«تويتر» تعلّق حسابات صحافيين يستقصون تحركات ماسك

شعار تويتر على مبنى المقر الرئيسي للشركة في سان فرنسيسكو (رويترز)
شعار تويتر على مبنى المقر الرئيسي للشركة في سان فرنسيسكو (رويترز)
TT

«تويتر» تعلّق حسابات صحافيين يستقصون تحركات ماسك

شعار تويتر على مبنى المقر الرئيسي للشركة في سان فرنسيسكو (رويترز)
شعار تويتر على مبنى المقر الرئيسي للشركة في سان فرنسيسكو (رويترز)

علّق موقع «تويتر» حسابات أكثر من تسعة صحافيين يعملون لدى مؤسسات ومنافذ إعلامية أميركية كبرى، في خطوة وعزاها مالك منصة التواصل الاجتماعي الملياردير إيلون ماسك إلى نشرهم ما سماه «إحداثيات اغتيال» له ولأفراد أسرته، ولكنها لاقت انتقادات واسعة النطاق في الولايات المتحدة وعبر العالم.
وشمل التعليق حسابات المراسلين لدى شبكة «سي إن إن» للتلفزيون دوني أوسوليفان ولدى صحيفتي «نيويورك تايمز» راين ماك و«واشنطن بوست» درو هارويل والصحافيين لدى «الإنترسيبت» ميكا لي و«ماشابيل» مات بايندر ومضيف شبكة «إم إس إن بي سي» السابق كيث أولبرمان والصحافي المستقل طوني ويبستر وكبير مراسلي «صوت أميركا» في واشنطن ستيف هيرمان والكاتب في موقع «سابستاك» أرون روبار. وهؤلاء جميعاً غطوا نزاع ماسك مع مبتكر حساب «إيلون غيت» على «تويتر» جاك سويني الذي يتتبع تحركات طائرة إيلون ماسك الخاصة، والذي علق حسابه الأربعاء رغم تأكيدات سابقة من ماسك بأنه لن يحظره.
وجاء التعليق من دون سابق إنذار أو تفسير أولي من «تويتر» التي غيّرت قبل يوم واحد فقط سياستها حول مشاركة «معلومات الموقع الحيّة». وكان الصحافيون الذين علقت حساباتهم الخميس يغطون أيضاً هذا التغيير في قواعد «تويتر»، بالإضافة إلى ادعاءات ماسك أنه وعائلته تعرضوا للخطر بسبب مشاركة موقع طائرته الخاصة.
ومن دون أن يورد أي دليل، كتب ماسك في حسابه على «تويتر» أن الصحافيين كشفوا معلومات خاصة عن عائلته، بآلية الاستقصاء. وقال إنه «لا بأس بانتقادي طوال اليوم، لكن الاستقصاء عن موقعي في الوقت الفعلي وتعريض عائلتي للخطر غير مقبول».
وصرحت المحررة التنفيذية في «واشنطن بوست» سالي بوزبي بأن مراسل الصحيفة «أزيل من تويتر بلا سابق إنذار أو معالجة أو تفسير، بعد نشر تقاريره الدقيقة عن ماسك»، مضيفة أنه «يجب إعادة صحافيينا على الفور».
وعلق «تويتر» حساب أوسوليفان بعد فترة وجيزة من نشره تغريدة حول ادعاء ماسك أن «مطاردا مجنونا» طارد ابنه الصغير في لوس أنجليس. أما بايندر فعلق حسابه لأنه راح يغرد حول تعليق حساب أوسوليفان. وجرى تعليق حسابات ويبستر ولي وهيرمان وروبار بعد اعتراضاتهم العلنية على تعليق حسابات زملائهم على «تويتر».
وقال المدير التنفيذي لاتحاد الحريات المدنية الأميركي أنطوني دي روميرو في بيان: «من المستحيل التوفيق بين تطلعات تويتر في حرية التعبير وتطهير حسابات الصحافيين الناقدين»، مذكراً بأن التعديل الأول في الدستور الأميركي «يحمي حق ماسك في القيام بذلك، لكنه قرار مروع. يجب استعادة حساباتهم على الفور».
وجرى تصنيف تعليق الحسابات هذه على أنه «تعليمة من إيلا» في أنظمة «تويتر» الداخلية، وفقاً لموظفين سابقين في الشركة. ولطالما نفذت رئيسة قسم الثقة والأمان في «تويتر» ايلا إروين العديد من طلبات ماسك منذ شرائه الشركة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وبدئه عملية تغيير قواعدها تحت شعار «حرية التعبير».
وجرى في السابق وضع عبارة «تعليمة من إيلون». وقالت إيلا إروين: «من دون التعليق على أي حسابات محددة، يمكنني أن أؤكد أننا سنعلق أي حسابات تنتهك سياسات الخصوصية الخاصة بنا وتعرض المستخدمين الآخرين للخطر».
وغرد ماسك في وقت متقدم من ليل الخميس أن التعليق سيستمر أسبوعاً، رغم أن العديد من المراسلين أبلغوا عبر «تويتر» أنهم محظورون بشكل دائم. ولاحقاً تلك الليلة أيضاً، وضعت «تويتر» استطلاعاً حول الوقت الذي يجب أن يعيد فيه الحسابات. لكن الشركة أوقفت الاستطلاع لتعيد إطلاقه من جديد بعدما قال عدد كبير من المستجيبين إنه يجب عليه القيام بذلك على الفور.
وكرر ماسك ادعاءه أن الصحافيين كشفوا معلومات خاصة عن عائلته. وكتب في تغريدة أخرى: «تنطبق قواعد الاستقصاء نفسها على (الصحافيين) كما تنطبق على أي شخص آخر». وأضاف: «نشروا موقعي الدقيق في الوقت الفعلي، إحداثيات الاغتيال جوهرياً».
وعند الساعة 11:30 ليل الخميس، انضم ماسك إلى دردشة «مساحات تويتر» مع العديد من الصحافيين، وبينهم ممن علقت حساباتهم، وكرر اتهامهم بأنهم «خدعوه».
وعندما تحداه الصحافيون لإثبات ادعاءاته، ترك ماسك المكالمة فجأة بعد حوالي أربع دقائق.
وانتشرت ردود فعل عنيفة ضد وقف ماسك حساب صحافيين. وقالت فيرا غوروفا، نائبة رئيسة المفوضية الأوروبية في تغريدة لها على «تويتر» «الأنباء بشأن الوقف التعسفي لحساب صحافيين في تويتر أمر مقلق. هناك خطوط حمراء. و(ستكون هناك) عقوبات قريبا». وأضافت «قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي يتطلب احترام حرية الإعلام والحقوق الأساسية».
وحذر مفوض السوق الداخلية للاتحاد الأوروبي، تيري بريتون ماسك من أن «تويتر» يتعين عليه أن يمتثل لقواعد الاتحاد الأوروبي أو يخاطر بتعرضه لغرامات أو بوقف العمليات في الاتحاد الأوروبي.
وقانون الخدمات الرقمية، هو اللائحة التاريخية الأخيرة للتكتل والتي تحدد مسؤوليات شركات التكنولوجيا والانترنت والتي تدخل حيز التنفيذ اعتبارا من فبراير (شباط) 2024 .
ويفرض القانون على الشركات تعديل منصاتها للتعامل مع المحتوى الضار، مثل المعلومات المضللة، وتطبيق بروتوكولات لمنع انتشار المواد الخطيرة، خلال أزمات مثل جائحة كوفيد. ويجب على الشركات أيضا زيادة الشفافية، في ما يتعلق بتفاعلات مع المستخدمين وتبسيط الاتفاقيات الخاصة بالمستخدم.
وكان ماسك اشترى «تويتر» مقابل 44 مليار دولار، وسرعان ما شرع في التراجع عن العديد من سياسات الإدارة السابقة ضد خطاب الكراهية والمعلومات المضللة. وتحرك لإعادة حساب الرئيس السابق دونالد ترمب والحسابات الأخرى المعلقة تحت الإدارة السابقة، قائلاً إن سياسة «تويتر» الجديدة هي «حرية التعبير وليس حرية الوصول».
لكن «تويتر» تحت قيادة ماسك بدأ يحظر بالفعل بعض الحسابات البارزة.
وهذا ما أدى إلى موجة انتقادات واسعة لماسك و«تويتر» في الولايات المتحدة وعبر العالم.


مقالات ذات صلة

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الولايات المتحدة​ الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

تواجه المحكمة العليا للولايات المتحدة، التي كانت تعدّ واحدة من أكثر المؤسّسات احتراماً في البلاد، جدلاً كبيراً يرتبط بشكل خاص بأخلاقيات قضاتها التي سينظر فيها مجلس الشيوخ اليوم الثلاثاء. وتدور جلسة الاستماع، في الوقت الذي وصلت فيه شعبية المحكمة العليا، ذات الغالبية المحافظة، إلى أدنى مستوياتها، إذ يرى 58 في المائة من الأميركيين أنّها تؤدي وظيفتها بشكل سيئ. ونظّمت اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، التي يسيطر عليها الديمقراطيون، جلسة الاستماع هذه، بعد جدل طال قاضيين محافظَين، قبِل أحدهما وهو كلارنس توماس هبة من رجل أعمال. ورفض رئيس المحكمة العليا جون روبرتس، المحافظ أيضاً، الإدلاء بشهادته أمام الك

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي كيفين مكارثي قبول دعوة الرئيس جو بايدن للاجتماع (الثلاثاء) المقبل، لمناقشة سقف الدين الأميركي قبل وقوع كارثة اقتصادية وعجز الحكومة الأميركية عن سداد ديونها بحلول بداية يونيو (حزيران) المقبل. وسيكون اللقاء بين بايدن ومكارثي في التاسع من مايو (أيار) الجاري هو الأول منذ اجتماع فبراير (شباط) الماضي الذي بحث فيه الرجلان سقف الدين دون التوصل إلى توافق. ودعا بايدن إلى لقاء الأسبوع المقبل مع كل من زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر (ديمقراطي من نيويورك)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب ميتش ماكونيل (جمهوري من كنتاكي)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز (ديمقراطي م

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

تمكّن تلميذ أميركي يبلغ 13 سنة من إيقاف حافلة مدرسية تقل عشرات التلاميذ بعدما فقد سائقها وعيه. وحصلت الواقعة الأربعاء في ولاية ميشيغان الشمالية، عندما نهض مراهق يدعى ديلون ريفز من مقعده وسيطر على مقود الحافلة بعدما لاحظ أنّ السائق قد أغمي عليه. وتمكّن التلميذ من إيقاف السيارة في منتصف الطريق باستخدامه فرامل اليد، على ما أفاد المسؤول عن المدارس الرسمية في المنطقة روبرت ليفرنوا. وكانت الحافلة تقل نحو 70 تلميذاً من مدرسة «لويس أي كارتر ميدل سكول» في بلدة وارين عندما فقد السائق وعيه، على ما ظهر في مقطع فيديو نشرته السلطات.

يوميات الشرق أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

كشفت دراسة أجريت على البشر، ستعرض خلال أسبوع أمراض الجهاز الهضمي بأميركا، خلال الفترة من 6 إلى 9 مايو (أيار) المقبل، عن إمكانية السيطرة على مرض السكري من النوع الثاني، من خلال علاج يعتمد على النبضات الكهربائية سيعلن عنه للمرة الأولى. وتستخدم هذه الطريقة العلاجية، التي نفذها المركز الطبي بجامعة أمستردام بهولندا، المنظار لإرسال نبضات كهربائية مضبوطة، بهدف إحداث تغييرات في بطانة الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة لمرضى السكري من النوع الثاني، وهو ما يساعد على التوقف عن تناول الإنسولين، والاستمرار في التحكم بنسبة السكر في الدم. وتقول سيلين بوش، الباحثة الرئيسية بالدراسة، في تقرير نشره الجمعة الموقع ال

حازم بدر (القاهرة)
آسيا شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

نقلت وكالة الإعلام الروسية الحكومية عن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قوله، اليوم (الجمعة)، إن موسكو تعزز الجاهزية القتالية في قواعدها العسكرية بآسيا الوسطى لمواجهة ما قال إنها جهود أميركية لتعزيز حضورها في المنطقة. وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، تملك موسكو قواعد عسكرية في قرغيزستان وطاجيكستان، لكن الوكالة نقلت عن شويغو قوله إن الولايات المتحدة وحلفاءها يحاولون إرساء بنية تحتية عسكرية في أنحاء المنطقة، وذلك خلال حديثه في اجتماع لوزراء دفاع «منظمة شنغهاي للتعاون» المقام في الهند. وقال شويغو: «تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها، بذريعة المساعدة في مكافحة الإرهاب، استعادة حضورها العسكري في آسيا الوسطى

«الشرق الأوسط» (موسكو)

حرب إيران تمنح بكين مكاسب دبلوماسية وتُكبِّلها بأزمة طاقة

ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
TT

حرب إيران تمنح بكين مكاسب دبلوماسية وتُكبِّلها بأزمة طاقة

ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)

في الظاهر، تبدو بكين من أكبر المستفيدين من الحرب على إيران. فالولايات المتحدة تعود للتورط عسكرياً ومالياً في الشرق الأوسط، وتعيد تحويل حاملات وصواريخ ومنظومات دفاع جوي من آسيا إلى جبهة أخرى، بينما تزداد شكوك الحلفاء الآسيويين في صدقية التعهد الأميركي بأن يبقى «المحيطين الهندي والهادئ» أولوية استراتيجية.

هذا وحده يُقدِّم للصين هدية سياسية ثمينة؛ لأنه يُخفّف الضغط النسبي عنها في جوارها البحري، ويمنحها مادة دعائية جاهزة عن «تراجع» واشنطن وتشتت مواردها. ولكن هذه الصورة ليست مكتملة. فالصين، رغم استعدادها الأفضل مقارنة بكثير من الاقتصادات الآسيوية، تبقى أكبر مستورد للطاقة في العالم، وما يمر عبر مضيق هرمز يمسّ قلب أمنها الاقتصادي والصناعي. لذلك، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت بكين تربح فقط؛ بل ما إذا كانت مكاسبها السياسية يمكن أن تصمد أمام كلفة طاقة أعلى، واضطراب سلاسل الإمداد، وحدود قدرتها على ترجمة التعثر الأميركي إلى تفوق استراتيجي حاسم.

ميزان الردع

المكسب الصيني الأول سياسي واستراتيجي. فالحرب دفعت واشنطن إلى نقل أصول دفاعية مُتقدّمة من آسيا إلى الشرق الأوسط، وبينها منظومة «ثاد» في كوريا الجنوبية، كما زادت المخاوف من تأخير تسليم أسلحة وذخائر لحلفاء آسيويين، مثل اليابان وتايوان.

هذا التحوّل يضرب الرسالة التي كررتها الإدارات الأميركية منذ سنوات عن أولوية مواجهة الصين في آسيا، ويُعزّز سردية بكين بأن الولايات المتحدة قوة مُثقلة بأزمات متعددة وغير قادرة على التركيز طويل الأمد في مسرح واحد. كما أن التكلفة الأميركية نفسها تتضخّم بسرعة؛ إذ تجاوزت -حسب تقديرات أُبلغ بها الكونغرس- 11.3 مليار دولار في الأيام الستة الأولى فقط، ما يُضيف إلى الشّكوك بشأن استدامة هذا الانخراط.

ومن زاوية صينية بحتة، فإن أي استنزاف للترسانة الأميركية، وخصوصاً الدفاعات الجوية والاعتراضات الصاروخية مرتفعة التكلفة، يُعدّ خبراً جيداً لبكين. فالولايات المتحدة أنتجت نحو 600 صاروخ «باتريوت» اعتراضي فقط في 2025، بينما أشارت تقديرات تداولتها وسائل إعلام أميركية إلى استخدام مئات الصواريخ خلال أقل من أسبوعين من الحرب، ما يُسلّط الضوء على فجوة بين وتيرة الاستهلاك العسكري والطاقة الصناعية في التعويض. وهذا تحديداً هو النوع من المؤشرات الذي تراقبه الصين وهي تفكر في ميزان الردع حول تايوان وبحر الصين الجنوبي.

ولا يقتصر الأمر على تآكل المخزون الأميركي. فهناك أيضاً فسحة مناورة رمزية وميدانية. فقد أشار تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» إلى تكثيف أعمال الردم والبناء الصينية في مواقع متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، بينما تبدو القوى الإقليمية أكثر توتراً وأقل ثقة بأن واشنطن قادرة على تغطية جميع الجبهات في وقت واحد. ولكن هذه الفسحة ليست تفويضاً مفتوحاً؛ فهي تمنح بكين مجال ضغط أكبر، لا نصراً جاهزاً.

اعتبارات اقتصادية

المسار الثاني أكثر تعقيداً؛ لأنه اقتصادي. فقد استثمرت الصين خلال الأعوام الماضية بكثافة في بناء مخزونات استراتيجية من النفط وسلع حيوية أخرى، انسجاماً مع تحذيرات شي جينبينغ المتكررة من «أسوأ السيناريوهات».

تُقدِّر صحيفة «فايننشال تايمز» أن احتياطيات بكين النفطية تراوح الآن بين 1.1 و1.4 مليار برميل، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى أكثر من ملياري برميل. بعض هذه التقديرات يعني أن لدى الصين ما يكفي لتغطية أكثر من مائة يوم من الواردات، وهو ما يجعلها أفضل استعداداً من معظم الاقتصادات الآسيوية لمواجهة صدمة مؤقتة في الإمدادات.

الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)

والواقع أن بكين لم تكتف بتكديس الاحتياطيات؛ بل بدأت بالفعل استخدام أدوات إدارة الأزمة. فقد أمرت بوقف صادرات الوقود المكرر في مارس (آذار) لحماية السوق المحلية، وبدأت الإفراج مبكراً عن احتياطيات الأسمدة لاحتواء نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، بينما تتحرك شركات التكرير الكبرى لتقليص المعالجة وإعادة توجيه الإنتاج نحو الوقود المحلي، بدلاً من المنتجات البتروكيماوية الأقل ربحية. هذه الخطوات تكشف أن الصين ليست متفرجة؛ بل تدير الأزمة بمنطق دفاعي مبكر يهدف إلى منع انتقال الصدمة الخارجية إلى الداخل الاجتماعي والصناعي.

مندوب الصين لدى الأمم المتَّحدة يصوِّت ضد فرض عقوبات على إيران في مجلس الأمن يوم 12 مارس (رويترز)

لكن هذه الحماية ليست مطلقة، فثُلث واردات الصين النفطية تقريباً، ونحو ربع وارداتها من الغاز وفق التقديرات المتداولة، يمُرّ عبر هرمز، بينما قالت «رويترز» إن نحو نصف إمدادات الصين النفطية يأتي من منطقة الخليج، وإن آسيا عموماً تعتمد على الشرق الأوسط في نحو 60 في المائة من نفطها. ومع أن جزءاً من الشحنات الصينية أو الإيرانية ما زال يمر من المضيق، فإن أي إغلاق طويل أو شبه كامل للمضيق يرفع تكلفة النقل والتأمين، ويضغط على هوامش المصافي، ويربك سلاسل المواد الأولية من الغاز إلى الأسمدة والكبريت والميثانول. وقد وصفت وكالة الطاقة الدولية ما يجري بأنه أكبر اضطراب نفطي في التاريخ، مع توقع تراجع الإمدادات العالمية هذا الشهر بنحو 8 ملايين برميل يومياً، ما يوضح أن المسألة لم تعد مجرد تقلب سعري عابر.

اختلال القوة مع أميركا

هنا تظهر حدود الربح الصيني، فبكين قادرة على استثمار الحرب دبلوماسياً، وقد تستفيد من اندفاع بعض دول آسيا إلى مزيد من «الاعتماد على الذات» بدل الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية. كما أن الأزمة قد تدفع الصين إلى تعميق روابط الطاقة مع روسيا التي ارتفعت صادراتها عبر خط «سيبيريا 1» إلى الصين العام الماضي إلى 38.8 مليار متر مكعب، بينما يظل مشروع «سيبيريا 2» مطروحاً رغم خلافات التسعير. كذلك، كانت المصافي الصينية قد راكمت بالفعل كميات كبيرة من الخامين الإيراني والروسي رخيصي السعر، ما وفر لها وسادة قصيرة الأجل، حسب «رويترز».

شي لدى استقباله الرئيس الإيراني الأسبق إبراهيم رئيسي في بكين يوم 14 فبراير (أ.ب)

غير أن تحويل هذا كله إلى مكسب استراتيجي كبير يصطدم بثلاثة قيود: أولها أن الصين -بعكس الولايات المتحدة- لا تملك حرية حركة بحرية وجيوعسكرية عالمية تكفي لتأمين طرق الطاقة إذا طال النزاع. ثانيها أن استفادتها من انشغال واشنطن لا تُلغي فجوة القوة الشاملة، سواء في الانتشار العسكري أو شبكات التحالف، أو السيطرة على التكنولوجيا المالية والبحرية. وثالثها أن بكين نفسها حذرة من الانزلاق إلى مجابهة مباشرة؛ لأن اقتصادها المتباطئ أصلاً أقل قدرة على تحمل صدمة طاقة طويلة ومكلفة.

ولهذا بدت الصين -حتى الآن- أقرب إلى إدارة المخاطر منها إلى استثمار الحرب هجوميّاً. فهي تتفاوض لضمان مرور بعض الشحنات، وتحبس الوقود داخل السوق المحلية، وتستخدم الاحتياطيات بحذر، من دون أن تتصرف كقوة واثقة بأنها قلبت موازين القوة العالمية.

الخلاصة أن الصين تستفيد فعلاً من حرب إيران، ولكن استفادتها ليست مباشرة ولا مجانية. فهي تربح من تشتت أميركا، ومن تصدُّع الثقة الآسيوية بواشنطن، ومن الفراغ النسبي الذي يفتحه الاستنزاف الأميركي. ولكنها -في الوقت نفسه- تواجه اختباراً قاسياً لأمنها الطاقي ولقدرتها على تحويل المخزون والمرونة الصناعية إلى حصانة حقيقية.

لذلك، تبدو بكين اليوم في موقع «المستفيد القَلِق»: أقوى دبلوماسياً، ولكنها ليست مطلقة اليد اقتصادياً أو استراتيجياً؛ ومُحصّنة نسبياً ضد الصدمة، ولكنها ليست بمنأى عنها.


مشاة البحرية الأميركية تدخل على خط الحرب مع إيران

قوات من مشاة البحرية يشاركون في تدريب عسكري في أوكيناوا يوم 31 يناير 2025 (نيويورك تايمز)
قوات من مشاة البحرية يشاركون في تدريب عسكري في أوكيناوا يوم 31 يناير 2025 (نيويورك تايمز)
TT

مشاة البحرية الأميركية تدخل على خط الحرب مع إيران

قوات من مشاة البحرية يشاركون في تدريب عسكري في أوكيناوا يوم 31 يناير 2025 (نيويورك تايمز)
قوات من مشاة البحرية يشاركون في تدريب عسكري في أوكيناوا يوم 31 يناير 2025 (نيويورك تايمز)

يُمثّل نشر ما يقارب ألفين وخمسمائة عنصر من مشاة البحرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط مرحلةً جديدة في حرب إيران التي اندلعت منذ أسبوعين، وذلك في خضم تصاعد الهجمات الإيرانية على مضيق هرمز. والوحدة المعنية بهذا النشر هي الوحدة الحادية والثلاثون للبحرية الأميركية، وفقاً لمصدرَين في وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، وستجد نفسها أمام تحدٍّ استثنائي يُقلق البنتاغون، يتمثّل في القدرة الإيرانية على زرع الألغام في هذا الممر المائي الضيّق الذي تعبره نحو خُمس صادرات النفط العالمية.

تأمين هرمز

أجبرت الغارات الجوية الأميركية القوات الإيرانية على التخلي عن سفنها الحربية الكبيرة، والاستعاضة عنها بزوارق سريعة محمّلة بالألغام يصعُب على الطائرات تتبّعها. ويُرجَّح أن تنطلق هذه الزوارق من مجموعة جُزر قريبة من المضيق. وأفاد مسؤول دفاعي متقاعد رفيع المستوى بأن وصول الوحدة الحادية والثلاثين إلى الشرق الأوسط من منطقة المحيط الهندي-الهادئ خلال الأيام المقبلة سيُتيح للبنتاغون شنّ إغارات سريعة على تلك الجزر، بقوات مشاة بحرية مدعومة بالإمداد والدعم الجوي. وهذا ما يرفع حدّة مخاطر التصعيد.

والرئيس دونالد ترمب معروف بإجازته للعمليات العسكرية الخاطفة ومحدودة النطاق، كالغارة التي نُفّذت في يناير (كانون الثاني) الماضي لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهي عمليات قد تحقق مكاسب آنية، لكنها قد تتحول إلى كارثة إذا جاءت نتائجها عكسية.

وقد أعلن ترمب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الجمعة، أن الجيش الأميركي نفّذ غارة جوية واسعة النطاق على جزيرة خرج، الميناء الرئيسي في إيران ومركز تصدير غالبية نفطها. وأكد ترمب أن الغارة أسفرت عن تدمير كامل للقوات العسكرية الإيرانية على الجزيرة، مشيراً إلى أنه أصدر توجيهاته للبنتاغون بعدم المساس بالبنية التحتية النفطية، وذلك، على حد قوله، «لدواعٍ إنسانية».

وارتفعت أسعار النفط العالمية بنسبة 40 في المائة منذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران في نهاية الشهر الماضي. وعلى الرغم من محدودية أعداد مشاة البحرية قياساً بالخمسين ألف جندي أميركي الموجودين أصلاً في المنطقة، فإن وحدات مشاة البحرية المتنقلة تحظى بتقدير القادة العسكريين لقدرتها على النشر السريع لمفارز من القوات والمركبات على الأرض. فضلاً عن ذلك، أضاف المسؤول الدفاعي المتقاعد أن مشاة البحرية باستطاعتهم القيام

بعمليات مكافحة الطائرات المسيّرة عبر تشغيل مركبات التشويش على متن سفنهم، إلى جانب توفير الحماية للناقلات وسفن الشحن التجاري.

فراغ استراتيجي في المحيط الهادئ

تُنشر وحدات مشاة البحرية المتنقلة عادةً مع أسطول من السفن، يشمل سفينة إنزال برمائية ذات سطح قصير قادرة على حمل طائرات «MV-22 أوسبري»، وطائرات نقل عمودية، ومقاتلات هجومية من طراز «F-35». كما تحمل السفن الأخرى قوات مشاة مع مدفعيتها الداعمة ومركبات هجومها البرمائي المخصصة للإنزال من السفينة إلى الشاطئ.

وكشف المسؤول الدفاعي السابق أن انتشار وحدة مشاة البحرية الشرقية دعماً للعمليات في فنزويلا، ونشر الوحدة الحادية والثلاثين في الشرق الأوسط — وهي وحدة مرابطة في العادة في أوكيناوا باليابان — سيُفضي إلى غياب قوة تدخل سريع قادرة على دعم العمليات في منطقة المحيط الهادئ، بما في ذلك كوريا الجنوبية وتايوان. ويُضاف هذا الفراغ الجديد إلى ثغرة أخرى خلّفها نقل منظومات الدفاع الجوي الحيوية من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط. وقد كان لوحدات مشاة البحرية المتنقلة، المعروفة بـ«قوة الطوارئ الأميركية»، تاريخ حافل في مناطق النزاعات؛ إذ اضطلعت بمهام إجلاء السفارات ومكافحة القرصنة البحرية. وكانت عناصر من الوحدة الخامسة عشرة من بين أوائل القوات الأميركية النظامية التي وطأت أقدامها الأرضَ الأفغانية إبّان الغزو الأميركي لأفغانستان عام 2001.

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


الجيش الأميركي يكشف هويات ستة جنود قُتلوا بحادث تحطم طائرة في العراق

فريق من الجيش الأميركي أمام صناديق نقل رفات الجنود المغطاة بالأعلام خلال مراسم رسمية في ديلاوير (أ.ف.ب)
فريق من الجيش الأميركي أمام صناديق نقل رفات الجنود المغطاة بالأعلام خلال مراسم رسمية في ديلاوير (أ.ف.ب)
TT

الجيش الأميركي يكشف هويات ستة جنود قُتلوا بحادث تحطم طائرة في العراق

فريق من الجيش الأميركي أمام صناديق نقل رفات الجنود المغطاة بالأعلام خلال مراسم رسمية في ديلاوير (أ.ف.ب)
فريق من الجيش الأميركي أمام صناديق نقل رفات الجنود المغطاة بالأعلام خلال مراسم رسمية في ديلاوير (أ.ف.ب)

أعلن البنتاغون السبت هويات ستة جنود أميركيين لقوا حتفهم خلال تحطم طائرة للتزود بالوقود في غرب العراق في وقت سابق من هذا الأسبوع، في حادث قالت السلطات إنه لم يكن ناجما عن «نيران معادية».

وتحطمت طائرة للتزود بالوقود من طراز كيه سي-135 في غرب العراق الخميس، ما رفع عدد الجنود الأميركيين الذين قتلوا في العمليات ضد إيران إلى 13 على الأقل. وهبطت طائرة ثانية شاركت في العملية بسلام.

ترمب يستقبل رفات الجنود الذين قُتلوا في حرب إيران في قاعدة دوفر بديلاوير يوم 7 مارس 2026 (أ.ب)

وقال البنتاغون إن الأفراد الستة الذين لقوا حتفهم في الحادث هم جون كلينر (33 عاماً) من أوبورن في ألاباما، وأريانا سافينو (31 عاما) من كوفينغتون في واشنطن، وآشلي برويت (34 عاما) من باردستاون في كنتاكي، وسيث كوفال (38 عاما) من موريسفيل في إنديانا، وكورتيس أنغست (30 عاما) من ويلمنغتون في أوهايو، وتايلر سيمونز (28 عاما) من كولومبوس في أوهايو.

وكان الثلاثة الأوائل أعضاء في القوات الجوية الأميركية، بينما الثلاثة الأخيرون كانوا يتمركزون مع الحرس الوطني الجوي الأميركي.

وأكّدت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أن تحطم الطائرة «لم يكن بسبب نيران معادية أو نيران صديقة»، وأن ملابسات الحادث ما زالت «قيد التحقيق».

وقالت فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران منضوية ضمن ما يُعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، إنها استهدفت طائرتَين «من نوع كاي سي-135 تابعة للاحتلال الأميركي في غرب العراق»، مضيفة أنّ طاقم الطائرة الثانية استطاع «الهرب بها بعد إصابتها، وهبطت اضطراريا في أحد مطارات العدو».

ومنذ بدء الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير (شباط)، تتبنى هذه الفصائل يوميا هجمات بالمسيّرات والصواريخ على «قواعد العدو» في العراق والمنطقة، من دون أن تحدد طبيعة أهدافها في معظم الأحيان.

وهذه رابع طائرة عسكرية أميركية على الأقل تتحطّم منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بعد إسقاط ثلاث طائرات من طراز «إف-15» بنيران كويتية من طريق الخطأ.

وفي بداية الحرب، أسقط الجيش الكويتي من طريق الخطأ ثلاث طائرات مقاتلة أميركية من طراز«إف-15إي»، وتمكن جميع أفراد الطاقم الستة من القفز بالمظلات، وفق «سنتكوم».

وذكرت سنتكوم وقتها أن الحادث وقع خلال قتال تضمن «هجمات بطائرات إيرانية وصواريخ بالستية ومسيّرات».