث الاستعمار الفرنسي.

جانب من احتفالات العاصمة بالذكرى الـ65 لمجازر 17 أكتوبر 1961 (محافظة الجزائر العاصمة)

وفي أغسطس (آب) 2022، شكّلت زيارة ماكرون إلى الجزائر محطة بارزة في مسار المصالحة بين الذاكرتين الجزائرية والفرنسية، حيث اتفق مع الرئيس عبد المجيد تبون على إنشاء لجنة مشتركة من المؤرخين الجزائريين والفرنسيين لدراسة تاريخ الاستعمار، وحرب التحرير الوطني، والعمل على معالجة القضايا التاريخية العالقة بين البلدين.

متظاهرون جزائريون اعتقلوا في بوتو غرب باريس خلال مظاهرة 17 أكتوبر 1961 (الأرشيف الجزائري)

غير أن عمل هذه اللجنة توقف بشكل نهائي، بعد أن عقدت عدة اجتماعات، بسبب التوترات الحادة التي شهدتها العلاقات الثنائية، إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء في نهاية يوليو (تموز) 2024.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ملف موقوفي «مدوني الخارج» يفجر جدلاً حقوقياً في موريتانيا

قصر العدل حيث يوجد مقر محكمة نواكشوط الغربية (إعلام محلي)
قصر العدل حيث يوجد مقر محكمة نواكشوط الغربية (إعلام محلي)
TT

ملف موقوفي «مدوني الخارج» يفجر جدلاً حقوقياً في موريتانيا

قصر العدل حيث يوجد مقر محكمة نواكشوط الغربية (إعلام محلي)
قصر العدل حيث يوجد مقر محكمة نواكشوط الغربية (إعلام محلي)

قالت النيابة العامة في موريتانيا إن قانون البلاد يجيز تأخير اتصال المشتبه فيهم بمحاميهم، بخصوص موقوفي جرائم أمن الدولة والإرهاب طوال فترة الحراسة النظرية، وذلك بعد أسابيع من توقيفات طالت أقارب مدونين يقيمون في الخارج، اتهموا بالابتزاز المالي ونشر أخبار كاذبة، وهو ما فجر جدلاً حقوقياً حاداً، وأثار تساؤلات حول مدى قانونية هذا الإجراء.

جاء ذلك في أول بيان رسمي يصدر عن النيابة العامة في ملف «مدوني الخارج»، مساء (الجمعة)، وذلك تعليقاً على ما قالت إنه «تداول عبر وسائل التواصل» بشأن إجراءات البحث الابتدائي في القضية «المحالة إلى مديرية أمن الدولة»، وآجال الحراسة النظرية، وحق الموقوفين في الاتصال بمحاميهم.

وأكدت النيابة أن الإجراءات تخضع للضمانات الدستورية، وفي مقدمتها احترام الكرامة الإنسانية، استناداً إلى المادة 58 من قانون الإجراءات الجنائية، التي «توجب صون كرامة الأشخاص المحرومين من حريتهم، وتحظر تعريضهم لأي إساءة أو تعذيب». وقالت إنها تشرف على أعمال الشرطة القضائية «منذ توقيف المشتبه فيهم وحتى إحالتهم إليها».

يؤكد المدونون أن حملة اعتقال أقاربهم جاءت بسبب معارضتهم للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وأوضحت أن المادة نفسها تجيز تأخير الاتصال بالمحامي «متى اقتضته ضرورة البحث»، بناءً على طلب معلل من ضابط الشرطة القضائية. وأضافت أن فقرتها الأخيرة تستثني مشتبهي جرائم أمن الدولة والإرهاب من هذا الحق طوال الحراسة النظرية، «دون إخلال بسائر الضمانات المكفولة لهم».

ووعدت النيابة العامة بمواصلة مراقبة آجال الحراسة «بحسب طبيعة الجرائم»، واتخاذ الإجراءات القضائية المقررة عند انقضائها. ولم يحدد البيان عدد الموقوفين، ولا التهم الموجهة إليهم ولا مدة توقيفهم، ولم يوضح هل تندرج التهم ضمن جرائم أمن الدولة، رغم استناده إلى استثنائها.

ويرفض المدونون التهم، ويقول أحدهم، ويدعى محمد ولد اكماش المقيم في الولايات المتحدة، الذي جرى توقيف ثلاث أشخاص من عائلته، إن الحملة بسبب معارضته للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وقال تعليقاً على بيان النيابة: «بعد 20 يوماً من اختطاف أفراد أسرتي، وتعذيبهم بتهمة ابتزاز باطل لا دليل عليه، تخرج النيابة العامة ببيان تحول فيه التهمة من ابتزاز إلى إرهاب ومساس بأمن الدولة، وهذا يؤكد أن القضية برمتها مجرد استهداف سياسي لشخصي، ومحاولة ابتزازي والضغط عليَّ بتوقيف أفراد أسرتي بغرض ثنيي عن كشف الفساد ونصرة المظلومين»، على حد تعبيره.

ورد المحامي مولاي ولد الحافظ على بيان النيابة بأن «النص العام لا يعطّل حكماً خاصاً يحمي حق الدفاع»، مستشهداً بالمادة 32 من قانون تنظيم مهنة المحاماة، التي قال إنها تمنح المحامي حق مؤازرة الموقوف لدى الشرطة القضائية، والاتصال به فور توقيفه.

وكان «المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان» قد أعرب عن قلقه من تقارير عن حرمان موقوفين من الاتصال بمحاميهم وأسرهم، وغموض يلف أماكن احتجازهم، وطالب بالإفراج عمن لا دليل ضده. ومن جهتها قالت «اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان»، التي زارت الموقوفين، إنهم في «أماكن ملائمة»، ولم تلحظ مؤشرات على وجود إساءة.

وبدأت الشرطة منذ 28 سبتمبر (أيلول) توقيف أقارب وأصدقاء مدونين مقيمين في أوروبا والولايات المتحدة، قبل أن تتسع الدائرة لتطال مالك مكتب صرافة وصحافيين ووسطاء عقارات. فيما قالت الحكومة في 30 سبتمبر الماضي إنها أوقفت ستة أشخاص ضمن حملة لتفكيك «شبكة ابتزاز مالي»، تنتج أخباراً كاذبة وتشهيراً، وتهديدات مقابل المال.

وبعد أسبوع، عاد المتحدث باسم الحكومة ليعلن في 7 من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، أن عدد الموقوفين في الملف بلغ 17 شخصاً، وشدد على أن التوقيف «لا يعني الإدانة».

وقالت مصادر مقربة من السلطة إن أكثر من 70 شخصاً شملهم التحقيق، وإن أكثر من 1.5 مليار أوقية قديمة (نحو 3.7 مليون دولار) قيد التتبع، موضحة أن عشرات الحسابات المصرفية والمحافظ الإلكترونية جُمّدت.

وقال المتحدث باسم الحكومة الجديدة، محمد ماء العينين ولد أييه، الأربعاء الماضي، إن التحقيق «متواصل» ويجري «باحترام الموقوفين وحرياتهم»، وذلك في سياق الرد على سؤال خلال مؤتمر صحافي حول حرمان الموقوفين من الاتصال بمحامين.


التونسيون يخرجون في أكبر احتجاجات على حكم سعيد منذ سنوات

مظاهرة سابقة نظمها «اتحاد الشغل» التونسي في العاصمة احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية (الاتحاد)
مظاهرة سابقة نظمها «اتحاد الشغل» التونسي في العاصمة احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية (الاتحاد)
TT

التونسيون يخرجون في أكبر احتجاجات على حكم سعيد منذ سنوات

مظاهرة سابقة نظمها «اتحاد الشغل» التونسي في العاصمة احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية (الاتحاد)
مظاهرة سابقة نظمها «اتحاد الشغل» التونسي في العاصمة احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية (الاتحاد)

تدفق الآلاف إلى شوارع العاصمة التونسية اليوم (السبت) في احتجاج حاشد للمطالبة باستعادة الديمقراطية والحريات، في تحرك يعكس تزايد الغضب من سياسات الرئيس قيس سعيد، وسط اتهامات له بفرض «حكم استبدادي» وفشل ذريع في معالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

وهذا الاحتجاج بقيادة اتحاد الشغل ومنظمات من بينها رابطة حقوق الإنسان وعمادة المحامين ونقابة الصحافيين، هو الأكبر من نوعه منذ عدة سنوات، ويشكل تحدياً قوياً لسعيد بعد سنوات شهدت انقسامات أضعفت قدرة معارضيه على الحشد.

الرئيس التونسي قيس سعيد (أ.ف.ب)

وفي مشهد نادر من وحدة الصف، انضمت أحزاب معارضة من مختلف الأطياف السياسية، بينها أطراف شهدت خصومة لسنوات، إلى محامين وأطباء وصحافيين وعاطلين عن العمل ومنظمات المجتمع المدني في الاحتجاج.

وتجمع المتظاهرون في ساحة محمد علي، معقل اتحاد الشغل، قبل أن يجوبوا شوارع في العاصمة باتجاه «شارع الحبيب بورقيبة»، وهو نقطة محورية في المظاهرات التي أطلقت شرارة «الربيع العربي» قبل 15 عاماً.

وانتشر مئات من أفراد الشرطة في شوارع وأنهج العاصمة، في حين أُغلق العديد منها.

ورفع الاحتجاج شعار «تونس أولاً... الشعب فوق كل اعتبار»، ولوّح المتظاهرون بأعلام تونس.

وقال صلاح الدين السالمي الأمين العام لاتحاد الشغل في كلمة أمام الحشود: «الصمت لم يعد أزمة تونس اليوم، هي بالأساس تفرّد شخص واحد بكل السلطات».

وردد المشاركون مطالب تنادي بالحريات، واستقلالية القضاء، والكف عن ملاحقة المعارضين، ووقف المساس بالحق النقابي. كما رفعوا لافتات وشعارات تعبر عن الامتعاض المتنامي من تفشي البطالة، وسوء الخدمات العامة، ومما وصفوها بالوعود الزائفة.

مظاهرة احتجاجية في «شارع الحبيب بورقيبة» بتونس يوم 25 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وقال ياسين الغرسلاوي أحد المشاركين في الاحتجاج قادماً من صفاقس بجنوب تونس: «البلاد تنهار على جميع المستويات... نعاني الأزمة تلو الأخرى من عطش وانقطاع متكرر للكهرباء، في حين يُلقى بالأزمات على المتآمرين والخونة».

وأضاف الغرسلاوي لـ«رويترز»: «أنا هنا لأدافع عن حريتي ولست مستعداً للتخلي عنها، ولو كنت آخر صوت يصرخ في البلاد».

وردد المحتجون هتافات من بينها: «لا خوف لا رعب... الشارع ملك الشعب»، و«حريات... دولة البوليس وفات (انتهت)».

كما أعادوا إحياء أبرز شعارات الثورة التونسية، والذي تردد صداه لاحقاً في دول بالمنطقة: «الشعب يريد إسقاط النظام».

يأتي الاحتجاج في خضم أزمة اقتصادية متفاقمة وتدهور حاد في الخدمات العامة، من بينه الانقطاعات المتكررة للمياه والكهرباء، ونقص الأدوية وبعض السلع الأساسية.

وتتهم منظمات حقوقية محلية ودولية سعيد بشن حملة قمع متصاعدة ضد منظمات المجتمع المدني، والزج بصحافيين وقادة من المعارضة خلف القضبان، متهمة إياه بتحويل البلاد إلى سجن مفتوح. لكن سعيد يرفض اتهامات الاستبداد والقمع، ويقول إنه ليس ديكتاتوراً، وإنه ماضٍ في تطهير البلاد ممن يصفهم بالخونة والفاسدين والمتآمرين. كما يتهم معارضيه بافتعال الأزمات الاقتصادية بهدف تأجيج الأوضاع الاجتماعية وإشعال البلاد من الداخل.

وفي 2021، أحكم سعيد قبضته على أغلب السلطات، وحل لاحقاً البرلمان المنتخب، وبدأ الحكم بمراسيم، وحل مجلس القضاء، وعزل عشرات القضاة... في خطوات وصفها منتقدوه بأنها «انقلاب».