«أغنية الغراب» و«سطّار» ينتميان إلى سينما سعودية صاعدة

أثارا الاهتمام في مهرجان «البحر الأحمر»

إبراهيم الخير الله في «سطّار»
إبراهيم الخير الله في «سطّار»
TT

«أغنية الغراب» و«سطّار» ينتميان إلى سينما سعودية صاعدة

إبراهيم الخير الله في «سطّار»
إبراهيم الخير الله في «سطّار»

منحت الأفلام السعودية المعروضة في الدورة الثانية من مهرجان «البحر الأحمر»، المتابع والجمهور عموماً، فرصة التعرف على مواهب وأفكار وأساليب يسعى المخرجون لتجسيدها في أفلام ذات أساليب ومعالجات مختلفة.
في الوقت نفسه، أكّدت هذه الأفلام على أن ما يقف حائلاً ضد تطوير تلك المواهب (خصوصاً في الإخراج) هو الباب الأول (والأهم في مراحل ما قبل التصوير) في عملية صنع الأفلام، وهو السيناريو. قليلون جداً يجيدونه وإذا فعلوا يكتفون، حسب شهادات البعض هنا، بالنسخة الأولى التي وضعوها واكتفوا بها.
في هذا النطاق، فإن هناك بضعة مشكلات تتكاتف لتشكل المشكلة الكبيرة؛ ذلك لأن كتابة المخرج (بصرف النظر عن قدرته في التنفيذ وموهبته) للسيناريو نفسه، يضعه في خط واحد مع المرحلة التالية عِوض أن تتم عملية كتابة السيناريو عبر شخص آخر يشترك معه في رصف ذلك المدخل للفيلم. شخص لديه معرفة وخلفية. وحتى لو حدث ذلك للمخرج، فإن الاكتفاء بنسخة واحدة (First Draft) ليس كافياً على الإطلاق للشروع في التنفيذ. مع كل كتابة أخرى قرار جديد ونسخة أفضل وتطوير أحسن للشخصيات التي يريد الفيلم بلورتها.

غرفة غامضة
ما شوهد حتى الآن عكس هذا المنحى تماماً. مخرجا فيلمي «أغنية الغراب» لمحمد السلمان، و«سطّار» لعبد الله العراك، يشتركان في هذه النقطة عملياً. لا علم مؤكد لنا إذا ما اكتفيا بالنسخة الأولى، أو أضافا عليها بعض المشاهد قبل التصوير، لكن النتيجة الماثلة على الشاشة تشير إلى موهبتين جيدتين في الأساس تعتمدان على سيناريوهين أضعف من أن يستطيعا تجسيد هذه الموهبة في الشكل الصحيح.
في «أغنية الغراب» قصّة رجل في مقتبل العمر يعمل موظف استقبال في فندق. تجذبنا أولاً شخصيّته. فالدقائق الأولى للفيلم تقدّمه لنا وهو يرقب والده بخوف وهو يهوي بمطرقة كبيرة على أشرطة كاسيت لتحطيمها، ومن ثَم يواصل سعيه لتحطيم الطاولة نفسها. ننتقل مع «ناصر» (عاصم العواد) إلى مكتب طبيب ينصحه بألا يتأخر في إجراء العملية لاستئصال ورم في رأسه، لكن عاصم يرفض تحذير الطبيب، وبعد ذلك ها هو في عمله وراء مكتب الاستقبال يقف وحيداً في القاعة بأسرها. حين تدخل الفندق فتاة جميلة غامضة (كاتريانا تكاشنكو)، يقف مبهوراً بجمالها. تطلب منه دخول غرفة تحمل الرقم (227). يتبعها ويقفان في الغرفة نفسها. ما زال مبهوراً. ما زالت غامضة وتعطيه رسالة لإيصالها لمن سيشغل الغرفة قريباً.
هو ممثل سابق سيعيش فيها منفرداً وسيزوره صالح بضع مرّات ويستمع بتوجيهاته ومواعظه وأحكامه. الربط بين هذا الوضع وأوضاع أخرى رمزية يتفرّع إلى عدة مشاهد في تركيبة لا تمضي على النحو المفترض بها أن تمضي فيه. فلكي يكسب قلب تلك الجميلة يقتنع عاصم بأن عليه أن يكتب شعراً عاطفياً، لكنه ليس بشاعر ومشواره في هذا الدرب بطيء. صديقه (إبراهيم الخير الله) يحثّه، لكنه لا يستطيع إجباره على الابتكار.
هنا تبرز النقطة التي كان من الممكن تطويرها على نحو أفضل، وهي أن إبراهيم شخص عاجز عن المبادرات وعاجز عن الفعل ويقف في الفجوة الكامنة بين الحقيقة والخيال.
يضع المخرج الأحداث في عام 2002، مما يمنحه حريّة اختيار شخصياته على نحو مقبول. هو فيلم رمزي، لكن رموزه ليست معالجة فنياً، بل شكلياً. هو فيلم طموح جداً يحتوي على حكاية لها امتداداتها الاجتماعية ومعالجة بروح من «الكوميديا السوداء»، لكن تنفيذ المشاهد هو أقرب لصور مسجّلة منها إلى مشاهد مشدودة وحيّة. ‫ ‬ لا يلبي خيال الكاتب - المخرج - حاجات المعالجة الرمزية والوجدانية التي يطرحها، تبقى عارية في تصاميم المكان وأجواء الحكاية وغير قادرة على الدمج بينها وبين الحكاية. الجامع بالطبع هو الشخصية، لكنها بدورها تحتاج لكساء إضافي يجعلها مهمّة أو ذات قدرة على تجسيد مستوى إضافي من معانٍ ودلالات، بدل تركها مقطوعة المسببات، وخالية من القدرة على إثارة اهتمام فعلي. خسارة؛ لأن المخرج اختار شكلاً جسوراً لمادة كان يمكن لها أن تنجز نقلة واعية لسينما مطلوبة.‬
يختار المخرج محمد السلمان مشاهده بدقّة محسوبة له، لكن الخروج من تأطيرها صوب معانيها يبدأ وينتهي في اللحظة نفسها. تعلم ما يريد تصويره، ولماذا يصوّره على هذا النحو، لكن الكاميرا قلّما تتحرك لتساهم في تصوير نوع من الحياة أو لإثراء المشهد نفسه بذلك القدر من «الفانتازيا» الذي يقصده المخرج بلا شك. تصميم المشاهد لا غُبار عليه. ينقل الرغبة في التعبير مجازياً عن ذلك الفاصل المعيش بين الواقع وظلالاته الخيالية، لكن المزيد من إتقان الكتابة وأسلوب ولوج هذه المشاهد كان يمكن أن يأتي أكثر دقّة وبوحاً.
لحين تساءلت لو أن المخرج قرر سرد الحكاية في معالجة تقليدية، ألن يكون ذلك أفضل للفيلم؟ الجواب يعتمد على نجاح المعالجة البديلة، لكنها لو نجحت لوصلت الرسائل سريعاً وجيداً. ما هو ماثل، هو اعتقاد الطريقة التي صيغ الفيلم بها، هي الشرط المطلوب لتغيير اللعبة التجارية والارتقاء بها. نعم هذا صحيح لو أن الكتابة من ناحية والتنفيذ من ناحية أخرى، عُنيا أكثر بخلق عالم موازٍ يستطيع المُشاهدون التعامل معه والالتقاء به.

في الحلبة
الفيلم الثاني يختلف في أنه كوميديا مباشرة. أيضاً من كتابة (عبد الله العراك)، ويدور حول موظف في شركة تأمين (إبراهيم الخير الله) على أهبة الزواج، لكنه راضخ لمتطلبات خطيبته التي تتبنى ما تقوله والدتها، منتقدة وضع الموظف وراتبه. هذا الجانب يلتقي وحقيقة أنه غير محبب من قِبل مديري الشركة رغم أمانته وحرصه.
بطل الفيلم في الواقع يهوى المصارعة. قصير وبدين، لكنه لا يعتقد أن هذا عائق. في تجربته التطوعية الأولى يخسر المباراة من اللحظة الأولى، مثيراً ضحك الموجودين وسخريتهم، كما أركان عمله في الشركة، لكن هناك من يعتقد أنه بالإمكان تطويره. يأخذه إلى المخبأ، ويعرّفه على العاملين هنا وعلى المكان، فينتقل الرجل من الحذر إلى الدهشة، ومن ثَم إلى استعداد كامل لأن يدخل الحلبة ويصارع فيها من ينازله. المرّات الأولى كانت وبالاً، لكن القصة تمضي لكي تشير إلى أن استعدادات الرجل حقيقية، وأنه قد يكون أهلاً للبطولة. الفيلم كوميدي فعلاً، لكنه ليس عملاً خفيفاً، فقد يستطرد في المكان والتعبير نفسهما لفترات طويلة، تقضي على اللمعة التي كانت البداية أثارتها. من حين لقاء المصارع المحتمل مع مدرّبه يدخل الفيلم نفق مشاهد طويلة، كان يمكن إشغالها بمفاجآت وخلفيات وأجواء، لكي تستطيع رفع مستوى الماثل على الشاشة.

مواهب حاضرة
على الرغم مما سبق، فهناك شواهد مؤكدة عن موهبتين جاهزتين للانطلاق في المستقبل. مخرجان جريئان عند اختيار وتنفيذ فيلميهما، وقادران على الالتزام بضرورة التميّز عن تلك الحكايات السائدة. مواهب جديرة بالعناية تتبوأ الأفلام السعودية اليوم. هذه المرّة يشخص عاصم العواد ما يؤديه جيداً، ويفوز إبراهيم الخير الله، الذي يظهر في «أغنية الغراب» و«سطّار» أيضاً. الخير الله يملك وجهاً يتجاوب تلقائياً مع ضرورات المشهد. حين نتعرّف عليه لأول مرّة في «أغنية الغراب» يعكس على الفور هيمنته المقصودة فوق شخصية عاصم الضعيفة. هنا، يعكس بمجرد تقديمه في أول مشهد له في مكاتب الشركة، وجهاً حزيناً، تريد أن تشعر معه أكثر وتتعرّف على ما يستطيع إنجازه ضمن هذا الشعور. نقطة أخيرة لا بد أن تطالعنا في الأفلام السعودية منذ «وجدة»، مروراً بما شوهد من أفلام هذه السينما الصاعدة، وهو الخصام بين الأب والابن. في فيلمي هيفاء المنصور «وجدة» و«المرشحة المثالية»، الأب غائب أو مُغيّب، ولو أنه في الفيلم الثاني عطوف ومحبب.


مقالات ذات صلة

«الست لما»... مغامرة سينمائية جديدة ليسرا تجلب انتقادات بمصر

يوميات الشرق يسرا تتوسط البطلات دُرة وياسمين رئيس ودنيا سامي في لقطة من الفيلم (الشركة المنتجة)

«الست لما»... مغامرة سينمائية جديدة ليسرا تجلب انتقادات بمصر

تعرض فيلم «الست لما» للفنانة المصرية يُسرا إلى انتقادات لاذعة بعد عرضه للمرة الأولى مساء الأربعاء في القاهرة.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق صور الفيلم في وقت قصير بسبب مشكلات التمويل (مهرجان لوكارنو)

محمد شيخ: عرض «بارني» في قريتي بالصومال لحظة استثنائية

قال المخرج الصومالي، محمد شيخ، إن فكرة فيلمه الروائي الأول «بارني» (Barni) انطلقت من رغبته في تقديم حكاية عن الشباب الذين ينتقلون من القرية إلى المدينة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عُرِض الفيلم في مهرجان «لوكارنو» (لايتس أون)

مانويل بونس دي ليون يغوص في النفس البشرية على درب الذهب

الإنسان يتخيَّل المستقبل مثلما يتخيَّل الماضي، ويُعيد تشكيلهما في ذهنه بالطريقة نفسها تقريباً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق مخرج الفيلم حصد جائزة «الفهد الذهبي» في مهرجان لوكارنو السينمائي بسويسرا - (إدارة المهرجان)

فلورين شيربان: «أنت لا تنتمي إلى هنا» يتأمل أزمة اختلاف الأجيال

قال المخرج الروماني فلورين شيربان الحائز على جائزة «الفهد الذهبي» من «لوكارنو السينمائي» إن فيلمه «أنت لا تنتمي إلى هنا» بدأ من سؤال عن العلاقة بين الأب والابن.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق تاجر خمور سابق يخرج من السجن لينتقم من رفيقه (شاهد)

«أحمر ولا أبيض»... دراما قاتمة عن عالم لم يألفه السعوديون

في عالم تحكمه المصالح الضيقة وتتلاشى فيه الخطوط الفاصلة بين القرابة والعداوة، يدور المسلسل السعودي الجديد «أحمر ولا أبيض».

إيمان الخطاف (الدمام)

كاظم فياض: السينما العربية تعاني أزمة حقيقية... وتحتاج إلى بيئة مستقرة

لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
TT

كاظم فياض: السينما العربية تعاني أزمة حقيقية... وتحتاج إلى بيئة مستقرة

لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)

كاظم فيّاض مخرج لبناني ينجز هذه الأيام فيلمه الروائي الطويل الثاني تحت عنوان «القضية رقم صفر». دراما سيكولوجية عن محامٍ وفريقه وأصحاب قضايا جنائية مختلفة. كلٌّ منهم يعرض ما قام به. هناك خلفيات متعددة، وقضايا متنوّعة، وشخصيات غريبة، وزحام من النقاشات، وكل ذلك داخل مكتب صغير تتردّد فيه، من حين إلى آخر، دقّات يسمعها الموجودون ولا يعرفون مصدرها. هذا إلى أن يكتشف المحامي أنه عالق بين الوهم والحقيقة، وبين التاريخ والحاضر.

يعمل فيّاض على النسخة النهائية (هذا الناقد شاهد النسخة صفر)، والحديث التالي يلقي ضوءاً على هذا المخرج الواعد، الذي نال فيلمه الأول «يوسف» جائزة مهمّة في مهرجان «آسيا وورلد فيلم» في لوس أنجليس.

كاظم فيّاض‬ (كوزموس كرياتورز)

* في أي فترة من حياتك قررت أن تصبح سينمائياً؟

‬- بدأت رحلتي سنة 2012. في ذلك الوقت، كنت أدرس العلوم السياسية، وجاءت أختي لتخبرني أنها سجّلت في دورة للتصوير باستخدام كاميرات «كانون» من نوع «DSLR»، ثم قالت لي: «ما رأيك أن تأتي وتسجّل معي؟» فوافقت. في ذلك الوقت، لم أكن أعرف شيئاً عن هذا العالم. ذهبت إلى الدورة، وأمسكت بالكاميرا للمرة الأولى، والتقطت أول صورة لي باستخدام كاميرا احترافية. نظرت إلى الصورة التي التقطتها، وكانت صورة عادية جداً، مجرد أشخاص داخل ورشة التدريب. لكنني شعرت بأن الصورة تتحدث. في تلك اللحظة، أحسست للمرة الأولى أنني أستطيع أن أتكلم من دون أن أنطق بكلمة، وأن أعبّر عبر صورة فقط.

المخرج كاظم فيّاض خلال التصوير (كوزموس كرياتورز)

* هل كان الدافع، أو أحد الدوافع، الهروب من حالة اجتماعية أو خاصة، أم الحاجة إلى التعبير عبر الصورة؟

- السينما بالنسبة ليّ ليست هروباً، بل على العكس، هي المواجهة الحقيقية. عندما تشاهد فيلماً، ترى الألوان والأحداث والحوارات، وتسمع الموسيقى، وتشاهد اللقطات وطريقة بناء الكادر والتكوين البصري. وكل هذه العناصر لا يمكن أن يعبّر عنها أي فن آخر بالطريقة نفسها. أعتقد أن السينما هي أسمى وسائل التعبير وأكثرها اكتمالاً، لأنها تستطيع أن تحتضن مختلف الحالات والأفكار. وهي الطريقة التي أستطيع من خلالها أن أولّد أفكاري، وأن أخرجها من رأسي إلى العالم.

* كيف كان استقبال فيلمك الروائي الأول «يوسف» نقدياً بشكل عام؟ وكيف استفدت من تلك التجربة؟

- بصراحة، لم تكن تجربة «يوسف» على المستوى النقدي غنية كما كنت أتمنى، لأن الفيلم لم يحظَ بالتغطية التي شعرت بأنه يستحقها. كانت هناك آراء مختلفة من أشخاص شاهدوا الفيلم، لكن لم يتحدث عنه كثير من النقاد ووسائل الإعلام، وأعتقد أن السبب يعود إلى أمور تتعلق بالتسويق والترويج. ومع ذلك، أعتقد أنني تعلّمت من التجربة كثيراً، وأتمنى أن أكون في هذه التجربة الجديدة أكثر نضجاً، ليس فقط على المستوى الفني، بل أيضاً على مستوى تقديم الفيلم وتسويقه.

الممثلة عزة زعرور في «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)

* ننتقل إذن إلى فيلمك الجديد «القضية رقم صفر». كيف خطرت لك الفكرة وكيف نفَّذتها؟

- فكرة «القضية رقم صفر» بدأت في الأصل أثناء عملنا على مسلسل لـ«يوتيوب». كانت الفكرة تدور حول مكتب محاماة يستقبل قضايا لأشخاص لديهم مشكلات مختلفة، لكن المفارقة أن الحق كان دائماً عليهم. كنت أنا وإيدي شعب نمثل دور المحاميين، وكنا نستقبل هؤلاء الأشخاص ونواجههم بأخطائهم بطريقة ساخرة، وكانت القضايا ذات طابع اجتماعي. على سبيل المثال، كان هناك شخص طلى جسده باللون الأبيض لأنه أسمر، تحاشياً لسخرية الناس، وكانت هناك فتاة تريد أن ترفع دعوى قضائية على مارك زوكربيرغ لأنها لا تحصل على عدد كافٍ من «اللايكات».

حين انتهيت من تصوير العمل، شعرت بأنه لا يشبهني مطلقاً. جلست وحدي، وإذا بالفكرة تنزل عليّ دفعة واحدة. كان هناك «Download» في رأسي. فتحت جهاز الكمبيوتر، وخلال 3 أيام فقط كتبت الفيلم كاملاً. حين بدأت التفكير في المشروع، لم أكن أفكر فيه بصفتي مخرجاً فقط، بل بصفتي منتجاً أيضاً، وأعتقد أن عدم التفكير في الجانب الإنتاجي واحد من أكبر المشكلات التي يقع فيها كثير من المخرجين الشباب، إذ لا يولون الإنتاج أهمية موازية.

«السينما بالنسبة لي ليست هروباً، بل على العكس، هي المواجهة الحقيقية»

كاظم فياض

* ما رأيك في وضع السينما العربية المستقلة في الفترة الراهنة؟

- في الحقيقة، أفضل أن يكون السؤال: كيف تنظر إلى السينما العربية بشكل عام؟ وليس فقط إلى السينما العربية المستقلة. لأن السؤال بالنسبة ليّ يبدأ من الأساس: هل لدينا صناعة سينمائية عربية متكاملة حتى نتحدث عن سينما مستقلة؟ فالسينما المستقلة تحتاج أولاً إلى وجود سينما، والسينما العربية نفسها ما زالت بحاجة إلى أن تبني صناعة حقيقية.

أعتقد أن هناك نقصاً في التعليم السينمائي، ونقصاً في البنية التي تسمح لهذه الصناعة بأن تنمو بالشكل الطبيعي. كما أننا نعيش في منطقة تعاني من الحروب والصراعات السياسية والطائفية والاجتماعية، وكل هذه الأمور تشكل عائقاً أمام تطور السينما، سواء كانت مستقلة أو غير مستقلة. أنا لا أقول إن السينما رفاهية، وليست كذلك إطلاقاً، لكن أي صناعة سينمائية تحتاج إلى بيئة مستقرة حتى تنمو. ففي البلدان المستقرة نرى إنتاجات أكثر، لأن الظروف تسمح بذلك. أما هنا، فقد تكون في أثناء التصوير وتُفاجأ بحدث يوقف كل شيء، أو تجد أن هناك موضوعات لا تستطيع الحديث عنها، أو قيوداً مختلفة تمنعك من تقديم ما تريد.


شاشة الناقد: فيلمان من مهرجان لوكارنو يوفّران حكايات فانتازية عجيبة

«العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)
«العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)
TT

شاشة الناقد: فيلمان من مهرجان لوكارنو يوفّران حكايات فانتازية عجيبة

«العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)
«العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)

LES YEUX VERTS

★★★

إخراج: فاني لياتار وجريمي ترويل

‫ فرنسا/ السويد (2026) ‬

يحاول فيلم «العيون الخضراء» إحداث توازن في السرد والإيقاع بين الحقيقة والخيال. نور (سيد العلامي) صبي يلجأ إلى النوم ويغرق فيه، وسنرى ما يحلم به، ثم نجد شقيقته شايا (دعاء بوطابوش مزرقي) تحاول إيقاظه من سباته العميق، وحين تفشل تدخل عالمه الخيالي. بواعث هذه الرحلة في باطن العقل متوفرة؛ فالصبي يعيش محنة عائلة مهاجرة مهددة بالطرد. يعيش في الواقع أوضاعاً اجتماعية صعبة بسبب ظروف تتعلق بسياسة خارجية لا يستطيع، بطبيعة الحال، فعل شيء حيالها. لكن ما إن نتسلل وإياه إلى العوالم الداخلية التي تتراءى له حتى تنحصر الحكاية في كيفية متابعة تلك العوالم التي باتت تشكل حاضر نور. بذلك تتراجع دواعيها.

هذا هو فيلم الافتتاح لدورة مهرجان لوكارنو هذا العام (يوزع جوائزه في الخامس عشر من الشهر الحالي). يمكن للمرء أن يقدّر اختيار المهرجان لهذا الفيلم؛ ذلك لأن المخرجين حرصا على توفير جماليات بصرية أخاذة في أكثر من موضع، ليس فقط على صعيد تصوير تلك الأحلام التي تدور الأحداث فيها بعد فصل تمهيدي، بل أيضاً في تلك المشاهد التي تقع في اليقظة. نتابع رفض السلطات الفرنسية تجديد إقامة الأب (عمر الجباعي) وولديه، ثم سفره إلى إسبانيا تاركاً ولديه، على أمل أن يجد سبيلاً لنقلهما لاحقاً واللجوء معهما إلى بريطانيا. حين يلجأ نور إلى النوم رافضاً اليقظة (وهي حالة تُعرف علمياً باسم «متلازمة الاستقالة» من الواقع عبر النوم)، يواجه الفيلم متاعب كثيرة، ليس في الانتقال بين الخيال والواقع فحسب، بل أيضاً في بناء سرد قوي يتكفَّل بحمل ثقل الموضوع بأسره.

ربما تعويضاً عن ضعف الدراما، أو نتيجةً له، يطغى التشكيل على المضمون، وتطغى البصريات على الدراما. الجانب السياسي للأزمة التي - افتراضياً - تسببت في كل ما سيتبعها من محاولة نور الهروب من الواقع ومحاولة شايا استرجاعه، كان يمكن أن يحظى بتأكيد أكبر، لكي لا يفلت الفيلم صوب الفانتازيا وحدها.

DONKEY PRINCESS

★★︎

إخراج: يواكيم كوسينا

وكريستوفال ليون

‫ تشيلي/ فرنسا (2026) ‬

من الممتع والمثير أن نشاهد أخيراً فيلماً يقتبس حكاية أخرى للمؤلف الفرنسي شارل بيرو (1628-1703)، غير حكاياته الأشهر «سندريللا» و«الجمال النائم» (The Sleeping Beauty) و«ذو اللحية الزرقاء». ليس أن «جلد الحمار» (العنوان الأصلي للرواية) لم تقدِّمها السينما من قبل، لكن ما قدّمته بقي قليلاً وغير ذي أثر، من بينها فيلم صامت (1906)، وفيلم قصير (2013)، وفيلم فرنسي حققه جاك ديمي سنة 1970.

«أميرة الحمار» (ملف مهرجان لوكارنو)

الفيلم الجديد يختلف عن كل المحاولات السابقة من حيث إنه يجمع بين التصوير الحي مع ممثلين والأنيميشن، وقدر كبير من المؤثرات والتصاميم الفنية المثيرة بحد ذاتها، بناءً على خبرة المخرجين السابقة في الميدان نفسه.

الحكاية ذات خط واضح: ملك بريطانيا، في زمن غابر، يفاجأ بوفاة زوجته التي يحب. إنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً حيال الموت، لكنه سيفعل شيئاً حيال الأحياء. سيقرر أن الحب ممنوع في مملكته، ومن يحب سيعاقب. الجميع واقع تحت هذه الهيمنة، بمن فيهم ابنته ديانا (أنطونيا غيزن)، التي تعيش أسوأ مراحل حياتها بسبب استبداد الأب وحرصه على منعها من الوقوع في الحب. ستجد الحبيب، رغم ذلك، في شخص شاب اسمه لالو (أندرو بارغستد). عندما يكتشف الأب ما حدث، ينفي الحبيب إلى أرض قفراء لا يمكن العيش فيها. لكن، قبل نفيه، يمنح لالو معشوقته إسوارة تستطيع أن تنقلها إلى أي زمان ومكان تختاره.

للهرب من وطأة الوضع، تستخدم ديانا الإسوارة لتجد نفسها في حالات مختلفة. هي مرّة على شاطئ البحر مع زوجها، وفي مرّة أخرى ممثلة في برنامج تلفزيوني تؤدي دور حمار. يحدث هذا قبل أن تلتقي لالو في تشيلي. نقلة مفاجئة تنجح فقط لأنها محض خيالية، وبالكاد تتجنّب السذاجة بفضل خيط متواصل من الأحداث والمزج الناجح - تقنياً - بين الصورة الحية والرسم، المحاطَين بتصاميم إنتاجية وديكورات مقبولة.

لا يمكن أن يكون المؤلف بيرو قد وضع مثل هذه النهاية، ولا حاك ذلك النوع من الخيال، لكن المخرجين يمنحان نفسيهما الحرية في التصرّف بالمادة على النحو الذي يريانه مناسباً لرؤيتهما. إنه نجاح تقني، وليس نجاحاً فنياً كاملاً، يؤكده الفصل الأخير الذي يبعثر الاهتمام وينجلي عن نهاية هابطة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مهرجان «لوكارنو» يُحاكم هوليوود وسنوات المكارثية

 «أغنية روسيا» (م ج م)
«أغنية روسيا» (م ج م)
TT

مهرجان «لوكارنو» يُحاكم هوليوود وسنوات المكارثية

 «أغنية روسيا» (م ج م)
«أغنية روسيا» (م ج م)

من بين المظاهرات والأقسام التي يحشدها «مهرجان لوكارنو» في دورته الـ79، التي انطلقت في 5 من الشهر الحالي، وتستمر حتى 15 منه، استعادة لأفلام أنجزها سينمائيون أميركيون خلال الأربعينات والخمسينات، في ظل الحملة التي قادتها «لجنة مجلس النواب للتحقيق في النشاطات غير الأميركية» (HUAC) ضد مَن اشتبهت في انتمائهم إلى الحزب الشيوعي أو تعاطفهم معه.

هذه الأفلام كانت سبباً في تقديم أصحابها إلى المحكمة التي كانت تنظر في خلفيات السينمائيين السياسية لتصدر أحكامها عليهم.

من بين هؤلاء؛ دلمر دايفز، وإدوارد دميتريك، وتشارلي تشابلن، وروبرت روسن، وفرد زينمان، وإيليا كازان.

«مرمى نيران» (آر كي أو بكتشرز)

إفشاء معلومات

اختار المهرجان عدداً كبيراً من الأفلام لهذه الاستعادة، وهي موجهة، بالضرورة، إلى جيل ربما سمع عن تلك الفترة من تاريخ هوليوود، لكنه لم يشاهد غير القليل من أفلامها.

بعض الأعمال التي أُدرجت في خانة الأفلام المعادية لأميركا، أو تعرَّض أصحابها للتحقيق، تثير التساؤل حول مبررات نقمة اليمين عليها. من بينها «متسلل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكلارنس براون (1949)؛ يُثير التساؤل ليس فقط لأنه من تأليف الأديب ويليام فولكنر، بل لأن الموضوع الذي أثاره الفيلم منح بطولة مواقف متوازية بين المحامي الأبيض (أداه ديفيد برايان) والمتهم الأسود (جوانو هرنانديز) الذي لم يرتكب جريمة القتل التي أسندت إليه. في النهاية هو تأكيد على موقف ناصع للمحامي أدّى إلى تبرئة متهم أسود في أجواء الأربعينات العنصرية.

ومن أهم الأفلام المرتبطة بالقائمة السوداء «مرمى نيران» (Crossfire)، الذي أخرجه إدوارد دميتريك عام 1947. يتخذ الفيلم موقفاً مناهضاً للعنصرية من خلال حكاية بوليسية تدور حول مقتل مجنَّد يهودي؛ تقع الشبهة في البداية على جندي آخر اسمه مونتغمري (روبرت رايان)، والدافع معاداة السامية. أُنجز الفيلم وعُرض عام 1947، وعندما طلبت اللجنة المكارثية من مخرجه ومنتجه أدريان سكوت المثول أمامها بتهمة نقد النظام وتصوير أحد أفراد الجيش الأميركي قاتلاً. لكنهما رفضا المثول، ما حدا بمنعهما عن العمل. دخل دميتريك السجن إلى أن وافق على الإدلاء بشهادة اعتراف بأنه انتمى إلى الحزب الشيوعي، وعندما سألته اللجنة إفشاء أسماء سينمائيين آخرين كانوا في الحزب لم يتأخر عن الإدلاء بمعلوماته، ومن بين من ذكرهم منتج الفيلم؛ أدريان سكوت الذي كان «مرمى نيران» آخر أعماله.

جون غارفيلد: «ركض كل الطريق» (يونايتد آرتستس).

في عام 1947، أخضعت اللجنة عدداً من الأفلام الحربية للفحص بحثاً عن ميولها السياسية، وكان من بينها «النجم الشمالي» (The North Star) للويس مايلستون، الشهير بفيلمه المناهض للحرب «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» (All Quiet on the Western Front)، و«مهمة إلى موسكو» (Mission to Moscow) لمايكل كورتيز، و«أغنية روسيا» (Song of Russia) لغريغوري راتوف.

كانت هذه الأفلام، في معظمها، نتاج مرحلة عُدّ فيها الاتحاد السوفياتي حليفاً للولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية. حتى «أغنية روسيا» كان في ظاهره فيلماً عاطفياً عن أميركي، أدّاه روبرت تايلور، يقع في حب عازفة بيانو روسية، أدّتها سوزان بيترز. وتم، حسب شهادة رئيس «وورنر برذرز»، بطلب من البيت الأبيض.

ومن الأفلام الأخرى المرتبطة بتلك المرحلة «ركض طوال الطريق» (He Ran All the Way) لجون بيري عام 1951. وهو حكاية بوليسية من بطولة جون غارفيلد، الذي خضع للتحقيق أمام اللجنة في 23 أبريل (نيسان) 1951، وكان هذا الفيلم آخر أعماله.

ومن أشهر القضايا في هذا المضمار تلك التي أحاطت بالمخرج إيليا كازان، الذي اعترف بأنه كان عضواً في الحزب الشيوعي لعامين، بين 1934 و1936. وفي عام 1952، أدلى بشهادة أمام اللجنة، ذكر فيها أسماء عدد من زملائه السابقين، الذين قال إنهم كانوا أعضاء في الحزب.

تكشف أفلام الاستعادة كيف تحوَّلت الشبهات السياسية في سنوات المكارثية إلى أحكام أغلقت أبواب هوليوود أمام عدد كبير من صنّاعها

بعد ذلك، اشترى كازان مساحة إعلانية في صحيفة «نيويورك تايمز» برّر فيها قراره، ودعا آخرين إلى اتخاذ موقف مماثل. لكن إفشاءه أسماء زملائه أدى إلى مقاطعته من جانب عدد من أصدقائه والعاملين في المهنة.

وحسب حديث للمخرج أورسن ويلز عام 1982، اتهم كازان بالتضحية برفاقه، قال: «باع نفسه للمكارثية مجاناً، لم يسأله أحد أن يقحم نفسه بهذه الطريقة. لم ينجز فيلماً اعتُبر معادياً لأميركا. إنه خائن».

من المجدي هنا ذكر أن أورسون وَيلز اضطر خلال مطلع الخمسينات إلى مغادرة الولايات المتحدة تفادياً لطلب شهادته. كذلك فعل تشارلي تشابلن والمخرجين جوزيف لوزاي وجول داسين وساي إندفيلد.

أما تشارلي تشابلن فكان قد غادر الولايات المتحدة على متن باخرة متوجهاً إلى لندن عام 1952، لحضور العرض الأول لفيلمه «أضواء المسرح» (Limelight)، عندما ألغت السلطات الأميركية تصريح إعادة دخوله، وهو في البحر. فاختار عدم العودة، واستقر مع عائلته في سويسرا، مؤكداً أنه لم يكن عضواً في الحزب الشيوعي، على الرغم من أن عدداً من أفلامه، وفي مقدمها «أزمنة حديثة» (Modern Times)، عُدّ يساري التوجه وناقداً للرأسمالية.

ويعرض «مهرجان لوكارنو» عشرات الأفلام الأخرى، تتوزع بين الروائي والوثائقي، لمخرجين وكتّاب وفنانين ارتبطت أعمالهم بتلك الحقبة، من أمثال أورسن ويلز، وديفيد هلبورن، وفرد زينمان، وكليفورد أوديتس، وإلمر كليفتون، وهربرت بيبرمان، وغيرهم.