الكرملين «لا يسعى لإطاحة» زيلينسكي... وينفي تعبئة جديدة

معارك ضارية حول دونيتسك... وجهود لحماية محطة زابوريجيا

امرأة تعانق صديقة لها تخدم ضمن الجيش الأوكراني في خيرسون الاثنين (أ.ف.ب)
امرأة تعانق صديقة لها تخدم ضمن الجيش الأوكراني في خيرسون الاثنين (أ.ف.ب)
TT

الكرملين «لا يسعى لإطاحة» زيلينسكي... وينفي تعبئة جديدة

امرأة تعانق صديقة لها تخدم ضمن الجيش الأوكراني في خيرسون الاثنين (أ.ف.ب)
امرأة تعانق صديقة لها تخدم ضمن الجيش الأوكراني في خيرسون الاثنين (أ.ف.ب)

سعى الكرملين، الاثنين، إلى التخفيف من أهمية تصريحات أطلقها نائب مجلس الأمن القومي الروسي، ديمتري ميدفيديف، تعهد خلالها بـ«استعادة» كييف التي وصفها بأنها «مدينة روسية».
وأعلن الناطق باسم الديوان الرئاسي، ديمتري بيسكوف، بعد مرور ساعات أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا «لا تضع بين أهدافها تغيير السلطة»، في إشارة غير مباشرة إلى عدم نية موسكو استهداف العاصمة الأوكرانية أو إطاحة الرئيس فولوديمير زيلينسكي. وقال بيسكوف إن «الاتحاد الروسي يسعى لتحقيق أهدافه في العملية العسكرية، وسوف يحققها»، مؤكداً أنه «ليس بين الأهداف إطاحة السلطة في أوكرانيا».
وكان ميدفيديف؛ الذي تميز بتصريحاته النارية منذ بدء الحرب في أوكرانيا، قال إن العاصمة الأوكرانية كييف «مدينة روسية»، وتعهد بـ«استعادتها». وجاء حديثه تعليقاً على وعود أطلقها مسؤولون أوكرانيون مراراً في الأيام الأخيرة بـ«استعادة شبه جزيرة القرم».
وكتب ميدفيديف في قناته على «تلغرام»: «في بعض الأحيان تحتاج تصريحات العدو إلى إجابة غير دبلوماسية. القيادة الأوكرانية ليست في وضع يسمح لها بالحديث عن استعادة شبه جزيرة القرم». وتابع: «هناك حقائق لا خلاف عليها يجب أن أشير إليها، وهي أن كييف كانت عاصمة روسيا القديمة، وواحدة من المدن الروسية الكبرى داخل الإمبراطورية الروسية، وعاصمة إحدى الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية». وأضاف أن «سكان كييف لطالما كانوا يتحدثون باللغة الروسية، حتى يكون كل شيء واضحاً تماماً، بشأن ما الذي يجب أن تتم استعادته في الواقع».
* معاقبة متورطين في إعدامات مفترضة
في شأن آخر؛ توعّد بيسكوف بالعثور على المسؤولين عن مقتل مجموعة من الجنود الروس في أوكرانيا، ومعاقبتهم على ما وصفها بأنها عملية «إعدام»، في الوقت الذي قالت فيه كييف إنّ هؤلاء الجنود قُتلوا بعد استسلام وهمي. وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية للصحافة: «من الطبيعي أن تبحث روسيا بنفسها عن أولئك الذين ارتكبوا الجريمة. يجب العثور عليهم ومعاقبتهم». وأضاف أن موسكو ستتوجّه إلى الهيئات الدولية لهذا الغرض «إذا كان من الممكن أن يكون ذلك مفيداً».
وكانت روسيا قد اتهمت أوكرانيا، الجمعة، بإعدام أكثر من 10 من جنودها بعد إلقاء أسلحتهم، بناءً على مقاطع فيديو نُشرت على شبكات التواصل الاجتماعي. وفي أحد مقاطع الفيديو، يظهر نحو 10 جنود يبدو أنّهم روس يخرجون الواحد تلو الآخر من مخبأ وأياديهم في الهواء، ثم يستلقون ووجوههم على الأرض بناء على أوامر جنود أوكرانيين؛ على ما يبدو، يوجهون إليهم سلاحهم.
* موسكو تنفي تعبئة عسكرية جديدة
كذلك؛ نفى الناطق الرئاسي الروسي، صحة معطيات حول توجه موسكو لإعلان تعبئة عسكرية جديدة، وقال للصحافيين إن «الكرملين لا يناقش موجة ثانية من التعبئة». وفي المقابل؛ شدد بيسكوف على أهمية تعزيز الجهود لحماية محطة زابوريجيا النووية وسط حديث روسي عن تصعيد عسكري أوكراني حول المحطة.
واتهمت موسكو الجانب الأوكراني بقصف مواقع قرب المحطة خلال الساعات الـ24 الأخيرة، بالتزامن مع تصاعد الجدل الدولي حول وضع المحطة وضرورة اتخاذ إجراءات لمنع وقوع كارثة نووية فيها بسبب تصاعد المواجهات حولها. وقال بيسكوف إن «روسيا تدعو جميع الدول إلى التأثير على أوكرانيا لوقف قصف محطة الطاقة النووية في زابوريجيا».
وجاء تكثيف الحديث حول الموضوع تزامناً مع إعلان المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، رافاييل غروسي، عن نيته زيارة روسيا وأوكرانيا لبحث تدابير لضمان سلامة المحطة. وأشار غروسي إلى أنه «خلال اللقاءات السابقة مع الرئيسين الروسي والأوكراني تحدثنا عن الحاجة إلى حماية المحطة». وأضاف غروسي: «هدف (الوكالة الدولية) هو وقف الهجمات على المحطة (...) آمل أن ننجح في التوصل إلى اتفاق بشأن هذه القضية، بمساعدة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وقادة آخرين». وتابع غروسي أن خبراء الوكالة سيقومون بجولة تفتيش في المحطة لتقييم الأضرار الناجمة عن القصف الأخير.
* «منطقة آمنة» حول زابوريجيا
في الأثناء، قال المدير العام لمؤسسة «روس آتوم» الروسية، أليكسي ليكاتشيف، إن فكرة إقامة منطقة أمنية حول محطة زابوريجيا للطاقة النووية «ستكون ممكنة التطبيق إذا وافقت واشنطن فقط على ذلك». وأوضح أن «فرض المنطقة الآمنة يعتمد أولاً على نشاط غروسي، لكن الأهم من ذلك؛ وفق ما أعتقد، أن المنطقة الأمنية لن تكون ممكنة إلا إذا وافقت عليها واشنطن. يبدو لي أن المسافة الكبيرة بين واشنطن وزابوريجيا يجب ألا تكون حجة للإدارة الأميركية لتعطيل القرار بشأن المنطقة الآمنة».
وكانت وزارة الخارجية الروسية طالبت بإقامة المنطقة الآمنة ووقف هجمات أوكرانيا حول المحطة، وقال نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي فيرشينين، إنه من الضروري الاتفاق على إنشاء منطقة آمنة حول المحطة بأسرع ما يمكن. وزاد أن «موسكو على اتصال مع (الوكالة الدولية للطاقة الذرية)؛ وتحديداً مع أمانة الوكالة، وشخصياً مع المدير العام، وتتواصل المفاوضات بشأن إنشاء منطقة أمان نووي تشغيلية ومادية حول المحطة ونتفق مع السيد غروسي بهذا الشأن».
وزاد الدبلوماسي الروسي أنه «بالنسبة إلى المعايير المحددة لإنشاء هذه المنطقة، فقد جرى النظر في خيارات عدة، ولكن من السابق لأوانه الحديث عنها، إلا إن الهدف الرئيسي الذي نسعى من أجله إلى إنشاء هذه المنطقة هو منع التهديدات الناشئة عن الهجمات المستمرة لنظام زيلينسكي على المحطة النووية وبنيتها التحتية».
* موسكو تعلن التصدي لقوات كييف
ميدانياً؛ أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها تصدّت لهجوم واسع شنته القوات الأوكرانية في اتجاه جنوب دونيتسك.
وأفادت في إيجاز صحافي بأنه «جرت إعادة وحدات القوات المسلحة الأوكرانية إلى خط البداية، وبلغت الخسائر في صفوف القوات المسلحة الأوكرانية في اتجاه جنوب دونيتسك أكثر من 70 عسكرياً». وزادت أن «القوات المسلحة الروسية دمرت خلال اليوم الأخير راجمات صواريخ من طراز (أوراغان) تابعة للقوات المسلحة الأوكرانية في مدينة خاركيف، وهي راجمات استخدمت لقصف الأراضي الروسية في منطقة بيلغورود».
كذلك؛ أحبطت القوات المسلحة الروسية محاولة من جانب القوات الأوكرانية للهجوم في اتجاه كوبيانسك، ودمرت؛ وفقاً للإيجاز، «مجموعة تخريبية واستطلاعية تابعة للقوات المسلحة الأوكرانية في خيرسون حاولت العبور بقارب إلى الضفة اليسرى لنهر دنيبر».
يذكر أن آندريه ماروتشكو؛ المسؤول العسكري الموالي لموسكو في لوغانسك، كان قد أشار إلى مواجهات ضارية جرت على محوري دونيتسك والمناطق المحيطة بخيرسون، وقال إن «جزءاً من القوات الأوكرانية التي جرى نشرها الأسبوع الماضي من اتجاه خيرسون قد تم تدميره». وأضاف ماروتشكو أن هناك «تأكيدات مباشرة وغير مباشرة لنقل القوات الأوكرانية من خيرسون إلى لوغانسك وزابوريجيا، وجرى نقل كثير من الأفراد والمدرعات، بغرض خلق قبضة قوية لتنفيذ هجوم واسع في المنطقتين. وعندما أصبح القتال أكثر نشاطاً، جرى تدمير بعض هذه المجموعات من قبل القوات الجوية الروسية». وتابع ماروتشكو أنه «في الوقت الحالي، يقوم العدو بإعادة تجميع صفوفه وتحديد خسائره، حتى يبدأ، مع تحسن الطقس، محاولة اقتحام جمهورية لوغانسك في اتجاه سفاتوفو وكريمينايا وغيرها من المناطق الخطرة»، مشيراً إلى أن القوات الأوكرانية تكبدت «خسائر فادحة للغاية».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط «ليس في صالح أوكرانيا»

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي يتبادلان التحية خلال اجتماع في طهران - 19 يوليو 2022 (أرشيفية - أ.ب) p-circle

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط «ليس في صالح أوكرانيا»

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إنه يتفهم تحول انتباه العالم إلى الشرق الأوسط، لكن ذلك «ليس في صالح أوكرانيا». وأضاف زيلينسكي للطلاب في باريس، خلال…

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث إلى طلاب في باريس

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط ليس في مصلحة أوكرانيا

​قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الجمعة، إنه ‌يتفهم تحول انتباه ‌العالم إلى ​الشرق ‌الأوسط، ⁠لكن ​ذلك «ليس في ⁠مصلحة أوكرانيا».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا المستشار الألماني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في قاعدة «باردوفوس» بالنرويج يوم 13 مارس (أ.ف.ب)

المستشار الألماني ينتقد قرار واشنطن إعفاء النفط الروسي من العقوبات

وصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس قرار واشنطن اعتماد إعفاءات على صادرات النفط الروسي، بأنه «خاطئ»، داعياً إلى عدم التلهي بالحرب في إيران لتخفيف دعم أوكرانيا.

راغدة بهنام (برلين)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز) p-circle

ماكرون يشدد على أن الحرب الإيرانية لن تخفف الضغط على روسيا

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، خلال استقباله نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن روسيا «تُخطئ» إذا اعتقدت أن الحرب على إيران ستخفف الضغط عليها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (أ.ب)

ترخيص أميركي «مؤقت» يسمح للدول بشراء النفط الروسي العالق في البحر

أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصا مؤقتاً يسمح للدول بشراء النفط الروسي العالق حالياً في البحر لزيادة النطاق العالمي للإمدادات الحالية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.