تغيُّر المناخ العالمي يهدد مستقبل كرة القدم

هل نجحت قطر في تنظيم بطولة {محايدة كربونياً}؟

أجهزة التبريد في استاد خليفة في الدوحة (رويترز)
أجهزة التبريد في استاد خليفة في الدوحة (رويترز)
TT

تغيُّر المناخ العالمي يهدد مستقبل كرة القدم

أجهزة التبريد في استاد خليفة في الدوحة (رويترز)
أجهزة التبريد في استاد خليفة في الدوحة (رويترز)

تستمر بطولة كأس العالم في قطر بإثارة الجدل على نحو لم تفعله أي مسابقة رياضية كُبرى من قبل. وفيما عرفت بعض الدورات الأولمبية وبطولات كأس العالم تجاذبات عديدة قبل الحرب العالمية الثانية، وخلال تصاعد حرارة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، فإن كأس العالم الحالية تجاوزت البُعد الكروي إلى حدٍّ بعيد واختلط فيها الرياضي بالسياسي والحقوقي بالثقافي، إلى جانب البُعد الكربوني.
وليس ببعيد عن حرارة المنافسات في هذه البطولة العالمية وحماسة متابعيها، كانت حرارة الطقس الدافع الرئيسي لجعل مباريات كأس العالم تنطلق في فصل الشتاء لأول مرة منذ بدايتها عام 1930. وفي الوقت ذاته، مثّلت انبعاثات غازات الدفيئة وأثرها على الاحترار العالمي قضية شائكة أخرى أثارتها البطولة على نحو غير مسبوق. فعدا عن البصمة الكربونية للمنشآت والنشاطات المرافقة، طُرحت تساؤلات عن الانبعاثات الناجمة عن تبريد الملاعب خلال فترات الحرّ. وقد حاول المنظّمون حل جزء من هذه المشكلة باستخدام الطاقات المتجددة، خاصة الشمس، لتوليد بعض احتياجات الكهرباء.
- الانبعاثات الكربونية في تقارير «فيفا»
تشهد قطر طفرة في مجال الإنشاءات الخاصة بالبطولة الكروية منذ نحو عقد من الزمان؛ حيث شيّدت سبعة ملاعب جديدة و30 مرفقاً للتدريب وآلاف الغرف الفندقية، ووسّعت مطار الدوحة الدولي. وتُعد البلاد بين الأعلى حرارة والأكثر جفافاً على وجه الأرض، إذ تواجه موجات حرّ متفاقمة ونقصاً في المياه مع اشتداد تغيُّر المناخ.
ويتوقّع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أنّ الأنشطة المتعلقة بكأس العالم هذه السنة ستصل إلى 3.6 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون، أي ما يعادل استهلاك الطاقة لنحو 460 ألف منزل لمدة سنة كاملة. ووفقاً لأحدث تقرير عن الانبعاثات أصدره «فيفا»، يمثّل السفر الجوي والإقامة أكبر مصدر للانبعاثات المتعلقة بالبطولة؛ حيث من المتوقّع أن يحضر نحو 1.5 مليون مشجّع من جميع أنحاء العالم. ويخطط الاتحاد الدولي لكرة القدم وقطر لتعويض الانبعاثات التي لا يمكن تجنّبها بأرصدة الكربون، ومن خلال تدابير أخرى مثل زراعة الأشجار.
ووفقاً للتقرير نفسه، يمثّل بناء الملاعب نحو 18 في المائة من انبعاثات الكربون الناتجة عن البطولة. ومن بين الملاعب السبعة الجديدة التي تم تشييدها لبطولة قطر، يخطط منظمو كأس العالم لتفكيك ملعب واحد بالكامل وتقليل سعة الملاعب الأخرى بمقدار النصف تقريباً. وبالنسبة إلى المقاعد المؤقتة، يحمّل المنظمون أنفسهم مسؤولية 70 يوماً فقط من الانبعاثات، هي مدة البطولة، بالإضافة إلى مدة مسابقتي بطولة العالم للأندية التي سبقت كأس العالم.
وفي المقابل، تشير مجموعة «كاربون ماركت ووتش» (Carbon Market Watch) إلى أن المنهجية التي جرى اعتمادها في تقرير «فيفا» الأخير لا تتماشى مع تقاريره السابقة، التي ذكرت أن عُمر الملعب يمكن أن يصل إلى 60 عاماً. وتقدّر المجموعة أن البصمة الكربونية الإجمالية للملاعب الستة الدائمة ستصل إلى ثمانية أضعاف حسابات الكربون التي تبنّاها المنظّمون.
ومن ناحية أخرى، تقع الملاعب الثمانية المستخدمة في كأس العالم على بُعد نحو 50 كيلومتراً من وسط مدينة الدوحة. وفي حين يقلل التركيز العالي للملاعب من الانبعاثات المرتبطة بسفر المشجّعين، فإن المرافق قد تخلق مشكلات طويلة الأجل لسكان المدينة البالغ عددهم 2.4 مليون نسمة.
ويعدّ تقرير ما يجب فعله بالملاعب المتبقية مشكلة معروفة للمدن التي استضافت أحداثاً رياضية ضخمة، مثل كأس العالم أو الألعاب الأولمبية. وتُعرف هذه الأماكن باسم «الفيلة البيضاء»، لارتفاع ثمنها وسويّتها العالمية، وغالباً ما تصبح في حالة سيئة وتحتل مساحة كبيرة وتستنزف الموارد المحلية.
وقد أعلن منظّمو كأس العالم في قطر عن نيّتهم التخلص من جميع «الفيلة البيضاء» من خلال وضع خطط لتحويل ما يتبقى من هذه الملاعب إلى مراكز مجتمعية وفنادق ومراكز تعليمية. وعلى سبيل المثال، من المقرر أن يصبح «استاد الجنوب»، الذي يتّسع لأكثر من 44 ألف متفرّج، مقراً لنادي الوكرة. وبعد نهائيات كأس العالم ستنخفض سعة الملعب إلى 20 ألف مقعد، ومن غير المعروف ماذا سيحدث للملعب الذي كان يستخدمه سابقاً الفريق المحلي، ويتّسع لنحو 12 ألف مشجّع.
وبالنسبة إلى الملعب المؤقت «استاد 974»، لم يكشف المنظّمون حتى الآن عن أي خطط ملموسة لكيفيّة أو حتى إمكانية إعادة استخدام حاويات الشحن التي بُني بها الملعب. ولم يتم احتساب الانبعاثات المتراكمة أثناء نقل وإعادة بناء المواد المستخدمة في حسابات الكربون.
ومن المتوقع أن يُصدِر «فيفا» تقريراً محدّثاً عن الانبعاثات بعد اختتام البطولة، وهو إجراء يتوافق مع مبادراته العديدة التي تسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية تشمل جعل كرة القدم جاهزة للعمل المناخي، وحماية البطولات الكبرى من الآثار السلبية لتغيُّر المناخ، وضمان جعل كرة القدم مرنة مناخياً. ولكن هل ستكون هذه المبادرات كافية لحماية مستقبل بطولات كرة القدم العالمية من آثار تغيُّر المناخ؟
- كرة القدم والتكيُّف مع تغيُّر المناخ
خلال السنوات القليلة الماضية، تعرّضت العديد من التجمُّعات الرياضية الكبرى لظواهر الطقس المتطرّفة. ففي 2019، تسبب إعصار موسمي (تايفون) في تأجيل عدّة مباريات خلال كأس العالم للرغبي في اليابان. وفي بطولة أستراليا المفتوحة للتنس 2020، أصبح الهواء غير قابل للتنفس بسبب حرائق الغابات، كما تمّ في العام ذاته نقل مسار سباق الماراثون في أولمبياد طوكيو مئات الكيلومترات إلى الشمال هرباً من حرارة الجو المرتفعة. ويزداد القلق حول مستقبل الألعاب الأولمبية الشتوية مع ازدياد الاحترار العالمي.
وتكشف البيانات التاريخية وسيناريوهات الانبعاثات الحالية أن ارتفاع مستويات سطح البحر، وموجات الحرّ الشديدة، ومخاطر الحرائق الضخمة، والفيضانات، وتدهور جودة الهواء ستشكّل جميعها تهديدات كبيرة لمباريات كرة القدم، سواء للهواة أو المحترفين.
وكرة القدم ليست مجرّد ضحية لتغيُّر المناخ، فهي تسهم في زيادة الانبعاثات أيضاً. ويتضح ذلك من البصمة الكربونية للاعبي الدوري الإنجليزي الممتاز، التي تقدّر بنحو 29 طناً من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنوياً نتيجة السفر فقط، وهي كمية تقارب ثلاثة أضعاف البصمة الكربونية السنوية لمواطني المملكة المتحدة، وتتجاوز بكثير الهدف العالمي الذي يبلغ طنين اثنين لكل شخص من أجل الوفاء بالتزامات اتفاقية باريس المناخية.
وتنصبّ مخاوف عدد من اتحادات كرة القدم حالياً على مسألتي انخفاض جودة الهواء وارتفاع حرارة الجو، ما قد يؤثر على صحة الرياضيين والمتفرّجين والعاملين في مجال الرياضة، فضلاً عن تراجع الأداء. وكان الدوري الأميركي لكرة القدم وضع عتبات محددة لتنظيم المباريات أثناء الطقس الحارّ، كما أصدر اتحاد «ألبرتا سوكر» في كندا أدلّة عمل إرشادية تتعلق بنوعية الهواء.
ونظراً لأن ظروف ارتفاع حرارة الجو ستصبح أكثر تواتراً في المستقبل القريب، فمن المتوقع أن يكون هناك تأجيل وإلغاء للعديد من مباريات وبطولات كرة القدم. ومن المرجح أن تُسجّل تأثيرات ملحوظة للحرائق على البنية التحتية لملاعب كرة القدم، وأن تتدهور أرضيات ملاعب العشب الطبيعي نتيجة الجفاف والقيود المفروضة على الري خلال الصيف، كما ستتأثر الملاعب بظروف الشتاء القاسية على نحو متزايد.
وكانت دراسة، أُجريت في بريطانيا في عام 2013 وشملت 460 نادياً رياضياً، أشارت إلى خسارة ما بين 3 و13 أسبوعاً من استخدام بعض الملاعب سنوياً بسبب هطولات الأمطار الغزيرة. وعلى المدى الطويل، من المرجّح أن تشكّل مياه البحر المرتفعة والفيضانات المتكررة تهديداً مؤقتاً أو دائماً لأنشطة الأندية الرياضية، ما يعرّض مستقبل كرة القدم للخطر في بعض أجزاء العالم، إذا استمرت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في مسارها الحالي. وقد تسببت الفيضانات بالفعل في جعل ملاعب مونبلييه الفرنسية في 2014 وملاعب كارلايل البريطانية في 2015 خارج الخدمة لعدّة أشهر.
وفيما تمثّل ملاعب العشب الاصطناعي حلولاً مثيرة للاهتمام تسمح بتنظيم المباريات على فترات أطول خلال العام، فإن هذه الملاعب تؤدي إلى تكوين جُزُر حرارية حيث ترتفع حرارتها السطحية بما بين 12 و22 درجة مئوية أعلى من حرارة العشب الطبيعي. ويزيد مستوى الحرارة المرتفع من الإجهاد الحراري الذي يتعرّض له اللاعبون، ويعزز المخاطر على صحتهم وأدائهم. وينطبق الأمر نفسه على صحة الحكام والمدربين والمشجّعين.
ويؤثر تلوُّث الهواء سلباً على كمية ونوعية التمريرات والمسافات المقطوعة وجهود اللاعبين المحترفين عالية الشدة، كما يمكن أن يؤدي التلوُّث المرتفع إلى تقليل عدد الأهداف المسجّلة أثناء المباريات بشكل كبير. وتشير الأدلة التجريبية لعدّة عقود إلى أن فرص الفوز لدى الفِرَق المُضيفة أعلى من فرص فوز الفِرَق الزائرة، لا سيما عندما يأتي الفريق المنافس من مدينة أقل تلوُّثاً. ويرتبط ذلك باعتياد الفِرَق المُضيفة على نوعية الهواء في ملاعبها، ما يجعل أداؤها أقل تأثراً.
بفضل انتشارها وقدرتها على الوصول إلى جمهور عريض، يمكن أن تلعب كرة القدم دوراً رئيسياً في التحوّل البيئي، بما في ذلك استراتيجيات التخفيف من تغيُّر المناخ والتكيُّف معه. وكان الاتحاد الدولي لكرة القدم من أوائل الاتحادات الرياضية الدولية التي التزمت بإطار عمل الأمم المتحدة للرياضة من أجل المناخ، عبر تبنّي استراتيجية خاصة في هذا الشأن.
ويتعيّن على عالم كرة القدم الانتقال بسرعة كبيرة من نهج رد الفعل إلى النهج الاستباقي، عبر اتخاذ عدد من الإجراءات الوقائية، في طليعتها تحديد التواريخ بما يتناسب مع أحوال الطقس في البلد المُضيف، بما يقلل الحاجة إلى تبريد الملاعب. كما تجب إعادة هيكلة المسابقات الوطنية والعالمية لتقليل سفر الرياضيين والمشجّعين، والحثّ على استخدام وسائط النقل العامة والمشتركة، وتعزيز تدابير السلامة، كزيادة فترات الراحة خلال المباريات وإجراء المزيد من التبديلات للاعبين، وتأمين الحماية من أشعة الشمس الحارقة للمتفرّجين.
من أهم ما حققته دورة قطر كسر الموانع التي كانت تعوق إقامة البطولات في مناطق حارّة، بنقل الموعد التقليدي من فصل الصيف إلى الشتاء، وبداية استخدام تقنيات الطاقة المتجددة على نطاق واسع في الملاعب، فلا يُحرم أي شعب من حقه في أن يكون جزءاً من نشاطات الرياضة العالمية. ونظراً إلى أن كرة القدم لن تكون الضحية الوحيدة للتغيُّر المناخي والمؤثرة فيه، فإن الأمر يتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة من قبل المجتمع الرياضي ككل لمواصلة اللعب بأمان ومتعة.


مقالات ذات صلة

تطبيق يسبق الخطر ويُنقذ أغنام منغوليا من الهلاك

يوميات الشرق في اتساع السهول... عين لا تغفل عن القطيع (أ.ف.ب)

تطبيق يسبق الخطر ويُنقذ أغنام منغوليا من الهلاك

تتأثّر منغوليا، بمساحتها الشاسعة وكثافتها السكانية المنخفضة، على نحو غير متناسب بالتغيّرات المناخية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا طفل يعاني من سوء التغذية يتلقى العلاج في مستشفى بنادر في العاصمة الصومالية مقديشو يوم 14 مايو 2025 (أ.ب)

مرصد عالمي: آلاف نازحي الصومال قد يواجهون الجوع بنهاية العام

يواجه ملايين الصوماليين انعداماً حاداً للأمن الغذائي، وسط مخاوف من مجاعة بين نازحي بيدوة، مع تفاقم الجفاف والصراع ونقص المساعدات.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
بيئة شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 % من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030

«الشرق الأوسط» (باريس)
علوم هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟

هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي في تهديد البشرية بالفناء؟

التهديد الوجودي الذي يمثله التغير المناخي ليس افتراضياً... إنه يقتل الناس بالفعل في الوقت الراهن.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها بنيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)

غوتيريش يدعو أميركا والصين لبدء حوار بشأن الذكاء الاصطناعي

دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، الولايات المتحدة والصين إلى بدء حوار بشأن مستقبل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.


ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال باحثون في مختبر تأثيرات المناخ، التابع لجامعة شيكاغو، اليوم الأربعاء، إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة»، هذا العام، قد تؤدي إلى ما يصل إلى 451 ألف حالة وفاة إضافية حول العالم، خلال ستة أشهر حتى فبراير (شباط) 2027.

وذكر المختبر، في تقرير، أنه من المرجح ارتفاع عدد الأيام شديدة الحرارة بنسبة 44 في المائة، مقارنة بالسنوات العادية، وقال إن الدول التي مِن المرجح أن تعاني أكبر عدد من الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة، في الفترة من سبتمبر (أيلول) 2026 إلى فبراير 2027 هي نيجيريا بواقع 31400 وفاة، تليها إندونيسيا بنحو 19300وفاة، ثم السودان بواقع 17600 وفاة.

تؤدي «النينيو» إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

ومن المرجح أن تتسبب موجة الحر في منطقة الساحل الأفريقي، التي تضم النيجر وتشاد بالإضافة إلى نيجيريا والسودان، في 66800 وفاة إضافية، خلال فترة الأشهر الستة.

ويتوقع الباحثون أن تشهد الفلبين وفيتنام وتايلاند وكمبوديا مجتمعةً 19400 وفاة إضافية.

وقد يرتفع عدد الوفيات الزائدة أكثر من ذلك إذا امتدت ظاهرة «النينيو» إلى عام 2027، حيث ستكون المناطق الرئيسية في نصف الكرة الشمالي، ومِن بينها الهند وباكستان، معرَّضة جداً للخطر خلال شهور الصيف.

ووصف المختبر ظاهرة النينيو، هذا العام، بأنها «رسالة من المستقبل» تُبلّغنا بدرجات الحرارة التي ستصبح طبيعية في غضون بضعة عقود فقط.

وأشار المختبر إلى أن جهود الاستجابة للطوارئ يجب أن تُوجَّه إلى المناطق ذات الأولوية القصوى؛ للحد من الوفيات المرتبطة بالحرارة خلال الشهور المقبلة.

وقال مايكل جرينستون، الخبير الاقتصادي بجامعة شيكاغو والمؤسس المشارك للمختبر: «يتيح هذا التقرير لصانعي القرار تحديد الأماكن التي يمكن اتخاذ إجراءات طارئة، الآن، فيها لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح في الشهور المقبلة».


الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)

نبّهت الأمم المتحدة، الثلاثاء، إلى عواقب ظاهرة «إل نينيو» الكثيرة على الصحة، مشددة على أن هذا الحدث المناخي الطبيعي يشكّل «تهديداً كبيراً»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضحت منظمة الصحة العالمية أن من بين المخاطر الصحية التي قد تنجم عن هذه الظاهرة، موجات حرّ شديدة قد تُفاقم بعض الأمراض، ورداءة في نوعية الهواء بسبب الحرائق خصوصاً، فضلاً عن تأزُّم سوء التغذية والكوليرا بفعل الجفاف والفيضانات.

وقد تؤدي «إل نينيو» أيضاً إلى زيادة انتشار الأمراض المنقولة عبر البعوض، كالملاريا وحمى الضنك والشيكونغونيا، نظراً إلى أن هذه الظاهرة المناخية تهيئ الظروف لأمطار غزيرة وفيضانات.

وقالت مديرة وحدة الحد من المخاطر والعمليات الإنسانية، وتغيّر المناخ في منظمة الصحة العالمية تيريزا زكريا خلال مؤتمر صحافي في جنيف، إن «من الممكن توقُّع العواقب الصحية لظاهرة إل نينيو، وثمة فرصة تالياً لكي نتحرّك الآن، قبل أن تتحوّل هذه المخاطر إلى أزمة».

وأضافت: «ندعو الحكومات والشركاء والمجتمعات إلى الاستثمار من دون إبطاء، والاستعداد واتخاذ تدابير استباقية، من أجل إنقاذ الأرواح، والحفاظ على خدمات الرعاية الصحية».

وتدعو منظمة الصحة العالمية الدول إلى تحسين جهوزية أنظمتها الصحية، وتعزيز قدرتها على رصد الأمراض، وضمان استمرارية الرعاية، وتوفير مخزونات من المعدات الطبية في المناطق الأكثر عرضة للمخاطر.

وسبق أن أدّت موجة «إل نينيو» الحالية التي قد تصبح الأشد عنفاً على الإطلاق، إلى ظروف مناخية حادة في مختلف أنحاء العالم.

ورأت زكريا أن هذه الظاهرة تشكّل «تهديداً كبيراً للصحة العامة».

وتوقعت «رَصْدَ عواقب صحية في مختلف أنحاء العالم»، ورأت أن أشد هذه العواقب ستُسجَّل حيث «تتقاطع الصدمات المناخية مع هشاشة الأنظمة الصحية، وضعف فرص الحصول إلى الرعاية، وانعدام الأمن الغذائي، ونزوح السكان والأزمات الإنسانية».

وكانت منظمة الأرصاد الجوية العالمية التابعة للأمم المتحدة نبّهت في مطلع سبتمبر (أيلول) من أن موجة «إل نينيو» الحالية قد تكون «الأقوى» تُسجّل منذ بدء قياس هذه الظاهرة المناخية قبل 4 عقود، ومن المقرر أن تصدر نشرتها المقبلة في شأنها في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأوضح المستشار في المكتب المشترك بين المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ومنظمة الصحة العالمية أرمل كاستيلان للصحافيين، أن تأثيراتها يُتوقع أن تزداد حدّة، وأن تستمر تداعياتها إلى ما بعد ذروتها المتوقعة في نهاية السنة.

ومن شأن اجتماع «إل نينيو» مع عواقب تغيّر المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية تعزيز وتيرة الظواهر الجوية القصوى وحدتها.

ولاحظ كاستيلان أن «تأثيرها يتزامن مع درجات حرارة مرجعية مرتفعة جداً أصلاً على مستوى العالم، وهي تالياً ضربة مزدوجة، والواقع مختلف وغير مسبوق بالمقارنة مع ما حدث عام 2015، آخر مرة بلغت فيها الانحرافات في درجات حرارة سطح البحر المرتبطة بـ(إل نينيو) مستويات مرتفعة إلى هذا الحد».

وتسعى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية مع شركائها تحسباً لظاهرة «إل نينيو» إلى تحسين التنسيق بين خبراء الأرصاد الجوية والسلطات الصحية، بحيث تحصل هذه السلطات على توقعات الطقس في الوقت المناسب وبصيغة قابلة للاستخدام مباشرة.