استكشاف القمر.. كنز بيانات حديثة في متناول العلماء

«ناسا» تحرز نجاحاً باهراً مع هبوط سفينة «بلو غوست»

التقطت  "بلو غوست" ا صورة ذاتية لنفسها مع وجود كوكب الأرض في الخلفية
التقطت "بلو غوست" ا صورة ذاتية لنفسها مع وجود كوكب الأرض في الخلفية
TT

استكشاف القمر.. كنز بيانات حديثة في متناول العلماء

التقطت  "بلو غوست" ا صورة ذاتية لنفسها مع وجود كوكب الأرض في الخلفية
التقطت "بلو غوست" ا صورة ذاتية لنفسها مع وجود كوكب الأرض في الخلفية

أسفر نجاح سفينة شركة «فايرفلاي إيروسبيس» في الهبوط على سطح القمر عن كنز من البيانات التي سوف يبحث فيها العلماء لسنوات.

رهانات «ناسا»: خيبة ونجاح

لقد راهنت وكالة الطيران والفضاء الأميركية «ناسا» قبل بضع سنوات على أن الشركات التجارية قادرة على إجراء التجارب العلمية على سطح القمر بميزانية أقل مما تستطيعها الوكالة نفسها. وكان ذلك رهاناً خاسراً في العام الماضي. فقد أخطأت أول سفينة فضائية ممولة من ناسا الهبوط على القمر كليةً. وهبطت السفينة الثانية، لكنها سقطت.

ولكن في شهر مارس (آذار) الماضي، نجحت سفينة هبوط آلية تسمى «بلو غوست» Blue Ghost ، من إنتاج شركة «فايرفلاي إيروسبيس» في سيدار بارك، بولاية تكساس، من البداية إلى النهاية.

في 16 مارس (آذار)، كان المزاج العام في مقر عمليات مهمة «فايرفلاي» خارج مدينة أوستن عبارة عن مزيج من السعادة والكآبة. لم يكن هناك ما يدعو للقلق، ولم يكن هناك ما يمكن فعله، باستثناء احتمال مشاهدة السفينة الفضائية للشركة وهي تموت.

وعلى بعد ربع مليون ميل، كانت الشمس قد غربت بالفعل على «ماري كريسيوم»، وهو سهل الحمم البركانية القمرية، حيث جمعت سفينة «بلو غوست» الملاحظات العلمية على مدى أسبوعين.

وبالنسبة للسفينة الفضائية التي تعمل بالطاقة الشمسية، كانت الساعات المتبقية معدودة وقليلة.

وقال راي ألينسوورث، مدير برنامج المركبات الفضائية في شركة «فايرفلاي» بعد ظهر ذلك اليوم: «أعتقد أن المزاج العام رائق». وأضاف: «أعتقد أن الناس متحمسون ويشعرون بنوع من الارتياح لرؤية مدى نجاح المهمة ويقضون بعض الوقت في الاستمتاع بالساعات القليلة الأخيرة مع سفينة الهبوط».

وفرة من البيانات الجديدة

وبعد سنوات من الجهود والاستثمار لم يحصل العلماء على الكثير من وضع حمولاتهم العلمية في المهمات القمرية التجارية الأخرى، إذ انتهى بهم الأمر بالقليل أو لا شيء. أما أولئك الذين كلفتهم ناسا بمهمة «بلو غوست»، فقد خرجوا بوفرة من البيانات الجديدة للعمل عليها. وأقر روبرت غريم، العالم في معهد ساوث ويست للأبحاث في بولدر، بولاية كولورادو، الذي أشرف على إحدى حمولات الأجهزة العلمية، بحسن حظه.

كانت إحدى تجارب ناسا قد جمعت البيانات في الوقت الذي هبطت فيه سفينة «بلو غوست». فقد التقطت أربع كاميرات مناظر من زوايا مختلفة لعادم محركات الدفع في السفينة الفضائية في أثناء قذفها للغبار القمري وحفرها فوهة صغيرة.

وقال بول دانيهي، أحد العلماء الذين يعملون في المشروع المعروف باسم «الكاميرات المجسمة لدراسات سطح القمر» (SCALPSS)، إن «هذا يمنحنا القدرة باستخدام هذه الكاميرات على قياس الأشكال الثلاثية الأبعاد».

مخاطر الغبار القمري

ويريد المهندسون فهم هذه الديناميكيات لمنع الكوارث المحتملة عندما تهبط مركبات فضائية أكبر وأثقل، مثل سفينة الفضاء «ستارشيب» التابعة لشركة «سبيس إكس» برواد الفضاء على سطح القمر. وإذا أقامت ناسا موقعاً أمامياً على القمر، فمن شأن المركبات الفضائية العودة إلى ذلك الموقع أكثر من مرة. ويمكن أن تؤدي الصخور المتطايرة لأعلى إلى تعطيل محرك السفينة الفضائية الهابطة أو إلحاق الضرر بالهياكل القريبة.

وفي نظرة مبكرة إلى الصور، كانت إحدى المفاجآت هي أن عمود العادم من محركات الدفع بدأ في قذف الغبار القمري عندما كانت سفينة «بلو غوست» لا تزال على ارتفاع نحو 50 قدماً فوق سطح القمر، أي بارتفاع أعلى مما كان متوقعاً. ومن المقرر أن يقوم نظام الكاميرا هذا نفسه، الذي سيوضع في سفينة للهبوط أكبر بكثير، وهي «بلو مون مارك 1» بتسجيل سحابة الغبار، وهي السفينة التي تخطط شركة «بلو أوريجين»، شركة الصواريخ التابعة لجيف بيزوس، لإرسالها إلى القمر في وقت لاحق من العام الحالي.

لا ترغب ناسا في فهم الغبار القمري أو الحطام الصخري المتراكم على سطح القمر فحسب، وإنما أيضاً كيفية التخلص منه. يمكن أن تكون هذه الجسيمات حادة وكاشطة مثل شظايا الزجاج، ما يشكل خطراً على الآلات وعلى رواد الفضاء. وقد وظفت تجربة أجريت على سفينة «بلو غوست» تُسمى «درع الغبار الكهروديناميكي» / مجالات كهربائية بهدف تنظيف الغبار من الأسطح.

اظهر جهاز "لونار بلانيت فاك" تقنية مبسطة لجمع الصخور والغبار

تجربتان على باطن القمر

وقد جمعت تجربتان معلومات من شأنها أن تلقي الضوء على باطن القمر. وكانت حمولة الدكتور غريم هي المسبار القمري المغناطيسي، الذي كان أول مسبار من نوعه يتم نشره على سطح عالم آخر.

ولنشر المسبار، قامت قاذفات مزودة بنابض بقذف أربعة مسابر بحجم علب الحساء في أربعة اتجاهات مختلفة. تعمل المسابر - الموصولة بكابلات إلى سفينة الهبوط - مثل أجهزة قياس فرق الجهد الكهربائي (الفولتميتر) كبيرة الحجم. أما المكون الثاني، المرفوع فوق سارية يبلغ ارتفاعها ثمانية أقدام، فكان يقوم بقياس المجالات المغناطيسية.

وتكشف هذه القراءات مجتمعة عن الاختلافات التي تحدث بشكل طبيعي في المجالات الكهربائية والمغناطيسية، ما يخبرنا عن مدى سهولة تدفق التيارات الكهربائية في أعماق الأرض، وهذا يخبرنا بشيء ما عما يوجد في الأسفل. فعلى سبيل المثال، تكون خاصية التوصيل أقل ما تكون في الصخور الأكثر برودة.

كما نشرت سفينة «بلو غوست» مثقاباً هوائياً، باستخدام رشقات من غاز النتروجين لحفر التراب. واستخدمت إبرة في طرف الجهاز في قياس درجة الحرارة ومدى سهولة تدفق الحرارة عبر المادة. وبسبب وجود صخور في الطريق، نزل المثقاب لعمق نحو ثلاث أقدام فقط، وليس عشر أقدام كما كان مأمولاً.

وقال كريس زاكني، نائب رئيس قسم أنظمة الاستكشاف في شركة «هانيبي روبوتيكس» التي صنعت المثقاب: «يمكنك أن ترى في مقاطع الفيديو الصخور المتطايرة والشرر».

وأضاف الدكتور زاكني أن عمق ثلاث أقدام كان كافياً لإجراء القياسات العلمية. يمكن أن تقدم البيانات المستقاة من المثقاب وجهاز سبر العمق المغناطيسي تلميحات حول كيفية تشكل القمر والعوالم الصخرية الأخرى، أو لماذا يبدو الجانب القريب من القمر مختلفاً للغاية عن الجانب البعيد.

يقول الدكتور غريم: «إنه في الحقيقة سؤال أساسي حول جيولوجيا القمر الذي نحاول الإجابة عنه».

كما قامت شركة «هانيبي»، وهي جزء من شركة «بلو أوريجين»، ببناء جهاز ثانٍ يُسمى «بلانيت فاك» لإظهار تقنية مبسطة لجمع العينات. ويستخدم هذا الجهاز غازاً مضغوطاً لتحريك الحطام الصخري في إعصار صغير وتوجيهه إلى حاوية.

وسوف تُستخدم هذه التقنية في مهمة فضائية روبوتية يابانية تُعرف باسم «استكشاف أقمار المريخ»، التي سوف تجلب عينات من «فوبوس»، وهو أحد أقمار المريخ.

وقال الدكتور زاكني: «حقيقة نجاح هذه التقنية على سطح القمر يمنحنا الثقة بأنها ينبغي أن تنجح على قمر فوبوس أيضاً».

لم تركز تجربة براين والش على سفينة «بلو غوست» على دراسة القمر، بل على دراسة الأرض. وقال الدكتور والش، وهو أستاذ الهندسة الميكانيكية في جامعة بوسطن: «إنها نقطة مراقبة ممتازة حقاً».

يهتم الدكتور والش بالفقاعة المغناطيسية للأرض التي تُحرف مسار جسيمات الرياح الشمسية. وقد سجّل تلسكوبه الأشعة السينية المنبعثة عندما تصطدم الجسيمات العالية السرعة من الشمس بالذرات في الغلاف الجوي العلوي للأرض. ويشابه الحد الفاصل بين المجال المغناطيسي للأرض والرياح الشمسية، مصارعي سومو يتدافعان ضد بعضهما. ومن المفترض أن يساعد النظر من بعيد العلماء على معرفة ما إذا كان هذا الحد يتغير ببطء أو بوثبات مفاجئة.

وهذا أمر مهم لأنه يؤثر على مدى قدرة المجال المغناطيسي للأرض على حمايتنا من القذفات العرضية الهائلة من الجسيمات المشحونة التي تقصف الكوكب في أثناء العواصف الشمسية.

يقول الدكتور والش: «نحن نحاول فهم كيف تُفتح تلك البوابة وكيف تتسرب الطاقة من خلالها».

وقد تركت سفينة «بلو غوست» بالفعل انطباعاً دائماً لا يُنسى. وقالت ماريا بانكس إنها عندما كانت تغادر مركز عمليات المهمة كل ليلة، كانت تنظر إلى القمر المعلق في السماء. وأضافت: «إنه الأمر الذي كان يوقفني بالأساس في كل يوم. لا أعتقد أنني سوف أرى القمر كما كان من قبل مرة أخرى، لأن مسبار فايرفلاي وأجهزتنا هناك سوف تكون هناك لبقية حياتي».


مقالات ذات صلة

اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

علوم الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)

اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

اكتشف العلماء أسرع نجم معروف حتى الآن، يدور بسرعة فائقة حول الثقب الأسود فائق الكتلة الموجود في مركز مجرتنا، وقد يصبح المفتاح لقياس دوران هذا الثقب لأول مرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ قاذفة قنابل تابعة للقوات الجوية الأميركية (رويترز)

«نشاط فضائي» يلغي رحلة عسكرية أميركية إلى القارة القطبية الجنوبية

عادت رحلة تابعة للقوات الجوية الأميركية، كانت متجهة إلى القارة القطبية الجنوبية إلى نيوزيلندا، بعد تحذير بشأن نشاط فضائي «يُحتمل أن يكون خطيراً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا رائدة الفضاء الفرنسية صوفي أدنو (أ.ف.ب)

أول رائدة فضاء فرنسية تنفّذ مهمة سير فضائية

أصبحت صوفي أدنو، الثلاثاء، أول رائدة فضاء فرنسية تخرج من محطة الفضاء الدولية لتنفيذ مهمة سير في الفضاء، برفقة رائد الفضاء الأميركي أنيل مينون.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق الضوء الذي بقي هو شاهد الحكاية (ناسا)

«درب التبانة» ابتلعت مجرة قبل 11.8 مليار سنة

علماء يرصدون عناقيد نجمية متجمّعة قرب مركز «درب التبانة» واكتشفوا أدلة على أنّ المجرة ابتلعت أخرى أصغر قبل نحو 11.8 مليار سنة...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق يجمع الفريق نموذج «زوهار» في مركز كينيدي للفضاء قبل إطلاق «أرتميس» (ناسا)

سترة واقية تقلِّل مخاطر الإشعاع الشمسي على رواد الفضاء

سترة «أستروراد» قد تُقلِّل بشكل كبير من جرعة الإشعاع التي قد يتعرض لها رواد الفضاء نتيجة العواصف الشمسية الشديدة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
TT

اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)

اكتشف العلماء أسرع نجم معروف حتى الآن، يدور بسرعة فائقة حول الثقب الأسود فائق الكتلة الموجود في مركز مجرتنا، درب التبانة، وقد يصبح المفتاح لقياس دوران هذا الثقب لأول مرة، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتزيد كتلة هذا النجم بنحو 50 في المائة عن شمسنا ويفوقها في درجة السطوع بمقدار خمسة أمثال، ويتحرك بسرعات تصل إلى نحو 90 مليون كيلومتر في الساعة أثناء دورانه حول «ساجيتاريوس إيه*» وهو الثقب الأسود الرئيسي لمجرة درب التبانة.

وهذه السرعات أكبر من سرعة الضوء بثمانية في المائة. ولم يتم اكتشاف أي نجم آخر في مجرتنا أو في أي مكان آخر بهذه السرعة من قبل.

ويتحرك النجم الذي يطلق عليه «إس301» في مدار بيضاوي حول «ساجيتاريوس إيه*»، ويستغرق نحو 8.7 سنة لإتمام دورة كاملة.

وتبلغ أقرب نقطة له من الثقب الأسود نحو 11.5 مثل المسافة بين الأرض عن الشمس، وهي وحدة قياس تعرف بالوحدة الفلكية.

وهذا يعني أن أقرب نقطة مرور للنجم تزيد قليلاً على المسافة التي تفصل كوكب زحل عن الشمس، وأبعد نقطة له عن «ساجيتاريوس إيه*» عند نحو 1360 وحدة فلكية.

والثقوب السوداء أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع أن ينفذ منها. وتبلغ كتلة الثقب «ساجيتاريوس إيه*» نحو أربعة ملايين مثل الشمس، ويقع على بعد نحو 26 ألف سنة ضوئية من الأرض.

والسنة الضوئية الواحدة هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة كاملة، وتساوي 9.5 تريليون كيلومتر.

و«ساجيتاريوس إيه*» في حالة سكون حالياً، لكن جاذبيته هائلة مما يعني أنه قادر على ابتلاع النجوم أو أي مواد أخرى تقترب منه أكثر من اللازم. لكن الباحثين يقولون إن من المفترض أن يظل النجم «إس301» في مأمن من غضب الثقب الأسود.

وقال ستيفان غيلسن عالم الفيزياء الفلكية في معهد «ماكس بلانك» للفيزياء في ألمانيا، وهو أحد قادة البحث الذي نُشر اليوم الأربعاء في دورية «نيتشر»، إن «مداره لن يتلاشى في أي وقت قريب. ومن ثم، سيتغير اتجاه المدار، لكنه ليس معرضاً لخطر الابتلاع».

ولا يعرف حتى الآن أي نجم آخر يدور بهذه الدرجة من القرب من الثقب الأسود.

وراقب الباحثون «إس301» باستخدام مقياس التداخل للتلسكوب الكبير التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي في تشيلي.

وقد يتيح التأثير المستمر الذي يمارسه «ساجيتاريوس إيه*» على هذا النجم خلال مداره للعلماء فهم الثقب الأسود بشكل أفضل، بما في ذلك إمكانية قياس دورانه.


ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»
TT

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

تزداد ظاهرة «إلنينو» قوةً باستمرار، وقد تكون الظروف الجوية الحادة التي ستجلبها بمثابة لمحة عما ينتظرنا في عالم أكثر دفئاً.

الأقوى على الإطلاق

يقول خبراء الأرصاد الجوية إن ظاهرة «إلنينو»، هذا العام، قد تصبح الأقوى على الإطلاق؛ وهذا يعني احتمال حدوث تأثيرات مناخية شديدة، تتراوح بين فترات جفاف طويلة في بعض أنحاء العالم وزيادة في العواصف وهطول الأمطار بمناطق أخرى، ما قد يؤدي إلى فيضانات عارمة.

«إلنينو» ظاهرة تجتاح مياه المنطقة الاستوائية للمحيط الهادئ

عالم يشهد ارتفاعاً مؤقتاً في الحرارة بمقدار درجتين مئويتين

تعتمد شدة ظاهرة «إلنينو» على مدى ارتفاع درجات حرارة المحيطات عن معدلاتها الطبيعية؛ إذ تؤثر هذه المياه الأكثر دفئاً على الغلاف الجوي، ما يؤدي إلى تغيير أنماط الطقس وتضخيم حِدتها. وتتزامن ظاهرة «إلنينو»، هذا العام، مع درجات حرارة مرتفعة بالفعل في المحيطات ومع صيف شديد الحرارة.

وهذا يعني أن الحرارة التي تجلبها الظاهرة قد تدفع متوسط ​​درجة الحرارة العالمية الشهرية لتتجاوز حاجز الارتفاع بمقدار درجتين مئويتين (3.6 درجة فهرنهايت)؛ وهو الحد الذي طالما عددناه سقفاً ينبغي عدم تجاوزه لتجنب «الأضرار الواسعة وغير المتوقعة» الناجمة عن تغير المناخ.

تفاقم الآثار المناخية

في الواقع، تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد حد «آمن» للاحتباس الحراري. فنحن نشهد، بالفعل، آثار تغير المناخ، متمثلة في تسجيل الولايات المتحدة أكثر فصول الصيف حرارة على الإطلاق، وتوالي موجات الحر الشديدة في أنحاء أوروبا. ومع ذلك فإن كل زيادة، ولو طفيفة، في درجات الحرارة تؤدي إلى تفاقم الآثار المناخية، والحد من الاحترار يمكن أن يساعد في درء كوارث أكثر تطرفاً.

اختبار حقيقي لصمود كوكب الأرض

نحن لم نصل بعدُ إلى عالمٍ ترتفع فيه الحرارة بمقدار درجتين مئويتين؛ إذ يقول الخبراء إنه باستثناء تأثير دورة «إلنينو»، لن يصل كوكبنا إلى هذا المستوى من الاحترار قبل عقد أو عقدين آخرين. لكن إذا قادتنا ظاهرة «إلنينو» إلى هذا المستوى مؤقتاً، فقد نحصل على لمحة عما سيبدو عليه ذلك العالم.

وكتب روبرت رود، كبير العلماء بمنظمة «بيركلي إيرث» (Berkeley Earth)، على منصة «بلوسكاي» (Bluesky) تعليقاً على ظاهرة «إلنينو»، هذا العام: «قد تكون الأشهر الاثنا عشر المقبلة بمثابة اختبار حقيقي للقدرة على الصمود: حرارة قياسية، وطقس متطرف، وخسائر في المحاصيل، وتأثيرات متتابعة... إنها، جزئياً، لمحة عما يُخبئه لنا المستقبل».

من جهته يصف زيك هاوسفاذر، وهو عالم مناخ يعمل لدى منظمة «بيركلي إيرث» ويشغل منصب رئيس أبحاث المناخ بشركة «سترايب» (Stripe)، ظاهرة «إلنينو» الحالية بأنها بمثابة «آلة زمن»، إذ إن الاحترار الذي تجلبه هذه الظاهرة المناخية - الذي يمتد حتى نهاية عام 2026 ويدخل في عام 2027 - قد يماثل درجات الحرارة التي يتوقع العلماء أن تسود في عام 2037.

إلنينو ظاهرة لا تشبه الاحتباس الحراري

لكن ثمة أمراً مهماً يجب مراعاته؛ فلكل من ظاهرة «إلنينو» وغازات الدفيئة تأثيرات مختلفة. فقد كتب هاوسفاذر وعالِم المناخ أندرو ديسلر، في مقال نُشر على منصتهما المشتركة «ذا كلايمت برينك» (The Climate Brink) عبر خدمة «سابستاك »: «يمكن للعالم المستقبلي الذي ارتفعت حرارته بفعل الغازات الدفيئة، والعالم الحالي الذي ارتفعت حرارته مؤقتاً بفعل ظاهرة إلنينو، أن يتشاركا في متوسط ​​درجة الحرارة العالمية نفسه، رغم وجود اختلافات جوهرية في تأثيرات هذا الاحترار».

إن ما نشير إليه جميعاً باسم «التغير المناخي» يرتبط بالاحترار العالمي الناجم عن انبعاث الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي؛ حيث تعمل هذه الانبعاثات على حبس الحرارة، ما يؤدي إلى رفع درجة حرارة الكوكب.

في المقابل، يرى خبراء المناخ أن ظاهرة «إلنينو» تشبه، إلى حد كبير، «إعادة توزيع للحرارة» الموجودة بالفعل داخل نظامنا المناخي؛ فخلال هذه الظاهرة، تتغير الرياح وتدفع مياه المحيط الدافئة نحو مناطق أخرى، ما يؤثر، بدوره، على حرارة الغلاف الجوي.

احترار «إلنينو» ليس متساوياً عبر العالم

وهذا يعني أن الاحترار المرتبط بظاهرة «إلنينو» ليس عالمياً بالمعنى الشامل؛ إذ تشهد بعض أجزاء الكوكب درجات حرارة أعلى، بينما تنخفض الحرارة في أجزاء أخرى. كما تُغير الظاهرة أنماط هطول الأمطار بطريقة متفاوتة ومتباينة حول العالم.

وبهذا المعنى، لن تحاكي ظاهرة «إلنينو» الحالية الصورة الكاملة للاحترار العالمي- الناجم عن الأنشطة البشرية وتراكم الغازات الدفيئة- الذي يتوقع العلماء أن يشهده الكوكب بحلول عام 2037.

ومع ذلك، ستجلب هذه الظاهرة لمناطق معينة من العالم بعضاً من تلك التأثيرات المتفاقمة التي يحملها في طياته كوكب أكثر سخونة- مثل درجات الحرارة القياسية وفترات هطول الأمطار الغزيرة للغاية- وبصورة غير مسبوقة، مقارنة بأي دورة سابقة لظاهرة «إلنينو».

* مجلة «فاست كومباني»

Your Premium trial has ended


لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟
TT

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

أجريتُ على مدار العامين الماضيين مئات المحادثات حول الذكاء الاصطناعي، مع جهات تنظيمية ومؤسسات مالية ومهندسين ومديرين تنفيذيين وأشخاص متشككين. وما يبرز باستمرار هو حجم الالتباس والغموض المحيط بهذا المجال؛ فالجميع يتحدثون عن الذكاء الاصطناعي وكأنه تقنية واحدة تسير في اتجاه واحد، في حين أن الواقع أكثر تعقيداً وتفصيلاً بكثير؛ كما كتب شون كامكار*.

الذكاء الاصطناعي نقطة التقاء التنبؤ والاستدلال

يمثل الذكاء الاصطناعي نقطة التقاء لنظامين مختلفين جوهرياً: أحدهما مصمم للتنبؤ (to predict)، والآخر مصمم للاستدلال (to reason). وستحظى الشركات التي تدرك هذا الفرق وتتعلم كيفية الجمع بينهما بميزة كبيرة، متفوقة بذلك على الشركات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة أحادية النمط.

الذكاء الاصطناعي التنبؤي مقابل الذكاء الاصطناعي التوليدي

الذكاء الاصطناعي التنبؤي، كان لسنوات كثيرة يدعم اتخاذ القرارات بصمت ومن وراء الكواليس؛ إذ تتفوق نماذج تعلم الآلة في رصد الأنماط عبر كميات هائلة من البيانات التاريخية. وعلى سبيل المثال، في قطاع الائتمان، تحلل هذه النماذج أحجاماً ضخمة من البيانات التاريخية لتحديد أنماط يعجز أي محلل بشري عملياً عن رصدها وسط ملايين النتائج؛ فهي تتنبأ باحتمالية سداد المبالغ المالية، ومخاطر الاحتيال، وتقلبات المحفظة الاستثمارية، بدقة تفوق بكثير دقة أنظمة التقييم التقليدية التي أُنشئت قبل عقود.

أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيؤدي وظيفة مختلفة تماماً، فهو يجمع المعلومات، ويتعامل مع الغموض، ويتواصل بلغة بشرية. وبإمكانه شرح أهمية اتجاه معين، وتلخيص النتائج المعقدة، وإبراز المقايضات الاستراتيجية، ومساعدة الأشخاص على التفاعل مع أنظمة كانت تتطلب سابقاً خبرة متخصصة لفهمها. ولا تقتصر وظيفته على التنبؤ فحسب؛ بل تشمل الاستدلال والترجمة (تحويل البيانات إلى مفاهيم مفهومة).

الفرق والدمج بين الاثنين: وأبسط طريقة لفهم هذا الفرق هي التشبيه التالي: يمثل تعلم الآلة «المختبر التشخيصي» الذي يُجري الفحوصات، بينما يمثل الذكاء الاصطناعي التوليدي «الطبيب» الذي يساعد في تفسير النتائج وتحديد الخطوة التالية. لا يستغني أي منهما عن الآخر؛ بل إنهما يتكاملان معاً لإنشاء منظومة أكثر قوة وفعالية.

استخدم نوع الذكاء الاصطناعي المناسب للمهمة

تكتسب هذه التفرقة أهميتها لأن كثيراً من المؤسسات تحاول حالياً إقحام الذكاء الاصطناعي التوليدي في أدوار لم يُصمم أصلاً للقيام بها. فرغم القدرات الهائلة لنماذج اللغة الكبيرة، فإنها ليست أنظمة تنبؤ حتمية (أي لا تعطي نتائج ثابتة ومحددة بدقة رياضية).

إن مطالبة «روبوت محادثة» (chatbot) عمومي الأغراض، باتخاذ قرارات مالية أو تشغيلية مصيرية بشكل مستقل -دون وجود بنية تحتية تحليلية متخصصة تدعمه- تشبه إلى حد ما مطالبة طبيب بتشخيص حالة مريض دون الاستعانة بالمختبرات ولا الفحوصات الطبية ولا قياس المؤشرات الحيوية؛ فالاستدلال الذي يفتقر إلى بيانات موثوقة وراسخة يظل غير جدير بالثقة.

وفي الوقت نفسه، تخلق أنظمة التنبؤ التي تفتقر إلى القابلية للتفسير مشكلة من نوع آخر. ما ألاحظه هو أن المؤسسات باتت قادرة على توليد مخرجات تتسم بدقة متزايدة، ولكنها عصيَّة على الفهم، ولا يفهمها إلا عدد أقل من البشر. وهذا التباين هو ما يشكِّل ملامح المرحلة المقبلة من تبنِّي الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.

تطبيقات ميدانية متنوعة

على سبيل المثال، في مجال الرعاية الصحية، يمكن لنماذج التنبؤ تحديد المرضى الأكثر عرضة للمخاطر في وقت أبكر، مقارنة بأساليب الفحص التقليدية. ومع ذلك، لا يزال الأطباء بحاجة إلى أنظمة قادرة على تفسير النتائج، وتلخيص الاعتبارات العلاجية، والتواصل بوضوح مع المرضى. وفي مجال المركبات ذاتية القيادة، تعمل إحدى طبقات الذكاء الاصطناعي باستمرار على رصد المسارات والمشاة والمسافات والعوائق لحظة بلحظة، بينما تتولى طبقة أخرى تحديد كيفية استجابة المركبة للظروف المتغيرة.

ويتكرر هذا النمط في كل مكان: ذكاء تنبؤي مقترن بذكاء استنتاجي (قائم على المنطق والتحليل).

الجمع بين التنبؤ والاستنتاج... والتقدير البشري

تُعد عمليات الإقراض من أوضح الأمثلة على ذلك؛ إذ يجب أن تكون عملية التقييم الائتماني حتمية وقابلة للتكرار -بمعنى أن المُدخلات ذاتها يجب أن تُفضي إلى النتيجة والتفسير نفسيهما في كل مرة- وإلا فلن يكون القرار قابلاً للتبرير أمام الجهات الرقابية ولا المقترضين. وهنا تبرز قوة التعلم الآلي، غير أنه لا يوفر وسيلة لاستكشاف دلالات تلك الأرقام ومعانيها.

وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي التوليدي لسد هذه الفجوة؛ فهو يتولى تفسير النتائج في سياقها الصحيح، واختبار سيناريوهات افتراضية بديلة (تحليل «ماذا لو؟») على المحافظ الائتمانية، ومحاكاة تأثير تغيير السياسات على قرارات الموافقة. فبدلاً من الاكتفاء بتقييم القروض، يساعد هذا الذكاء المقرضين على فهم مخرجات الأنظمة التي تتولى عملية التقييم الفعلية. ولا يلغي هذا المزيج دور التقدير البشري؛ بل يعزز قيمته؛ إذ يتيح للبشر تخصيص وقت أقل للتحليل الروتيني، وتكريس وقت أكبر للتعامل مع الحالات الاستثنائية، واتخاذ القرارات الاستراتيجية، وممارسة مهام الرقابة والإشراف.

إن المؤسسات التي تحقق أفضل النتائج هي تلك التي لا تستبدل بالبشر أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ بل تبني أنظمة تتكامل فيها أشكال الذكاء المختلفة: نماذج إحصائية ترصد الأنماط على نطاق واسع، وأنظمة توليدية تحوِّل التعقيد إلى رؤى قابلة للتطبيق، وعنصر بشري يضيف السياق ويقوم بأدوار الرقابة والتقدير.

قدرات التحليل المتقدمة

على مدى عقود، تركزت القدرات التحليلية المتقدمة داخل كبرى المؤسسات العالمية؛ إذ كانت تلك المؤسسات وحدها تمتلك الموارد المالية اللازمة لتوفير البنية التحتية والخبرات المطلوبة لمعالجة المعلومات على نطاق واسع. غير أن الذكاء الاصطناعي بدأ يُغيِّر هذا الواقع؛ فالمنظمات التي ستجني أكبر قدر من الفوائد لن تكون تلك التي تسعى وراء الأتمتة الكاملة؛ بل تلك التي تدمج بين التنبؤ والاستدلال والتقدير البشري، في منظومات عمل تعزز من فاعلية الأفراد.

* الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في شركة «Zest AI»، مجلة «فاست كومباني».