اتفاق السلام في إثيوبيا... هدنة «مفخخة» بالانقسامات

عوامل الانهيار تتحدى «الضمانات الهشة»

تبادل وثيقة الوقف الدائم للأعمال العدائية بين إثيوبيا وتيغراي في نيروبي في 12 نوفمبر الحالي (أ.ف.ب)
تبادل وثيقة الوقف الدائم للأعمال العدائية بين إثيوبيا وتيغراي في نيروبي في 12 نوفمبر الحالي (أ.ف.ب)
TT

اتفاق السلام في إثيوبيا... هدنة «مفخخة» بالانقسامات

تبادل وثيقة الوقف الدائم للأعمال العدائية بين إثيوبيا وتيغراي في نيروبي في 12 نوفمبر الحالي (أ.ف.ب)
تبادل وثيقة الوقف الدائم للأعمال العدائية بين إثيوبيا وتيغراي في نيروبي في 12 نوفمبر الحالي (أ.ف.ب)

(تحليل إخباري)
بقدر ما جاء الإعلان عن اتفاق بين الحكومة الإثيوبية وبين جبهة تحرير تيغراي، مبشراً بإنهاء صراع مسلح دام أكثر من عامين، وراح ضحيته ما يقرب من نصف مليون شخص، مفاجئاً لكثير من المراقبين، إلا أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه بوساطة أفريقية مباشرة، وبضغوط أميركية على طرفي النزاع، لم يفلح في محو الكثير من الشكوك في إمكانية اعتباره حلاً نهائياً للصراع، أو حتى خطوة كبيرة نحو إحلال السلام في الدولة التي تعاني انقسامات عرقية وتحديات اقتصادية بالغة التعقيد، بل ذهب مراقبون إلى أن الاتفاق يبدو أقرب إلى «هدنة مفخخة» مهددة بالانهيار في مواجهة انقسامات داخلية مؤثرة، وتدخلات خارجية لا تقل تأثيراً.
الاتفاق الذي جرى توقيعه في العاصمة الجنوب أفريقية، بريتوريا، في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير تيغراي، جاء عقب مفاوضات مكثفة انطلقت في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وعززه اتفاق تالٍ في العاصمة الكينية نيروبي في الثاني عشر من الشهر الحالي لتنفيذ بنود الاتفاق الأول، لا سيما ما يتعلق منها بالشق العسكري.
وبدا واضحاً أن تلك الاتفاقات تقف وراءها ضغوط أفريقية ودولية واضحة، فإلى جانب جهود الوساطة التي قادها الممثل الأعلى للاتحاد الأفريقي الخاص بالقرن الأفريقي الرئيس النيجيري السابق، أولوسيغون أوباسانجو، والرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا، والنائبة السابقة لرئيس جنوب أفريقيا فومزيل ملامبو - نغوكا، كان هناك جهد أميركي بارز في مرحلة ما قبل المفاوضات، حيث أجريت مباحثات سرية في كل من جيبوتي وسيشل، مارست واشنطن خلالها ضغطاً على الحكومة الإثيوبية ووفرت الدعم الأمني واللوجيستي لوفد تيغراي المشارك في مفاوضات بريتوريا، وفي العلن شاركت الولايات المتحدة والأمم المتحدة والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) بصفة مراقبين.
تضمن الاتفاق 12 بنداً ركزت في مجملها على الأوضاع الميدانية، وتهيئة المجال لمباحثات سلام، مقابل تحسين الأوضاع المعيشية لسكان إقليم تيغراي، وضمان وصول المساعدات الإغاثية إلى الإقليم الذي عانى وضعاً إنسانياً متدهوراً، واتهامات بارتكاب جرائم حرب ضد سكانه على مدى العامين الماضيين.
وشمل الاتفاق «وقفاً فورياً ودائماً للأعمال العدائية بهدف إسكات المدافع وخلق بيئة مواتية لإرساء أسس السلام المستدام، واستعادة النظام الدستوري المعطل بسبب النزاع في منطقة تيغراي، ونبذ العنف كوسيلة لحل الخلافات السياسية، وتوفير إطار لضمان المساءلة عن الأمور الناشئة عن النزاع».
ولا يعول المراقبون الذين تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» كثيراً على نصوص الاتفاق، بقدر ما ينظرون بترقب حذر إلى الأجواء المحيطة بالتنفيذ، في ظل شكوك لها ما يبررها بشأن المواقف المتباينة من الاتفاق، سواء من جانب أطراف الصراع، أو من الحلفاء الذين يتابعون عن كثب مجريات التنفيذ، الذي يبدو أنه يواجه تحديات جمة حتى من قبل أن يبدأ تطبيقه.
- شروط المنتصر
أحد تلك التحديات يلخصها آلان بوزويل، مدير وحدة القرن الأفريقي بمجموعة الأزمات الدولية، الذي يعتبر الاتفاق بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيغراي، بمثابة «شروط المنتصر إلى حد كبير لأديس أبابا، ويعكس الضغط العسكري الهائل الذي كان يتعرض له تيغراي».
كما يعتبر أن النص على نزع سلاح مقاتلي تيغراي خلال 30 يوماً بموجب الاتفاق «يمكن أن يشكل نقطة اشتعال فورية»، فإذا لم تف الحكومة بالتزاماتها خاصة ما يتعلق بالسماح بحرية دخول المساعدات الإنسانية فوراً وتوفير الخدمات الأساسية المعيشية لسكان الإقليم، فقد يستشهد تيغراي بذلك كسبب لتأخير نزع السلاح، وهناك بالفعل فصائل لم تشارك في توقيع الاتفاق أعلنت عدم التزامها بما تم التوقيع عليه، ومن ثم بدأت التجهيز وتدريب مقاتليها لمواجهة مقبلة.
ثمة تحد آخر يراه بوزيل خطراً على مصداقية تنفيذ الاتفاق، وهو وجود قوات الجيش الإريتري، التي كان لها دور بارز في المواجهات العسكرية لصالح حليفهم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، فالقوات الإريترية لم يرد ذكرها صراحة في الاتفاق، وهناك شكوك عميقة بشأن سرعة إخراجها من الأراضي الإثيوبية، الأمر الذي سيمثل تهديداً حقيقياً لمدى التزام الأطراف المختلفة ببنود الاتفاق.
في المقابل تبدو حسابات المكاسب والخسائر دافعاً لجميع أطراف الاتفاق، سواء التي وقعت على الاتفاق، أو تلك التي تتحكم عن بعد في مجريات مشهد الصراع الإثيوبي، فعلى عكس الهدنة أحادية الجانب التي أعلنها آبي أحمد في مارس (آذار) من العام الحالي، فإن اتفاقية سلام بريتوريا مكتوبة وتتضمن آلية للمراقبة والإشراف والتحقق، وهو ما يوفر إطاراً أكثر دقة لتحديد التزامات جميع الأطراف المعنية، وهو ما يدفع الدكتور حمدي عبد الرحمن، أستاذ العلوم السياسية بجامعة زايد الإماراتية، في دراسة منشورة، إلى الاعتقاد أنه «اتفاق موضوعي يعكس المكاسب القتالية الأخيرة للجيش الإثيوبي والقوات المتحالفة معه في تيغراي».
فمن المكاسب الرئيسية للحكومة الفيدرالية أنها ستتولى إدارة إقليم تيغراي، بما في ذلك جميع المنشآت الفيدرالية، وستدخل قوات الجيش الفيدرالي إلى مكيلي (عاصمة إقليم تيغراي) بشكل سلمي، كما نص الاتفاق في مادته السادسة على الاعتراف بوجود جيش وطني واحد لإثيوبيا الفيدرالية، واتفق الطرفان على تصميم وتنفيذ برنامج وطني لنزع السلاح والتسريح وإعادة الاندماج لمقاتلي الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بالتوافق مع الدستور الإثيوبي. علاوة على ذلك، تلتزم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بنزع السلاح الكامل في غضون 30 يوماً، وسيكون هذا «سريعاً جداً»، نظراً للحجم الهائل لقوات دفاع تيغراي التي يقدر عددها الإجمالي بنحو 200 ألف مقاتل.
في المقابل ينص الاتفاق على ضمان المساءلة والوصول إلى الحقيقة في قضية ضحايا الحرب والجرائم المرتكبة، وهو ما يدعو الدكتور حمدي عبد الرحمن إلى التساؤل: «هل يقبل رئيس الوزراء آبي أحمد مفهوم المحاسبة ناهيك عن قادة تيغراي والمتورطين كافة في هذه الحرب العبثية؟».
- انقسام تيغراي
على الجانب الآخر، لا يبدو أن القوى الرئيسية في إقليم تيغراي على «قلب رجل واحد» بشأن الاتفاق مع الحكومة الفيدرالية، ففور توقيع الجهات العسكرية الممثلة للطرفين الاتفاق التنفيذي في نيروبي، رفض مؤيدون لجبهة تيغراي في الداخل وبالشتات في أوروبا وأميركا الشمالية الاتفاق، ووجهوا اتهاماً بـ«الخيانة لجبهة تحرير تيغراي».
كما تعالت أصوات تميل إلى اعتبار الجبهة تمثل «طرفاً واحداً فقط ضمن أطراف أخرى في تيغراي، وأنها لا تمتلك تفويضاً لتوقيع نزع السلاح من قوات دفاع تيغراي»، الأمر الذي دفع اللجنة المركزية لجبهة تحرير تيغراي للإعلان عن أنها «لم ترسل فريقاً للتفاوض إلى بريتوريا»، وأنه «لا يوجد شخص يمثل الجبهة في المحادثات هناك»، ولا يوجد جيش للجبهة لكي يتم نزع سلاحه».
ورفض البيان المذاع على قناة «تيغراي» الرسمية، البند المتعلق بنزع سلاح الجبهة، معتبراً أن «قوات الدفاع التيغراوية ليست تابعة لأي حزب أو تنظيم سياسي»، بل هي «قوات تشكلت من كل الأطياف للدفاع عن مصالح التيغراويين».
هذا الموقف يدفع العديد من المحللين إلى الاعتقاد أن ما عدّه البعض «مكاسب» لجبهة تحرير تيغراي، صاحبة التاريخ الطويل في تمثيل شعب الإقليم، لم يكن مقنعاً لمختلف أطياف القوى التيغراوية من أجل الترحيب بالاتفاق والانصياع لبنوده، فصحيح أن الاتفاق تضمن أن ترفع الحكومة تصنيفها للجبهة كمنظمة إرهابية، وهو ما يفتح أمامها مجال العودة إلى ممارسة العمل السياسي، إلا أن الإشارة إلى نزع سلاح مقاتلي تيغراي، يعتبرها هؤلاء بمثابة «هزيمة مذلة»، ويرفضها العديد من المقاتلين وبخاصة الشباب، الذين تشبعوا على مدى سنوات، لا سيما منذ خروج الجبهة من السلطة عام 2018 بأفكار الكفاح المسلح، بل حتى بدعوات الانفصال عن الدولة الفيدرالية، وهو ما سيجعل تنفيذ هذا البند تحديداً أمراً بالغ الصعوبة، في ظل تواتر الأنباء عن سعي بعض الفصائل العسكرية إلى إرجاء تنفيذ بند تسليم السلاح، سيما في حال سحب القوات الإريترية، لأنها تعتقد أن الجيش الإثيوبي لن يستطيع وحده الصمود أمامها من دون دعم وإسناد الحليف الإريتري وميليشيات الأمهرا.
وبرز كذلك تيار سياسي معارض لاتفاق بريتوريا، حيث أعلن حزب «سيلاسي وياني تيغراي» المعارض أن الاتفاق «غير مشروع لتمثيل مصالح شعب تيغراي»، وأنه «لا يتناول سوى مصالح الأطراف الموقعة عليه إلى جانب كل من إريتريا وأمهرة، في حين يتجاهل الاتفاق المطالب السياسية لتيغراي ولا يعالج الأسباب الجذرية للصراع».


مقالات ذات صلة

إثيوبيا: متمردو تيغراي يُظهرون «جدية» في تنفيذ اتفاق السلام

أفريقيا إثيوبيا: متمردو تيغراي يُظهرون «جدية» في تنفيذ اتفاق السلام

إثيوبيا: متمردو تيغراي يُظهرون «جدية» في تنفيذ اتفاق السلام

أظهر متمردو إقليم «تيغراي» شمال إثيوبيا، «جدية» في تنفيذ اتفاق السلام، الموقَّع قبل نحو 5 أشهر، مع الحكومة الفيدرالية بأديس أبابا، وذلك بتسليمهم مزيداً الأسلحة، ضمن عملية نزع سلاح الإقليم ودمج مقاتليه في الجيش الوطني. وحسب نائب مفوض «إعادة التأهيل الوطني»، العميد ديريبي ميكوريا، اليوم (الخميس)، فإن «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي سلمت الدفعة الأولى من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة المتنوعة التي تم جمعها حول منطقة دينقولات في إقليم تيغراي». وأنهى اتفاق السلام، الموقّع في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حرباً عنيفة استمرت عامين، راح ضحيتها الآلاف، حسب منظمات دولية.

محمد عبده حسنين (القاهرة)
أفريقيا هل تنجح مساعي إثيوبيا لدمج قوات الأقاليم في «جيش مركزي»؟

هل تنجح مساعي إثيوبيا لدمج قوات الأقاليم في «جيش مركزي»؟

تسود حالة من القلق الحذر في إثيوبيا عقب إعلان الحكومة عزمها تفكيك قوات الأقاليم، في وقت أثيرت فيه تساؤلات حول مدى نجاح إثيوبيا في دمج قوات الأقاليم في «جيش مركزي». ويرى خبراء أن «التوجه الجديد للحكومة الإثيوبية يواجه العديد من التحديات، ومن المبكر الحكم على نجاح تنفيذه، حيث يكتنف الموقف حسابات متجذرة ومعقدة». وأعلنت الحكومة الإثيوبية، (الخميس)، أنها تعتزم دمج جميع القوات الخاصة الإقليمية، إما في الجيش الوطني وإما في الشرطة الاتحادية أو الإقليمية.

العالم هل استعادت إثيوبيا ثقة المجتمع الدولي بعد توقف حرب «تيغراي»؟

هل استعادت إثيوبيا ثقة المجتمع الدولي بعد توقف حرب «تيغراي»؟

تسعى الحكومة الإثيوبية لاستعادة ثقة المجتمع الدولي بجهودها لإرساء حالة استقرار سياسي وأمني داخل البلاد، بعد نحو 5 أشهر على انتهاء حرب «تيغراي»، على أمل مشاركة دولية واسعة في إعادة الإعمار الإقليم الشمالي، من خلال استثمارات في البينة التحتية ومساعدات اقتصادية. وأنهى اتفاق السلام، الذي وُقِّع في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، في بريتوريا، عامين من الحرب بين الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي». وخلال الأشهر الفائتة، استؤنف تسليم المساعدات للإقليم، الذي عانى لفترات طويلة من نقص حاد في الغذاء والوقود والسيولة والأدوية.

محمد عبده حسنين (القاهرة)
العالم البرلمان الإثيوبي يشطب «جبهة تيغراي» من قائمة الإرهاب

البرلمان الإثيوبي يشطب «جبهة تيغراي» من قائمة الإرهاب

شطب البرلمان الإثيوبي الأربعاء «جبهة تحرير شعب تيغراي» المتمردة من القائمة الرسمية للجماعات الإرهابية، وهي خطوة رئيسية في عملية السلام، عقب حرب استمرت عامين في شمال البلاد. وقال البرلمان على «فيسبوك»، إنه وافق «على قرار إلغاء تصنيف (جبهة تحرير شعب تيغراي) على قائمة الإرهاب، بأغلبية الأصوات»؛ مضيفاً أن هذه الخطوة «ستعزز اتفاق السلام» المبرم في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بين الجبهة والحكومة الفيدرالية. وأضاف: «لوحظ خلال مناقشة مشروع قرار إلغاء تصنيف (جبهة تحرير شعب تيغراي) كإرهابية، أنه أمر لا غنى عنه لدعم اتفاقية السلام المبرمة بين الحكومة الفيدرالية و(جبهة تحرير شعب تيغراي)». وصُنّفت «الجبهة»

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
العالم إريتريا ترفض «التشهير» الأميركي

إريتريا ترفض «التشهير» الأميركي

رفضت إريتريا، الثلاثاء، الاتهامات الأميركية بأن قواتها ارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم تيغراي بشمال إثيوبيا، واصفة التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الأميركي بأنها «لا أساس لها وتشهيرية». ورداً على اتّهامات أطلقها وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الاثنين، قالت وزارة الخارجية في إريتريا، في بيان، إن «الاتهامات وهي ليست بجديدة لا تستند إلى أي أدلة واقعية لا يمكن دحضها». وشدّدت أسمرة على أن الاتهامات هذه تشكّل «استمراراً للعداء غير المبرر والشيطنة التي تنتهجها الإدارات الأميركية المتعاقبة ضد إريتريا، منذ عام 2009، لدفع أجنداتها السياسية الخفية». وكان بلينكن قد اتّهم الاثنين

«الشرق الأوسط» (أسمرة)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».