لماذا غار لويس السادس عشر من فولتير... وودعت فرنسا كلها هيغو؟

على هامش كتاب آلان مانك: التاريخ السياسي للمثقفين الفرنسيين

فولتير  -  آلان مانك
فولتير - آلان مانك
TT

لماذا غار لويس السادس عشر من فولتير... وودعت فرنسا كلها هيغو؟

فولتير  -  آلان مانك
فولتير - آلان مانك

إنه لشيء ممتع أن تمضي بعض الوقت في صحبة آلان مانك. وهو لمن لا يعرفه أحد المثقفين النافذين في الساحة الفرنسية، ليس ثقافياً فقط، وإنما سياسياً أيضاً. إنه «صانع» الرؤساء من ساركوزي إلى ماكرون... ولكن يقال إن جاك أتالي هو الذي يقف خلف ماكرون. والله أعلم. على أي حال ليس هذا موضوعنا حالياً. وإنما موضوعنا هو استعراض كتابه الشيق الذي يتحدث فيه عن كبار مثقفي فرنسا منذ عصر التنوير حتى اليوم. كيف كانت علاقتهم بالسياسة أو بالسلطة على مدار العصور؟ كيف كانت علاقة فولتير بملوك فرنسا، أو علاقة شاتوبريان بنابليون، أو علاقة فيكتور هيغو بالإمبراطور نابليون الثالث، أو علاقة سارتر بديغول... إلخ؟ شيء ممتع أن نعرف كل ذلك.
يخصص المؤلف لفولتير فصلاً كاملاً بعنوان شديد الإيحاء والدلالة «الملك المضاد!»، وهذا تفخيم ما بعده تفخيم. بمعنى أنه إذا كان لويس الخامس عشر هو ملك فرنسا الفعلي سياسياً فإن فولتير هو ملك فرنسا ثقافياً. والمنافسة دائرة بين الاثنين على مدار 30 سنة متواصلة. هذا يتربع على عرش السياسة، وذاك على عرش الفكر. ثم يقول لنا الباحث ما معناه؛ على الرغم من نواقصه الشخصية الكثيرة فإن فولتير احتل أكبر مكانة في تاريخ فرنسا الثقافية. لماذا؟ لأنه أصبح أكبر مدافع عن المضطهدين على أساس طائفي أو مذهبي. لأنه دافع، وهو الكاثوليكي الأكثري، عن عائلة جان كالاس الأقلية البروتستانتية المضطهدة من قبل طائفته الخاصة بالذات. لقد تصدى للتعصب المذهبي الأعمى الذي كان يهيمن على فرنسا آنذاك. لقد تحدى الأفعوان الأصولي وهو في أوج قوته وجبروته. كم هو عدد المثقفين العرب الذين أدانوا جرائم «داعش» المروعة في العراق وجبل سنجار ضد إخواننا الإيزيديين وسواهم؟ تراهم في قلب باريس أو لندن أو واشنطن يتشدقون باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ثم ينبطحون في ذات الوقت أمام الأصوليين و«الإخوان المسلمين» الذين هم أصل «الدواعش». لماذا فقدوا مصداقيتهم؟ ما معنى ربيع عربي يقوده يوسف القرضاوي أو راشد الغنوشي؟ هل هذا ربيع؟ هل هذا هو الوجه المشرق للإسلام والعروبة؟ لو كان فولتير حاضراً لأقام الدنيا وأقعدها من أجل الإيزيديين المستباحين في عقر دارهم على أساس طائفي محض. لو كان حياً لهيّج الرأي العام العالمي كله ضد الوحوش البرابرة. هنا تكمن عظمة فولتير، ولهذا السبب ظل اسمه يلمع على صفحة التاريخ منذ عام 1763 حتى اليوم، أي منذ أصدر كتابه الشهير «رسالة في التسامح». وهو الكتاب الذي نقلته هنرييت عبودي إلى العربية بكل تمكن واقتدار عام 2009 عن دار بترا - دمشق، رابطة العقلانيين العرب. لقد دافع عن الأقلية ضد الأكثرية، على الرغم من أنه ينتمي أباً عن جد إلى الأكثرية الساحقة، لا إلى الأقلية. هنا تكمن عظمة المثقف، أن يتحدى طائفته الخاصة بالذات، وبخاصة إذا كانت قادرة على أن ترهب الآخرين وتخرس أصواتهم. بل تستطيع أن تكفرهم وتبيدهم عن بكرة أبيهم إذا شاءت. لأول مرة أصبح «الرأي العام» سلطة مهابة بحد ذاتها في فرنسا. قبل ذلك لم يكن له وجود. ماذا يعني الشعب بالنسبة للملوك الجبابرة؟ لا شيء. كمٌ مهمل من البشر الذين يقادون كالقطيع. كان ملك فرنسا في تلك العصور الغابرة يستطيع أن يبيد منطقة بأسرها دون أن يرف له جفن، ودون أن يتجرأ أحد على الاحتجاج أو الاعتراض. الآن تغير الوضع في عهد فولتير وبفضل فولتير. ومن يكسب الرأي العام إلى صفّه يكسب المعركة. لنتأمل في المشهد ولو للحظة؛ نحن أمام 3 أقطاب؛ القطب الأول فولتير، القطب الثاني الأغلبية الكاثوليكية الجبارة التي اعتدت ظلماً وعدواناً على الأقلية البروتستانتية، القطب الثالث الرأي العام. ميزة فولتير هي أنه استطاع استقطاب الرأي العام لصالحه، ولذلك ربح المعركة ضد الأصولية الكاثوليكية. هنا يكمن ذكاؤه. هنا تكمن براعته وعبقريته. وبدءاً من تلك اللحظة، أصبح استقطاب الرأي العام هو هدف جميع المثقفين في معاركهم مع السلطات الدينية أو السياسية الاستبدادية المهيمنة. بدءاً من تلك اللحظة، أصبح فولتير ملكاً متوجاً على عرش الثقافة الفرنسية.

هذه الكلمات والأفعال هي التي أدخلت فولتير التاريخ. لو لم يتصدى فيلسوف فرنسا الأول لطائفته الكاثوليكية البابوية المتحكمة تاريخياً بمقاليد فرنسا لما بقي منه شيء يذكر. لو لم يتجرأ على التصدي لـ«الإخوان» المسيحيين (الكاثوليكيين) الذين يشاركهم منذ طفولته الأولى ذات العقيدة وذات الدين لما أصبح فولتير.
والآن نطرح هذا السؤال؛ من سيخلف فولتير على عرش الآداب الفرنسية والانخراطات السياسية؟ شخصان اثنان؛ فيكتور هيغو في القرن التاسع عشر، وجان بول سارتر في القرن العشرين. لم يحظَ أي مثقف بالأمجاد الشعبية مثلما حظي هؤلاء الثلاثة. عندما عاد فولتير من المنفى بعد ربع قرن هبّ شعب باريس كله لاستقباله إلى درجة أن ملك فرنسا في قصر فرساي غار منه ومنع زوجته ماري أنطوانيت من المشاركة في الاحتفالات... وكانت راغبة في ذلك. كانت تريد أن ترى بأم عينيها أشهر مثقف في تاريخ فرنسا. كان الناس يترامون على العربة التي تقله لكي يلمسوها فقط. كانوا يتساقطون على ركابه. كانت الشوارع مكتظة بالبشر، والزلاغيط والأهازيج والهتافات تتعالى في كل مكان؛ يعيش فولتير! يعيش فولتير! وكأنهم في عرس. لحسن الحظ أنه شهد كل هذا المجد قبل أن يموت بـ3 أشهر فقط عام 1778. عندئذ عرف فولتير أن نضالاته لم تذهب سدى. لقد ذاق طعم العودة إلى الوطن بعد منفى ربع قرن، وأي عودة! وراح البعض يتساءلون؛ من هو ملك فرنسا الحقيقي يا ترى؛ فولتير أم لويس السادس عشر؟
وهذا ما حصل لفيكتور هيغو بعده بقرن واحد. بل استمتع شاعر فرنسا الأكبر بالمجد مرتين أو 3 مرات. فعندما عاد بعد 20 سنة من منفاه الإنجليزي كان الناس أيضاً يستقبلونه في محطات القطار بالهتافات الصارخة؛ يعيش فيكتور هيغو! يعيش فيكتور هيغو! وهو يلوح لهم بيده من نافذة القطار. ثم بجّلوه مرة ثانية عندما بلغ الثمانين حيث احتفلت فرنسا الرسمية والشعبية بهذه الذكرى المجيدة، واعتبروه أباً للأمة ومجداً للوطن. لكن الاحتفال الأكبر سيكون بعد موته في جنازته عام 1885. عندئذ خرجت الملايين، ليس فقط في باريس، وإنما في كل أنحاء فرنسا، لكي تودع مجدها الوطني الكبير. لم تشهد فرنسا في حياتها كلها جنازة في مثل هذا الحجم والمستوى. لكن قبل موته أثناء احتضاره الذي دام عدة أيام كانت فرنسا كلها تحبس أنفاسها انتظاراً لوقع الخبر. كانت تتمنى ألا يموت رغم أنها تعرف أنه سيموت. كانت تتمنى أن تحصل معجزة ما تبقيه معهم فترة إضافية أخرى. يقول الفيلسوف الكبير إرنست رينان، واصفاً تلك اللحظات الحاسمة: «لقد كانت فرنسا كلها بجميع أحزابها وطبقاتها الاجتماعية وتياراتها الفكرية شبه مشلولة تنتظر بفارغ الصبر نتائج احتضار فيكتور هيغو. الجميع نسوا أعمالهم وهمومهم، الجميع نسوا أنفسهم كلياً، وما عادوا يفكرون إلا بمصير شخص واحد، هو فيكتور هيغو. وعندما وقع الخبر المحتوم عليهم كالصاعقة خرجت الملايين إلى الشوارع، وهي تبكي وتهتف وتبتهل وتودع». وعندئذ قال غونكور هذه الكلمات البليغة: «يا له من شعب غريب الأطوار هذا الشعب الفرنسي! لم يعد يعبد الله ولا يؤمن بالدين ولا بيسوع المسيح، ولكنه أصبح يعبد فيكتور هيغو! شيء عجيب». وهذا يعني أن المقدس العلماني الحديث حل محل المقدس الديني الأصولي القديم. عندئذ خرس صوت الحزب الأصولي الكاثوليكي. وماذا يستطيع أن يفعل أمام زحف الملايين؟ أخيراً، انتصر فيكتور هيغو على الأصوليين أو «الإخوان المسيحيين» الذين كانوا لا يزالون أقوياء في فرنسا ومرهوبي الجانب. وعندما فتحوا وصيته وجدوا مكتوباً فيها ما يلي: «أعطي 50 ألف فرنك للفقراء. وأتمنى أن أنقل إلى المقبرة في عربتهم. أرفض صلوات وتضرعات كل الطوائف والمذاهب. لكني أطلب دعاء كل البشر. أومن بالله. التوقيع: فيكتور هيغو».
من هذه الوصية نفهم أن الصراع بين الحزب العلماني التقدمي- والحزب الأصولي الرجعي كان لا يزال محتدماً آنذاك في فرنسا. ونفهم أيضاً أن فيكتور هيغو لم يكن كافراً بالدين، ولا بالله، وإنما فقط بالأصولية والأصوليين، بالطائفية والطائفيين. وذلك على غرار فولتير الذي كان مثاله وقدوته. فهو يعلن صراحة إيمانه بالله وبالقيم العليا المثالية للدين. وبالتالي، لا ينبغي أن نفهم موقفه خطأ. فيكتور هيغو لم يكن مادياً ملحداً. لكنه كان يفرق بين الدين ورجال الدين، أو قل بالأحرى كان يفرق بين الدين والمتاجرين بالدين. ماذا يفعل الإسلام السياسي حالياً؟ كل الذين كانوا يستخدمون الدين لأغراض شخصية انتهازية كان يرفضهم. كل الذين كانوا يستخدمون الدين كأداة فعالة وفتاكة للتفريق بين أبناء الشعب الواحد على أساس طائفي أو مذهبي كان يكرههم. ولهذا السبب تحداهم ورفض صلواتهم.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
TT

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

أصبح الشباب مؤخراً يستقون نصائحهم الغذائية من وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين أثناء تصفحهم لمحتوى المنصة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويقول الباحث أرتور سترتسيليكي، من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا: «يمكن للاتجاهات الغذائية المعروضة في فيديوهات (تيك توك) أن تحدد ما سيأكله الشباب، والمطاعم التي يرتادونها، وكيف يقيمون الوصفات المعروضة».

وكان سترتسيليكي ضمن فريق أجرى استطلاعاً لمستخدمي «تيك توك» في العام الماضي، وخلص إلى أن التطبيق «أداة فعالة في تشكيل تفضيلات المستهلكين الغذائية وسلوكياتهم».

ويؤكد سترتسيليكي أنه «في الوقت الحاضر، يميل الشباب إلى جعل معظم عاداتهم الغذائية متوافقة مع المحتوى الذي قد يشاهدونه على وسائل التواصل الاجتماعي».

وأشارت دراسة نُشرت في المجلة الدولية لدراسات المستهلك، إلى أن «الآليات الخوارزمية» لمنصة «تيك توك» تعد عاملاً رئيسياً في تحديد ما يراه المستخدمون، والذي غالباً ما يقدمه المؤثرون الذين يتقاضون أجراً مقابل الترويج للعلامات التجارية والأماكن.

ووفقاً لبرونو لوريو، مؤلف كتاب «تاريخ علم التغذية - من أبقراط إلى مؤشر التغذية» المنتظر صدوره قريباً، فإن النصائح الغذائية المُعاصرة تعاني من «جو من القلق» وتتأثر بـ«انتشار قادة الرأي».

وكان لوريو يتحدث إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ناشر الكتاب، حيث أشار إلى أن مجموعة من «الخبراء، وأشباه الأطباء، ومنظمات المستهلكين، والمؤثرين» يقدمون نصائح حول الطعام والنظام الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما كشفت دراسة أن «تيك توك» هي أكثر منصات التواصل الاجتماعي استهلاكاً لوقت المستخدمين، حيث يقضي المستخدمون عليها ما معدله 97 دقيقة يومياً، وفقا لمنصة «بلايرزتايم» للتوعية بمخاطر القمار، بينما تأتي «يوتيوب» في المرتبة الثانية بـ85 دقيقة يومياً.


عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.


أصبحوا مليونيرات لدقائق... شركة كورية تدفع 40 مليار دولار بـ«البيتكوين» لعملائها بالخطأ

مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
TT

أصبحوا مليونيرات لدقائق... شركة كورية تدفع 40 مليار دولار بـ«البيتكوين» لعملائها بالخطأ

مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)

دفعت منصة تداول عملات رقمية كورية جنوبية بالخطأ ما قيمته أكثر من 40 مليار دولار من عملة البيتكوين لعملائها، مما جعلهم لفترة وجيزة من أصحاب الملايين.

ووفقاً لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)»، فقد كانت المنصة تخطط لمنح العملاء مكافأة نقدية صغيرة قدرها 2000 وون (1.37 دولار أميركي)، لكنها منحتهم بدلاً من ذلك 2000 بيتكوين، يوم الجمعة.

واعتذرت المنصة، "بيثامب"، عن الخطأ، مؤكدةً أنها تداركت الأمر سريعاً واستعادت معظم العملات المفقودة، وأوضحت أنها قيّدت عمليات التداول والسحب لـ695 عميلاً متضرراً خلال 35 دقيقة من حدوث الخلل.

وأفادت بأنها استعادت 99.7 في المائة من الـ620 ألف بيتكوين التي أُرسلت بالخطأ.

وأكدت شركة "بيثومب"، في بيان لها، يوم الجمعة: «نريد أن نوضح أن هذه المسألة لا علاقة لها بأي اختراق خارجي أو خروقات أمنية، ولا توجد أي مشكلة في أمن النظام أو إدارة أصول العملاء».

شعار «البيتكوين» على الباب في صورة توضيحية تم التقاطها بباريس (رويترز)

وفي اجتماع طارئ، عُقد يوم السبت، أعلنت هيئة الرقابة المالية في كوريا الجنوبية أنها ستُجري تحقيقاً في الحادث، وأكدت أن أي مؤشر على نشاط غير قانوني سيستدعي إجراء تحقيقات رسمية.

وتعهَّدت «بيثومب» بالتعاون مع الجهات الرقابية، وقال رئيسها التنفيذي، لي جاي وون: «سنعدّ هذا الحادث درساً، وسنُعطي الأولوية لثقة عملائنا وراحة بالهم على حساب النمو الخارجي».

وتعتزم الشركة دفع تعويضات بقيمة 20.000 وون (13.66 دولار أميركي) لجميع العملاء الذين كانوا يستخدمون المنصة وقت وقوع الحادث، بالإضافة إلى إعفاء العملاء من رسوم التداول، ضمن إجراءات أخرى.

وأعلنت أنها ستُحسّن أنظمة التحقق وتُدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي لكشف المعاملات غير الطبيعية.

ومن المرجَّح أن يُثير هذا الحادث نقاشاً حول تشديد الرقابة التنظيمية على القطاع المالي.

في 2024، قام بنك سيتي غروب الأميركي، عن طريق الخطأ، بإيداع 81 تريليون دولار في حساب أحد عملائه بدلاً من 280 تريليون دولار.

وذكرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» أن اثنين من الموظفين لم يكتشفا الخطأ قبل تنفيذه، لكن البنك ألغى العملية في غضون ساعات، بعد أن اكتشفها موظف ثالث.