ليز تراس... حكاية صعود حكومة وسقوطها

الناشر اضطر لوقف توزيع كتاب عن رئيسة الوزراء السابقة وأعيد تحرير النص ليبدو نعياً سياسياً لها

صورة النسخة التي كانت معدة للنشر
صورة النسخة التي كانت معدة للنشر
TT

ليز تراس... حكاية صعود حكومة وسقوطها

صورة النسخة التي كانت معدة للنشر
صورة النسخة التي كانت معدة للنشر

انهارت الحكومة البريطانية التي شكلتها ليز تراس بعد 44 يوماً من توليها مقاليد السلطة التنفيذية في المملكة المتحدة بعدما تعرضت خططها الاقتصادية إلى ردود فعل سلبيّة للغاية من قبل الأسواق العالميّة، لتتردى قيمة الجنيه الإسترليني أمام الدّولار الأميركيّ إلى أدنى مستوياتها التاريخيّة على الإطلاق، وترتفع تكلفة الاقتراض الحكوميّ لأكثر من التكلفة التي يطلب من حكومات دول مفلسة (مثل اليونان) دفعها. ولم تفلح محاولات الرئيسة لإنقاذ الموقف عبر التراجع عن بعض مضامين خطتها؛ بل ولم يجدها نفعاً حتى طرد وزير ماليتها ومستشارها وأقرب حلفائها، كواسي كوارتينغ، من منصبه، إلى أن أبلغها رئيس لجنة النظام الداخليّ في الحزب الحاكم ضرورة الاستقالة من منصبها أو مواجهة تمرّد نواب الحزب عليها في الحكومة والبرلمان. وهكذا انسحبت تراس من الواجهة، وسارع الحزب الحاكم إلى اختيار خليفة لها متجاوزاً في ذلك الإجراءات التقليدية لتصعيد رؤساء الوزراء الجدد من صفوفه، مما جعل فترة تصريفها الأعمال أقصر حتى من فترة حكمها.
لكن إذا كانت تراس؛ خريجة جامعة أكسفورد والنائبة في مجلس العموم، قد واجهت ما يمكن تسميته «الحظ السيئ» في أثناء إقامتها القصيرة في «10 داونينغ ستريت» - مقر الحكومات بالعاصمة لندن - مقارنة برفاق لها لا يفوقونها ذكاء، فإنّها على الأقل حصلت مثلهم على بعض مغانم الحد الأدنى: إذ انتهت براتب دائم مدى الحياة، وبلقب رئيسة وزراء بريطانيّة سابقة، ويمكنها العودة إلى ممارسة واجباتها في نطاق مقعدها النيابي ضمن حزب الأغلبية (المحافظين) الحاكم. لكن الأمر مختلف تماماً بالنسبة إلى الكاتبين هاري كول أو جيمس هيل، اللذين كانا قد بذلا خلاصة جهدهما خلال 10 أسابيع لنشر كتابهما عن سيرة تراس المعنون: «من قلب الغموض: الصعود المذهل لليز تراس» ترافقاً مع توليها السلطة، لينهار كل شيء أمام أعينهما، مما اضطر ناشرهما إلى وقف توزيع النسخ المطبوعة واستدعاء الكاتبين لتحوير النصّ كي يبدو نعياً سياسيّاً للمرأة التي فقدت المنصب لتوّها. كان المؤلفان قد وقعا عقد الكتاب في أغسطس (آب) الماضي بينما كانت تراس تخوض منافسة انتخابيّة حزبيّة لاختيار خليفة لبوريس جونسون رئيس الوزراء الذي أجبر على الاستقالة مع بداية يوليو (تموز) الماضي، وبدا حينها أن حظوظها أفضل من حظوظ منافسيها. وقد حُدد تاريخ 29 أكتوبر (تشرين الأول) موعداً لصدور العمل، مع توقعات بعامين على الأقل من المبيعات والعرض على الرفوف وفاترينات متاجر الكتب؛ بالطبع دون أن يدرك الكاتبان المفاجأة التي كان يخبئها لهما القدر.
أنفق كول وهيل وقتهما في جمع الشهادات من أصدقاء تراس وزملائها ورفاقها في الحزب، إضافة إلى معجبيها، وتضمن ذلك سهرات مطولة في مشارب بلدة غرينيتش حيث تقيم الرئيسة منذ 20 عاماً، وكذلك في حانات ويسمنستر بالقرب من مقر البرلمان البريطانيّ حيث مقرّ عملها منذ انتخابها نائبة في 2019 ضمن دورة البرلمان الحالية، وأيضاً زيارات لغرف الأرشيف في جامعة أكسفورد والمكتبة البريطانية، ولقاءات مع الصحافيين المختصين بالشؤون السياسيّة في بريطانيا، وبالضرورة مقابلات معها قبل أسبوعين من انتقالها إلى «10 داونينغ ستريت»، وأخرى في عطلة نهاية أسبوع بعد توليها السلطة. وأُجلت مقابلة ثالثة نظراً إلى انشغال الرئيسة بالأوضاع المتفجرة.
وجد الكاتبان أن لتراس رصيداً من الإصلاحات الفاشلة في وزارة التعليم؛ أول حقيبة وزارية تولتها في 2012 (حكومة ديفيد كاميرون)، مما يمكن عدّه إرهاصات أولى حول الفشل فلكي الأبعاد الذي انتهت إليه رئيسة للوزراء، لكنّهما ولأغراض الكتاب حاولا التركيز على صفاتها الشخصيّة التي أهلتها للصعود في كوكب ويسمنستر: إيمانها الذي لا يتزعزع بذاتها، وغرائزها النقديّة تجاه كل مؤسسة أو هيكليّة قائمة.
وبحكم أن الكاتبين كول وهيل كانا يعدان سيرة الرئيسة للنشر؛ فإن الأبواب فتحت أمامهما للاقتراب من أجوائها في قلب مصنع الحدث، وهو ما سمح لهما بملاحظة معالم الانهيار الآتي، ولتتحوّل آمالهما تدريجياً في كتاب ناجح ومبيعات مديدة إلى كوابيس مفزعة، وآمالهما في عامين من المبيعات إلى أسابيع قليلة ربّما حتى أعياد رأس السنة فقط، ليتحطّم كل شيء مع مؤتمر حزب المحافظين في بيرمنغهام مع بداية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث بدا أن النّهاية أقرب مما تصورا بداية، وأصبح الضغط عليهما مضاعفاً من قبل الناشر لتعديل الكتاب ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
لكن الوقت كان قد فات؛ إذ عمد بعضهم إلى نشر صورة لغلاف الكتاب مع ملصق تخفيضات أسعار عليه بـ99 بنساً (أي أقل من جنيه إسترليني واحد مقابل السعر الأصلي للكتاب بـ20 جنيهاً)، وهي الصيغة التي يلجأ إليها بائعو الكتب البريطانيّون عادة للتخلص سريعاً من بعض العناوين التي فقدت أسباب استمرار عرضها. وانتشرت الصورة على مواقع التواصل الاجتماعي انتشار النار في الهشيم، وتناقلها الناس للتندر بشكل واسع ضمن مجموعاتهم على «واتساب» و«تلغرام» و«ريديت»، وكتب أستاذ إدارة أعمال أميركي في صفحته على «لينكد»: «تخيّل أن تكون سيئ الحظ مثل كول وهيل، فتستثمر وقتك ومالك في مشروع مثل كتابهما الذي انتهى كليّة حتى قبل أن يبدأ»، ودعا أحدهم على موقع «تويتر» إلى «الصلاة والدعاء من أجل الكاتبين اللذين سيصدر كتابهما في 8 ديسمبر (كانون الأول) المقبل». ونشرت شركة مراهنات صورة مزيفة على صفحتها في «فيسبوك» تظهر مئات النسخ من الكتاب بينما يجري إتلافها، فيما استخدم السير كير ستارمر، زعيم حزب العمّال المعارض، عنوان الكتاب للسخرية من رئيسة الوزراء أثناء الاستجوابات الاعتيادية في مجلس العموم.
«لقد كان الوضع سوريالياً»؛ يقول الكاتبان في مقال لهما عن تجربتهما المُذلة تلك؛ لا سيّما بعد أن تدفقت عليهما طلبات وسائل الإعلام من حول العالم للتحدث حول مشاعرهما بينما تسقط تراس فيما ينتظر كتابهما عن صعودها أسابيع عدة مقبلة للنشر!
في ظل تلك الظروف، قرر الكاتبان والناشر الانحناء للعاصفة والسعي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر تعديل عنوان الكتاب بعد اقتراحات عدة ليصبح: «من قلب الغموض: القصة من الداخل للصعود غير المتوقع والسقوط السريع لـ(ليز تراس)»، وسيوزع للعموم في نسخة مغلفة بداية من 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.
وبالطبع؛ فإن كثيرين يشككون منذ اليوم في قيمة الكتاب، ويرون أنّه متعجّل وسيفشل كاتباه في تقييم تجربة تراس تماماً كما فشلا في توقع سقوطها السريع، وأنّه من نوعية الكتب الدعائيّة التي تنتَج بشكل خاطف للاستفادة من الهالة المحيطة بالشخصيات الصاعدة إلى مصاف الشهرة دون كبير تمحيص ولا تروٍ ولا نظرة متأملة، أو يستخدمها هؤلاء الصاعدون لتقديم نسخ منها للمعجبين والأصدقاء؛ وإن تفرّق هؤلاء من حول تراس الآن ولم يبق منهم أحد تقريباً. فيما يتوقع خبراء سوق الكتب أنّه «احترق» بتلاشي مكانة صاحبة السيرة، ولن تباع منه حتى ألف نسخة، وإذا حدث فسيذهب أغلبها لمكتبات المدارس الثانوية والجامعات ولأفراد أسرة تراس والكاتبين والمقربين منهم.
لكن الدرس الأكبر من التجربة بمجملها كان أن كتابة التاريخ لا يمكن تعليبها وطيها واستجوابها لخدمة حاضر متسم بالسيولة، وأنّه ينبغي اقتصار تلك المحاولات على الصحافة السيارة لحين نضوج الأحداث وظهور تأثيراتها وأبعادها. درس لا بدّ من أن كول وهيل تعلماه بثمن باهظ، وهما حتماً لن يجتمعا مرّة أخرى لكتابة سيرة رئيس وزراء بريطانيّ آخر في مستهل صعوده للسلطة.



تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم
TT

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير. وظل هذا بما امتلأ به من صراعات وتحوّلات سياسية مادةً ثرية للكتب والروايات، غير أن صورته الأشهر بقيت متمركزةً حول الرجال، بينما تراجعت النساء إلى أطراف الحكاية، حتى حين كن شريكاتٍ في صنع أحداثها.

من هذه الفجوة تنطلق الكاتبة الدكتورة عائشة خليل عبد الكريم في كتابها «نساء آل تيودور»، الصادر عن دار «ديوان للنشر» بالقاهرة، معتبرةً أنه من المؤسف أن تبقى أصوات نساء آل تيودور غائبةً في سرديات هذا العصر، وهو ما دفعها لطرح ما تصفه بأنه «سرد تاريخ شعبي عن نساء البلاط الإنجليزي في القرن السادس عشر».

غير أن البحث عن النساء في تاريخ كُتب من مواقع الرجال والسلطة يتجاوز مجرد استعادة أسمائهن؛ فالأصوات الغائبة لا تظهر في الوثائق الرسمية بالصورة نفسها التي تظهر بها قرارات الملوك وحروبهم، لذلك لا تعزل المؤلفة نساءها عن الرجال الذين ظلّوا في بؤرة العرش، وإنما تعيد قراءة السياق بوصفهن أمهات الملوك وزوجاتهم وبناتهم ووريثات تاجهم.

ومن فصل إلى آخر يتغير موقع النظر، حتى تتكون صورة لنساء شاركن في صناعة الشرعية وحفظ السلالة، ودفعن كذلك أثماناً قاسيةً لشروط السلطة، وهكذا يغيّر الكتاب موضع الضوء داخل المشهد؛ ليكشف أن التاريخ الذي حمل أسماء الملوك لم يصنعه الملوك وحدهم.

حرب الوردتين

تبدأ عائشة خليل كتابها بمدخل ذاتي يربطها بـ«آل تيودور»، الذين بدأ تعرفها عليهم من خلال الدراسة والكتب، ثم تابعت حضورهم عبر السنوات في السرديات السينمائية وغيرها، إلى أن قررت اقتراح سردية مغايرة لذلك العصر بالابتعاد عن «سرد الأفعال البطولية للرجال»، والتركيز على نساء «آل تيودور» بوصفهن فاعلاتٍ في الأحداث التاريخية الصاخبة لهذا العصر.

للوصول إلى ما تسميه «وجه التاريخ الغائب»، تستعين عبد الكريم بسجلات البرلمان والبيوت الملكية ووثائق المحاكم ومراسلات السفراء، إلى جانب الكتيبات التي انتشرت مع دخول الطباعة إنجلترا. كما تُوسّع مفهوم الوثيقة ليشمل الموسيقى والبورتريهات وما تكشفه من ملابس وحلي وتفاصيل للحياة اليومية.

تحضر في بنية الكتاب مفارقة لافتة؛ فقد بدأ حكم «آل تيودور» بتدبير امرأة، هي مارغريت بوفورت، وانتهى عصرهم بامرأة أخرى هي حفيدتها إليزابيث الأولى، آخر حكام الأسرة.

لم يكن هنري تيودور، الذي أصبح لقبه «هنري السابع» صاحب حق قوي في التاج؛ إذ جاءت صلته بالدم الملكي من ناحية أمه وعبر نسب غير شرعي لم يكن كافياً لضمان العرش، غير أن والدته مارغريت دعمت تنصيبه، مستفيدةً من الاستنزاف الذي خلّفته «حرب الوردتين» على مدار سنوات طويلة بين عائلتي يورك ولانكستر، لتحوّل احتمال تنصيبه الضعيف إلى مشروع سياسي طموح.

سعت «بوفرت» إلى تزويج ابنها من «إليزابيث» وريثة بيت «يورك» ليجمع الزواج بين بيتَي «لانكستر» و«يورك» المتنازعين، وهكذا تضع مؤلفة الكتاب المرأة التي أدارت مشروع صعود «هنري السابع» في بؤرة الضوء، خاصةً أنها هيأت التحالف الذي منح حكمه شرعيةً لم يكن نسبه كافياً لتوفيرها له.

أما «إليزابيث» من بيت «يورك»، فقد جسدت في شخصها اتحاد البيتَين، ثم أصبحت أمّاً للورثة، وتنتقل المؤلفة من دورها السياسي إلى علاقتها بأبنائها وزوجها، مستعينةً بتفاصيل إنسانية مثل تشابه خط ابنها «هنري الثامن» مع خطها، ما دفع بعض المؤرخين إلى ترجيح أنها دربته بنفسها على الكتابة.

الولادة والسلالة

يتوقف الكتاب عند الصلة القاسية بين الولادة والموت واستمرار السلالة؛ فلم يكن جسد الملكة شأناً خاصاً، إنما تعلقت به شرعية العرش ومستقبل المملكة، فكانت الملكة مطالبةً بإنجاب عدد كبير من الأطفال، لأن نسبةً مرتفعةً منهم لم تكن تنجو، بينما تخاطر بحياتها مع كل مخاض.

وتشير المؤلفة إلى أن نحو خُمس الأطفال في ذلك العصر كانوا يموتون قبل بلوغ الخامسة، وأن امرأةً من كل أربعين كانت تفقد حياتها أثناء الولادة، لذلك كانت النساء يستعددن للمخاض بكتابة الوصايا والاعتراف والتوبة والتناول؛ فالمرأة تدخل غرفة الولادة وهي تستعد لاستقبال طفلها واحتمال موتها معاً.

عاش من أبناء إليزابيث أربعة فقط، وبعد وفاة ابنها الأمير «آرثر» حملت مجدداً، لكنها توفيت عقب ولادة طفلتها الأخيرة. وهكذا تصبح الولادة جزءاً من هندسة السلطة؛ إذ يمكن لموت طفل أو تعثر حمل أن يطلق أزمةً تتجاوز القصر إلى المجالين السياسي والديني.

تتجسد هذه العلاقة بصورة أكبر في حكاية «كاثرين الأرجونية»، ابنة الملكين إيزابيلا وفرديناند، اللذين وحّدا إسبانيا وأنهيا الحكم العربي للأندلس. وقد تلقت كاثرين تعليماً يليق بابنة أسرة ملكية نافذة، وكانت أمها إيزابيلا نموذجاً لملكة حكمت إلى جانب زوجها ورافقت جيوشها.

خُطبت «كاثرين» في طفولتها إلى ولي عهد إنجلترا الأمير «آرثر»، وكان ارتباطها بآل تيودور ضماناً لمنح الأسرة الحديثة في الحكم شرعيةً إضافيةً واتصالاً ببيت ملكي عريق، وبعد وفاة «آرثر» تزوجت شقيقه «هنري الثامن»، وعاشت معه نحو عشرين عاماً قبل أن يتحوّل زواجهما إلى إحدى أشهر أزمات العصر التي تخص السلالة كلها؛ إذ أراد هنري وريثاً ذكراً، وصار فقد زوجته كاثرين للأبناء تباعاً حجةً لفحص صحة الزواج، ثم ذريعة لإنهائه، ومع رفض البابا إبطال الزواج وقع الصدام مع روما، وانفصلت الكنيسة الإنجليزية عن سلطة البابوية.

تكشف حكاية كاثرين كيف تجاوزت دراما الأسرة حدود القصر؛ فتحوّل تعثّر الملكة في إنجاب وريث ذكر إلى أزمة في شرعية الزواج، ثم إلى انقسام ديني غيّر تاريخ إنجلترا، كاشفاً أن أجساد النساء وعلاقاتهن الخاصة لم تكن منفصلة عن السياسة، بل وقعت في قلب تحوّلات الحكم والدين والسلالة.

وإذا كانت مارجريت بوفورت قد مهّدت بدهائها لتأسيس الأسرة «التيودورية»، وساعدت ابنها هنري السابع على اعتلاء العرش، فقد انتهى عصرها مع سليلتها إليزابيث الأولى، حفيدتها الكبرى، التي تصفها المؤلفة بأنها «درة آل تيودور». كانت إليزابيث ابنة هنري الثامن وآن بولين، التي تزوجها الملك في خضم أزمته مع الكنيسة وسعيه إلى إبطال زواجه من كاثرين أراغون، وتلقّت إليزابيث تعليماً رفيعاً، فأجادت اللاتينية والإيطالية والفرنسية إلى جانب الإنجليزية.


«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام
TT

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

صدر حديثاً، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف المؤرخ والأكاديمي الفرنسي فابريس دالميدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ، وكيف تحول المال عبر العصور إلى سلطة تؤثر في السياسة والإعلام، وترجمه إلى العربية لطفي السيد منصور.

الكتاب دراسة معمقة لواقع الأثرياء، ويسعى إلى الكشف عن مكانتهم الحقيقية في تاريخنا، واستكشاف مدى تأثيرهم في تطورنا، وفي تحولات مجتمعاتنا، وطبيعة حياتهم الحقيقية، وإسهاماتهم، والأخطاء التي ربما ارتكبوها، وكيفية تعاملهم مع الإخفاقات، ويوضح أن مشكلة الأثرياء أصبحت أكثر حدةً مع انزلاق الخيالات نحو المبالغة والخلط ونظريات المؤامرة؛ إذ يتصور الناس أن جميع الأثرياء يتصرفون بالطريقة نفسها، مدفوعين بالأنانية والطموح الجامح. إلا أن وراء كل صاحب ثروة طائلة مغامرةً شخصية؛ فبغضّ النظر عن المال لا يوجد اثنان متشابهان.

يهدف الكتاب، حسب مقدمة المترجم، إلى «تقديم تأملٍ حول ماهية الأثرياء حقّاً؛ ففي مواجهة تحدي الشعبوية تُعَدُّ طريقة تعامل أصحاب السلطة معهم أمراً بالغ الأهمية. غالباً ما كانت السياسات المتعلقة بالفقراء هي التي توجه النقاش العام، لكن منذ بضعة عقود أصبح الجميع يتفقون على تعريف (خط الفقر)، وعلى ضرورة توفير الإعانات الاجتماعية لمساعدتهم. في المقابل، لا يوجد إجماعٌ بشأن الثروات الضخمة، إلا أن إدارة هذه الثروات الهائلة وأصحابها لها آثارٌ إيجابيةٌ أو سلبية على الاقتصاد. ولا يمكن التعامل معهم ككتلةٍ واحدةٍ دون مخاطر، فقد أصبحوا فاعلين أساسيين في النظام الاقتصادي؛ لذا علينا التفكير مليّاً في استراتيجيات الضرائب والاستثمار العام، ويجب على الحكومات أن تدرس، على أساس كل حالةٍ على حدة، أفضل الخيارات المتاحة، وفقاً لمجالات العمل وأهميتها للمجتمع، وإلا فإن التوترات بين الشعب ونخبه المختلفة لن تزداد إلا حدَّة».

يُذكر أن المؤلف فابريس دالميدا من أبرز المتخصصين المعاصرين في تاريخ وسائل الإعلام، والدعاية السياسية، والتلاعب بالصور، إلى جانب أبحاثه المعمقة في تاريخ النازية والثقافة السياسية الأوروبية. يعمل أستاذاً للتاريخ المعاصر في جامعة باريس بانتيون آسا (باريس 2). نال عدة أوسمة رفيعة من الدولة الفرنسية تقديراً لإسهاماته العلمية، منها وسام الفنون والآداب (برتبة فارس) عام 2022، ووسام الاستحقاق الوطني الفرنسي عام 2023.

ولطفي السيد منصور، مترجم مصري، من أهم ترجماته: «تقرير بروديك» و«الغسق» للروائي فيليب كلوديل، و«نوتردام النيل» للروائية سكولاستيك موكاسونجا، و«النشوة المادية» لجوستاف ماري لوكليزيو، و«سيكولوجية الحماقة» و«تاريخ عالمي للهراء» من إشراف وتحرير جان فرانسوا مارميون. يعد من أبرز الناشطين في مجال الترجمة عن الفرنسية، حيث ينشر اختياراته المترجمة من الأدب والفلسفة والفكر الفرنسي بانتظام في عدد من الدوريات والمجلات المصرية والعربية.


حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.