اتفاق السلام في إثيوبيا... هدنة «مفخخة» بالانقسامات

عوامل الانهيار تتحدى «الضمانات الهشة»

تبادل وثيقة الوقف الدائم للأعمال العدائية بين إثيوبيا وتيغراي في نيروبي في 12 نوفمبر الحالي (أ.ف.ب)
تبادل وثيقة الوقف الدائم للأعمال العدائية بين إثيوبيا وتيغراي في نيروبي في 12 نوفمبر الحالي (أ.ف.ب)
TT

اتفاق السلام في إثيوبيا... هدنة «مفخخة» بالانقسامات

تبادل وثيقة الوقف الدائم للأعمال العدائية بين إثيوبيا وتيغراي في نيروبي في 12 نوفمبر الحالي (أ.ف.ب)
تبادل وثيقة الوقف الدائم للأعمال العدائية بين إثيوبيا وتيغراي في نيروبي في 12 نوفمبر الحالي (أ.ف.ب)

(تحليل إخباري)
بقدر ما جاء الإعلان عن اتفاق بين الحكومة الإثيوبية وبين جبهة تحرير تيغراي، مبشراً بإنهاء صراع مسلح دام أكثر من عامين، وراح ضحيته ما يقرب من نصف مليون شخص، مفاجئاً لكثير من المراقبين، إلا أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه بوساطة أفريقية مباشرة، وبضغوط أميركية على طرفي النزاع، لم يفلح في محو الكثير من الشكوك في إمكانية اعتباره حلاً نهائياً للصراع، أو حتى خطوة كبيرة نحو إحلال السلام في الدولة التي تعاني انقسامات عرقية وتحديات اقتصادية بالغة التعقيد، بل ذهب مراقبون إلى أن الاتفاق يبدو أقرب إلى «هدنة مفخخة» مهددة بالانهيار في مواجهة انقسامات داخلية مؤثرة، وتدخلات خارجية لا تقل تأثيراً.
الاتفاق الذي جرى توقيعه في العاصمة الجنوب أفريقية، بريتوريا، في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير تيغراي، جاء عقب مفاوضات مكثفة انطلقت في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وعززه اتفاق تالٍ في العاصمة الكينية نيروبي في الثاني عشر من الشهر الحالي لتنفيذ بنود الاتفاق الأول، لا سيما ما يتعلق منها بالشق العسكري.
وبدا واضحاً أن تلك الاتفاقات تقف وراءها ضغوط أفريقية ودولية واضحة، فإلى جانب جهود الوساطة التي قادها الممثل الأعلى للاتحاد الأفريقي الخاص بالقرن الأفريقي الرئيس النيجيري السابق، أولوسيغون أوباسانجو، والرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا، والنائبة السابقة لرئيس جنوب أفريقيا فومزيل ملامبو - نغوكا، كان هناك جهد أميركي بارز في مرحلة ما قبل المفاوضات، حيث أجريت مباحثات سرية في كل من جيبوتي وسيشل، مارست واشنطن خلالها ضغطاً على الحكومة الإثيوبية ووفرت الدعم الأمني واللوجيستي لوفد تيغراي المشارك في مفاوضات بريتوريا، وفي العلن شاركت الولايات المتحدة والأمم المتحدة والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) بصفة مراقبين.
تضمن الاتفاق 12 بنداً ركزت في مجملها على الأوضاع الميدانية، وتهيئة المجال لمباحثات سلام، مقابل تحسين الأوضاع المعيشية لسكان إقليم تيغراي، وضمان وصول المساعدات الإغاثية إلى الإقليم الذي عانى وضعاً إنسانياً متدهوراً، واتهامات بارتكاب جرائم حرب ضد سكانه على مدى العامين الماضيين.
وشمل الاتفاق «وقفاً فورياً ودائماً للأعمال العدائية بهدف إسكات المدافع وخلق بيئة مواتية لإرساء أسس السلام المستدام، واستعادة النظام الدستوري المعطل بسبب النزاع في منطقة تيغراي، ونبذ العنف كوسيلة لحل الخلافات السياسية، وتوفير إطار لضمان المساءلة عن الأمور الناشئة عن النزاع».
ولا يعول المراقبون الذين تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» كثيراً على نصوص الاتفاق، بقدر ما ينظرون بترقب حذر إلى الأجواء المحيطة بالتنفيذ، في ظل شكوك لها ما يبررها بشأن المواقف المتباينة من الاتفاق، سواء من جانب أطراف الصراع، أو من الحلفاء الذين يتابعون عن كثب مجريات التنفيذ، الذي يبدو أنه يواجه تحديات جمة حتى من قبل أن يبدأ تطبيقه.
- شروط المنتصر
أحد تلك التحديات يلخصها آلان بوزويل، مدير وحدة القرن الأفريقي بمجموعة الأزمات الدولية، الذي يعتبر الاتفاق بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيغراي، بمثابة «شروط المنتصر إلى حد كبير لأديس أبابا، ويعكس الضغط العسكري الهائل الذي كان يتعرض له تيغراي».
كما يعتبر أن النص على نزع سلاح مقاتلي تيغراي خلال 30 يوماً بموجب الاتفاق «يمكن أن يشكل نقطة اشتعال فورية»، فإذا لم تف الحكومة بالتزاماتها خاصة ما يتعلق بالسماح بحرية دخول المساعدات الإنسانية فوراً وتوفير الخدمات الأساسية المعيشية لسكان الإقليم، فقد يستشهد تيغراي بذلك كسبب لتأخير نزع السلاح، وهناك بالفعل فصائل لم تشارك في توقيع الاتفاق أعلنت عدم التزامها بما تم التوقيع عليه، ومن ثم بدأت التجهيز وتدريب مقاتليها لمواجهة مقبلة.
ثمة تحد آخر يراه بوزيل خطراً على مصداقية تنفيذ الاتفاق، وهو وجود قوات الجيش الإريتري، التي كان لها دور بارز في المواجهات العسكرية لصالح حليفهم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، فالقوات الإريترية لم يرد ذكرها صراحة في الاتفاق، وهناك شكوك عميقة بشأن سرعة إخراجها من الأراضي الإثيوبية، الأمر الذي سيمثل تهديداً حقيقياً لمدى التزام الأطراف المختلفة ببنود الاتفاق.
في المقابل تبدو حسابات المكاسب والخسائر دافعاً لجميع أطراف الاتفاق، سواء التي وقعت على الاتفاق، أو تلك التي تتحكم عن بعد في مجريات مشهد الصراع الإثيوبي، فعلى عكس الهدنة أحادية الجانب التي أعلنها آبي أحمد في مارس (آذار) من العام الحالي، فإن اتفاقية سلام بريتوريا مكتوبة وتتضمن آلية للمراقبة والإشراف والتحقق، وهو ما يوفر إطاراً أكثر دقة لتحديد التزامات جميع الأطراف المعنية، وهو ما يدفع الدكتور حمدي عبد الرحمن، أستاذ العلوم السياسية بجامعة زايد الإماراتية، في دراسة منشورة، إلى الاعتقاد أنه «اتفاق موضوعي يعكس المكاسب القتالية الأخيرة للجيش الإثيوبي والقوات المتحالفة معه في تيغراي».
فمن المكاسب الرئيسية للحكومة الفيدرالية أنها ستتولى إدارة إقليم تيغراي، بما في ذلك جميع المنشآت الفيدرالية، وستدخل قوات الجيش الفيدرالي إلى مكيلي (عاصمة إقليم تيغراي) بشكل سلمي، كما نص الاتفاق في مادته السادسة على الاعتراف بوجود جيش وطني واحد لإثيوبيا الفيدرالية، واتفق الطرفان على تصميم وتنفيذ برنامج وطني لنزع السلاح والتسريح وإعادة الاندماج لمقاتلي الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بالتوافق مع الدستور الإثيوبي. علاوة على ذلك، تلتزم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بنزع السلاح الكامل في غضون 30 يوماً، وسيكون هذا «سريعاً جداً»، نظراً للحجم الهائل لقوات دفاع تيغراي التي يقدر عددها الإجمالي بنحو 200 ألف مقاتل.
في المقابل ينص الاتفاق على ضمان المساءلة والوصول إلى الحقيقة في قضية ضحايا الحرب والجرائم المرتكبة، وهو ما يدعو الدكتور حمدي عبد الرحمن إلى التساؤل: «هل يقبل رئيس الوزراء آبي أحمد مفهوم المحاسبة ناهيك عن قادة تيغراي والمتورطين كافة في هذه الحرب العبثية؟».
- انقسام تيغراي
على الجانب الآخر، لا يبدو أن القوى الرئيسية في إقليم تيغراي على «قلب رجل واحد» بشأن الاتفاق مع الحكومة الفيدرالية، ففور توقيع الجهات العسكرية الممثلة للطرفين الاتفاق التنفيذي في نيروبي، رفض مؤيدون لجبهة تيغراي في الداخل وبالشتات في أوروبا وأميركا الشمالية الاتفاق، ووجهوا اتهاماً بـ«الخيانة لجبهة تحرير تيغراي».
كما تعالت أصوات تميل إلى اعتبار الجبهة تمثل «طرفاً واحداً فقط ضمن أطراف أخرى في تيغراي، وأنها لا تمتلك تفويضاً لتوقيع نزع السلاح من قوات دفاع تيغراي»، الأمر الذي دفع اللجنة المركزية لجبهة تحرير تيغراي للإعلان عن أنها «لم ترسل فريقاً للتفاوض إلى بريتوريا»، وأنه «لا يوجد شخص يمثل الجبهة في المحادثات هناك»، ولا يوجد جيش للجبهة لكي يتم نزع سلاحه».
ورفض البيان المذاع على قناة «تيغراي» الرسمية، البند المتعلق بنزع سلاح الجبهة، معتبراً أن «قوات الدفاع التيغراوية ليست تابعة لأي حزب أو تنظيم سياسي»، بل هي «قوات تشكلت من كل الأطياف للدفاع عن مصالح التيغراويين».
هذا الموقف يدفع العديد من المحللين إلى الاعتقاد أن ما عدّه البعض «مكاسب» لجبهة تحرير تيغراي، صاحبة التاريخ الطويل في تمثيل شعب الإقليم، لم يكن مقنعاً لمختلف أطياف القوى التيغراوية من أجل الترحيب بالاتفاق والانصياع لبنوده، فصحيح أن الاتفاق تضمن أن ترفع الحكومة تصنيفها للجبهة كمنظمة إرهابية، وهو ما يفتح أمامها مجال العودة إلى ممارسة العمل السياسي، إلا أن الإشارة إلى نزع سلاح مقاتلي تيغراي، يعتبرها هؤلاء بمثابة «هزيمة مذلة»، ويرفضها العديد من المقاتلين وبخاصة الشباب، الذين تشبعوا على مدى سنوات، لا سيما منذ خروج الجبهة من السلطة عام 2018 بأفكار الكفاح المسلح، بل حتى بدعوات الانفصال عن الدولة الفيدرالية، وهو ما سيجعل تنفيذ هذا البند تحديداً أمراً بالغ الصعوبة، في ظل تواتر الأنباء عن سعي بعض الفصائل العسكرية إلى إرجاء تنفيذ بند تسليم السلاح، سيما في حال سحب القوات الإريترية، لأنها تعتقد أن الجيش الإثيوبي لن يستطيع وحده الصمود أمامها من دون دعم وإسناد الحليف الإريتري وميليشيات الأمهرا.
وبرز كذلك تيار سياسي معارض لاتفاق بريتوريا، حيث أعلن حزب «سيلاسي وياني تيغراي» المعارض أن الاتفاق «غير مشروع لتمثيل مصالح شعب تيغراي»، وأنه «لا يتناول سوى مصالح الأطراف الموقعة عليه إلى جانب كل من إريتريا وأمهرة، في حين يتجاهل الاتفاق المطالب السياسية لتيغراي ولا يعالج الأسباب الجذرية للصراع».


مقالات ذات صلة

إثيوبيا: متمردو تيغراي يُظهرون «جدية» في تنفيذ اتفاق السلام

أفريقيا إثيوبيا: متمردو تيغراي يُظهرون «جدية» في تنفيذ اتفاق السلام

إثيوبيا: متمردو تيغراي يُظهرون «جدية» في تنفيذ اتفاق السلام

أظهر متمردو إقليم «تيغراي» شمال إثيوبيا، «جدية» في تنفيذ اتفاق السلام، الموقَّع قبل نحو 5 أشهر، مع الحكومة الفيدرالية بأديس أبابا، وذلك بتسليمهم مزيداً الأسلحة، ضمن عملية نزع سلاح الإقليم ودمج مقاتليه في الجيش الوطني. وحسب نائب مفوض «إعادة التأهيل الوطني»، العميد ديريبي ميكوريا، اليوم (الخميس)، فإن «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي سلمت الدفعة الأولى من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة المتنوعة التي تم جمعها حول منطقة دينقولات في إقليم تيغراي». وأنهى اتفاق السلام، الموقّع في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حرباً عنيفة استمرت عامين، راح ضحيتها الآلاف، حسب منظمات دولية.

محمد عبده حسنين (القاهرة)
أفريقيا هل تنجح مساعي إثيوبيا لدمج قوات الأقاليم في «جيش مركزي»؟

هل تنجح مساعي إثيوبيا لدمج قوات الأقاليم في «جيش مركزي»؟

تسود حالة من القلق الحذر في إثيوبيا عقب إعلان الحكومة عزمها تفكيك قوات الأقاليم، في وقت أثيرت فيه تساؤلات حول مدى نجاح إثيوبيا في دمج قوات الأقاليم في «جيش مركزي». ويرى خبراء أن «التوجه الجديد للحكومة الإثيوبية يواجه العديد من التحديات، ومن المبكر الحكم على نجاح تنفيذه، حيث يكتنف الموقف حسابات متجذرة ومعقدة». وأعلنت الحكومة الإثيوبية، (الخميس)، أنها تعتزم دمج جميع القوات الخاصة الإقليمية، إما في الجيش الوطني وإما في الشرطة الاتحادية أو الإقليمية.

العالم هل استعادت إثيوبيا ثقة المجتمع الدولي بعد توقف حرب «تيغراي»؟

هل استعادت إثيوبيا ثقة المجتمع الدولي بعد توقف حرب «تيغراي»؟

تسعى الحكومة الإثيوبية لاستعادة ثقة المجتمع الدولي بجهودها لإرساء حالة استقرار سياسي وأمني داخل البلاد، بعد نحو 5 أشهر على انتهاء حرب «تيغراي»، على أمل مشاركة دولية واسعة في إعادة الإعمار الإقليم الشمالي، من خلال استثمارات في البينة التحتية ومساعدات اقتصادية. وأنهى اتفاق السلام، الذي وُقِّع في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، في بريتوريا، عامين من الحرب بين الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي». وخلال الأشهر الفائتة، استؤنف تسليم المساعدات للإقليم، الذي عانى لفترات طويلة من نقص حاد في الغذاء والوقود والسيولة والأدوية.

محمد عبده حسنين (القاهرة)
العالم البرلمان الإثيوبي يشطب «جبهة تيغراي» من قائمة الإرهاب

البرلمان الإثيوبي يشطب «جبهة تيغراي» من قائمة الإرهاب

شطب البرلمان الإثيوبي الأربعاء «جبهة تحرير شعب تيغراي» المتمردة من القائمة الرسمية للجماعات الإرهابية، وهي خطوة رئيسية في عملية السلام، عقب حرب استمرت عامين في شمال البلاد. وقال البرلمان على «فيسبوك»، إنه وافق «على قرار إلغاء تصنيف (جبهة تحرير شعب تيغراي) على قائمة الإرهاب، بأغلبية الأصوات»؛ مضيفاً أن هذه الخطوة «ستعزز اتفاق السلام» المبرم في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بين الجبهة والحكومة الفيدرالية. وأضاف: «لوحظ خلال مناقشة مشروع قرار إلغاء تصنيف (جبهة تحرير شعب تيغراي) كإرهابية، أنه أمر لا غنى عنه لدعم اتفاقية السلام المبرمة بين الحكومة الفيدرالية و(جبهة تحرير شعب تيغراي)». وصُنّفت «الجبهة»

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
العالم إريتريا ترفض «التشهير» الأميركي

إريتريا ترفض «التشهير» الأميركي

رفضت إريتريا، الثلاثاء، الاتهامات الأميركية بأن قواتها ارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم تيغراي بشمال إثيوبيا، واصفة التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الأميركي بأنها «لا أساس لها وتشهيرية». ورداً على اتّهامات أطلقها وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الاثنين، قالت وزارة الخارجية في إريتريا، في بيان، إن «الاتهامات وهي ليست بجديدة لا تستند إلى أي أدلة واقعية لا يمكن دحضها». وشدّدت أسمرة على أن الاتهامات هذه تشكّل «استمراراً للعداء غير المبرر والشيطنة التي تنتهجها الإدارات الأميركية المتعاقبة ضد إريتريا، منذ عام 2009، لدفع أجنداتها السياسية الخفية». وكان بلينكن قد اتّهم الاثنين

«الشرق الأوسط» (أسمرة)

قمة «مبهرة شكلاً» و«فقيرة مضموناً»... اختتام محادثات ترمب وشي باحتساء الشاي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
TT

قمة «مبهرة شكلاً» و«فقيرة مضموناً»... اختتام محادثات ترمب وشي باحتساء الشاي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)

احتسى الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ الشاي في البيت الأبيض، الجمعة، وزارا الأرشيف الوطني، ليختتما بذلك قمة استمرت ثلاثة أيام طغت فيها الدبلوماسية الشخصية على الإنجازات الكبيرة في العلاقات الاقتصادية.

وأشاد الزعيمان ببعضهما في تعليقات أدليا بها في أثناء احتساء الشاي في «الغرفة الحمراء» بالبيت الأبيض. وقال ترمب إن القمة بين أكبر اقتصادين في العالم أنجزت أموراً كبيرة، مضيفاً: «أعتقد أن مزارعينا سيكونون سعداء»، لكنه لم يقدم تفاصيل.

وأوضح: «أميركا سعيدة جداً بهذه الزيارة، وأنا متأكد من أن الصين سعيدة للغاية أيضاً».

وقال شي إن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين تطورت لتصبح علاقة بناءة تتميز «بالاستقرار الاستراتيجي على أساس الاحترام والعدل والمعاملة بالمثل».

وأضاف شي أنه وترمب ستسنح لهما فرصتان أخريان للقاء هذا العام، خلال قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (آبيك) في الصين وقمة مجموعة العشرين في ميامي. وقال: «أرحب بزيارتكم للصين، سيادة الرئيس والسيدة الأولى».

العلاقات التجارية

واتسمت القمة بالفخامة وتضمنت استعراضات جوية وجولات ومأدبة عشاء رسمية فاخرة، لكنها كانت مبهرة شكلاً وفقيرة مضموناً، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومع ذلك، سلّط ترمب الضوء على التقدم المحرز في إطار آلية التجارة الثنائية، مشيراً إلى ما وصفه بزيادة فرص الوصول إلى الأسواق أمام المزارعين ومربي الماشية الأميركيين، في حين حدد الزعيمان الذكاء الاصطناعي بوصفه مجالاً للتعاون.

وقال الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير لشبكة «سي. إن. بي. سي»، الجمعة، إن تفاصيل الاتفاقات المحدودة التي توصل إليها الجانبان بشأن علاقاتهما التجارية المتوترة ستُنشر يوم الاثنين.

وأضاف: «نحن في وضع تجاري يخضع للتنظيم... لقد أحرزنا تقدماً، وأعتقد أننا سنعلن، يوم الاثنين، المزيد من التفاصيل حول ما أنجزناه خلال الأسابيع القليلة الماضية في المفاوضات مع الصينيين».

ومضى غرير قائلاً إن الولايات المتحدة اتفقت مع الصين على استثناء بعض السلع الأساسية من النزاعات التجارية، بما في ذلك الصادرات المتجهة إلى الصين من المنتجات الزراعية والأجهزة الطبية، وواردات السلع الاستهلاكية والسلع غير الحساسة.

جولة في الأرشيف الوطني

اختُتِمَت القمة في الأرشيف الوطني الأميركي، وبدا ترمب وشي وهما يستعرضان إعلان الاستقلال الأميركي والدستور ووثيقة الحقوق.

وقال ترمب في كلمة ألقاها، الخميس، للترحيب بشي إنهما سيشاهدان أيضاً «قطعاً أثرية تشهد على العلاقة الطويلة والعزيزة» بين الصين والولايات المتحدة و«التبادلات الثقافية» بينهما.

وقال ترمب: «مثلما تواصل أسلافنا عبر المحيط منذ قرون للتجارة والتعلم وبناء عالم أفضل، فإن بلدينا يفعلان الشيء نفسه بالفعل، ونحن فخورون جداً بذلك وبالعلاقة بيننا».

ولم تعلّق الصين على زيارة الأرشيف، لكن محللين يقولون إن شي ربما كان حريصاً على الاطلاع على السجلات المتعلقة بتحويل الولايات المتحدة اعترافها من تايوان إلى الصين الشيوعية في عام 1979.

ورداً على سؤال، قال ترمب إنه ناقش مع شي موضوع إيران، مضيفاً: «أعتقد أننا سنحقق نتائج رائعة»، دون أن يقدم مزيداً من التفاصيل. وتنفي بكين مزاعم الولايات المتحدة بمساعدة قادة إيران في الصراع الذي بدأه ترمب في فبراير (شباط).

الصين تضغط بشأن تايوان

تعتبر الصين أن تايوان، التي تتمتع بنظام حكم ديمقراطي، جزء من أراضيها، وسعى شي منذ فترة طويلة إلى إقناع ترمب بإعلان أن الولايات المتحدة تعارض استقلال تايوان، بدلاً من الاكتفاء بالقول إنها لا تدعم الاستقلال، وهو الموقف الرسمي لواشنطن منذ عشرات السنين.

كما يحرص على حمل الولايات المتحدة على وقف مبيعات الأسلحة إلى الجزيرة.

وكما كان متوقعاً، ضغط شي على ترمب بشأن تايوان، الخميس، قائلاً إنه يأمل أن «تتعامل الولايات المتحدة مع قضية تايوان بحكمة». وأوردت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) أن شي «يأمل في أن يلتزم الجانب الأميركي بالموقف الصحيح المتمثل في معارضة (استقلال تايوان)».

ورغم أن الولايات المتحدة، شأنها شأن معظم الدول، لا تربطها علاقات دبلوماسية رسمية مع تايوان، فإن واشنطن تُعد أهم داعم دولي لها، وهي ملزمة، بموجب القانون الأميركي، بتزويدها بالوسائل اللازمة للدفاع عن نفسها.

وسيراقب حلفاء واشنطن في آسيا من كثب كيف سيتحدث ترمب عن تايوان بعد زيارة شي.

وبعد قمة مع شي في مايو (أيار)، قال ترمب، الذي وافقت إدارته في ديسمبر (كانون الأول) على صفقة أسلحة لتايوان بقيمة 11 مليار دولار، إنه علق صفقة ثانية، بقيمة نحو 14 مليار دولار، ووصفها بأنها «ورقة تفاوضية جيدة للغاية».

أساس جديد

وقال كريغ سينغلتون من مؤسسة «الدفاع عن الديمقراطيات» إن بكين ربما تعتقد أنها أرست أساساً جديداً بشأن تايوان مع ترمب.

وأضاف أن استخدام شي لكلمة «الالتزام» كان كاشفاً لأنه «يشير إلى أن بكين تعتقد أن واشنطن تتصرف بالفعل بالطريقة التي تريدها».

ومضى قائلاً: «مع التوقف الحالي عن مبيعات الأسلحة لتايوان، قد تنظر الصين بشكل متزايد إلى هذا الأمر على أنه أساس جديد وليس مجرد توقف مؤقت».

وأوضح: «هدف بكين هو حمل ترمب على إدراج الخطوط الحمراء الصينية في تعريفه الخاص للعلاقة المستقرة».

وانتقد الديمقراطيون بمجلس الشيوخ القمة، الخميس، قائلين إن ترمب فشل في الحصول على تنازلات مهمة من بكين بشأن التجارة والأمن والذكاء الاصطناعي أو حقوق الإنسان.

كما انتقدوا ترمب لعدم تطرقه علناً للضغوط العسكرية الصينية على تايوان، ودعوا إلى التسليم الفوري للمساعدات العسكرية التي تمت المصادقة عليها ومبيعات الأسلحة إلى الجزيرة.


ترمب يصف زيارة شي بـ«الإيجابية جداً»... ويبحث معه «حرب إيران»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
TT

ترمب يصف زيارة شي بـ«الإيجابية جداً»... ويبحث معه «حرب إيران»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، إنه ونظيره الصيني شي جينبينغ أحرزا تقدماً يصب في مصلحة الولايات المتحدة والصين، وذلك في ختام زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الصيني لواشنطن.

وأعلن ترمب أنه ناقش الحرب على إيران مع نظيره الصيني، وقال: «لقد فعلنا ذلك. لقد فعلنا ذلك»، رداً على سؤال بهذا الشأن الإيراني، وذلك في أثناء اصطحابه الرئيس الصيني في جولة داخل مبنى الأرشيف الوطني في واشنطن خلال اليوم الأخير من الزيارة التي يقوم بها شي.

ورداً على سؤال آخر عما إذا كان يتوقع إحراز تقدم بشأن إعادة فتح مضيق هرمز، أجاب ترمب: «أعتقد أننا سنحقق نتائج ممتازة».

ووفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، صرّح ترمب للصحافيين: «أعتقد أننا قطعنا أشواطاً هائلة، وقمنا بخطوات كبيرة، وهو أمر إيجابي جداً لكلا البلدَين»، وذلك في أثناء تناوله الشاي في البيت الأبيض بحضور زوجته ميلانيا والرئيس شي وزوجته.

وأشار ترمب إلى أن الجانبين «سيُجريان محادثات مكثفة».

بدوره، أشار الرئيس الصيني إلى إمكان عقد اجتماعَين إضافيين مع ترمب هذا العام. وقال شي عبر مترجم في أثناء تناوله الشاي: «بالنسبة إلى ما تبقى من هذا العام، ستكون هناك فرصتان أخريان للقاء: الأولى خلال اجتماع منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في الصين، والأخرى خلال قمة مجموعة العشرين في الولايات المتحدة»، مضيفاً: «أرحب بزيارتكما للصين، سيدي الرئيس والسيدة الأولى».

وقال الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير، الجمعة، إن من المتوقع أن تعلن الولايات المتحدة تفاصيل ما خلصت إليه المفاوضات التجارية مع الصين يوم الاثنين.

واستقبل ترمب شي في البيت الأبيض، الخميس، وقال: «نحن في وضع تجاري مُدار... أحرزنا تقدماً، وأعتقد أننا سنكشف يوم الاثنين عن المزيد من التفاصيل حول ما أنجزناه خلال الأسابيع القليلة الماضية في المفاوضات مع الصينيين».

وأضاف أن الولايات المتحدة اتفقت مع الصين على استثناء بعض السلع الرئيسية من الخلافات التجارية. وأشار إلى أن واشنطن ستصدّر منتجات زراعية وأجهزة طبية، «وسنستقبل منهم سلعاً استهلاكية وأشياء أخرى غير حساسة».

وقال غرير إن المحادثات الحالية لم تتطرق إلى فئة محدودة من الرقائق الإلكترونية عالية الجودة التي تصنعها الولايات المتحدة وتتطلب تراخيص خاصة.

وأضاف: «هذه الرقائق (أثمن) ما أنتجته التكنولوجيا الأميركية. فهي الوسيلة التي نحافظ بها على تفوقنا في سباق الذكاء الاصطناعي الفائق، ولذا فإن هذه المسائل... لا تُناقش فعلياً في إطار هذه المفاوضات».


زيلينسكي حضّ ترمب على طلب مساعدة الصين في إنهاء الحرب مع روسيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي حضّ ترمب على طلب مساعدة الصين في إنهاء الحرب مع روسيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، إنه طلب من نظيره الأميركي دونالد ترمب الضغط على الرئيس الصيني لاستخدام تأثير بكين في موسكو في الجهود الدبلوماسية لجعل روسيا تنهي غزوها ضد أوكرانيا الجاري منذ 4 سنوات ونصف السنة.

ووفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس»، قال زيلينسكي للصحافيين إنه لم يتلقَّ رداً من البيت الأبيض بشأن محادثات ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، ولكنه يتوقع أن يعرف النتيجة.

كان زيلينسكي، الذي يتوق لحشد المزيد من الدعم الدولي لأوكرانيا، موجوداً في الولايات المتحدة، الأسبوع الحالي، في زيارة تزامنت مع الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وقد التقى ترمب، الثلاثاء الماضي.

ووصفت دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) الصين بأنها أحد «العوامل المساعدة الحاسمة» في الغزو الروسي.

وشارك زيلينسكي المزيد من التفاصيل عن رحلته للولايات المتحدة في رسائل صوتية لمجموعة من الصحافيين.