غضب فرنسي من الجزائر إثر طبع ورقة نقدية باللغة الإنجليزية

وزارة التعليم بدأت تدريسها في إطار «الخصومة» مع باريس حول «ملف الذاكرة»

الورقة النقدية التي أثارت طباعتها باللغة الانجليزية غضب فرنسا (الشرق الأوسط)
الورقة النقدية التي أثارت طباعتها باللغة الانجليزية غضب فرنسا (الشرق الأوسط)
TT

غضب فرنسي من الجزائر إثر طبع ورقة نقدية باللغة الإنجليزية

الورقة النقدية التي أثارت طباعتها باللغة الانجليزية غضب فرنسا (الشرق الأوسط)
الورقة النقدية التي أثارت طباعتها باللغة الانجليزية غضب فرنسا (الشرق الأوسط)

أثارت ورقة نقدية جديدة طرحتها الحكومة الجزائرية للتداول، عشية الاحتفال بمرور 68 سنة على حرب التحرير (فاتح نوفمبر (تشرين الثاني) 1954)، وانعقاد القمة العربية، جدلاً في قطاع من الأوساط الإعلامية، وغضباً في صفوف بعض السياسيين، وذلك بسبب كتابة قيمتها باللغة الإنجليزية مع العربية. علماً بأن الجزائر أطلقت في السنة الدراسية الجديدة إجراءات لتدريس الإنجليزية في الطور الابتدائي بدلاً من الفرنسية، ووضع المسعى في إطار «الخصومة» مع باريس حول «ملف الذاكرة».
وأعلن بنك الجزائر المركزي على حسابه بـ«تويتر» أن إصدار ورقة ألفي دينار «يأتي تخليداً لانعقاد الدورة العادية الحادية والثلاثين لمجلس جامعة الدول العربية بالجزائر، وإحياءً للذكرى الستين لاستقلال الجزائر عن فرنسا». لكن بمجرد طرح النقود الجديدة في السوق، اندلع جدل واسع في فرنسا، إذ تلقفها مرشح اليسار الراديكالي للرئاسة السابق، ورئيس حزب «فرنسا الأبية»، جان لوك ملونشون، لانتقاد سياسة الحكومة الفرنسية تجاه الجزائر. وقال متحسراً: «هذه ورقة نقدية جزائرية. اللغة المشتركة لم تعد قائمة. يا له من حزن. لقد فشل ماكرون وبورن في كل شيء»، في إشارة ضمناً إلى خطوات قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون، والوزيرة الأولى إليزابيث بورن لتحسين العلاقة مع الجزائر، والتي تجسدت خلال زيارتيهما للجزائر في أغسطس (آب) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضيين.
ويضفي تصريح ملونشون لبساً حول الورقة النقدية الجديدة، لأنه يترك انطباعاً بأن النقود الجزائرية كانت تكتب أصلاً باللغة الفرنسية إلى جانب العربية. لكن الواقع أنها تصدر حصرياً باللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية للدولة. واللافت أنه لأول مرة تطبع فيها السلطات المصرفية للبلاد ورقة مالية عليها لغة ثانية.
من جهته، كتب الصحافي الفرنسي المهتم بقضايا الشرق الأوسط، جورج مالبرونو أن «الجزائر وبعد أسابيع قليلة من زيارة إليزابيث بورن، أصبحت الأوراق النقدية الجديدة باللغة الإنجليزية».
وأكد مسؤول بمصرف عمومي، رفض نشر اسمه، أن البنك المركزي الجزائري أصدر تعليمات باعتماد الإنجليزية في التعامل مع الشركاء الأجانب، بمن فيهم الفرنسيون، ولفت إلى «وجود إرادة سياسية قوية للمضي في هذا الاتجاه»، مبرزاً أن الحكومة تعهدت بتوفير الإمكانيات المادية لذلك. لكن بعض المسؤولين في الجزائر، وخصوصاً الذين خاضوا حرب الاستقلال، يبدون حساسية من نظرة جزء من الطبقة السياسية في باريس لبلادهم على أنها «محمية فرنسية». غير أن هذا الموقف لا ينفي تشبع كثير من الساسة الجزائريين بالثقافة الفرنسية، ويظهر ذلك في تفضيلهم التعامل مع فرنسا اقتصادياً وتجارياً، قياساً إلى قوى اقتصادية أخرى كالصين وتركيا.
وبدأت وزارة التعليم الجزائرية بمناسبة الموسم الدراسي الجديد في سبتمبر (أيلول) الماضي، تدريس اللغة الإنجليزية في الأطوار التعليمية الأولى، تمهيداً لإزاحة الفرنسية التي تعد لغة الإدارة والشركات والأجهزة الحكومية، منذ استقلال البلاد عام 1962. وفي سنة 2021 جربت هيئات حكومية تعريب كل مراسلاتها ووثائقها الداخلية، ومنعت على أطرها التعامل بلغة أخرى غير العربية، وحددت فاتح نوفمبر من نفس العام أجلاً لبدء تنفيذ القرار. وقد ابتهج التيار العروبي في البلاد لهذه المساعي، التي عدت بمثابة رد على فرنسا التي أنكر رئيسها، يومها، في تصريحات إعلامية وجود أمة جزائرية قبل الغزو الفرنسي عام 1830. ومثل هذه التوجه، «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين»، وبعض الصحف، على رأسها جريدة «الشروق».
غير أن عدداً من المختصين في بيداغوجيا التدريس وعلوم اللسانيات طرحوا أسئلة كثيرة، حول مدى استعداد سلطات البلاد، من الناحيتين العلمية واللوجيستية، لاعتماد الإنجليزية كلغة ثانية بديلة للفرنسية، حتى لا يوصف المسعى بأنه «شعبوي»، الهدف من ورائه جني مكاسب سياسية. وبهذا الخصوص قال عبد الرحمن عاشوري، أستاذ اللغة الإنجليزية بجامعة الجزائر لـ«الشرق الأوسط»: «لا أتصور أن تأخذ الإنجليزية مكانة كبيرة في منظومة التعليم، لمجرد أن يصرح المسؤولون بأنهم يريدون ذلك، لأن الأمر يحتاج إلى تخطيط، وتكوين أساتذة بهذه اللغة لتدريسها في شعبة الابتدائي، وإلى توضيح ما هي المناهج الأصلح لمجتمعنا، وأي نماذج وتجارب في العالم يمكننا الاستلهام منها: بريطانيا أم الولايات المتحدة أم كندا أم أستراليا؟ أم جزئيات من كل تجربة؟ كما يحتاج ذلك إلى بحث ودراسة تخص تدريس الإنجليزية في بلدان تشبه الجزائر، ثقافة وتقاليد، في أفريقيا والبلدان العربية».
أما أحمد تيسا، وهو أشهر المتخصصين في البيداغوجيا ومناهج التعليم، فقال بخصوص هذه الإشكالية إن الحكومة «مدعوة لتحسين التدريس باللغتين العربية والفرنسية، قبل التفكير في إضافة لغة ثالثة». ورأى أن السلطة «تسرعت في نشر سياسة التعريب بعد الاستقلال، لأن حال البلاد لم يكن يسمح بذلك. وقد سطر مفجرو ثورة التحرير، الذين تسلموا الحكم بعد انسحاب فرنسا، هذه السياسة من منطلق آيديولوجي وسياسي محض».
وفي مقابلة أجرتها «الشرق الأوسط» مع رئيس «المجلس الأعلى للغة العربية»، صالح بلعيد، نشرت في 22 أبريل (نيسان) الماضي، أكد أن البلاد «تشهد حالياً وعياً يتمثل في إعطاء اللغة العربية القيمة العليا الجديرة بها». وأكد أن الجزائر «تعاني ضعفاً كبيراً في التخطيط اللغوي»، مبرزاً أن رئيس البلاد «أظهر نوايا حسنة تجاه العربية، تجلت في استعماله الشخصي لها حتى أمام الصحافة الأجنبية. كما أولى الذاكرة الوطنية أهمية كبيرة، بما تحمله من رمزية للدين واللغة. ونلاحظ حالياً إمداده بكل الوسائل الممكنة لحسن استعمال العربية، وذلك بواسطة المؤسسات، التي يرعاها شخصياً مثل المجلس الأعلى للغة العربية».


مقالات ذات صلة

الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

شمال افريقيا الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

أكد وزيران جزائريان استعداد سلطات البلاد لتجنب سيناريو موسم الحرائق القاتل، الذي وقع خلال العامين الماضيين، وسبّب مقتل عشرات الأشخاص. وقال وزير الفلاحة والتنمية الريفية الجزائري، عبد الحفيظ هني، في ندوة استضافتها وزارته مساء أمس، إن سلطات البلاد أعدت المئات من أبراج المراقبة والفرق المتنقلة، إضافة لمعدات لوجيستية من أجل دعم أعمال مكافحة الحرائق، موضحاً أنه «سيكون هناك أكثر من 387 برج مراقبة، و544 فرقة متنقلة، و42 شاحنة صهريج للتزود بالمياه، و3523 نقطة للتزود بالمياه، و784 ورشة عمل بتعداد 8294 عوناً قابلاً للتجنيد في حالة الضرورة القصوى».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الجزائر: التماس بسجن وزير سابق 12 سنة مع التنفيذ

الجزائر: التماس بسجن وزير سابق 12 سنة مع التنفيذ

التمست النيابة بمحكمة بالجزائر العاصمة، أمس، السجن 12 سنة مع التنفيذ بحق وزير الموارد المائية السابق، أرزقي براقي بتهمة الفساد. وفي غضون ذلك، أعلن محامو الصحافي إحسان القاضي عن تنظيم محاكمته في الاستئناف في 21 من الشهر الحالي، علماً بأن القضاء سبق أن أدانه ابتدائياً بالسجن خمس سنوات، 3 منها نافذة، بتهمة «تلقي تمويل أجنبي» لمؤسسته الإعلامية. وانتهت أمس مرافعات المحامين والنيابة في قضية الوزير السابق براقي بوضع القضية في المداولة، في انتظار إصدار الحكم الأسبوع المقبل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس الشورى السعودي يدعو من الجزائر لتوسيع الاستثمار ومصادر الدخل

رئيس الشورى السعودي يدعو من الجزائر لتوسيع الاستثمار ومصادر الدخل

استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في مقر القصر الرئاسي بالجزائر، الثلاثاء، الدكتور عبد الله آل الشيخ، رئيس مجلس الشورى السعودي الذي يقوم بزيارة رسمية؛ تلبية للدعوة التي تلقاها من رئيس مجلس الأمة الجزائري. وشدد آل الشيخ على «تبادل الخبرات لتحقيق المصالح التي تخدم العمل البرلماني، والوصول إلى التكامل بين البلدين اللذين يسيران على النهج نفسه من أجل التخلص من التبعية للمحروقات، وتوسيع مجالات الاستثمار ومصادر الدخل»، وفق بيان لـ«المجلس الشعبي الوطني» الجزائري (الغرفة البرلمانية). ووفق البيان، أجرى رئيس المجلس إبراهيم بوغالي محادثات مع آل الشيخ، تناولت «واقع وآفاق العلاقات الثنائية الأخوية، واس

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الجزائر: السجن بين 10 و15 سنة لوجهاء نظام بوتفليقة

الجزائر: السجن بين 10 و15 سنة لوجهاء نظام بوتفليقة

قضت محكمة الاستئناف بالعاصمة الجزائرية، أمس، بسجن سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس الراحل، 12 سنة مع التنفيذ، فيما تراوحت الأحكام بحق مجموعة رجال الأعمال المقربين منه ما بين ثماني سنوات و15 سنة مع التنفيذ، والبراءة لمدير بنك حكومي وبرلماني، وذلك على أساس متابعات بتهم فساد. وأُسدل القضاء الستار عن واحدة من أكبر المحاكمات ضد وجهاء النظام في عهد بوتفليقة (1999 - 2019)، والتي دامت أسبوعين، سادها التوتر في أغلب الأحيان، وتشدد من جانب قاضي الجلسة وممثل النيابة في استجواب المتهمين، الذي بلغ عددهم 70 شخصاً، أكثرهم كانوا موظفين في أجهزة الدولة في مجال الاستثمار والصفقات العمومية، الذين أشارت التحقيقات إلى تو

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

ليبيا: إعادة فتح خط أنابيب للنفط بعد إغلاقه من قبل جماعة مسلحة

حقل الشرارة النفطي (وكالة الأنباء الليبية)
حقل الشرارة النفطي (وكالة الأنباء الليبية)
TT

ليبيا: إعادة فتح خط أنابيب للنفط بعد إغلاقه من قبل جماعة مسلحة

حقل الشرارة النفطي (وكالة الأنباء الليبية)
حقل الشرارة النفطي (وكالة الأنباء الليبية)

أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، السبت، عن إعادة فتح خط أنابيب للنفط كانت مجموعة مسلحة قد أغلقته منذ عدة أيام، ما تسبب وفقا للمؤسسة بخسائر بلغت 95 مليون دولار.

ويربط خط الأنابيب حقل الشرارة النفطي في جنوب غرب ليبيا بمحطة الزاوية للتصدير الواقعة على ساحل المتوسط.

وذكرت المؤسسة الوطنية للنفط في بيان إنها أعادت فتح الصمام رقم 7 على خط الأنابيب الشرارة-الزاوية واستأنفت عمليات الضخ.

وتتولى تشغيل خط الأنابيب شركة «أكاكوس» للعمليات النفطسة، وهي مشروع مشترك يضم المؤسسة الوطنية للنفط وشركات «ريبسول» الإسبانية و«توتال إنيرجي» الفرنسية و«أو إم في» النمساوية و«إكينور» النروجية.

وكانت مجموعة مسلحة قد أغلقت الصمام الاثنين، ما أدى إلى انخفاض حاد في معدلات الإنتاج، بحسب المؤسسة التي لم تورد تفاصيل عن الجهة المسؤولة عن ذلك أو مطالبها.

وباتت عمليات إغلاق منشآت النفط والغاز أمرا شائعا في ليبيا خلال السنوات الأخيرة على خلفية مطالب اجتماعية أو تهديدات أمنية أو نزاعات سياسية.


«سودري» تغيّر خريطة القتال في شمال كردفان

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

«سودري» تغيّر خريطة القتال في شمال كردفان

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)

شهدت جبهات شمال كردفان تحولاً ميدانياً لافتاً، بإعلان الجيش السوداني استعادة مدينة «سودري» الاستراتيجية في ولاية شمال كردفان، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع»، ما عزز وجوده وسيطرته في الولاية، وقلّص نطاق انتشار «الدعم السريع»، لتتغير بذلك خريطة القتال في الولاية لصالح الجيش.

وتزامن التقدم البري مع تصاعد حرب المسيّرات، إذ أعلنت سلطات الولاية مقتل شخصين وإصابة نحو 20 في هجمات اتهمت «الدعم السريع» بتنفيذها على الأبيض، في حين اتهم تحالف «تأسيس» الجيش بضربة على المزروب أوقعت 9 قتلى و24 مصاباً، من دون تحقق مستقل من الروايتين.

وفي موازاة التصعيد، قالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن أكثر من 400 سوداني يعبرون يومياً إلى شرق تشاد، بزيادة تقارب 20 ضعفاً على المعدلات المسجلة خلال الأشهر الأخيرة، هرباً من القتال والقصف وهجمات المسيّرات.


الجيش السوداني يعلن استعادة سودري وتزايد النزوح إلى تشاد

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوداني يعلن استعادة سودري وتزايد النزوح إلى تشاد

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)

شهدت الحرب في السودان تطورات متسارعة على المسارين العسكري والإنساني، مع إعلان الجيش استعادة مدينة سودري الاستراتيجية في شمال كردفان، وتصاعد الهجمات المتبادلة بالطائرات المسيّرة وسقوط ضحايا مدنيين في الأبيض والمزروب، في وقت كشفت فيه الأمم المتحدة عن ارتفاع حاد في أعداد السودانيين الفارين إلى تشاد، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية مكثفة لوزير الخارجية محيي الدين سالم في نيويورك، حيث حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من التداعيات المدمرة للحرب وخطر امتدادها إلى دول المنطقة.

وقال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، في بيان مساء الجمعة، إن قوات الجيش والقوات المتحالفة معها «حررت» مدينة سودري بعد معارك مع «قوات الدعم السريع»، قال إنها أوقعت في صفوفها خسائر في الأرواح والعتاد. ولم تعلق «قوات الدعم السريع» فوراً على إعلان الجيش، فيما أظهرت صور ومقاطع فيديو متداولة على منصات التواصل الاجتماعي عناصر من الجيش و«القوة المشتركة» يحتفلون داخل المدينة. ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من مجمل التطورات الميدانية أو حجم الخسائر التي أعلنها الجيش.

لاجئة سودانية من دارفور بجوار خيمة تابعة لمفوضية اللاجئين داخل مخيم في تشاد (رويترز)

وتكتسب سودري أهمية عسكرية بسبب موقعها على طرق تربط مناطق شمال كردفان بغرب الولاية ودارفور، كما أن السيطرة عليها تتيح للجيش توسيع نطاق انتشاره شمالاً وشمال غربي الأبيض، بعد سلسلة من العمليات التي حقق خلالها تقدماً في عدد من البلدات خلال الأسابيع الأخيرة.

وجاء التقدم في سودري بالتزامن مع تصاعد حرب المسيّرات. فقد تعرضت الأبيض، عاصمة شمال كردفان، الجمعة، لهجمات بطائرات مسيّرة، وقالت حكومة الولاية ولجنتها الأمنية إن مسيّرات تابعة لـ«الدعم السريع» استهدفت مركزاً لإيواء النازحين ومواقع مدنية وخدمية، ما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة نحو 20 آخرين.

ووفقاً لشهود، طالت الهجمات شمال ووسط الأبيض، بما في ذلك مركز لإيواء النازحين قرب مستشفى الشرطة ومحطة وقود وحافلة ركاب ومنزلاً في حي عرفات. ولم يصدر تعليق فوري من «الدعم السريع» على الاتهامات، فيما تداولت منصات مؤيدة لها أنباء قصف المدينة.

وفي الجهة المقابلة من خطوط القتال، اتهم تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، المتحالف مع «الدعم السريع»، الجيش بتنفيذ ضربة بمسيّرة على المزروب، وقال إنها أسفرت عن مقتل تسعة مدنيين وإصابة 24 آخرين. ولم يؤكد الجيش تنفيذ الضربة، كما لم يتسن التحقق بصورة مستقلة من مصدر المسيّرة أو حصيلة الضحايا.

موجة نزوح جديدة

وتزامنت التطورات العسكرية مع ارتفاع حاد في أعداد السودانيين الفارين عبر الحدود إلى تشاد. وقالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن أكثر من 400 سوداني يعبرون يومياً إلى شرق تشاد، بزيادة تصل إلى نحو 20 ضعفاً مقارنة بالمعدل المسجل خلال الأشهر القليلة الماضية.

ونقلت «رويترز» عن المنسق الإقليمي لشؤون اللاجئين مامادو ديان بالدي أن الوافدين الجدد تحدثوا عن فرارهم من القتال والقصف الجوي وهجمات الطائرات المسيّرة، وأن الموجة الجديدة تأتي خصوصاً من دارفور وكردفان والنيل الأزرق.

موجات النزوح إلى تشاد تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب في كردفان والنيل الأزرق (مفوضية اللاجئين)

ومنذ بداية العام، عبر أكثر من 55 ألف سوداني إلى تشاد، فيما يقترب عدد السودانيين الذين لجأوا إليها منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 من مليون شخص.

وتواجه الاستجابة الإنسانية بدورها أزمة تمويل حادة؛ إذ قالت المفوضية إنها حصلت على 18 في المائة فقط من مبلغ 1.6 مليار دولار تحتاج إليه للاستجابة الإقليمية، ما يهدد قدرتها على توفير الغذاء والمأوى ونقل اللاجئين إلى مناطق أكثر أمناً.

تحركات في نيويورك

وفي نيويورك، كثف وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم لقاءاته على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبحث مع مسؤولين دوليين وأمميين الحرب والوضع الإنساني ومسارات التسوية السياسية.

والتقى سالم رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، وبحث الجانبان جهود وقف الحرب وحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية، فيما أكد رئيس المفوضية دعم الاتحاد الأفريقي لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه وعملية سياسية شاملة يقودها السودانيون.

كما أجرى وزير الخارجية مباحثات مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافيستو، ومسؤولين أمميين معنيين بالملف الإنساني.

وفي أبرز لقاءاته، اجتمع سالم بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي أعرب، وفق البيان الرسمي للأمم المتحدة، عن «قلق عميق» إزاء استمرار النزاع وتأثيره المدمر على المدنيين، وحذر من خطر امتداد الحرب بصورة أكبر إلى المنطقة.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال لقائه وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم في نيويورك الخميس (الأمم المتحدة)

وشدد غوتيريش على ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، والحاجة الملحة إلى وقف الأعمال العدائية والدفع نحو عملية سياسية شاملة يقودها السودانيون.

وقالت وكالة السودان للأنباء إن سالم أطلع الأمين العام على تطورات الأوضاع، وأكد استمرار تعاون الحكومة مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية وتقديم التسهيلات اللازمة لانسياب المساعدات.

ونقلت «سونا» كذلك عن غوتيريش إعرابه عن الأسف لعدم حصول رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة. لكن البيان الرسمي للأمم المتحدة عن اللقاء لم يتطرق إلى قضية التأشيرة، وركز على الحرب والوضع الإنساني ووقف الأعمال العدائية والمسار السياسي.