«كوفيد الطويل الأمد»... عيادات متخصصة لتخفيف أعراضه

رحلة معاناة مريرة وحلول علاجية تجريبية

«كوفيد الطويل الأمد»... عيادات متخصصة لتخفيف أعراضه
TT

«كوفيد الطويل الأمد»... عيادات متخصصة لتخفيف أعراضه

«كوفيد الطويل الأمد»... عيادات متخصصة لتخفيف أعراضه

التشوّش في الدماغ، والتعب، والألم بعد حدوث الإصابة الأولى بفيروس «كوفيد 19» كانت أهم العوارض التي قلبت حياة امرأة أميركية رأساً على عقب. وكانت بيليندا هانكينز قد التقطت العدوى للمرّة الأولى في ربيع 2020، فارتفعت حرارتها، وعانت من نوبات البرد وصعوبة في التنفس، لكنّ مشكلتها الحقيقية كانت في خسارتها حاسّة الشمّ.
بعد عامين، التقطت هانكينز العدوى مرّة أخرى، وكانت حالتها أسوأ. وبعد 12 أسبوعاً طوال من التعب وآلام المفاصل، اقترح طبيبها أن تلجأ لعلاج «كوفيد الطويل»، إذ تبيّن أنّ حالة جسدية شاملة ودائمة قد تصيب النّاس لأشهر حتّى سنوات بعد الإصابة بفيروس «كوفيد 19».
في أواخر أغسطس (آب) الماضي، وصلت هانكينز (64 عاماً) إلى صالة فحص صغيرة لإجراء أوّل استشاراتها في عيادة «جون هوبكينز بوست - أكيوت كوفيد - 19» (عيادة جونز هوبكينز لما بعد «كوفيد 19» الشديد) المعروفة بـ«باكت». وانضمت إليها ميغان روسن، العاملة في موقع «ساينس نيوز» العلمي.

حياة مضطربة
قبل مرضها، كانت هانكينز، المستشارة المتقاعدة في الإعلام الرقمي، متزلّجة وراكبة دراجة هوائية من الطراز الأوّل.
قد ينطوي علاج الأشخاص الذين يعانون من «كوفيد الطويل» على كثير من التعقيدات، خصوصاً بالنسبة لهانكينز وأولئك الذين يعانون من مشكلات صحية أخرى. فقد كانت المريضة مصابة بفرط ضغط الدم الرئوي، والألم العضلي الليفي المتفشي، وتصلّب الجلد، لذا كان من الصعب جداً تحديد العوارض الناتجة عن عدوى «كوفيد».
تتعامل الطبيبة ألبا أزولا مع هذا الأمر بالاستماع وطرح الأسئلة ومزيد من الاستماع، ومن ثمّ تركّز على أكبر مخاوف المرضى بهدف السيطرة على الأعراض. عالجت أزولا، الطبيبة المتخصصة في إعادة التأهيل، مرضى يتعافون من جلطات دماغية، وإصابات في الحبل الشوكي، وغيرها من الاضطرابات. لكنّها في السنتين الماضيتين خصّصت وقتها لعلاج أشخاص أرهقهم «كوفيد 19».
فتحت عيادة جونز هوبكينز لما بعد «كوفيد 19» الشديد (باكت) أبوابها في أبريل (نيسان) 2020، أي بالتزامن مع وصول عدد حالات الإصابة المؤكّدة في العالم إلى مليون، ثم توسّعت الصيف الفائت وباتت تضمّ أكثر من 12 موظّفاً، من بينهم معالجون نفسيون، وأطباء، ومتخصصون يحاولون تحديد موعدٍ للمريض خلال شهرين، لكنّ الأمر قد يتطلّب 4 أشهر أحياناً، بحسب أزولا.
سجّلت الولايات المتّحدة منذ منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي ما يقارب 97.9 مليون إصابة بـ«كوفيد 19». وأظهرت دراسة أسكتلندية، نُشرت في دورية «نيتشر كوميونيكشنز» في 12 أكتوبر (تشرين الأول)، أنّه رغم صعوبة تحديد رقمٍ دقيق لعدد المصابين بـ«كوفيد الطويل» لم يصل نصف المصابين بعدوى «كوفيد» إلى التعافي التام بعد فترة تتراوح بين 6 و18 شهراً من الإصابة. ويرجّح تقديرٌ أكثر تحفّظاً في الولايات المتّحدة أنّ أكثر من 18 مليون أميركي بالغ قد يعانون من «كوفيد الطويل».
تقول تايلا فليمينغ، طبيبة في معهد جون ف. كينيدي جونسون لإعادة التأهيل في نيوجيرسي: «نحن نعيش وسط حدثٍ تعجيزي جماعي».
حلول غير واضحة

نشأ نحو 400 عيادة جديدة في جميع أنحاء الولايات المتّحدة للعناية بموجة مرضى «كوفيد الطويل» المتنامية.
ونشرت الأكاديمية الأميركية للطب الفيزيائي وإعادة التأهيل بعض الإرشادات للمساعدة في هذا الموضوع، لكنّ لا توجد علاجات مثبتة ولا منهجية رسمية تحدّد أداء العيادات فيما يتعلّق بحالات «كوفيد الطويل». وجمعت الأكاديمية أكثر من 40 عيادة متخصصة بعلاج «كوفيد الطويل»، من بينها عيادة «باكت» PACT، لمشاركة تجاربها ومناقشة أفضل الممارسات لعلاج هذه الحالة، إلا أن أزولا من جهتها تعدّ هذه العيادات «يرشد بعضها بعضاً». في المقابل، تعمل عيادات أخرى في هذا المجال بشكلٍ مستقلّ.
اليوم، تركّز أزولا وزملاؤها على عوارض مرضاهم، في استراتيجية يستخدمها أطبّاء وعيادات آخرون يعملون في حالات «كوفيد الطويل» أيضاً. وتؤكّد طبيبة الرئة لاكشمي سانثوش أنّه «لا توجد حالة واحدة وموحّدة من (كوفيد الطويل)»، ما يعني أنّه على الأطبّاء اعتماد «مقاربة مخصصة وموجّهة بحسب العوارض».
أسّست سانثوش عيادة «أوبتيمال» OPTIMAL في جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو، لتوفير العناية والمتابعة للمرضى الذين أصيبوا بعدوى «كوفيد 19». ومنذ عام 2020، شهدت طبيبة الرئة مئات المرضى الذين ينتظرون أسابيع حتّى أشهر للحصول على موعد للمعاينة، كما يحصل في عيادة هوبكينز. تسمع سانثوش سؤالاً واحداً أساسياً من المرضى: «متى سأتحسّن؟»، لكنّها تعترف أنّ الإجابة عليه صعبة.
لا يستطيع العلماء بعد التنبؤ بكيف ومتى يتعافى المريض، ولا يعرفون لماذا يصيب «كوفيد الطويل» مرضى دون غيرهم، أي لا توجد قواعد واضحة في الوقت الحالي. تقول فليمينغ: «إذا كنتم يافعين، فقد تصابون بـ(كوفيد الطويل). وإذا كنتم لا تعانون من مشكلات صحية سابقة، فقد تصابون بـ(كوفيد الطويل). وإذا التقطتُم عدوى (كوفيد) في السابق، يمكن أيضاً أن تصابوا بـ(كوفيد الطويل)».
تقول سانثوس إنّها رأت كلّ شيء في عيادتها في جامعة كاليفورنيا. قد يصيب «كوفيد الطويل» مريضاً في سنّ 75 عاماً دخل المستشفى بعد التقاطه عدوى «كوفيد 19»، أو عدّاء بسنّ 35 عاماً بدأ يعاني من العوارض العنيدة بعد إصابة طفيفة بالفيروس. بمعنى آخر، قد يعاني أحد المرضى من وابلٍ من المشكلات الصحية، بينما يُضرب آخر بقليل منها.
تقول أزولا إنّها «سمعت بعض الأشياء الغريبة»، وتذكر أنّ أحد مرضاها شعر وكأنّ هاتفاً يهتزّ في أعماق عظامه، بينما تحدّث آخر عن شعورٍ بالثقل، وكأنّ رجليه مصنوعتان من الرصاص.

علاجات أولية
تتطلّب عوارض «كوفيد الطويل» الكثيرة والمختلفة مجموعة واسعة من الحلول. قد يصف الأطبّاء مجموعة من مسكّنات الألم لعلاج آلام الرأس، وجهاز استنشاق لفتح مجاري الهواء لدى من يعانون من مشكلات في التنفّس، بينما قد يقرّر المريض زيارة معالج نفسي لوضح حدٍّ لتشوّش رأسه. وتعدّ أزولا أنّ «السيطرة على هذا النوع من العوارض مهمّ جداً، لأنّنا لا نملك تجارب قويّة، ومحكمة، وعشوائية تدعم استخدام أدوية أو علاجات محدّدة».

من جهتها، ترى سانثوس أنّ تطوير العلاجات الفعّالة «بطيء بدرجة محبطة».
ويعدّ مايك فان إلزاكر، عالم أعصاب في كليّة الطبّ التابعة لجامعة هارفارد ومستشفى ماساتشوستس الحكومي، أنّ الأسباب البيولوجية الكامنة خلف «كوفيد الطويل» تشغل الباحثين اليوم. فقد وضع العلماء كثيراً من النظريات لمسببات عوارض «كوفيد الطويل»، كالرئة المتضررة من فيروس «كوفيد» أو استيقاظ فيروسات أخرى كانت نائمة. وترجّح إحدى الأفكار مثلاً أنّ «كوفيد 19» قد يخرّب الجهاز المناعي باستدعاء ميكروبات أخرى تسبب الضرر للجسم، بينما تشير فكرة أخرى إلى أنّ «كوفيد الطويل» يعتاش من فيروس «سارس - كوف 2» الذي يعيش في أنسجة الجسم.
يقول فان إلزاكر إنّه من الضروري جداً أن نعلم ما الذي يسبب هذه المشكلات. فإذا علم الأطبّاء ما الذي يقف خلف العوارض التي يعاني منها المرضى، فقد يتمكنّون من تقديم علاجات خاصّة لكلّ مريض لاجتثاث المشكلة.
ويعلم العلماء شيئاً واحداً أكيداً، وهو أنّ العلاجات المحتملة لـ«كوفيد الطويل» لا تزال في بداياتها. وتشير بعض الأدلّة إلى أنّ لقاح «كوفيد 19» قد يحسّن من أعراض «كوفيد الطويل»، ولو أنّ هذه الفكرة لا تزال محطّ جدل، بحسب تقرير نشره باحثون في دورية «آي كلينيكال ميديسن» في نوفمبر. كما رجّحت دراسات أخرى صغيرة أنّ جلسات تنفّس الأكسجين المتكررة في غرفة عالية الضغط قد تخفّف عوارض الإرهاق وتشوّش الرأس.
أطلقت معاهد الصحة الوطنية الأميركية العام الماضي مشروعاً بحثياً كبيراً حول التأثيرات الطويلة الأمد لفيروس «كوفيد 19». يحمل المشروع اسم «مبادرة التعافي» RECOVER Initiative ويهدف للكشف عن أسباب إصابة البعض بـ«كوفيد الطويل» ومسببات المرض نفسه. ومنذ بداية الشهر الحالي، سجّلت المبادرة 10645 من أصل 17680 شخصاً بالغاً يحتاجهم البحث.
في الوقت الحالي، تستعين سانثوش وأزولا وأطبّاء آخرون باستراتيجيات تساعد في علاج اضطرابات أخرى كمتلازمة التعب المزمن. ويتشابه كثير من عوارض هذا المرض الذي لا يزال غامضاً بالنسبة للعلماء مع عوارض «كوفيد الطويل»، ما قد يساعد في الحصول على إجابات على تساؤلات تحيط بالاضطرابين، حسب ما أشار العلماء في تقرير نُشر في 8 نوفمبر في موقع «ساينس».

أعراض «كوفيد طويل الأمد»
أعراض عامّة
• التعب الذي يؤثّر على الحياة اليومية
• أعراض تزداد سوءاً بعد الجهد الجسدي أو النفسي (تُعرف أيضاً بشعور الضيق بعد الجهد)
• حمّى
• آلام في العضلات والمفاصل
• طفح جلدي
• تغيّرات في الدورة الشهرية
الرئتان والقلب
• صعوبة أو قصور في التنفّس
• سعال
• آلام في الصدر
• تسارع في ضربات القلب
الدماغ
• صعوبة في التفكير
• تشوش في الرأس
• ألم في الرأس
• مشكلات في النوم
• دوار عند الوقوف
• شعور بالتنميل والوخز
• تغيّر في حاستي الشم والتذوّق
• اكتئاب أو قلق
الأمعاء
• إسهال
• ألم في المعدة


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر
TT

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر

طوّر علماء جامعة هارفارد الولايات المتحدة الأميركية أداة علمية مذهلة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بذكريات من ماضيها على غرار كبسولة زمنية بيولوجية. وقد يساعد هذا الابتكار في فهم كيفية مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيف تتطور الخلايا الجذعية، وكيف تؤثر الأحداث المبكرة في سلوك الخلية لاحقاً.

«خزائن الزمن»

تصف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير (كانون الثاني) 2026 تقنية جديدة تُعرف باسم خزائن الزمن Vaults Time، وهي وحدات تخزين دقيقة داخل الخلايا تجمع وتحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.

ويكمن سر هذا الاكتشاف في تراكيب خلوية غامضة تُسمّى «الفُولْتات» Vaults، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بالآلاف داخل معظم الخلايا البشرية. وعلى الرغم من اكتشافها في ثمانينات القرن الماضي، فإن دورها ظل غير معروف حتى اليوم. والآن وجد الباحثون طريقة لمنحها وظيفة جديدة وقوية.

كيف تعمل «خزائن الزمن»؟

تتواصل الجينات داخل الخلية عبر إنتاج جزيئات تُسمّى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. لكن هذه الجزيئات قصيرة العمر؛ ما يجعل من الصعب على العلماء معرفة ما كانت تفعله الخلية في الماضي.

ولحل هذه المشكلة؛ أعاد الباحثون تصميم أحد بروتينات الهياكل الأسطوانية أو «الفُولْت» بحيث يتمكن من التعرّف على جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول والتقاطها أثناء إنتاجها. وبمجرد التقاطها تُخزَّن هذه الجزيئات داخل «الفُولْت» لتشكّل سجلاً محفوظاً لنشاط الجينات في وقت سابق.

ويمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها ببساطة عبر إضافة دواء معيّن أو سحبه تماماً مثل زر التسجيل. وأظهرت التجارب أن خزائن الزمن قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول خلال فترة 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن أسبوع من دون إلحاق أي ضرر بالخلية أو تغيير سلوكها.

ويقول قائد الدراسة فيي تشين من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي جامعة هارفارد، إن الخلايا كانت طبيعية تماماً ولم يتغير شكل الفولتات أو حجمها. بل كانت سعيدة بحمل هذا المحتوى.

طريقة جديدة لدراسة الخلايا عبر الزمن

وتقليدياً، يدرس العلماء الخلايا بطريقتين، إما بمراقبتها مباشرة تحت المجهر أو بتحليل محتواها في لحظة زمنية واحدة. ولكلتا الطريقتين حدودها؛ إذ تتيح الأولى تتبع عدد محدود من الجزيئات بينما قد تفشل الأخرى في كشف ما حدث في السابق.

وخلال العقد الماضي طُوّرت أدوات تسجيل جينية تعتمد غالباً على «تقنية كريسبر» تُحدث علامات دائمة في الحمض النووي لتوثيق أحداث معينة. غير أن هذه الأدوات تتطلب من العلماء تحديد ما يريدون تتبعه مسبقاً.

أما خزائن الزمن، فتقدّم نهجاً مختلفاً؛ إذ تحتفظ بعينة واسعة وغير متحيزة من جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول؛ ما يمنح صورة أشمل عن تاريخ نشاط الخلية.

ويقول راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيوريخ، غير المشارك بالدراسة، إن هذه التقنية تقرّبنا كثيراً من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار عبر الزمن.

تسليط الضوء على مقاومة السرطان للعلاج

ومن أكثر التطبيقات الواعدة، أبحاث السرطان. فقد استخدم الفريق هذه التقنية لدراسة ما يُعرف بـ الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات جينية تفسّر هذه المقاومة. وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية أيضاً عن طريق التحول إلى حالة من الخمول أو السكون.

وبفحص جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول المخزّنة داخل خزائن الزمن، اكتشف الباحثون أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. وعندما تم تثبيط بعض هذه الجينات أصبحت أدوية السرطان أكثر فاعلية في قتل الخلايا.

وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تمنع ظهور المقاومة من الأساس.

آفاق جديدة في أبحاث الخلايا الجذعية

كما بدأ الباحثون أيضاً في استخدام خزائن الزمن لدراسة كيفية تحوّل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية تدريجية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تصبح أداة مكمّلة مهمة للأدوات الجينية الحالية، حتى إن بعضهم يتوقع إمكانية تطوير الفولتات مستقبلاً لتخزين بروتينات أو جزيئات أخرى وليس الحمض النووي الريبي فقط.

ويقول عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إن تحويل هذه الهياكل الغامضة إلى كبسولات زمنية خلوية يتطلّب قدراً كبيراً من الإبداع، وهو يفتح الباب أمام أنواع جديدة تماماً من التجارب البيولوجية.

ومع استمرار استكشاف إمكانات خزائن الزمن، فقد تساعد هذه الذاكرة الخلوية العلماء على كشف كيف تشكّل التجارب الماضية المحفوظة في أعماق خلايانا الصحة والمرض ومستقبل الطب.


باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»
TT

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

تقول برينا هين Brenna Henn، عالمة الوراثة في جامعة كاليفورنيا-ديفيس: «في مختبري، نحن نهتم بتوصيف التنوع البشري، وخاصةً لدى السكان الذين يعيشون في أفريقيا، أو المتحدرين منها. وأحد الأمور التي أردنا معالجتها هو التركيز المفرط على الطب الجيني الشخصي. والفكرة هي أنه عند إجراء تسلسل الجينوم، يمكن بعد ذلك دراسته بالنسبة لأمراض القلب أو السل -اختر مرضك المفضل- وسنتمكن من إعطائك درجة تُشير إلى مدى احتمالية إصابتك بهذه الأمراض».

نتائج متحيزة للجنس الأبيض

يُجرى معظم هذا العمل على الأوروبيين أو أحفادهم في الولايات المتحدة. عندما نُطبّق هذه الدرجات على مجموعات سكانية أخرى، لا تكون النتائج بنفس الكفاءة. وهذه مشكلة كبيرة، لأننا نُطوّر أداة سريرية لا تُجدي نفعاً إلا مع نصف الأشخاص الذين يراجعون أي عيادة في الولايات المتحدة.

وأحد أهدافنا هو فهم سبب ذلك. هل يعود ذلك إلى وجود طفرات فريدة لدى هؤلاء الأشخاص غير موجودة لدى الأوروبيين؟ أم أن لديهم نفس أنواع الجينات، ولكن تفاعلهم مع البيئة يختلف؟

دراسة الجينوم الأفريقي

في عام 2019، حصلتُ على منحةٍ للباحثين في بداية مسيرتهم المهنية من المعاهد الوطنية للصحة. جمعنا نحو 3600 جينوم من مجموعات سكانية من أصول أفريقية، سواء في القارة الأفريقية، أو في الأميركتين. وقدّمْنا 80 عينة جمعناها في جنوب أفريقيا من مجموعةٍ بالغة الأهمية تُدعى الخويسان Khoisan التي يتميز أفرادها بتنوّعٍ جينيٍّ يفوق أيّ مجموعةٍ بشريةٍ أخرى. أستمتعُ بوجودي في هذه المجتمعات، وأُحبّ التحدث مع أهلها.

نموذج لتطور الإنسان المبكر

ساعدتنا هذه البيانات في وضع نموذجٍ جديدٍ لتطور الإنسان المبكر في أفريقيا. لطالما ساد اعتقادٌ بأنّ الإنسان نشأ في موقعٍ واحدٍ فقط في أفريقيا. لكنّ ظهور جنسنا البشريّ على الأرجح كان أوسع نطاقاً في أفريقيا.

ورغم أن منحتي كانت قابلة للتجديد كل خمس سنوات، فقد تعطلت الموافقة عليها ثم ظل الطلب معلقاً من ديسمبر (كانو الأول) 2024 إلى سبتمبر (أيلول) 2025.

إخفاقات التمويل أوقفت الأبحاث

ثم قيل لنا: «لا يمكن تحديد سياسة معينة. ولكن نظراً لأن طلبكم يتضمن تعاوناً مع جنوب أفريقيا، فلن يتم تمويله». هذا كل ما جاء في البريد الإلكتروني.

إنني أشعر بخيبة أمل شديدة. كان أحد أهدافنا نشر قاعدة بيانات ضخمة للجينومات الأفريقية. سيكون هذا المورد متاحاً لآلاف الباحثين في مجال الطب الحيوي في الولايات المتحدة، والعالم. الآن لا أملك المال الكافي لاستضافة البيانات، أو إجراء التحليلات. لديّ 200 تيرابايت من البيانات مُخزّنة على خادم كمبيوتري في كيبيك. إنه لأمرٌ مؤسفٌ للغاية.

* باختصار خدمة «نيويورك تايمز»


مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026
TT

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

نادراً ما يُتاح للمهندسين المعماريين اختيار المشاريع التي يعملون عليها؛ وذلك لاعتماد مجال الهندسة المعمارية على كبار المطورين العقاريين المتمتعين بميزانيات ضخمة.

وقد طلبت المجلة من مهندسين معماريين ومصممين من كبرى الشركات العالمية التفكير في أنواع المشاريع التي يتمنون تنفيذها، بغض النظر عن الزبائن والميزانيات، وربما عن الواقع أيضاً. وشارك سبعة مهندسين معماريين مشاريع بناء يتمنون العمل عليها في عام 2026.

أحلام معمارية

إليكم السؤال الذي طرحناه على لجنة من المصممين وقادة الهندسة المعمارية: ما هو مشروع أحلامكم لعام 2026؟

* «إعادة تصور حي حضري». يقول ترينت تيش، مدير مؤسسة KPF لبناء المدن إن مشروع أحلامي ليس مجرد مَعلم بارز في الأفق أو مشهد مبهر، بل هو نظام مستدام طويل الأمد، مشروع يُعاد فيه استخدام هيكله، وتُحسّن مواده ويُعاد تدويرها بدلاً من استبدالها، ويتحسن أداؤه بمرور الوقت. حيث لا تُخفى استراتيجيات الاستدامة في الأقبية أو على أسطح المباني، بل تُصبح جزءاً لا يتجزأ من التجربة المعمارية.

مشروع أحلامي هو إعادة تصور حي حضري، يُعاد تصميمه بدقة متناهية (بدلاً من هدمه)، حيث تُمنح مبانيه المتدهورة حياة جديدة من خلال تحسينات دقيقة، وتدخلات بسيطة، واهتمام بالحرفية وأداء المبنى.

* «أماكن متكاملة - حلول للأزمات الراهنة». مشروع أحلامي، كما يقول ديفيد بولزين، المدير التنفيذي للتصميم لمؤسسة «كانون ديزاين»، هو تصميم يتجاوز نطاق المبنى الواحد، ليشمل نطاق الحي بأكمله؛ بهدف ابتكار أسلوب حياة جديد. لدينا القدرة على تجاوز التجزئة التي أوجدناها في البيئة العمرانية، والتوجه نحو أماكن متكاملة لا يقتصر فيها الأمر على عيش الناس وعملهم وترفيههم في المكان نفسه، بل يتيح لهم أيضاً الابتكار والتعلم والاهتمام بأنفسهم وببعضهم بعضاً. يتضمن هذا النهج حلولاً للأزمات الراهنة كالسكن، والحصول على الغذاء والرعاية، وغيرها: التفكير في بناء المجتمع وما يحتاج إليه الناس من حولهم لضمان حياة آمنة وحيوية ومُدعمة.

بورصة المناخ و«جنة الأرض»

* «بورصة نيويورك للمناخ». مشروع أحلامي الذي أطمح إليه - كما يقول كولين كوب، شريك في شركة SOM- أن يبدأ العمل فيه مع نهاية هذا العام - بورصة نيويورك للمناخ New York Climate Exchange في جزيرة «غوفيرنيرز». سيكون بلا شك أكثر المشاريع استدامةً على الإطلاق في المدينة، ومثالاً على المسار الذي يجب أن يسلكه التصميم في العقد المقبل.

* رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض». يقول لوك ليونغ، رئيس استوديو الهندسة المستدامة في شركة SOM، إن مشروعي الطموح ذو فلسفة تصميمية راسخة على البساطة والاستدامة والتعبير الواضح عن الوظائف الهندسية، سيُشكّل هذا المشروع مختبراً حياً على نطاقٍ واسع، من الأحياء إلى المناطق، وربما حتى على مستوى الدولة، مُجسّداً التخطيط الحضري المُراعي للإنسان والمُستجيب للمناخ.

وسيُبيّن المشروع كيف يُمكن للهندسة المعمارية أن تُسهِم في خلق بيئات مبنية أكثر صحة، ودفع عجلة خفض الانبعاثات الكربونية، وتعزيز رفاهية الإنسان، ودعم النظم البيئية المزدهرة، وتقديم نماذج قابلة للتطبيق لمدن مرنة في جميع أنحاء العالم - رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض» في بيئة مبنية.

اندماج التخصصات ومجمعات التعلم

* «كسر الحواجز بين البرامج والتخصصات». لطالما تشكّلت محفظة مشاريع شركتنا انطلاقاً من فكرة الهندسة المعمارية كبنية تحتية اجتماعية ومدنية، وليست مجرد كيانات معزولة.

مشروعنا الطموح لعام 2026 - كما تقول كلير وايز، المؤسسة والمديرة الرئيسية لشركة WXY للهندسة المعمارية والتصميم الحضري - هو مشروعٌ يُتيح لنا كسر الحواجز بين التخصصات والبرامج المُقيِّدة، بما يعود بالنفع على مُستخدمي المساحات التي نُصمِّمها. قد يتخذ هذا المشروع شكل حيٍّ جديد متعدد الاستخدامات، أو مبنى سكني مُصمَّم خصيصاً لرعاية الأطفال، أو أكواخٍ وسط الغابات، أو بنية تحتية حضرية مُعاد ابتكارها. لكنّه سيسترشد، كما هو الحال في جميع أعمالنا، بفكرة الإدارة طويلة الأمد والتعاون الوثيق مع المجتمع وزملائنا في مجالات الهندسة المعمارية والهندسة المدنية وغيرها. نهتمّ بشكلٍ خاص بالمشاريع التي يُسهِم فيها التصميم في بناء القدرات وتعزيز الثقة، والتي لا يُقاس نجاحها بما يُبنى فحسب، بل بما يُتيحه من إمكانات على المدى البعيد.

* «أماكن ووجهات للتعلم والتجمُّع». يقول نيك ليهي، الرئيس التنفيذي المشارك والمدير التنفيذي لشركة «بيركنز إيستمان»، إن هناك حاجة مُتزايدة إلى مُحفِّزات ثقافية ومجتمعية تُقرِّب الناس، لا سيما في المجتمعات التي تفتقر إلى وجهات للتعلم والتجمُّع. يُمكن للتصميم أن يُعزِّز الشعور بالانتماء والارتباط بالجوانب المادية للهندسة المعمارية، وهو أمرٌ بالغ الأهمية في عصرنا هذا الذي يُفضِّل الإشباع الفوري. للطلبات والرغبات.

* مجلة «فاست كومباني»