الرحلة باسم الأب والتناص في فيلمين سعوديين

«سكة طويلة» و«آخر زيارة» وجهان للعلاقة بين الآباء والأبناء

«سكة طويلة».. ناصر وأخته مريم بطلا الفيلم وفي حالة من الخوف لحضور عرس الأب
«سكة طويلة».. ناصر وأخته مريم بطلا الفيلم وفي حالة من الخوف لحضور عرس الأب
TT

الرحلة باسم الأب والتناص في فيلمين سعوديين

«سكة طويلة».. ناصر وأخته مريم بطلا الفيلم وفي حالة من الخوف لحضور عرس الأب
«سكة طويلة».. ناصر وأخته مريم بطلا الفيلم وفي حالة من الخوف لحضور عرس الأب

يبدأ الفيلم السعودي «آخر زيارة»، 2019 بـ«برولوغ» يستغرق (112) ثانية، تتضح أهمية ما يحدث خلاله فيما بعد. ثم تقفز الكاميرا إلى حيث تبدأ القصة، إلى سيارة على أحد الطرق السريعة. هنا يوظف المخرج الضمني الهاتف الجوال مرتين في تقديم الشخصيتين المركزيتين والموقف الأولي، ثم نقطة التحول التي تؤدي إلى تغيير اتجاه الرحلة.
يُعرَفُ من المكالمة الأولى أن ناصر (أسامة القس) وابنه وليد (عبد الله الفهاد) في طريقهما من الرياض إلى الدمام لحضور لحفل زفاف. ثم يستقبل ناصر مكالمة من أخيه منصور (أبو نواف)، الذي اتصل ليطلب إليه المجيء إلى «الديرة» نظراً لتفاقم مرض أبيهما. يفهم من المكالمة الأخيرة أيضاً أن ناصر ليس من الرياض في الأصل، والأهم أنها تمثل نقطة تحول، إذ يتغير بسببها اتجاه السفر من رحلة لحضور (فرح) في الدمام إلى رحلة لزيارة مريضٍ دَنِفْ.
على نحو مشابه، تؤدي مكالمة يستقبلها ناصر (براء عالم) في فيلم «سكة طويلة» 2022 إلى تغيير مبكر جداً - قبل الذهاب إلى المطار - في مسار ووسيلة الرحلة التي كان هو وشقيقته مريم (فاطمة البنوي) على وشك القيام بها من الرياض إلى أبوظبي لحضور حفل زفاف أبيهما محمد المهند (عبد المحسن النمر). فسبب إلغاء رحلتهما الجوية حسب المتصل، يضطران للسفر بالسيارة تحت إصرار أبيهما على حضورهما.
تمثل ثيمة «الرحلة باسم الأب» إحدى التعالقات التي تشكل محور الاهتمام هنا. ولكن بدلاً من تجليتها واحدة تلو الأخرى، أقفز إلى نهاية الفيلمين باستباق يكسر خطية الكتابة معاكساً السرد الخطي فيهما، المتدفق كرونولوجياً من دون أي استرجاعات واستباقات. ربما أملى ذلك الحرص على تماسك البنية السردية، أو لجعل الفيلم سهل التلقي خالياً مما قد يسبب إرباكاً وتشويشاً للمتلقي أو غير ذلك.
ينتهي «آخر زيارة» بناصر وابنه وقد شرعا في العودة إلى الرياض بعد وفاة الجد. تتضمن بداية العودة تلميحات إلى تغير إيجابي في العلاقة بينهما. الاثنان يبدوان متشابهين مظهرياً؛ فوليد يرتدي ثوباً أبيض بياقة مفتوحة مثل أبيه، مختلفاً بذلك عمّا كان عليه في رحلة الذهاب. وتلميحاً للتغير في حالته النفسية، اختفت السماعات التي كانت تسد أذنيه في البداية، ولم يعد منشغلاً بـ«جواله». أصبح مستعداً كما يبدو للاستماع لأبيه، ويبدو الأب راغباً في كسر الجليد والتحدث مع ابنه بسؤاله: «وليد... تعرف تسبح؟». وعند توقفهما في محطة الوقود، لا ينزل وليد من السيارة كما فعل عندما فكر في الهرب أثناء رحلة الذهاب. لقد راودته فكره الهروب الآن، وتخيل نفسه خارج السيارة لكن دون مغادرة مقعده، وبدا بصورته المتخيلة دون الجرحين على أنفه وجبينه بهدف تمييز الخيال عن الواقع. يعود وليد إلى الرياض موسوماً بالجروح وعلى عتبة التغير.
ويعود ناصر ومريم إلى الرياض بجروحٍ أيضاً؛ إذ يصلان حفل زفاف أبيهما موسومين بالجراح: الجرح في جبين ناصر والجرح في يد مريم؛ بيد أن كلوم الداخل أشد إيلاماً من الجروح الخارجية، ولهذا يغادران الحفل، على الفور، بعد إعطاء الخنجر الهدية لأبيهما، واستقالة ناصر، وطلب مريم إلى «العروس» أن تترك أباها وتنجو بنفسها منه.
ما بين بدايتي التغير المفاجئ في اتجاه الرحلة أو وسيلتها والنهايتين المُعَلّمَتَين بالجروح وبالتلميحات إلى التغير في العلاقات بين الشخصيات؛ يمتد الوسط، فضاء التجربة أو الجزء الأعظم والأهم منها، المؤسس بتفاصيله وأحداثه لاختلاف الفيلمين عن بعضهما؛ وفي الوقت نفسه، وخلال هذا الاختلاف تنسرب ملامح التشابه بينهما، إلى درجة أنه يمكن القول إن قصة «سكة طويلة» ليست إلا إعادة كتابة أو إعادة سرد لقصة «آخر زيارة»، بكل ما تتطلبه إعادة السرد من تغييرات وتحويلات وتضمينات لخصائص النوع السينمائي الجمالية. بعبارة أخرى، إن المُشاهد أمام حالة «تناص» واضح، فإن لم يكن «سكة طويلة» إعادة سرد مختلفة لقصة «آخر زيارة»، فإنه محاكاة خلت من أي إحالة مباشرة، وأسهمت ملامح النوع الفيلمي «الأكشن» في تمويهها. باختصار، «سكة طويلة» تنويعة بملامحها المميِّزة على «آخر زيارة».
كل نص - قصة أو رواية أو فيلم - هو «متناص»، فضاءُ تعالقٍ وتفاعلٍ مع نصوص أخرى سابقة عند جوليا كريستيفا، والنص يُنْتَجُ حسب سعيد يقطين «ضمن بنية نصية سابقة فهو يتعالق بها، يتفاعل معها تحويلاً وتضميناً أو خرقاً» (انفتاح النص الروائي، 98) بشتى الطرق التي يتحقق بها التفاعل النصي. لا نص «يَنْتُجُ» دون أي آثار من نصوص سابقة، «فهناك علاقات كثيرة يأخذها النص مع غيره من النصوص. ولعل أكثرها هيمنة، أن يكون تكراراً لأهم نماذجها. كما أنه قد يكون إضافة وتحويلاً لها (103)».
تشكل «الإفاقة والاكتشاف» ثيمة كبرى يتعالق بها النص السينمائي اللاحق «سكة طويلة» بالنص السابق «آخر زيارة». ففي «آخر زيارة»، منذ بداية الرحلة وفي أثناء إقامة ناصر ووليد في بيت أخيه، تتكشف حقائق عن العلاقة المضطربة والمتوترة، أو بالأحرى اللاعلاقة بينهما؛ فثمة مسافة من التباعد والاغتراب بينهما.
ورغم غموض أسباب عدم الانسجام بين الأب والابن كما يقول الناقد خالد ربيع السيد، فإن الفيلم يتضمن بعض الإشارات إلى مسؤولية الأب عن القطيعة بينهما. فبالمقارنة مع أخيه منصور (أبونواف)، يميل ناصر إلى الصمت مع أفراد أسرته، فلا يحدثهم عن طفولته مثلاً، كما يفعل أخوه إلى درجة الإملال حسب كلام ابنه، ولا يأخذهم في «طلعات وكشتات». علاوة على هذا هو السبب غير المباشر في الحادث الذي تعرض له ابنه أو في اقترابه من الموت غرقاً، لأنه لم يفكر في تعليمه السواقة أو السباحة - - هذان أمران لا علاقة لهما بالهوة بين الأجيال.
لقد شكل وجود ناصر وابنه متباعدين متنافرين في بيت الأخ مقارنة أبرزت عمق اغترابهما، على النقيض من التقارب بين (أبو نواف) وأبنائه. ففي الغرفة المخصصة لنومهما يجر وليد فراشه ليبعده عن فراش أبيه لكيلا ينام بجواره، بصورة تتناقض تماماً مع ما يحدث في صباح اليوم التالي عندما يشترك (أبو نواف) وأبناؤه في إعداد الفطور.
أما في «سكة طويلة»، يتورط ناصر ومريم في موقف أشد إثارة للتوتر والخوف، فخارج السيارة يتهددهما الخطر من ملثم مجهول يطاردهما منذ انطلاقهما من الرياض، وفي الداخل يعربد فيهما التوتر لمعرفة أسباب كراهيته لهما ورغبته في قتلهما، ويفاقم أزمتهما انكشاف الحقيقة المؤلمة المتجسدة في عزلتهما وغربتهما عن بعض. فقد أفاقا على حقيقة أنهما لم يكونا قريبين من بعض أبداً كما هما في الرحلة الآن. كانا متباعدين رغم عيشهما تحت سقف واحد. ومريم أشد تأذياً وتضرراً من العزلة كما يُدرك من انهيارها وانفجارها في وجه شقيقها.
في السيارة يتحول المقعدان الأماميان إلى أريكتي طبيب نفساني، حيث «يفضفض» الشقيقان ليفرغا شحنة التوتر من داخلهما؛ ويتأملان في علاقة أبيهما بهما، وفي ظلمه وقسوته على موظفيه. يسرد كل منهما حكايته كيما يصل لموضع العطب في تناوب لدَوْرَي المُحَلْلِ النفسي والمُحَلَّلِ نفسياً «analysand”، ويشتركان في محاولة الوصول إلى حل لغز الذي يتهددهما بالقتل واحتمال كونه شقيق أحد العمال الذين ماتوا في حادث سقوط رافعة. في لحظة من جلسة التأمل والاعترافات غير المخطط لها، يدركان أنهما في حاجة إلى تكرار السفر معاً ليعرفا بعضهما أكثر كما تطلب مريم من أخيها الوعد بذلك.
في النهاية، يعود ناصر وابنه إلى الرياض بعد خروج أبيه من عالم الأحياء ومن حياته، ويعود ناصر ومريم إليها بعد خروجهما من عالم أبيهما، أو إخراجه من حياتهما.
*كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

صوَّر السماء فأذهل الملايين... واتُّهم بالذكاء الاصطناعي

 ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)
ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)
TT

صوَّر السماء فأذهل الملايين... واتُّهم بالذكاء الاصطناعي

 ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)
ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)

قضى المصوِّر بريندان لارسن ساعات طويلة في التقاط مئات الصور للسماء فوق أحد الجبال في نيوزيلندا. وتجلَّت ثمرة هذا المجهود في صورة تظهر فيها آلاف المسارات التي خلّفتها الأقمار الاصطناعية، وهي تتقاطع في سماء الليل، إلى درجة جعلت الصورة تبدو استثنائية جداً، ودفعته إلى خوض معركة للدفاع عن عمله ضدّ اتّهامات بأنه صُنِع بالذكاء الاصطناعي.

وذكرت «الغارديان» أنه لإنتاج هذه الصورة المذهلة، التي شاهدها ملايين الأشخاص عبر الإنترنت، قضى لارسن (51 عاماً) ساعتين خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، يلتقط مئات الصور لسماء الليل فوق جبل تاراناكي في الجزيرة الشمالية.

وقال إنه ضبط كاميرته لالتقاط عدد غير محدود من الصور، مدّة كل منها 8 ثوانٍ، مع فاصل زمني مدته ثانيتان بين كلّ صورة وأخرى. وأضاف: «تركتُ الكاميرا تعمل لمدة ساعتين، والتقطت 578 صورة... وكان ذلك الجزء السهل».

أما الجزء الصعب فجاء لاحقاً، عندما قضى لارسن نحو 40 ساعة في دمج الصور الفردية بعضها فوق بعض، باستخدام برنامج «أدوبي فوتوشوب»، وأمضى وقتاً طويلاً في محو النجوم بعناية لإظهار مسارات الأقمار الاصطناعية.

وقال: «بدأتُ أرى النمط يتشكّل، وقلتُ في نفسي: (يا له من أمر رائع!)، وكنت أعلم أنه كلما واصلت العمل، سيبدو الأمر أفضل وأكثر إبهاراً لجهة عدد الأقمار الاصطناعية».

وتُظهر الصورة السماء وقد امتلأت بمسارات نحو 1400 قمر اصطناعي، بلغ عددها نحو 14 ألف مسار، شكّلت نمطاً متشابكاً وكثيفاً فوق الجبل.

منح ساعتين من الليل في صورة (فيسبوك المصوِّر)

وعندما نشر لارسن الصورة على حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي، منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، انتشرت بسرعة فائقة، وأكسبته 15 ألف متابع جديد، وحصدت عشرات الملايين من المشاهدات، وأثارت آلاف التعليقات.

وكانت المفاجأة أن بعض المشاهدين شكّكوا في حقيقة الصورة، معتبرين إياها من صنع الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، تقبّل لارسن الأمر، قائلاً إن برمجيات توليد الصور بالذكاء الاصطناعي أصبحت شديدة التطوّر، إلى درجة يصعب معها التمييز بين الصور الحقيقية والزائفة، خصوصاً لمَن لا يعرفون المكان أو لا يملكون دراية بالتصوير الفلكي، مؤكداً في الوقت ذاته أن الأمر «محبِط».

وأوضح كذلك أنه يشعر بالاستياء عندما يرى صورته تُحمَّل ويُعاد إنتاجها باستخدام الذكاء الاصطناعي، مع ظهور عيوب واضحة فيها.

وتحسّباً لموجة الاتّهامات وردود الفعل الغاضبة، وثَّق لارسن عملية إنتاج صورته في مقطع فيديو، ويأمل في أن يمكّن ذلك المشاهدين من بناء ارتباط عاطفي بالمشهد الطبيعي الظاهر فيها.

في طفولته، كان لارسن مندهشاً جداً من عدد النجوم التي تملأ السماء في أجزاء من الريف النيوزيلندي، لكنه لاحظ زيادة في التلوث الضوئي وعدد الأقمار الاصطناعية خلال الأعوام الستة التي قضاها في تصوير السماء.

وقال: «من المثير والمذهل رؤية الأقمار الاصطناعية، لكنه أمر يبعث على القلق»، مضيفاً: «لدي نحو 10 آلاف تعليق على صفحتي في (فيسبوك)، و9 من كلّ 10 تعليقات تقول: (يا لها من صورة بديعة، لكنه أمر مرعب ومخيف ويثير القلق حقاً حيال ما يحدث لسماء الليل)».

يُذكَر أن نحو 16 ألف قمر اصطناعي عامل تدور حول كوكب الأرض، إلى جانب عشرات الآلاف من المركبات الفضائية المُعطّلة وأجزاء الصواريخ والحطام الناتج عن تفكّك الحمولات الفضائية.

وقد حذَّرت دراسات بالفعل من أن جزيئات المعادن الناتجة عن الأنشطة الفضائية، مثل عمليات إطلاق الصواريخ وعودة الأقمار الاصطناعية إلى الغلاف الجوّي، قد تؤثر في كيمياء الغلاف الجوي وطبقة الأوزون، بينما حذَّرت الأمم المتحدة من أن زيادة الأنشطة الفضائية تشكّل مخاطر على السلامة على الأرض وظلام السماء والرصد الفلكي.

وفي حين أن الأقمار الاصطناعية لا تملأ السماء تماماً للعين المجرّدة حتى الآن، يساور لارسن القلق إزاء الحالة المستقبلية لسماء الليل، ويأمل في أن تثير صورته نقاشات وتأملات حول كيفية استخدام الأقمار الاصطناعية بمسؤولية.

وختم: «يمكننا تعزيز الوعي، ومن خلال ذلك نحقّق زخماً شعبياً لدعم الجهود الرامية إلى حماية سماء الليل».


«وهم المركز»... رؤية تشكيلية فلسفية للقيود التي يواجهها الإنسان

تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
TT

«وهم المركز»... رؤية تشكيلية فلسفية للقيود التي يواجهها الإنسان

تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)

ماذا لو أزحنا الإنسان عن مركز اللوحة الفنية، وأفسحنا مكانه لفراغ واسع تتوزع حوله أشكال وخطوط وعناصر تبدو للوهلة الأولى هامشية؟ وإلى أي مدى يمكن لهذا التحول أن يعكس واقع مجتمعات يتقدّم فيها حضور الجماعة على إرادة الفرد واختياراته؟

من هذا السؤال يبدأ الفنان التشكيلي المصري محمد الجنوبي تجربته في معرضه «وهم المركز... التحرك أسفل اللوحة»، المقام حتى 12 نوفمبر (تشرين الثاني) في «مركز الجزيرة للفنون» بالقاهرة، مستكشفاً عبر التكوينات البصرية علاقة الفرد بالجماعة، وما تفرضه من قيود على حريته واستقلاله، في تطلع إلى مجتمع يمتلك فيه الإنسان حق الاختيار وتقرير مصيره؛ حيث ينقل الجنوبي إلى مساحة التصوير تساؤلات تتعلق بموقع الفرد داخل المجتمع، وهيمنة الجماعة على اختياراته، وما يترتب على ذلك من تراجع استقلاليته وحريته.

وعلى امتداد نحو 80 عملاً، موزعة على 3 قاعات تحمل أسماء الفنانين أحمد صبري وراغب عياد والحسين فوزي، بالمركز، يقدم الجنوبي مشروعاً تشكيلياً فلسفياً عمل عليه طوال 4 سنوات، محاولاً من خلاله إعادة النظر في مفهوم المركز والهامش، انطلاقاً من قراءة ثقافية وتاريخية لطبيعة المجتمعات الشرقية، وما يميزها من حضور قوي للعائلة والعشيرة والجماعة في تشكيل حياة الفرد.

ويقول الجنوبي لـ«الشرق الأوسط»: «الأساس في الفن أن الإنسان يكون مركز اللوحة، لكنني أزحته من هذا الموقع ووضعته في الهامش، وتركت المركز فراغاً لونياً أو خطوطاً وأشكالاً هندسية».

يغيب الإنسان عن المساحة الرئيسية في رمز لهيمنة الجماعة (الشرق الأوسط)

ويتابع: «أردت أن أتأمل الفكرة من منظور ثقافتنا؛ فالإنسان الفرد لم يكن دائماً مركز الحياة في مجتمعاتنا، إذ لعبت العائلة والعشيرة والجماعة الدور الأكبر في تشكيل وجوده وفكره، فيما اتخذ الإنسان موقع المركز في الثقافة الغربية، قبل أن تبدأ الحداثة وما بعدها مساءلة هذه الفكرة».

ويضيف الجنوبي: «أنا مع أن يكون الإنسان في المركز، لكنني أريد أن يصل إلى هذا الموقع فعلياً، وأن يمتلك حقوقه وحرياته واستقلاله؛ فالمسألة تتعلق بمدى قدرته على اتخاذ قراراته، واختيار حياته ومستقبله واتجاهاته الفكرية والثقافية. وإلى أن يتحقق ذلك، سأظل أرسمه في الهامش أو أسفل اللوحة».

بهذا المعنى يتخذ عنوان المعرض دلالته الأساسية؛ فـ«وهم المركز» يحيل إلى تصور ثقافي واجتماعي يمنح الجماعة سلطة واسعة على الفرد الذي تظل استقلاليته محدودة.

ويؤكد الفنان أن انشغاله بالهامش لا ينطلق من مقاربة سياسية، وإنما من محاولة فهم جذور هذه العلاقة في التاريخ والثقافة، وكيف يمكن لهيمنة الجماعة أن تحد من ظهور الشخصيات المستقلة وأصحاب الرؤى المختلفة والمبدعة.

ولا يقتصر حضور الهامش على بنية اللوحة، وإنما يمتد إلى الشخصيات والحكايات التي يستحضرها الفنان. فتظهر المرأة في عدد من الأعمال باعتبارها موضوعاً لحكايات يرويها الشريط السفلي، في محاولة لإبراز أدوارها وما تعرضت له ـ رغم ذلك ـ لتهميش داخل بعض الأنساق الاجتماعية والثقافية، وهو ما يتيح قراءة إضافية للعلاقة بين الحضور الفعلي للشخصيات ومكانتها في الذاكرة الجمعية.

تفاصيل لونية وهندسية من تجربة محمد الجنوبي في معرض «وهم المركز» (الشرق الأوسط)

وتحضر الطبيعة بدورها في بعض التكوينات، من خلال نباتات ضخمة تتجاوز أحجامها المعتادة، ويضعها الفنان في علاقة متوترة مع البيئة العمرانية.

ويشرح أن هذه النباتات تبدو في حالة غضب من العشوائيات التي تزاحم المكان وتحتل مساحاته، في إشارة إلى اختلال التوازن بين الطبيعة، وما يطرأ على البيئة من تغيرات.

أما الأشكال الهندسية والتجريدية، فتؤدي دوراً أساسياً في ضبط التكوين، خصوصاً مع اتساع المساحات الخالية وتراجع العناصر البشرية.

ويوضح الجنوبي أن طبيعة المشروع فرضت عليه البحث عن حلول بصرية تحفظ توازن اللوحة؛ بحيث لا يبتلع الفراغ بقية عناصرها، ولا تفقد الأشكال المحدودة قدرتها على بناء إيقاع متماسك.

وتكشف الألوان عن صلة واضحة بذاكرة المكان الذي نشأ فيه الفنان بأسوان؛ إذ تتقدم الدرجات الترابية والبنيات الداكنة، إلى جانب الأصفر ولمسات محدودة من الأخضر.

الفنان محمد الجنوبي داخل معرضه (الشرق الأوسط)

ويقول: إن «طبيعة الجنوب، بما تحمله من صحراء وجبال وبيئة خشنة، تركت أثرها في اختياراتي اللونية، كما انعكست في بعض المفردات التي أستحضرها».

ومع ذلك لا يعد الفنان أن المعرض يُمثل نهاية مشروعه؛ فهو لا يزال يعمل على تطوير التجربة، ويتركها مفتوحة لمزيد من البحث والتجريب.


تمساح يقتحم مخبزاً... وصاحبه: لم أتوقَّع هذا ولو بعد مليون عام

دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
TT

تمساح يقتحم مخبزاً... وصاحبه: لم أتوقَّع هذا ولو بعد مليون عام

دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)

تسلّل تمساح صغير الحجم إلى مخبز في ولاية كارولاينا الشمالية الأميركية، ممّا أثار حالة من الهلع بين العاملين والزبائن.

ووفق صحيفة «نيويورك بوست»، دخل تمساح يبلغ طوله نحو 3 أقدام (91 سنتيمتراً)، مخبز «باجل دوك إكسبريس» بمدينة ساوثبورت عبر باب خلفي كان مفتوحاً.

ورصدته كاميرات المراقبة وهو يتجوَّل في غرفة التخزين، ثم يمرّ بالمطبخ وصولاً إلى المنطقة الأمامية للمخبز، قبل أن يستقرّ خلف منضدة البيع. وما إن لمح مالك المخبز جيسي دريسكول الزائر غير المتوقَّع، حتى انتفض مذعوراً وهرع إلى الخارج، ليعود سريعاً مصطحباً رجلاً آخر ليريه المشهد الصادم.

وقال دريسكول لشبكة «دبليو دبليو إيه واي» الإخبارية: «إنه أمر خارج عن المألوف تماماً بالنسبة إلى مخبز. يمكنك أن تتوقَّع رؤية كثير من الأشياء، مثل دخول الزبائن أو الأصدقاء لإلقاء التحية، لكنني لم أتخيّل طوال حياتي أن أرى تمساحاً هنا، ولو بعد مليون عام».

زائرٌ بأنياب لا تصلح لابتسامة الصباح (فيسبوك)

وأوضح مالك المخبز أنه سارع إلى الاتصال برقم الطوارئ، فتدخّلت شرطة ساوثبورت بالتعاون مع خدمات حماية الحيوانات، ونجحت في الإمساك بالتمساح ونقله بأمان إلى مكان آخر، من دون وقوع إصابات.

ونشرت شرطة ساوثبورت صوراً للزاحف الصغير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مرفقة بتعليق طريف عن وجود تمساح في الممر الأول.

وأشار دريسكول إلى أنه كان منشغلاً بتركيب فرن جديد عندما تسلّل هذا الدخيل المغطَّى بالحراشف إلى المخبز.

بدوره، علّق المخبز مازحاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأن أخبار المخبوزات الطازجة التي يقدّمها وصلت، على ما يبدو، إلى المستنقعات، مضيفاً أنّ الحادثة انتهت من دون إصابات، وإنما بزيارة زبون غير مألوف.

وفي سياق متصل، ذكرت صحيفة «الغارديان» أنّ لجنة موارد الحياة البرّية في كارولاينا الشمالية سبق أن حذّرت السكان والزائرين في المناطق الساحلية من إطعام التماسيح أو الاقتراب منها، في ظل ازدياد اللقاءات بينها وبين البشر.

وأوضح عالم الأحياء جون هنري هارلسون أنّ إطعام التماسيح يجعلها تربط وجود البشر بالحصول على الطعام، وقد يفقدها خوفها الطبيعي منهم، ممّا يزيد احتمالات وقوع مواجهات خطرة. وتوصي السلطات بعدم محاولة الإمساك بهذه الحيوانات أو التعامل معها، وتوخّي الحذر قرب المسطحات المائية.