ميا موتلي... «محامية الفقراء» تحلم بإنقاذ كوكب الأرض

ضمن أقوى 100 شخصية عالمياً ومرشحة لقيادة الأمم المتحدة

ميا موتلي... «محامية الفقراء» تحلم بإنقاذ كوكب الأرض
TT

ميا موتلي... «محامية الفقراء» تحلم بإنقاذ كوكب الأرض

ميا موتلي... «محامية الفقراء» تحلم بإنقاذ كوكب الأرض

عندما دُعيت ميا موتلي، رئيسة حكومة دولة باربادوس، لم يستوعب كثيرون من متابعي الجلسة الافتتاحية للقمة العالمية للمناخ (Cop27)، التي استضافتها مدينة شرم الشيخ المصرية، السبب وراء اعتلاء تلك السيدة التي لا تشغل منصباً دولياً رفيعاً ولا تقود دولة عظمى، منصة الحديث ضمن الجلسة الرئاسية، وفي مرتبة متقدمة على العديد من قادة العالم المتقدم والدول الكبرى الذين احتشدت بهم القاعة، وجلسوا ينتظرون دورهم في الحديث. لم تقتصر دهشة المتابعين على الترتيب المتقدم لكلمة موتلي، عقب الرئيس المصري باعتباره ممثل الدولة المستضيفة والأمين العام للأمم المتحدة منظمة الحدث، بل كان الأكثر إدهاشاً الإنصات التام الذي خيّم على القاعة إبان إلقاء تلك السياسية - المجهولة لمعظم المواطنين العرب - خطابها بصوت عميق ونبرات حادة وكلمات مختارة بعناية، لم تخل من انتقادات حادة للسياسات العالمية في التعامل مع الفقراء والدول النامية، وضمّنته بعض كلمات الأغاني الثورية والعبارات الشعرية. وبدا أن كثيرين يتساءلون عن سر قوة السيدة التي تقود باربادوس، الدولة - الجزيرة الصغيرة الواقعة بأقصى شرق البحر الكاريبي ولا يقطنها أكثر من 300 ألف مواطن. فما هو سر قوة تلك السيدة التي يبدي قادة العالم المتقدم في حضورها مظاهر التقدير البالغ، ويلتف حولها كثير من نشطاء قضية المناخ في العالم، ويُقال، إن طموحها السياسي يتجاوز ملف المناخ؛ إذ يرشحها لتصدر ترشيحات الشخصيات لقيادة الأمم المتحدة في عام 2026، عقب انتهاء الولاية الثانية لأنطونيو غوتيريش الأمين العام الحالي للمنظمة الأممية.

اسمها الكامل ميا أمور إرنست ديتون موتلي، ويُقال إنها استمدت جينات القوة والقدرة الفائقة على التفاوض العنيد من جدها إرنست (1907 - 1973) الذي كان سمساراً ناجحاً للعقارات، واستطاع أن يوظف قدراته التفاوضية الهائلة ليقتحم عالم السياسة في منتصف القرن الماضي. إلا أنه لم يكن يتصور أن حفيدته الصغيرة «ميا» ستكتب تاريخاً كبيراً لبلدها الصغير باربادوس، وستقود الجزيرة العائمة بين عالمين متباينين: القارة الأميركية المتقدمة في الشمال، ونظيرتها الجنوبية الغارقة في مشاكل جمة تبدو لصيقة بكل ما هو جنوبي في عالم اليوم.
- محامية ومعارضة عنيدة
اكتشفت ميا موتلي قوة شخصيتها منذ سنوات الطفولة، واختارت بعدما فرغت من دراستها في مدرسة الأمم المتحدة الدولية، أن تواصل مسارها في الحياة عبر دراسة القانون، وحصلت على شهادتها الجامعية من إحدى أعراق جامعات العالم... مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.
كان القانون – وبالذات - حلمها الدائم في إرساء العدالة مفتاحها نحو عالم السياسة الذي ارتمت بين أمواجه لأكثر من ثلاثة عقود كاملة، شغلت فيها مناصب في الحكومة لم تتوفر لامرأة قبلها في باربادوس، التي اعتمدت تاريخياً كمستعمرة بريطانية على زراعة قصب السكر وتصدير منتجاته، وكانت ككل المستعمرات البريطانية رقماً هامشياً في دفاتر «الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس».
دخلت موتلي عالم السياسة الباربادوسية لأول مرة عام 1991 عندما خسرت الانتخابات بفارق أقل من 200 صوت عن منافسها، فانضمت إلى المعارضة بين عامي 1991 - 1994. غير أنها ذاقت طعم السلطة عندما فاز حزبها «حزب العمال الباربادوسي» بالانتخابات العامة عام 1994. وعُيِنت على الأثر وزيرة للتعليم وشؤون الشباب والثقافة، وأصبحت في سن التاسعة والعشرين واحدة من أصغر الباربادوسيين الذين تولّوا حقائب وزارية.
يومذاك اتخذت من قضايا التعليم ودعم الشباب والقضايا الاجتماعية كارتفاع معدلات العنف والسرقة وتدني جودة التعليم، ملفات حيوية في فترة وزارتها الأولى، وهو ما حشد لها دعماً شعبياً دفع بها نحو تولي مناصب أعلى، منها منصب النائب العام ووزيرة الداخلية في أغسطس (آب) 2001، لتغدو بذلك أول امرأة تشغل هذا المنصب في باربادوس. وبفضل كفاءاتها القانونية والتشريعية استحقت لقب «مستشار الملكة»، فقد كانت البلاد حتى ذلك الحين دولة تابعة للتاج البريطاني. ولكن بعد 20 سنة، قادت السيدة السمراء باربادوس لتكون آخر الخارجين من «عقد» الملكية البريطانية في عهد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية.
لم تكن مسيرة موتلي طوال سنوات عملها السياسي سوى إضافات جديدة في سيرة ذاتية استثنائية. إذ شغلت مناصب رئيسة مجلس النواب وكانت عضواً في مجلس الأمن القومي ومجلس دفاع باربادوس ومجلس الملكة الخاص. يضاف إلى ذلك دورها الرائد في برنامج تحسين قطاع التعليم، الذي مثّل نقطة تحول حقيقية في تاريخ بلادها، وساهم في تحسن إسهام الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة للجزيرة الصغيرة، عبر الاستخدام واسع النطاق لتقنيات المعلومات والاتصالات للمساعدة في تحسين جودة عملية التعليم والتعلم. فلقد أسهمت رؤيتها «الثورية» في مجال التعليم باحتلال باربادوس المرتبة الـ51 من بين أغنى بلدان العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد. وهي اليوم تمتلك اقتصاداً مختلطاً متطوّراً ومستوى معيشة عالياً نسبياً، فوفقاً لبيانات البنك الدولي، تأتي بربادوس في المرتبة الـ66 من بين الاقتصادات الأعلى دخلاً في العالم.
- تحقيق حلم «الجمهورية»
ولأن أمواج السياسة لا تعرف استقراراً، عادت موتلي لصفوف المعارضة مجدداً، لكن هذه المرة من موقع القيادة. ومن ثم صارت أول امرأة تقود حزباً وأول امرأة معارضة في بلادها. وحينذاك، أقسمت كقائدة للمعارضة في 7 فبراير (شباط) من عام 2008 على أن يكون حزب «العمال» الذي تقوده معارضة قوية وموحّدة تحارب من أجل حقوق جميع المواطنين. وبالفعل قادت المعارضة مرتين في مجلس النواب: المرة الأولى بين عامي 2008 و2010 والثانية بين عامي 2013 و2018، إلى أن حقق حزبها العمالي بقيادتها انتصاراً تاريخياً ساحقاً في الانتخابات العامة التي أجريت في 24 مايو (أيار) عام 2018، باحتكاره جميع المقاعد الثلاثين في مجلس النواب.
وهكذا، أصبح الحزب الأول الذي يحقق مثل هذا الاكتساح في تاريخ البلاد، علماً بأنه حصد أيضاً 72.8 في المائة من الأصوات الشعبية، وهي أعلى نسبة يحققها حزب على الإطلاق في الانتخابات العامة.
في هذه الأثناء، ظل حلم موتلي القديم بتحويل بلادها إلى جمهورية حياً. وطبعاً أهلها تفويضها الشعبي الكاسح لتحقيق ذلك الحلم الذي عبّر عنه إيرول بارو، أول رئيس وزراء لباربادوس بعد حصولها على الاستقلال عام 1966، عندما قال «لا يجوز لباربادوس أن تظل تتسكع في المرحلة الاستعمارية». وهذا ما حصل، عندما قادت الزعيمة الطموحة بلادها، التي تشتهر بشواطئها الجميلة وبلعبة الكريكيت، وبتراث مزدوج يجمع بين التقاليد الإنجليزية العريقة والتراث الأفريقي الذي ينعكس في موسيقاها ورقصها، إلى ارتداء ثوب الجمهورية.
وفي الانتخابات العامة التي أجريت في 19 يناير (كانون الثاني) 2022، وهي الأولى في «العهد الجمهوري»، كرر حزب موتلي إنجازه التاريخي بحصوله على كل المقاعد للمرة الثانية، إلا أن الزعيمة التي جربت العمل في صفوف الحكومة والمعارضة على حد سواء، أصرت على ألا يكون غياب المعارضة في عهدها مبرراً لتغييب صوت القوى السياسية الأخرى، فحافظت على إرث سياسي منفتح. وراهناً، تخلو وسائل الإعلام في الجزيرة من الرقابة وسيطرة الدولة، فجميع الصحف مملوكة للقطاع الخاص، وثمة مزيج من المحطات الإذاعية الخاصة والعامة، وتدار المحطة التلفزيونية الوحيدة من قِبل هيئة الإذاعة الكاريبية المملوكة للحكومة، وتعرض مجموعة كبيرة من الآراء السياسية.
- قضية «حياة أو موت»
لم يكن ظهور ميا موتلي على الساحة الدولية وليد إنجازها المحلي، ونجاحها في قيادة تحول تاريخي لبلادها الصغيرة فحسب، بل لأنها أيضاً استطاعت أن تضع اسمها بين أكثر المؤثرين عالمياً في قضية باتت تشغل الاهتمام الدولي في العقود الأخيرة، وهي قضية المناخ.
وجاء اهتمام موتلي بتلك القضية نابعاً من انشغالها بمستقبل بلادها التي يهددها الخطر من كل اتجاه. فباربادوس تنجو أحياناً من أسوأ آثار العواصف الاستوائية والأعاصير خلال موسم الأمطار، حيث موقعها في أقصى شرق البحر الكاريبي يضعها خارج بؤرة الأعاصير الرئيسية. لكن ذلك لا يضمن لها البقاء بمأمن من تغيرات المناخ الصاخبة، وارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات، الأمر الذي يمثل بالنسبة لباربادوس قضية «حياة أو موت»، وهو التعبير الذي تحرص موتلي على ترديده في خطاباتها ذات النبرة القوية في منتديات المناخ.
ولعل الخطاب الذي ألقته موتلي أمام قمة غلاسغو للمناخ باسكوتلندا العام الماضي، هو ما لفت إليها الأنظار. إذ استحوذ خطابها القاسي أمام الجمهور الذي ضم الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون، على اهتمام قادة العالم، وفيه حذرت من أن ارتفاع درجات الحرارة يشكل «عقوبة إعدام مخيفة» للدول الجُزرية من أنتيغوا وباربادوس إلى فيجي وجزر المالديف.
الخطاب الحماسي تصدّر عناوين الصحف في جميع أنحاء العالم، وبالنسبة لكثيرين كان بمثابة مقدمة للتعرف على شخصية موتلي، التي حازت في العام نفسه جائزة «أبطال الأرض» في فئة السياسات والقيادة هذا العام، وهي أعلى تكريم بيئي تمنحه الأمم المتحدة لمن يكون لأعمالهم تأثير جوهري على البيئة. وورد في حيثيات منح الجائزة، أن موتلي «أمضت سنوات في شن حملات ضد التلوث وتغير المناخ وإزالة الغابات؛ ما جعل بربادوس رائدة في الحركة البيئية العالمية».
- نضال بروح «بوب مارلي»
استفادت موتلي من شعبيتها، وفهمها الدقيق للتمويل الدولي، وقدرتها غير العادية على تلخيص القضايا الاقتصادية المعقدة بلغة واضحة لانتزاع إعجاب المشاركين، وبخاصة من الأجيال الشابة المتحمسة لقضايا المناخ، والأشد انتقاداً لتقاعس الدول المتقدمة عن التعاطي بجدية مع شواغل الدول الأقل نمواً. ولم تقتصر براعة موتلي الخطابية على قدراتها التبسيطية لقضايا بالغة التعقيد، بل استغلت أيضاً قوة الأغنية، فنسجت كلمات أشهر المغنين الكاريبيين، بما في ذلك الجامايكي الراحل بوب مارلي (أشهر مغني «ريغي» في العالم) في مناشداتها من أجل النضال الدولي لتحقيق المساواة العالمية وتوحيد القرار الإنساني. ونجحت، كما نجحت كلمات مارلي البسيطة والعميقة حول التمرد على الظلم، ودعم العدالة والحرية والسلام، ومحاربة الفقر، ونشر الحب بكل أنواعه، أن تجذب لفنه الملايين من كل الأجناس والأعراق.
لقد استطاعت دعوة موتلي البيئية تحويلها من قائدة لدولة جُزرية صغيرة إلى قوة عالمية معنية بتغير المناخ. وهو ما دفع اسمها لتصدر الترشيحات لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة في عام 2026، كأول امرأة يمكن أن تتولى منصب الأمين العام. ويذكر أن مجلة «تايم» الأميركية الشهيرة اختارتها ضمن قائمة أكثر 100 شخصية مؤثرة في العالم للعام 2022، إلى جانب الرؤساء جو بايدن وفلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي. وثمة اعتراف بين الساسة حالياً بأنها بلغت مستويات عالية من الشهرة والتأثير عالمياً، لدرجة أنه بات من المفيد للقادة الظهور إلى جوارها حتى وإن لم يشاركوها الاتفاق في رؤيتها العالمية. ويدلل أصحاب هذا الرأي على هذا، بأنه رغم معارضة الرئيس الأميركي بايدن، في قمة المناخ العام الماضي، للمقترحات التي تدعمها موتلي لتحميل الدول ذات الدخل المرتفع المسؤولية عن الدمار الناجم عن تغيرات المناخ، فإنه أمسك بيدها أثناء سيرهما معاً؛ الأمر الذي كان له وقع خاص على المهتمين بقضايا المناخ في العالم.
- أكبر من قضية مناخ
الواقع، أن نضال موتلي من أجل العدالة العالمية، يتجاوز في شموله وعمقه قضية المناخ. وحقاً، عبرت موتلي (57 سنة) عن تلك الرؤية بوضوح في «COP27»، عندما دعت إلى إعادة النظر في النظام المالي الذي وُلد في بريتون وودز (الولايات المتحدة) بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وحثت المانحين والبنوك إعطاء الأولوية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة ومساعدة البلدان الأكثر تضرراً من الانحباس الحراري على امتصاص الصدمات.
وفي كلمتها أمام قمة شرم الشيخ، طرحت موتلي تساؤلاً منتقداً للسياسات المالية العالمية عندما قالت «كم من الدول ننتظر أن تخفق وتتردى لمعاناتها من تبعات الحرب والتضخم، والعجز عن التصدي للتحديات المرتبطة بإيجاد الموارد المالية لتمويل مشاريع لبلوغ صافي صفر من الانبعاثات، خاصة في ظل أن دول الشمال تقترض بفائدة تتراوح بين 1 و4 في المائة، بينما تقترض دول الجنوب بفائدة 14 في المائة، أين الشراكات؟ ولماذا لا تنجح؟».
ومن ثم، أكدت الزعيمة الباربادوسية على ضرورة الالتزام بإطلاق العنان للتمويل الميسّر والتمييزي للبلدان الهشة والنامية، فلا فرصة لهم في الارتقاء دون هذا التمويل التمييزي، كما تحدثت عن الخسائر والأضرار المناخية التي تمس الدول النامية.


مقالات ذات صلة

الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

شمال افريقيا مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

يرى باحثون أن موجة الهجرة إلى جيب سبتة لا تنبع فقط من عوز وبطالة بل تنطلق من تراجع للثقة بالمستقبل لدى طبقات أخرى.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
الاقتصاد صورة جوية بطائرة مسيّرة لمنطقة المارينا في لاغوس (رويترز)

صندوق النقد الدولي: إصلاحات نيجيريا تعزز الاستقرار لكن الفقر لا يزال مرتفعاً

قال صندوق النقد الدولي إن حزمة الإصلاحات الاقتصادية التي نفّذتها نيجيريا أسهمت في تعزيز الاستقرار الكلي واستعادة ثقة المستثمرين.

«الشرق الأوسط» (لاغوس)
الاقتصاد تنتشر المراهنات الإلكترونية بشكل واسع في جميع أنحاء أفريقيا حيث من المتوقع أن تصل إيرادات الألعاب الإجمالية إلى 13.5 مليار دولار خلال العام الجاري أي أكثر من ضعف مستواها في 2023 (إكس)

شركات أفريقية تحذِّر من استنزاف المراهنات الإلكترونية ميزانيات الأسر

حذَّر قادة كبريات الشركات في أفريقيا، من أن ازدياد انتشار المراهنات الإلكترونية في أفريقيا يؤدي إلى استنزاف ميزانيات الأسر المخصصة عادة لشراء المواد الغذائية.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ (جنوب أفريقيا))
يوميات الشرق طُرحت فئة تذاكر بمليون جنيه في حفل عمرو دياب المقبل (حسابه على «فيسبوك»)

حفلات نجوم الغناء تعمّق «الفجوة الطبقية» في مصر

عمّقت الزيادات المتتالية في أسعار حفلات نجوم الغناء «الفجوة الطبقية» بمصر مع ارتفاع أسعار التذاكر بشكل لافت خلال الآونة الأخيرة.

أحمد عدلي (القاهرة)
العالم البابا ليو الرابع عشر يصل إلى بازيليكا الحبل بلا دنس في اليوم العاشر من زيارته الرعوية التي تستغرق 11 يوماً إلى أفريقيا في مونغومو بغينيا الاستوائية 22 أبريل 2026 (أ.ب)

البابا ليو يندد بالتفاوت الطبقي في آخر يوم من جولته الأفريقية

استغل البابا ليو اليوم الأخير من جولته الأفريقية التي شملت 4 دول للتنديد بالتفاوت الطبقي، ودعا الأربعاء إلى العمل من أجل سد الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

«الشرق الأوسط» (مونغومو)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».