كيف تبني «ناسا» قاعدة على القمر؟

برنامجها «أرتميس» أجرى أكثر من مسح تمهيداً لإنشاء أول موطئ قدم في عالَم آخر

صورة تخيلية لقاعدة على سطح القمر
صورة تخيلية لقاعدة على سطح القمر
TT

كيف تبني «ناسا» قاعدة على القمر؟

صورة تخيلية لقاعدة على سطح القمر
صورة تخيلية لقاعدة على سطح القمر

قد يفصل البشرية سنوات معدودة فقط، عن رؤية رواد الفضاء لا يهبطون على القمر فحسب، وإنما يُقيمون فيه ويعملون على سطحه.

رؤية طموحة

تمتلك وكالة «ناسا» رؤية طموحة لتمكين بعثات مأهولة طويلة الأمد غير مسبوقة، تمتد إلى مناطق أبعد جنوباً مما بلغه رواد «أبولو» قبل أكثر من نصف قرن. وقد يُجسّد مشروع القاعدة القمرية الذي أطلقت عليه الوكالة اصطلاحاً اسم «قاعدة القمر Moon Base»، والمُقدَّرة تكلفته بمليارات الدولارات، هذا الحلم ويُحوّله إلى واقع ملموس.

وابتداء من نهاية عام 2026 على أقرب تقدير، قد تنطلق مركبات هبوط قمرية غير مأهولة في رحلات متتالية نحو القمر، لتضع اللبنات الأولى لإنشاء أول موطئ قدم للبشرية على عالَم آخر.

ويأتي هذا المسعى في سياق سباق محتدم بين الولايات المتحدة والصين لإيصال رواد الفضاء إلى القمر، الذي لم تطأه قدم بشرية منذ أن أسدل الستار على برنامج «أبولو» التابع لوكالة «ناسا» عام 1972.

وقد انطلق برنامج «أرتميس» التابع لـ«ناسا»، الذي أُسّس عام 2017 في عهد الرئيس دونالد ترمب خلال ولايته الأولى، بزخم متجدد في عام 2026 عقب رحلة تجريبية غير مأهولة انطلقت عام 2022. وبعد أن أقلّت بعثة «أرتميس الثانية» 4 رواد فضاء في رحلة أطافت بالقمر دون الهبوط عليه في أبريل (نيسان) الماضي، من المتوقع أن يختبر طاقم بعثة «أرتميس الثالثة» مركبات الهبوط القمرية التجارية في مدار الأرض عام 2027، تمهيداً لأولى عمليات الهبوط البشري على القمر التي قد تبدأ في وقت مبكر من عام 2028.

وأصدرت «ناسا» أكثر من 12 ألف صورة جديدة التقطها الطاقم المؤلف من 4 رواد خلال بعثة «أرتميس الثانية»، في رحلة دامت 10 أيام حول القمر خلال شهر أبريل (نيسان).

خطط إنشاء قاعدة القمر

وفي خضم موجة الاهتمام المتجددة بالقمر، إليك كل ما تحتاج معرفته عن خطط «ناسا» لإنشاء قاعدة قمرية.

> ما هي قاعدة القمر التابعة لـ«ناسا»؟ قاعدة القمر التابعة لـ«ناسا»، التي كُشف النقاب عن خططها لأول مرة في أواخر مارس (آذار) الماضي، ستكون أول موطئ قدم قمري على الإطلاق، يتسنى فيه لرواد الفضاء العيش والعمل على المدى البعيد أثناء استكشاف القطب الجنوبي لقمرنا الطبيعي.

> كم ستبلغ تكلفة قاعدة القمر؟ يُقدّر مسؤولو «ناسا» تكلفة إنشاء هذه المنشأة القمرية بنحو 20 مليار دولار على مدى السنوات السبع المقبلة، تُوزَّع على عشرات البعثات، وفق ما أعلنه مدير الوكالة جاريد إيزاكمان في وقت سابق. وكانت وكالة الفضاء الأميركية قد أعلنت بالفعل عن عقود بمئات الملايين من الدولارات مع شركات فضاء تجارية، لإرسال مركبات هبوط قمرية غير مأهولة إلى القمر في الفترة الممتدة بين عامي 2026 و2028.

> كم من الوقت سيستغرق بناء قاعدة القمر؟ ستُشيَّد قاعدة القمر على 3 مراحل متتالية تمتد بين عامي 2026 و2032 على أقل تقدير، وفق ما أعلنته «ناسا».

تنطلق المرحلة الأولى ببعثات تُرسل مركبات هبوط قمرية آلية ومركبات أخرى، مهمّتها اختبار تقنيات جديدة واستكشاف البيئة القمرية الصعبة. ثم، وعقب ذلك، تشرع «ناسا» في إرساء الأنظمة والبنية التحتية اللازمة لتثبيت وجود بشري دائم على سطح القمر.أما المرحلة الثالثة، فتتمثل في الوصول إلى مرحلة اكتمال القاعدة القمرية التشغيلية وجاهزيتها الكاملة، بما يُتيح إرسال الشحنات والإمدادات بصورة منتظمة، وإقامة رواد الفضاء وعملهم فيها خلال دورات تناوبية على القمر، وفق ما أوضحته «ناسا».

> أين ستقع قاعدة القمر؟ «ناسا» تُعزّز مساعي القاعدة القمرية ببعثات مركبات هبوط قمرية. وهي تمنح عقوداً بقيمة 600 مليون دولار لثلاث شركات لتشغيل مركبات هبوط غير مأهولة بهدف مسح السطح القمري استعداداً لإنشاء قاعدة مستقبلية ضمن برنامج «أرتميس».

على الرغم من عدم تحديد الموقع الدقيق بعد، ستقع القاعدة القمرية في منطقة القطب الجنوبي للقمر، تلك المنطقة التي لا يزال جزء كبير منها بكراً لم يطله الاستكشاف.

> لماذا القطب الجنوبي للقمر تحديداً؟ يُعدّ القطب الجنوبي للقمر، بما يتسم به من برودة قارسة وفترات ظلام مطوّلة وتضاريس وعرة وفوّهات مغمورة في ظلام دائم، واحدة من أشد البيئات قسوة التي سيخوض الإنسان غمار استكشافها على الإطلاق، وفق ما تؤكده «ناسا». بيد أن استكشاف هذه المنطقة أمر بالغ الأهمية ليس فقط لكشف أسرار القمر، وإنما لاستجلاء مدى إمكانية تحقيق السفر البشري بين الكواكب. ويرجح أن تزخر هذه المنطقة بالجليد المائي، وهو مورد ثمين يمكن استخراجه واستخدامه في الشرب والتنفس، فضلاً عن كونه مصدراً للهيدروجين والأكسجين اللازمَين لوقود الصواريخ. ومع اختتام بعثة «أرتميس الثانية»، استعِد لعيش تجربة هذه المهمة التاريخية لـ«ناسا» من خلال أبرز الصور التي التُقطت على امتداد رحلتها.

مدينة بدائية على القمر

* ما الذي ستتضمنه القاعدة القمرية؟ قد تشبه هذه القاعدة في هيئتها مدينة بدائية على سطح القمر. وفي مقدمة مكوّناتها، ستضم القاعدة مجموعة من الوحدات السكنية التي يقطن فيها رواد الفضاء. غير أنهم سيحتاجون أيضاً إلى مصدر للطاقة، يُرجَّح أن يجمع بين توليد الطاقة الذاتية وألواح الطاقة الشمسية، وصولاً في نهاية المطاف إلى الانشطار النووي. علاوة على ذلك، لا بد من توفير القدرة على التواصل مع الأرض والتنقل على سطح القمر لاستطلاع الموارد والبحث عنها.

ويستلزم ذلك إيصال مركبات كالمجسّات الجوّالة وعربات التضاريس القمرية، وإنشاء منظومات متكاملة تشمل أبراج أقمار اصطناعية في المدار وشبكات أرضية لنقل البيانات والاتصالات بين القمر والأرض، وفق ما توضحه «ناسا».

* كيف سيكون القمر «بوابة» نحو المريخ؟ أعلنت «ناسا» عن أسماء 4 رواد فضاء لبعثة «أرتميس الثالثة» في مؤتمر صحافي عُقد في هيوستن بتاريخ 9 يونيو (حزيران). والطاقم يستعد حالياً لإطلاق المركبة الفضائية عام 2027.

لا يُعدّ القمر- الجار السماوي الأقرب إلى الأرض - كبسولة زمنية بكر غنية بالمعطيات العلمية، ظلّت محفوظة دون تغيير يُذكر على مدى مليارات السنين فحسب، وإنما يُنظر إلى القمر كذلك بوصفه حجر الأساس للاستكشاف البشري في أعماق الكون.

والهدف الأسمى لبرنامج «أرتميس» التابع لـ«ناسا» هو إيفاد رواد الفضاء والتقنيات والمركبات إلى القمر، للاستفادة من هذه التجربة في رسم خريطة الطريق نحو أولى البعثات البشرية المأهولة إلى المريخ.

عمليات هبوط الرواد على القمرقد تبدأ في وقت مبكر من عام 2028


مقالات ذات صلة

هل تكون الفرنسية صوفي أدنو الوجه الأوروبي القادم على سطح القمر؟

بروفايل رائدة الفضاء الفرنسية صوفي أدنو (رويترز)

هل تكون الفرنسية صوفي أدنو الوجه الأوروبي القادم على سطح القمر؟

رائدة الفضاء الفرنسية صوفي أدنو تعود بنجاح إلى الأرض وتعلن جاهزيتها التامة للعودة إلى المدار بعد إتمام مهمتها التاريخية «إبسيلون».

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)

بعد 235 يوماً في المدار... رائدة فرنسية: «أعيدوني إلى الفضاء»

أمضت 235 يوماً على متن المحطة، محطّمةً الرقم القياسي لأطول إقامة متواصلة في المدار لرائد أو رائدة فضاء من أوروبا...

«الشرق الأوسط» (كولونيا ألمانيا)
يوميات الشرق مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)

لخدمة مشروع القاعدة الدائمة على القمر... «ناسا» تعتزم شراء كمية من الصواريخ

تستعد وكالة الفضاء والطيران (ناسا) الأميركية للإعلان عن صفقة ضخمة لشراء صواريخ فضاء لصالح مشروع بناء قاعدة دائمة على سطح القمر بتكلفة تبلغ 30 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق فرانسيس هالزن الفائز بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026 (رويترز)

«نوبل الفيزياء» لعالم بلجيكي فتح نافذة جديدة على أسرار الكون

أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، الثلاثاء، منح جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026 للعالم البلجيكي فرانسيس هالزن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق رسم توضيحي للنظام الثنائي المكتشف (جامعة بولونيا)

نجمان «ميتان» يكشفان عن مرحلة كونية نادرة

رصد علماء الفلك قزماً أبيض في مرحلة نادرة من مراحل تطوّره، يدور حول نجم نيوتروني يُعرف بـ«النجم النابض بالملي ثانية»...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«النينيو» تهدّد صحة الملايين... والعلماء يحدّدون 5 خطوات للمواجهة

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
TT

«النينيو» تهدّد صحة الملايين... والعلماء يحدّدون 5 خطوات للمواجهة

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)

حدّد علماء مناخ 5 إجراءات رئيسية يمكن للدول اتخاذها لتعزيز استعدادها لظاهرة «النينيو» والحدّ من تداعياتها الصحية، محذّرين من ارتفاع مُحتَمل في مخاطر انتشار الأمراض المعدية وسوء التغذية، فضلاً عن المشكلات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، مثل الجفاف وضربة الشمس.

وجاءت التوصيات في دراسة قادها باحثون من جامعة بريستول البريطانية، ونُشرت الخميس في دورية «ذا لانسيت» الطبية.

و«النينيو» ظاهرة مناخية طبيعية تحدث عند ارتفاع درجة حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي على نحو غير معتاد، ممّا يُغيّر أنماط الرياح والأمطار ودرجات الحرارة في مناطق مختلفة من العالم، وقد يزيد احتمالات موجات الحرّ والجفاف والفيضانات.

وشدَّدت الدراسة على أهمية الاستعداد المبكر للمخاطر الصحية المرتبطة بالظاهرة، خصوصاً أنّ العلماء يستطيعون التنبّؤ بحدوثها قبل أشهر، ممّا يمنح الحكومات فرصة لاتخاذ إجراءات وقائية لحماية السكان.

وأوضح الباحثون أنّ «النينيو» تؤثّر في أنماط الطقس عالمياً، وقد تدفع مناطق مختلفة إلى ظروف مناخية أشدّ تطرفاً، لكن حجم الأعباء الصحية الناجمة عنها تحديداً لا يزال غير معروف بما يكفي.

وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة والمتخصصة في علوم المناخ بجامعة بريستول، الدكتورة روبي ليبر، إن أعداد المتضرّرين من الكوارث المرتبطة بالمناخ تتأثر بدرجة كبيرة بدورة «النينيو»، لكن الأدلة العلمية لا تزال محدودة بشأن التمييز بين الأعباء الصحية الناجمة عن تغيُّر المناخ وتلك المرتبطة بالظاهرة نفسها.

وأضافت، وفق موقع الجامعة، أنّ «النينيو» الحالية تدفع مناطق عدّة إلى ظروف مناخية أكثر تطرفاً، ممّا يجعل فهم المخاطر الصحية وقياسها على مستوى الدول والمناطق أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

ولمواجهة هذه المخاطر، أوصى الباحثون بأن تضع الأمم المتحدة والهيئات الدولية حماية الصحة والوقاية من الأمراض في مقدّمة أولوياتها عند الإعلان رسمياً عن حدوث «النينيو»، مع دعم الحكومات في تقييم آثارها الصحية واتخاذ التدابير الوقائية، بما فيها إنشاء أنظمة الإنذار المبكر وتعزيزها.

ودعوا أيضاً إلى توسيع البحوث بشأن الآثار الصحية للظاهرة، وتوظيف نتائجها في صياغة السياسات الصحية والمناخية، ومواصلة رصد تداعياتها لتحديد الثغر في الأدلة العلمية وسدّها.

وشملت التوصيات تقييم فاعلية إجراءات التكيّف وتكاليفها، ومنها تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز قدرة الأنظمة الصحية على مواجهة الأزمات، وحماية المدن من الفيضانات، وزيادة قدرة النظم الغذائية على الصمود أمام التقلبات المناخية.

ووفق الباحثين، يُتوقّع حدوث ظاهرة قوية من «النينيو» قرب نهاية العام، فيما ترجّح بعض التوقعات احتمال أن تكون من أقوى الظواهر المسجّلة. وقد تمتدّ تأثيراتها إلى الهند وشرق آسيا وأميركا الجنوبية وأجزاء من أفريقيا وغرب المحيط الهادئ، مع ارتفاع مُحتَمل في مخاطر الأمراض المعدية وسوء التغذية والجفاف وضربة الشمس، إلى جانب التداعيات الصحية للفيضانات والجفاف.

وأكد الباحثون أنّ التمييز بين الآثار الصحية المرتبطة بـ«النينيو» وتلك الناجمة عن تغيّر المناخ بفعل الأنشطة البشرية يمثّل تحدّياً رئيسياً. وقد يساعد تطوير الأساليب العلمية المستخدمة لتحديد إسهام تغيُّر المناخ في الظواهر المتطرّفة على فهم مصادر المخاطر بدقة أكبر، ووضع تدابير وقائية تتناسب مع طبيعة كلّ منها.


الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»
TT

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

انخفضت نسبة توظيف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً، في المهن التي تتأثر بشدة بالذكاء الاصطناعي بنحو 20 في المائة مقارنةً بالمهن الأخرى غير المتأثرة بالذكاء الاصطناعي.

وظائف المبتدئين مهددة بالانقراض

تُعدّ وظائف المبتدئين مهددة بالانقراض، على الأقل في المهن التي تتأثر بالذكاء الاصطناعي. فبينما لا يزال الخريجون الجدد يجدون فرصاً في مجالات مثل العقارات والمرافق العامة والبناء، فإن سوق التوظيف بشكل عام كانت قاسية للغاية: ففي الرُّبع الثاني من عام 2026، بلغت نسبة البطالة بين خريجي الجامعات الجدد 48 في المائة، بينما بلغت نسبة مَن يعملون في وظائف لا تتطلب شهادة جامعية 42 في المائة، كما كتب بيتر سالفيلد(*).

ويشير تحليل أجراه «مختبر ستانفورد للاقتصاد الرقمي» إلى أن الشباب قد يميلون إلى الوظائف «المقاومة للذكاء الاصطناعي» التي تتضمَّن أعمالاً يدوية وتفاعلات اجتماعية ومهارات أخرى يصعب أتمتتها. استند الباحثون إلى بيانات الرواتب الإدارية من شركة معالجة البيانات الآلية «ADP» لملايين العمال الأميركيين لدراسة تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي على التوظيف منذ انتشاره على نطاق واسع.

انحسار التوظيف في المهن الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي

وتُظهر الدراسة أن معدل التوظيف بين العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً في المهن التي تشهد استخداماً مكثفاً للذكاء الاصطناعي، مثل خدمة العملاء وهندسة البرمجيات، أقل بنسبة 19 في المائة مما كان عليه لو حافظ على وتيرة مماثلة لمعدل التوظيف في الفئة العمرية نفسها في المهن الأخرى منذ عام 2022.

وبينما انخفض معدل توظيف العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً بنحو 11 في المائة في 40 في المائة من الوظائف الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي، ارتفع بنحو 10 في المائة في فئات وظيفية أخرى أقل استخداماً له. وقد اتسعت الفجوة بين العمال الشباب بشكل ملحوظ منذ أغسطس (آب) الماضي، عندما رصد الباحثون تبايناً بنسبة 13 في المائة. ويُعزى انخفاض عدد الخريجين الجدد، الذين يتركزون في المهن التي يُؤتمت فيها الذكاء الاصطناعي المهام البشرية بدلاً من أن يُكملها، إلى تباطؤ التوظيف وليس إلى زيادة حالات التسريح.

تحولات جذرية في العمل المعرفي للمبتدئين

ويقتصر هذا الاتجاه الواضح على العمال الشباب فقط. لم تجد الدراسة أي دليل على «فقدان واسع النطاق للوظائف على مستوى الاقتصاد» مرتبط بالذكاء الاصطناعي. بالنسبة للعاملين ذوي الخبرة، لم تكن هناك أي فجوة على الإطلاق بين الوظائف التي تعتمد بشكل أكبر على الذكاء الاصطناعي والوظائف التي تعتمد بشكل أقل عليه.

تُعدُّ هذه النتائج أحدث دليل على أن الذكاء الاصطناعي يُحدث تحولاً جذرياً في العمل المعرفي للمبتدئين، ما يؤدي إلى فقدان بعض الوظائف وإثارة القلق بين العاملين الشباب. ووفقاً لـ«مركز بيو للأبحاث»، ارتفعت نسبة الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً والذين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى انخفاض عدد الوظائف بمقدار 12 نقطة مئوية خلال عامين، لتصل إلى 73 في المائة.

متطلبات عالية تدفع إلى العمل في المهن الحرفية

كما تُغير هذه التقنية توقعات العاملين المبتدئين في المجالات المتأثرة بالذكاء الاصطناعي. ووفقاً لدراسة أجرتها شركة «برايس ووترهاوس كوبرز»، فإن إعلانات الوظائف للمبتدئين في هذه المجالات تتطلب، بـ7 مرات أكثر، قدرات تُعدُّ تقليدياً من مستوى كبار الموظفين، مثل القيادة والتفكير الاستراتيجي، مقارنةً بعام 2019.

وإلى جانب الأمن الوظيفي، وتكاليف التعليم العالي، وغيرها من القضايا، قد يُسهم الذكاء الاصطناعي في زيادة اهتمام جيل الألفية (جيل زد) بالمهن الحرفية الماهرة مثل البناء والسباكة.

* مجلة «فاست كومباني».


ثورة في قياس الزمن... علماء يصنعون أول ساعتين نوويتين في العالم

بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
TT

ثورة في قياس الزمن... علماء يصنعون أول ساعتين نوويتين في العالم

بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)

طوَّر فريق علمي في فيينا وآخر في بكين أول ساعتين نوويتين عاملتين في العالم، فيما وصفاه بأنه تقدُّم مهم في مجال قياس الوقت يبشر بتطبيقات عملية واسعة النطاق، ويوفّر أداة جديدة لدراسة الفيزياء الأساسية.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، يمثّل الجهازان الجيل التالي من الساعات الذرية، وهي أجهزة قياس وقت فائقة الدقة ابتُكرت لأول مرة في 1949. وعرض كل فريق بحثي تفاصيل إنجازه، اليوم (الأربعاء)، في ورقة علمية بدورية «نيتشر»، حيث قالوا إن الساعات النووية لديها القدرة على التفوُّق في الأداء على أفضل الساعات الذرية التقليدية، لكنها لم تصل إلى ذلك بعد.

ويُطلَق عليها اسم الساعات النووية ليس لأنها تعمل بالاندماج أو الانشطار النووي، كما قد يظن الشخص العادي، وإنما لأن الوقت يُحسب من خلال مراقبة كيفية تفاعل الضوء - المتمثل في شعاع ليزر عالي القدرة - مع نواة الذرة. وتعتمد كلتا الساعتين النوويتين على شكل، أو نظير، من عنصر الثوريوم يسمى «الثوريوم 229»، محبوس في بلورات فلوريد الكالسيوم الصلبة.

حلم نصف قرن تحقق

وقال عالم الفيزياء، شي تشيان دينغ، من جامعة تسينغهوا في الصين، الذي ساعد في قيادة الفريق المسؤول عن ساعة بكين: «عمل الفريقان على نحو مستقل، وتوصلا في الوقت نفسه إلى ساعتين نوويتين تعملان بـ(الثوريوم 229)، باستخدام مناهج تجريبية مختلفة. أعتقد أن هذا أمر مشجع للغاية لأنه يُظهر أن المفهوم قوي ولا يعتمد على تطبيق تقني معين».

أما الفيزيائي ثورستن شوم من جامعة فيينا التقنية في النمسا، الذي ساعد في قيادة الفريق المسؤول عن ساعة فيينا، فقال: «كان صنع ساعة نووية حلماً راود الفيزيائيين منذ ما يقرب من 50 عاماً. وفي فريقي، كنا نعمل على تحقيق هذا الهدف منذ 2008».

وأضاف شوم أنه يتصور استخدامات للساعات النووية في مجالات مثل الملاحة عبر الأقمار الصناعية ومزامنة نقل البيانات والمسح وعلم القياس، وهو دراسة القياس وتطبيقاته العملية.

تقيس الساعات الذرية التقليدية الوقت باستخدام الليزر أو الموجات الدقيقة لجعل الجسيمات دون الذرية، التي تُعرَف بالإلكترونات، تقفز ذهاباً وإياباً بين مستويين من الطاقة في غلاف الذرة، باستخدام عناصر مثل السيزيوم أو السترونتيوم.

أما الساعات النووية الجديدة فتقيس الوقت باستخدام الليزر لجعل الجسيمات دون الذرية، التي تُعرَف بالبروتونات والنيوترونات، تقفز ذهاباً وإياباً بين مستويات الطاقة داخل نواة الذرة، وهي في هذه الحالة «الثوريوم 229».

وتكمن الفكرة في أن تتبع هذه الانتقالات داخل نواة الذرة قد يحقق مستويات دقة أعلى حتى من تتبعها في الإلكترونات، لأن نواة الذرة أصغر بكثير من الغلاف المحيط بها، الذي يحوي الإلكترونات.

إتقان التكنولوجيا

قال شوم إن الساعة النووية لا تزال «بعيدة عن الأداء المستهدف»؛ إذ يسعى الباحثون إلى إتقان هذه التكنولوجيا.

وأضاف: «ما يبعث على التفاؤل حقاً هنا هو أن (ساعة فيينا) تحتوي على بلورات ثوريوم أفضل قليلاً - بتركيز أعلى وخصائص بصرية أفضل - بينما لدى فريق بكين ليزر أقوى. لذا، بمجرد الجمع بين هذه المكونات، يمكننا تصميم ساعة أفضل بكثير».

ويمكن لأفضل الساعات الذرية التقليدية أن تعمل لمليارات السنين دون أن تفقد أو تكتسب سوى ثانية واحدة. وهذه الدقة الفائقة حيوية لتطبيقات، مثل أنظمة الملاحة العالمية عبر الأقمار الصناعية والإنترنت والاتصالات الخلوية والألياف الضوئية.

ويعتقد الباحثون أن الساعات النووية، بمجرد إتقانها، قد تؤدي المهمة على نحو أفضل، ويمكن تصنيعها بحيث تكون أقل ضخامة.

والساعات النووية واعدة في استكشاف الفيزياء الأساسية؛ فقد أثبت فريق فيينا أن ساعته قادرة على إجراء تجربة فيزيائية دقيقة، إذ سعى إلى اكتشاف المادة المظلمة، وهي مكوِّن أساسي في الكون، لم يرصد حتى الآن.

ولم تنجح التجربة في الواقع في اكتشاف المادة المظلمة، لكن الساعة النووية أدت أداء يضاهي أفضل الساعات الذرية. وقال شوم: «إنها تفتح الباب أمام عالم فيزيائي جديد تماماً».