«باتريوت» تتصدر حزمة مساعدات أميركية جديدة لأوكرانيا

وسط مخاوف من هجوم روسي جديد

«باتريوت» تتصدر حزمة مساعدات أميركية جديدة لأوكرانيا
TT

«باتريوت» تتصدر حزمة مساعدات أميركية جديدة لأوكرانيا

«باتريوت» تتصدر حزمة مساعدات أميركية جديدة لأوكرانيا

أتت زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي التاريخية إلى واشنطن، في وقت حرج من الحرب مع روسيا، بعدما حذر مسؤولون أوكرانيون بأن سيد الكرملين فلاديمير بوتين قد أمر بحشد ما يزيد على 200 ألف جندي لشن هجوم جديد في غضون الأشهر الثلاثة المقبلة.
وبعد هجماتها الناجحة في سبتمبر (أيلول) الماضي واستعادتها أراضي ضمتها روسيا، بدا أن القوات الأوكرانية علّقت عملياتها العسكرية الكبيرة. ويعود ذلك، وفق خبراء عسكريين، إلى عوامل عدة؛ من بينها الطقس الشتوي القاسي، والحاجة إلى تكتيكات عسكرية مختلفة. لكن الأهم من ذلك؛ حاجتها لأسلحة جديدة، على رأسها منظومة صواريخ «باتريوت»، التي يعتقد أنها قد تغير قواعد الاشتباك عبر تمكين أوكرانيا من التصدي لهجمات الصواريخ الباليستية الروسية قبل تحليقها فوق أجوائها.

في غضون ذلك؛ تعيد روسيا تقييم عملياتها العسكرية وترميم مخزوناتها الحربية من الأسلحة، وسط تقارير تتحدث عن «نجاحها» في إعادة تصنيع بعض من أهم مخزوناتها الصاروخية المتقدمة، على الرغم من العقوبات الغربية القاسية التي تعرضت لها.

ويشعر مسؤولون أوكرانيون بالقلق من أن حرب استنزاف طويلة ستؤدي إلى إضعاف الدعم العسكري والاقتصادي الأميركي والدولي لكييف. وللحفاظ على الزخم؛ اقترح الكونغرس الأميركي تقديم 45 مليار دولار في شكل تمويل طارئ لأوكرانيا، في الميزانية الفيدرالية العامة البالغة 1.7 تريليون دولار، بدلاً من 38 مليار دولار كان طلبها الرئيس الأميركي جو بايدن.
وفي الغالب، ستكون المساعدات من الإنفاق العسكري؛ بما في ذلك نحو 20 مليار دولار لتسليح القوات الأوكرانية وتجهيزها، وتجديد الأسلحة التي يجري إرسالها إلى كييف. وسيُستخدم بعض هذه الأموال أيضاً لتعزيز دفاعات حلفاء أميركا في «الناتو» لتوفير الحماية لهم من أي عدوان روسي، وفق صحيفة «نيويورك تايمز». وستدعم 6.2 مليار دولار أخرى زيادة القوات الأميركية في أوروبا الشرقية، بما في ذلك الآلاف من القوات الأميركية المنتشرة في بولندا ورومانيا.
وتتضمن الحزمة مساعدات غير عسكرية للحفاظ على عمل الحكومة والاقتصاد في أوكرانيا. ويقترح الكونغرس تخصيص 12.9 مليار دولار لدعم الاقتصاد الأوكراني ومعالجة النقص الحاد في الطاقة الناجم عن الهجمات الروسية. وستخصص 4 مليارات دولار أخرى بشكل أساسي لمساعدة اللاجئين الأوكرانيين، الذين من المتوقع أن تزداد أعدادهم جراء استهداف الهجمات الروسية المدن الكبرى التي أصبحت دون تدفئة وكهرباء هذا الشتاء.
ومع إعلان الرئيس بايدن عن مساعدة فورية بقيمة 1.8 مليار دولار لأوكرانيا، تشمل أكثر أنظمة الدفاع الجوي الأميركية تقدماً؛ بما في ذلك بطاريات صواريخ «باتريوت»، لمساعدة كييف على التصدي لضربات الصواريخ والطائرات من دون طيار الروسية على البنية التحتية للطاقة والكهرباء، بدا أنه يستجيب لدعوات أوكرانيا إلى توفير هذه القدرات الجديدة. وكان زيلينسكي كرر مطالبة الغرب بمزيد من الأسلحة بما يتضمن أنظمة دفاع جوي بعد أن استهدفت طائرات مسيرة روسية منشآت للطاقة في ثالثة الضربات من نوعها ضد شبكة الكهرباء في 6 أيام.
وقالت سفيرة أوكرانيا لدى الولايات المتحدة، أوكسانا ماركاروفا، الأحد، إن القوات المسلحة الأوكرانية «يجب أن تكون مستعدة لكل شيء (...) علينا فقط أن نقاوم ونحرر المزيد». وأضافت أن كييف وحلفاءها يجب أن «يواصلوا الحفاظ على المسار، وتحرير الأراضي والدفاع عن أوكرانيا».
وتأتي التحذيرات بعد الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم الاثنين إلى بيلاروسيا، مما أثار مخاوف من أن روسيا تتطلع إلى إعادة إطلاق هجوم من بيلاروسيا أو بالتعاون مع قواتها.
ورغم ذلك، فإن مسؤولين أميركيين قالوا إنهم لم يروا القوات البيلاروسية تقاتل إلى جانب روسيا، وإنه ليست لديهم معلومات عن تهديد وشيك بإرسال بيلاروسيا جيشها عبر الحدود إلى أوكرانيا. وقال الكولونيل البحري المتقاعد مارك كانسيان، كبير المستشارين في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، إن شن هجمات جديدة من المرجح على الجانبين في الأشهر المقبلة. وقال إن «هناك توقعاً واسع النطاق بأنه ستكون هناك هجمات شتوية، ربما من الجانبين؛ الأوكراني والروسي».
وقدمت إدارة بايدن مساعدات عسكرية بأكثر من 20 مليار دولار لأوكرانيا، جاءت في غالبيتها من مخزونات «وزارة الدفاع (البنتاغون)»؛ من بينها صواريخ «ستينغر» المضادة للطائرات والمحمولة على الكتف، وصواريخ «جافلين» المضادة للدروع، وذخائر مدفعية وأنظمة صواريخ «ناسامس» وذخائرها للدفاع الجوي، وأنظمة راجمات الصواريخ أرض - أرض «هيمارس» وذخائرها، وآليات ومعدات طبية مختلفة.
وكان الرئيس الأميركي أكد، خلال مؤتمر صحافي سابق في البيت الأبيض، التزام إدارته بدعم أوكرانيا، وتوقع استمرار المساعدات الأميركية لأوكرانيا من دون انقطاع. وأضاف: «بالمناسبة؛ لم نعط أوكرانيا شيكاً على بياض»، مشيراً إلى أن واشنطن رفضت تقديم بعض المعدات العسكرية أو المساعدة التي طلبها القادة الأوكرانيون؛ بما في ذلك طائرات أميركية. وتابع: «قلت لا؛ لن ندخل في حرب عالمية ثالثة، ولن نهاجم الطائرات الروسية، ونشتبك معها مباشرة».
من جهة أخرى، أعلن البنك الدولي، ومقره واشنطن، الثلاثاء، منح أوكرانيا 610 ملايين دولار إضافية لتمكينها خصوصاً من «تلبية الاحتياجات الأكثر إلحاحاً» في مجال الصحة. وأوردت وكالة الصحافة الفرنسية أن هذا الدعم يأتي على شكل قرض من «البنك الدولي للإنشاء والتعمير»؛ وهو جزء من «مجموعة البنك الدولي»، تضمنه خصوصاً بريطانيا بسقف 500 مليون دولار. ويتيح هذا التمويل الجديد تغطية نفقات الحكومة الأوكرانية في مجال الصحة ومساعدة الأسر، وكذلك دفع رواتب موظفي الدولة وضمان تشغيل الإدارات العامة. ويرفع هذا المبلغ قيمة تمويلات البنك الدولي لأوكرانيا إلى 18 مليار دولار، على شكل قروض وهبات منذ بداية النزاع، علماً بأنه تم حتى الآن صرف 15 ملياراً منها. ويقدر البنك الدولي أن ما يعادل 5.5 في المائة من المرافق الصحية في أوكرانيا، دمّر أو تضرّر منذ بداية الحرب. ووافقت الدول المانحة المجتمعة في باريس مطلع الأسبوع الماضي، على تقديم أكثر من مليار يورو لأوكرانيا، لدعم مواطنيها خلال فصل الشتاء.


مقالات ذات صلة

ميزانية ترمب الدفاعية تصطدم بالكونغرس رغم تحذيرات نقص الذخائر

الولايات المتحدة​ وزيرا الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي والأسترالي ريتشارد مارلز يتصافحان أمام وحدة «باتريوت باك 3» الأميركية في طوكيو يوم 7 ديسمبر 2025 (أ.ب)

ميزانية ترمب الدفاعية تصطدم بالكونغرس رغم تحذيرات نقص الذخائر

طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب ميزانية دفاعية فلكية لتمكين «البنتاغون» من تسريع إنتاج الأسلحة التي تناقصت بصورة حادة بسبب حروب إيران وأوكرانيا ولبنان وغزة.

علي بردى (واشنطن)
أوروبا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين بأنقرة في ديسمبر عام 2024 (الرئاسة التركية)

تركيا: الاتحاد الأوروبي فاقد للرؤية ولا يرغب في عضويتنا

اتهمت تركيا الاتحاد الأوروبي بافتقاد الرؤية الاستراتيجية والإرادة السياسية لقبول عضويتها وسط سعي أوروبي للتخفيف من أزمة تسببت فيها تصريحات لرئيسة المفوضية

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا صورة نُشرت يوم 26 أبريل 2026 تظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ف.ب)

زيلينسكي: رصدنا نشاطاً غير معتاد على حدودنا مع روسيا البيضاء

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن أوكرانيا رصدت «نشاطاً غير معتاد» على الحدود بين أوكرانيا وروسيا البيضاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الاقتصاد اشترت «تايو أويل» شحنة من النفط من مشروع «سخالين-2» الروسي ومن المقرر أن تصل إلى مقاطعة إهيمه غرب اليابان في 4 مايو (إكس)

«تايو أويل» اليابانية تتسلم نفطاً من مشروع «سخالين-2» الروسي

قالت شركة التكرير اليابانية «تايو أويل» إنها ستتسلم شحنة من النفط الخام من مشروع «سخالين-2» الروسي خلال الأيام المقبلة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
أميركا اللاتينية عائلات الضحايا والمجندين قسرا يتظاهرون في ليما أمام مبنى وزارة الخارجية (إ.ب.أ)

البيرو تحقق في مزاعم بتجنيد مواطنين للقتال في صفوف الجيش الروسي

أفاد بيرسي ساليناس، محامي عائلات الضحايا، في مقابلة تلفزيونية، بمقتل 13 بيروفيا في الحرب الروسية الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (ليما)

الملك تشارلز ينهي رحلة برمودا بإطلاق مشروع لوكالة الفضاء البريطانية

الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)
الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)
TT

الملك تشارلز ينهي رحلة برمودا بإطلاق مشروع لوكالة الفضاء البريطانية

الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)
الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)

ينهي ملك بريطانيا تشارلز الثالث زيارته إلى برمودا بإطلاق مشروع «نوفا» التابع لوكالة الفضاء البريطانية رسمياً للمساعدة في تتبع الحطام الفضائي، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

ويزور تشارلز موقع مرصد جديد تابع للوكالة في الجزيرة للاستماع إلى معلومات بشأن مبادرة الإشراف على تركيب شبكة عالمية من التلسكوبات، عبر خمسة مواقع، للمساعدة في تتبع الأقمار الاصطناعية القديمة، ومراحل الصواريخ، وغيرها من الأجسام، وفقاً لوكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا).

وخلال يومه الأخير في برمودا، يفتتح الملك أيضاً محطة خفر السواحل الجديدة في خليج جريت باي، حيث سيستمع إلى العمل الحاسم الذي يقوم به خفر السواحل التابع لفوج برمودا الملكي في حماية المياه الإقليمية للجزيرة، وحماية بيئتها البحرية.

كما يشاهد ملك بريطانيا قطعتين جديدتين من التكنولوجيا التي يستخدمها الفوج -وهما مركبة مسيرة تعمل تحت الماء، ومركبة جوية مسيرة.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.