رئاسة عون... عهد الأرقام القياسية في لبنان

تضخم وانهيار عملة وتصريف أعمال وخصومات سياسية

إنزال العلم اللبناني في باحة قصر الرئاسة مع بدء الشغور الرئاسي (رويترز)
إنزال العلم اللبناني في باحة قصر الرئاسة مع بدء الشغور الرئاسي (رويترز)
TT

رئاسة عون... عهد الأرقام القياسية في لبنان

إنزال العلم اللبناني في باحة قصر الرئاسة مع بدء الشغور الرئاسي (رويترز)
إنزال العلم اللبناني في باحة قصر الرئاسة مع بدء الشغور الرئاسي (رويترز)

لم يشهد عهد رئاسي في لبنان منذ نهاية الحرب اللبنانية، هذا الحجم من الجدل والانقسام السياسي والشعبي الداخلي، كما حصل في عهد الرئيس اللبناني السابق ميشال عون، الذي تصدرته الخلافات السياسية، وتبدل التحالفات والانهيار الاقتصادي، وتدهور العلاقات الدولية، فكسر هذا العهد أرقاماً قياسية في مختلف الشؤون، إذا ما قورنت بالأرقام التي سجلتها سائر العهود الأخرى. ويتصدر الأرقام المُسجّلة لعهد عون انخفاض قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي بأكثر من 25 ضعفاً، وتسجيل أدنى مستوى من ساعات التغذية الكهربائية منذ 30 سنة، وأعلى حصيلة قتلى دفعة واحدة منذ نهاية الحرب الأهلية، وأطول فترة تصريف أعمال، وأكثر العهود خصومة مع القوى السياسية في الداخل، وأعلى نسبة هجرة.
شهد عهد الرئيس اللبناني السابق ميشال عون أمراً غير مسبوق لم تشهده جميع العهود الرئاسية الـ12، التي عرفها لبنان منذ الاستقلال في عام 1943 وحتى اليوم، وهي أن نحو نصف أيامه كانت أيام تعطيل في ظل وجود حكومات تصريف الأعمال، حسب دراسة نشرتها «الدولية للمعلومات». إذ انقضى من ذلك العهد 949 يوماً في ظل 5 حكومات تصريف الأعمال، أي ما يمثل نسبة 43.3 في المائة من أيام العهد، التي بلغت 2191 يوماً.
- 7 رؤساء مكلفين... و4 حكومات
شهد العهد العوني منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2016 وحتى 31 أكتوبر 2022، تشكيل 4 حكومات، وحالتي اعتذار عن عدم التشكيل.
الحكومات الأربع التي شُكلت، كان منها اثنتان برئاسة الرئيس سعد الحريري، والثالثة برئاسة الدكتور حسان دياب، والرابعة برئاسة نجيب ميقاتي. ثم أنه كان بينها تكليفان لسفير لبنان لدى ألمانيا مصطفى أديب، والحريري، قبل اعتذار كل منهما بسبب تعذّر التأليف وسط خلافات سياسية مستحكمة، وتكليف سابع للرئيس ميقاتي بعد الانتخابات النيابية الأخيرة في 15 مايو (أيار) الماضي، لم يستطع بعده تأليف الحكومة بسبب احتدام الخلافات السياسية.
- خلافات مع القوى السياسية
يكاد يكون عهد الرئيس ميشال عون، الأشد حدة على مستوى الخلافات السياسية مع المكوّنات اللبنانية، الإسلامية والمسيحية، ويتصدّر بسهولة أرقام الخلافات مقارنةً مع سائر رؤساء الجمهورية السابقين من عام 1989.
ونذكر هنا أن عون وصل إلى الرئاسة بعد تفاهم مع «حزب الله»، إضافة إلى تسوية رئاسية مع تيار «المستقبل»، وأخرى مع حزب «القوات اللبنانية».
غير أن العلاقة مع «المستقبل» انتهت إلى خصومة في عام 2019، وقطيعة مع رئيسه، رئيس الحكومة السابق سعد الحريري في عام 2020، ومن ثم، انسحبت الخصومة مع رؤساء الحكومات السابقين إثر خلافات على الصلاحيات. أما العلاقة مع «القوات اللبنانية» فتعرّضت لاختبار قاسٍ إثر الانتخابات النيابية في عام 2018، ووصلت إلى الخصومة في خريف عام 2019، وسرعان ما تحوّلت إلى سجالات سياسية ومقاطعة من «القوات» لدعوات الحوار التي كان عون يدعو إليها.
وعلى الجانب المسيحي أيضاً، اتسمت علاقته بالخصومة مع «الكتائب اللبنانية» ومستقلين آخرين ممثلين في البرلمان والقوى السياسية المسيحية التقليدية.
وفي حين بقي «حزب الله» الطرف السياسي الأكثر تأييداً له بين الأطراف السياسية الوازنة حتى مغادرته قصر بعبدا، إلى جانب «التيار الوطني الحر»، الذي أسسه عون ويرأسه صهره النائب جبران باسيل، اتسمت علاقته بالخصومة أيضاً مع «الحزب التقدمي الاشتراكي»، الذي يرأسه وليد جنبلاط، و«حركة أمل» التي يرأسها رئيس البرلمان نبيه بري.
- خصومة مع أبرز الموظفين الموارنة
أيضاً كان لافتاً تدهور العلاقة بين الرئيس عون مع أبرز موظفَين من الفئة الأولى في الإدارات اللبنانية يشغلهما، بالعُرف، مارونيان، هما حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود. وخلال الأشهر الماضية، لم يتوانَ الرئيس عن انتقادهما بالاسم، فيما يُحكى أن العلاقة بين الرئاسة اللبنانية وقائد الجيش العماد جوزيف عون (موقع يشغله ماروني أيضاً) اتسمت بالبرودة في الفترة الأخيرة، على الرغم من أن قيادة الجيش لم تتوانَ عن تنفيذ ما يوكل لها من مهمات من قبل السلطة السياسية.
ويرى خصوم عون أن هذا الأمر نادر الحدوث في العهود الرئاسية، بالنظر إلى أن المواقع الثلاثة الحساسة التي يشغلها في العُرف موارنة، عادة ما تكون قريبة من الرئاسة التي يشغلها ماروني أيضاً.
- مقاطعة عربية
من جهة ثانية، لم تشهد العلاقات بين لبنان وعمقه العربي تدهوراً، مثلما شهدته في عهد عون.
ففي أبريل (نيسان) 2021، قرّرت المملكة العربية السعودية حظر دخول الخضراوات والفواكه اللبنانية إلى المملكة أو المرور عبر أراضيها لدولة ثالثة، بدعوى استغلالها في تهريب المخدّرات.
أما أبرز تطوّر حصل في علاقات البلدين، فهو الأزمة الدبلوماسية التي وقعت في عام 2021 بسبب تصريحات لأحد الوزراء اللبنانيين «العونيي التوجه» ضد سياسة الرياض في اليمن.
- الانتفاضة الشعبية... وانفجار مرفأ بيروت
عودة إلى الشأن الداخلي، وخلافاً للعهود الماضية التي شهدت تحركات شعبية على خلفيات سياسية، وخصوصاً في 2005، اشتعلت في عهد عون انتفاضة شعبية في 17 أكتوبر 2019. إذ امتلأت المناطق وشوارع المدن وساحاتها بالمحتجين من شمال البلاد إلى جنوبها، حتى البقاع شرقاً.
واستمرّت الاحتجاجات الشعبيّة لأشهر متواصلة، طالب المحتجون خلالها بانتخابات نيابية مبكّرة، واستعادة الأموال المنهوبة، ومحاسبة الفاسدين، ورحيل ومحاسبة بقية مكونات الطبقة الحاكمة، التي يتهمونها بالفساد والافتقار للكفاءة.
بعدها، في 4 أغسطس (آب) 2020، دوّى واحد من أكبر الانفجارات غير النووية في العالم، في العاصمة اللبنانية بيروت، ما أدى إلى مقتل أكثر من 220 شخصاً، وإصابة 6 آلاف آخرين بجروح، وتدمير نحو نصف العاصمة اللبنانية.
ويُعد هذا الانفجار الأكبر من حيث عدد الضحايا في لبنان منذ نهاية الحرب اللبنانية.
وبحسب تقديرات رسمية، فإن الانفجار وقع في العنبر رقم 12، الذي كان يحوي نحو 2750 طناً من مادة «نيترات الأمونيوم» الشديدة الانفجار، كانت مصادَرة من إحدى السفن، ومخزنة منذ 2014.
- تدهور اقتصادي
وفي سياق متصل، لم يختبر لبنان أزمات اقتصادية ومعيشية ومالية متزامنة، كتلك التي شهدها منذ عام 2019، إذ سجلت الليرة اللبنانية أكبر انهيار في تاريخها، فتراجعت قيمتها أكثر من 25 ضعفاً، بعدما عاشت استقراراً بسعر الصرف لمدة 25 سنة عند مستوى 1507 ليرات.
واليوم يوجد أكثر من 3 أسعار للصرف في لبنان مقابل الدولار الأميركي، هي: سعر مصرف لبنان الرسمي المقدّر بـ1507 ليرة للدولار، وسعر البنوك اللبنانية المحدّد بـ8000 ليرة للدولار، ونحو 36000 ليرة للدولار في السوق السوداء (يتغير بشكل يومي، حيث سجل أعلى سعر قياسي له قبل أيام بتخطيه حاجز الـ40 ألف ليرة للدولار).
ولقد زاد انهيار العملة من تفاقم معدلات التضخم ومعاناة المواطن في لبنان، بفعل تراجع القدرة الشرائية بشكل كبير، وأُقفل عديد من المؤسسات والمحال التجارية نظراً لعجزها عن الصمود خلال الأزمة الاقتصادية.
وحقاً، يشهد لبنان منذ ثلاث سنوات انهياراً اقتصادياً صنّفه البنك الدولي من بين الأسوأ في العالم منذ عقود، خسرت معه العملة المحلية قرابة 95 في المائة من قيمتها وبات معه أكثر من 80 في المائة من السكان تحت خط الفقر.
وتحوْل الانقسامات السياسية دون تشكيل حكومة منذ الانتخابات البرلمانية في مايو، بينما يضغط المجتمع الدولي لانتخاب رئيس لتجنّب تعميق الأزمة.
وللعلم، في أبريل 2017، أقرّ لبنان الموازنة العامة، بعد فشله في ذلك منذ عام 2005؛ بسبب الخلافات بين القوى السياسية التي تتقاسم السلطة.
- أرقام مفزعة للفقر والبطالة والهجرة
خلال سنوات رئاسة عون ارتفع معدل الفقر في لبنان، وأعلنت الأمم المتحدة، أن 74 في المائة من سكان لبنان يعانون الفقر في 2021، بعدما سجل 55 في المائة من السكان في عام 2020، و28 في المائة في 2019.
وأفادت «الإسكوا» في تقرير بأن نسبة الفقراء في لبنان ارتفعت من 55 في المائة في عام 2020 إلى 74 في المائة من إجمالي عدد السكان هذا العام.
واعتبرت المنظمة (التابعة للأمم المتحدة)، في دراستها الحديثة، أن نسبة السكان الذين يعانون الفقر المتعدد الأبعاد قد تضاعفت بشكل دراماتيكي ومقلق.
ومن ناحية ثانية، أشارت «إدارة الإحصاء المركزي» و«منظمة العمل الدولية» إلى «ارتفاع في معدل البطالة في لبنان من 11.4 في المائة في الفترة الممتدة بين عامي 2018 و2019 إلى 29.6 في المائة في يناير (كانون الثاني) 2022»، ما يعني أن ثلث القوى العاملة الناشطة بات عاطلاً عن العمل.
أيضاً، أظهرت دراسة بحثية أجرتها شركة «الدولية للمعلومات» اللبنانية (خاصة)، بشأن أعداد المهاجرين والمسافرين من البلاد في لبنان، ارتفاعاً كبيراً في عدد المهاجرين والمسافرين خلال عام 2021 بنسبة 346 في المائة، على وقع الأزمة الاقتصادية الحادة التي تشهدها البلاد.
وذكرت الدراسة أن «عدد المهاجرين والمسافرين اللبنانيين في عام 2021 بلغ 79 ألفاً و134 شخصاً، مقارنة بـ17 ألفاً و721 شخصاً في عام 2020، أي بنسبة ارتفاع تبلغ 346 في المائة».
وأوضحت أن «عام 2021 سجل العدد الأكبر من المهاجرين والمسافرين خارج البلاد مقارنة بالأعوام الأربعة الماضية».
- معركة عسكرية حدودية... وقانون انتخاب جديد
أمنياً وعسكرياً، استهل عون ولايته الرئاسية بإطلاق معركة عسكرية واسعة في أغسطس 2017 ضد «المجموعات المتطرفة» التي كانت تسيطر على الحدود الشرقية مع سوريا، في خضم الحرب في سوريا.
وأعلن لبنان «تحرير مناطق لبنانية حدودية» من سيطرة منظمات منها «داعش» و«جبهة النصرة»، عبر معركة أطلق عليها اسم «فجر الجرود». واستكمل الأمر بسلسلة تدابير أمنية منعت التنظيمات المتطرفة من تنفيذ أعمال في الداخل اللبناني.
وسياسياً وتشريعياً، كان البرلمان اللبناني قد أقر في يونيو (حزيران) 2017، قانون انتخاب جديداً يعتمد على نظام التمثيل النسبي للمرة الأولى في تاريخ لبنان.
وبموجبه، قسّمت البلاد إلى 15 دائرة كبرى، وربط فوز المرشح بفوز لائحته الانتخابية، حيث لم يعد ممكناً الترشح بشكل فردي.
وأُجريت الانتخابات في عهد عون مرتين، في عامي 2018 و2022، وحاز القانون رضا القوى المسيحية الأساسية التي اعتبرت أنه أسهم في إعادة التوازن وأثبت صحة التمثيل.
- ترسيم الحدود البحرية... واستخراج الطاقة
بعد ذلك، في ديسمبر (كانون الأول) 2017، وافق لبنان على عرض لاستكشاف وإنتاج النفط والغاز في بحره، مقدّم من اتحاد شركات يضم «توتال» الفرنسية و«إيني» الإيطالية و«نوفاتيك» الروسية (انسحبت لاحقاً)، وذلك في أول جولة من تراخيص التنقيب في مياه البلاد.
إلا أن التنقيب عن الطاقة اصطدم بعقبة، كون الحدود البحرية مع إسرائيل غير مرسّمة. ولذا، خاض لبنان جولات من التفاوض، انتهت في أكتوبر 2022، عندما أعلن عون موافقته على اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، بعد مباحثات مع الوسيط الأميركي.
وجرى الإعلان عن أن لبنان استعاد من خلال تلك المباحثات مساحة 860 كيلومتراً مربعاً من حدوده البحرية «ولم يتنازل لبنان عن أي كيلومتر واحد لإسرائيل، كما استحصل على كامل حقل قانا».
وفي المقابل، بينما اقترب لبنان من إنجاز ترسيم الحدود البحرية مع قبرص، لا يزال الترسيم المشابه مع سوريا عالقاً بانتظار التواصل مع السلطات السورية قريباً، بعد اتصال بين رئيسي البلدين اتفقا خلاله على انطلاق المفاوضات.
- 3 اتفاقات غير منجزة
ويبقى أنه خلال سنواته الثلاث الأخيرة، عمل العهد العوني على عقد ثلاثة اتفاقات لم تُنجز بالكامل: أولها مفاوضات مع صندوق النقد الدولي التي تعثرت في الأشهر الأخيرة، وثانيها الاتفاق مع شركة تدقيق مالي للتدقيق في حسابات مصرف لبنان المركزي وإدارات حكومية أخرى. أما الاتفاق الثالث، فهو اتفاق إقليمي بين وزراء الطاقة والنفط في لبنان والأردن ومصر وسوريا، على «خريطة طريق» لإمداد لبنان بالكهرباء والغاز لحلّ أزمة الطاقة، إلا أن البلاد لا تزال لليوم تعاني انقطاعاً كبيراً بالكهرباء، هو الأسوأ منذ 30 عاماً، حيث تصل التغذية الكهربائية إلى ساعة بالحد الأقصى يومياً في بعض المناطق.

انفجار مرفأ بيروت (أ.ف.ب)

- انتكاسة السنوات الست
> تمثل تجربة السنوات الست الأخيرة، انتكاسة للرئيس ميشال عون، الذي وصل إلى قصر بعبدا بآمال مرتفعة بتحقيق تغيير اقتصادي واجتماعي وسياسي منشود.
وواظب على تأكيد مساعيه لمحاربة الفساد، وتحويل لبنان إلى مساحة للحوار العالمي، عبر أكاديمية الحوار والتلاقي التي أعلنها قبل سنوات.
مع ذلك، يعتزم «الجنرال»، الذي يناهز عمره الثامنة والثمانين، مواصلة معاركه السياسية، بعد مغادرته القصر الرئاسي بمواكبة متوقعة من أنصاره في نهاية الأسبوع.
منذ بدء عون ولايته في 2016 إثر تسوية سياسية، قدّم نفسه على أنه «أب الكل»، وعرّاب «استعادة حقوق» الطائفة المسيحية «المسلوبة»، وأطلق مناصروه على ولايته تسمية «العهد القوي».
كذلك، تعهّد عون، الذي قدّم نفسه على أنه «الرئيس المنقذ»، بتحقيق نهضة اقتصادية واستقرار اجتماعي واستئصال الفساد. لكنها كلها كانت وعوداً لم تتحقّق، واتسّم النصف الثاني من عهده بشلل سياسي وانهيار اقتصادي متسارع وتظاهرات غير مسبوقة في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 استمرت أشهراً، وعكست نقمة على أداء الطبقة السياسية.
وكان صهره، النائب جبران باسيل، أبرز المستهدفين فيها.
ثم شكّل انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020 الضربة القاصمة، بعدما حمّل اللبنانيون الطبقة السياسية - ضمنها عون - مسؤولية الانفجار. إذ تبيّن أن المسؤولين كانوا على دراية بوجود كميات ضخمة من «نيترات الأمونيوم» مخزنة منذ سنوات في المرفأ من دون تدابير وقائية، ولم يفعلوا شيئاً.
وقال النائب آلان عون، قريب الرئيس السابق، «لوكالة الصحافة الفرنسية»: «شكّلت الرئاسة خيبة أمل، حتى بالنسبة إليه».
ويضيف: «تعرّض لقنبلة نووية، مالية واقتصادية، ثم انفجار مرفأ بيروت. حتى لو لم يكن مسؤولاً مباشرة، لكنّه وجد نفسه في الخطوط الأمامية».
وتابع، وهو الذي رافقه في منفاه في فرنسا: «إنه زعيم عنيد، لا يستسلم ولا يشعر باليأس أبداً».
وبالفعل، إذا كان عون فقد جزءاً كبيراً من شعبيته، فهو ما زال في عيون محازبيه وأنصاره «قائداً شجاعاً نظيف الكف»، وزعيماً من خارج سرب العائلات السياسية التقليدية والإقطاعية في بلد ذي تركيبة طائفية بامتياز.
ومع أن عون وصل إلى سدة الرئاسة عام 2016، إثر «تسوية» قبل بها خصومه من باب «الواقعية السياسية» - كما قالوا -، فإنه أصرّ طيلة فترة ولايته على أنه «مُنع» من تحقيق الإصلاحات التي كان يطمح لها.
إلا أن معارضيه يعتبرون أنه سلك طريق العائلات التقليدية، عبر إعطاء أدوار سياسية لأفراد من عائلته، وعلى رأسهم صهره باسيل الذي يعتبره بمثابة وريثه السياسي.
كما يحمل خصومه عليه «طموحه الجامح»، معتبرين أنه كان على استعداد «لأن يفعل أي شيء للوصول إلى الرئاسة»، وفق ما يقول أحد المقربين السابقين منه.
وتنقل «أ.ف.ب» عن مصدر قوله إن «أكبر أخطائه أنه لم يرد الرئاسة لتتويج مساره، لكنه أرادها أداة لتأسيس سلالة سياسية».
- عون سلّم القصر للفراغ... كما تسلمه
> سلم الرئيس السابق ميشال عون القصر الرئاسي لـ«الفراغ» كما تسلمه قبل ست سنوات. وهذا «سيناريو» عاشه اللبنانيون في السابق، لكنهم اعتادوه منذ نهاية عهد الرئيس إميل لحود عام 2007، حين لم يسلم الرئيس الراحل رئيساً قادماً منذ ذلك التاريخ، في نهاية وبداية غير طبيعيتين في الأنظمة الديمقراطية.
ومنذ استقلال لبنان عام 1943 وقع في الفراغ 5 مرات، وكانت الحكومات تتسلم صلاحيات الرئيس خلال فترات غيابه.
منذ نهاية عهد الرئيس إميل لحود لم يسلم رئيس للرئيس الذي يخلفه. وامتد الفراغ الرابع من 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2007 إلى 25 مايو 2008، وذلك بعد انتهاء ولاية لحود وتعذّر انتخاب خلف له، فتولّت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة صلاحيات رئيس الجمهورية حتى انتخاب الرئيس ميشال سليمان. ومع نهاية عهد الرئيس سليمان، أتى الفراغ الخامس الذي كان الأطول عمراً، إذ امتد 889 يوماً (سنتين وخمسة أشهر وتسعة أيام)، بين 24 مايو 2014 و31 أكتوبر2016، عقد البرلمان خلالها 45 جلسة لم يكتمل نصاب معظمها حتى تم التوافق على عون رئيساً.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

تطويق ميداني لبلدة بنت جبيل في جنوب لبنان

ملصق لرجل وطفلين قُتلوا جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلهم جنوب لبنان (أ.ب)
ملصق لرجل وطفلين قُتلوا جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلهم جنوب لبنان (أ.ب)
TT

تطويق ميداني لبلدة بنت جبيل في جنوب لبنان

ملصق لرجل وطفلين قُتلوا جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلهم جنوب لبنان (أ.ب)
ملصق لرجل وطفلين قُتلوا جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلهم جنوب لبنان (أ.ب)

تتسارع وتيرة التطورات الميدانية في جنوب لبنان، على وقع تصعيد إسرائيلي متدرّج يجمع بين الضغط العسكري المباشر وتوسيع نطاق الإنذارات والإخلاءات، في موازاة تثبيت معادلة «العزل الميداني» للبلدات الحدودية، وفي مقدّمتها مدينة بنت جبيل، التي تتصدر المشهد بوصفها هدفاً رئيسياً في المرحلة الراهنة.

وفي هذا السياق، وجّه الجيش الإسرائيلي إنذاراً إلى سكان الأطراف الشمالية لبلدة عين إبل، القريبة من بنت جبيل، طالباً منهم التوجه إلى داخل البلدة، في خطوة تعكس محاولة إعادة توزيع السكان ضمن نطاقات محددة.

آلية عسكرية للجيش اللبناني عند مدخل بلدة بنت جبيل جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

تطويق بنت جبيل... استراتيجية بديلة للاقتحام

تتجه الأنظار إلى بنت جبيل، حيث يبرز نمط عملياتي مختلف في التحرك الإسرائيلي. ويوضح العميد المتقاعد سعيد قزح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنّ إسرائيل «تعتمد تكتيك التطويق الكامل للمدينة بدل التوغل المباشر داخلها». ويشير إلى أنّ «القوات الإسرائيلية تعمل على إحكام الطوق عبر عدة محاور متزامنة: من جهة عيترون وعيناثا شرقاً وجنوباً، ومن محور عيتا الشعب، حيث وصلت التحركات إلى تخوم حداثا شمالاً، مع ترجيح التقدم عبر محور عين إبل غرباً، ما يعني عملياً عزل بنت جبيل من الجهات الأربع».

ويضيف قزح أنّ «إخلاء مستشفى صلاح غندور في منطقة (صفّ الهوى)، التي تُعدّ عقدة مواصلات حيوية تربط بنت جبيل بمحيطها، يشير إلى نية إسرائيل التقدم نحو هذه النقطة الاستراتيجية، بهدف التحكم بخطوط الإمداد والحركة».

امرأة تتفقد منزلاً مدمراً أصيب جراء غارة جوية إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ب)

من هنا، يرى أنّ الجيش الإسرائيلي يتجنب تقليدياً خوض معارك داخل المناطق المبنية بسبب تكلفتها المرتفعة، مرجحاً اللجوء إلى سياسة الأرض المحروقة عبر التدمير المكثف قبل أي اقتحام. ويؤكد أنّ «بنت جبيل، بما تحتويه من دفاعات محضّرة، قد تتحول إلى ساحة استنزاف مكلفة، ما يجعل خيار الاقتحام المباشر مؤجلاً لصالح العزل والتطويق».

ويخلص إلى أنّ السيناريو الأرجح في المدى القريب «يتمثل في استمرار فرض الطوق وقطع خطوط الإمداد، مع اندلاع اشتباكات على الأطراف، من دون عملية اقتحام واسعة في الوقت الراهن، إلا إذا تبدلت الظروف الميدانية».

إنذارات تمتد إلى الضاحية والبقاع

بالتوازي مع الجبهة الجنوبية، وسّعت إسرائيل دائرة الضغط لتشمل الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث جدّد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، إنذاراته صباحاً، داعياً سكان أحياء حارة حريك والغبيري والليلكي والحدث وبرج البراجنة وتحويطة الغدير والشياح، إلى الإخلاء الفوري.

وفي البقاع الغربي، نفّذ الجيش الإسرائيلي تهديده باستهداف الجسر الذي يربط سحمر بمشغرة فوق نهر الليطاني. وكان أدرعي قد أعلن مسبقاً نية استهداف الجسرين، داعياً السكان إلى التوجه شمال نهر الزهراني. ولاحقاً، استهدفت مسيّرة إسرائيلية مصلين أثناء خروجهم من مسجد في سحمر، ما أدى إلى سقوط قتيلين و11 جريحاً، في مؤشر على اتساع رقعة الاستهدافات لتشمل التجمعات المدنية.

مبنى منهار في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

غارات على الضاحية والجنوب وتحركات برية

ميدانياً، سجّلت غارات على الضاحية الجنوبية بعد هدوء يومين، فيما تواصلت الغارات الجوية والقصف المدفعي على نطاق واسع في الجنوب، حيث استُهدف منزل بين كفرا وصربين قرب مركز لـ«الهيئة الصحية الإسلامية»، ما أدى إلى احتراق سيارة إسعاف من دون وقوع إصابات، كما طالت الغارات بلدات صريفا وبرعشيت وجويا وبرج قلاويه ودبعال والرمادية والبستان ويحمر الشقيف والشعيتية، مع تسجيل سقوط ضحايا وجرحى، بينهم سوريون. كما استهدفت غارات بلدتي دبين وصريفا في قضاء صور، فيما تعرضت أطراف حاريص وكفرا لقصف مدفعي متقطع.

وسُجّل تحليق مكثف للطيران المسيّر في أجواء الهرمل والبقاع الشمالي وبيروت وجبل لبنان والضاحية الجنوبية، في إطار تغطية استطلاعية شاملة للمسرح العملياتي.

وفجراً، مشّطت مروحيات «أباتشي» الساحل الممتد من البياضة إلى المنصوري بالأسلحة الرشاشة، وأطلقت صواريخ بالتزامن مع اشتباكات ميدانية، حيث أفيد عن هجوم نفذه عناصر «حزب الله» على قوة إسرائيلية كانت تتقدم في منطقة البياضة باتجاه الطريق الساحلي. كما تعرضت بنت جبيل وحانين وكونين والطيري لغارات بعد منتصف الليل، فيما استُهدف شرق برعشيت بقصف مدفعي.

وفي موازاة ذلك، فجّرت القوات الإسرائيلية ما تبقى من منازل في عيتا الشعب، وسط دوي انفجارات سُمع حتى مدينة صور.

وفي سياق متصل، أفاد «الوكالة الوطنية للإعلام» بإصابة 3 جنود من الوحدة الإندونيسية بجروح داخل مقرهم في العديسة، جراء سقوط قذيفة، فيما لا تزال التحقيقات جارية لتحديد مصدرها.

تبادل ناري وتصعيد صاروخي

في المقابل، أعلن «حزب الله» إطلاق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل، وفي سلسلة بيانات، أعلن الحزب استهداف مستوطنة كريات شمونة مرات عدة، إضافة إلى قصف تجمعات للجنود في ثكنة هونين، وبنى تحتية عسكرية في صفد، ومستوطنة المطلة وكفريوفال، فضلاً عن تجمعات في المالكية وديشون وموقع هضبة العجل. كما أعلن تفجير عبوة ناسفة بقوة إسرائيلية في منطقة دير حنّا في بلدة البياضة، ما أدى إلى وقوع إصابات استدعت تدخّل مروحية للإخلاء، قبل استهداف المنطقة لاحقاً بالقذائف المدفعية.


الجيش الإسرائيلي: نزع سلاح «حزب الله» تماماً يحتاج إلى احتلال لبنان بالكامل

شاحنة عسكرية إسرائيلية تحمل دبابة في منطقة الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
شاحنة عسكرية إسرائيلية تحمل دبابة في منطقة الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي: نزع سلاح «حزب الله» تماماً يحتاج إلى احتلال لبنان بالكامل

شاحنة عسكرية إسرائيلية تحمل دبابة في منطقة الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
شاحنة عسكرية إسرائيلية تحمل دبابة في منطقة الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

بعدما أعلن قائد كبير في الجيش الإسرائيلي، يوم الجمعة، أن نزع سلاح «حزب الله» ليس جزءاً من أهداف الحرب الحالية، وأن خطته الحالية تتركز في هدم قرى لبنانية كاملة في جنوب البلاد، وتهجير سكانها قسراً، لإقامة شريط أمني عازل يفرض واقعاً ميدانياً وحدودياً جديداً، أصدر وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، بياناً غاضباً يؤكد فيه أن الحرب على لبنان ترمي لتحقيق هذا «الهدف السامي»، وأن الحكومة تُصر على ذلك.

واضطر الناطق الرسمي باسم الجيش إلى تصحيح تصريحات المسؤول الكبير، وقال إن «موقف الجيش، كما صرّح به رئيس الأركان سابقاً، هو الالتزام بالهدف طويل الأمد، المتمثّل في نزع سلاح (حزب الله)، والذي يشمل سلسلة واسعة من الجهود، التي ستستمر مع مرور الوقت». وأضاف أن «العملية الحالية تُضعف (حزب الله)، وستسهم في تحقيق هدف نزع سلاحه، بمرور الوقت». وقال مصدر آخر في المؤسسة العسكرية إنه في حال فشلت الحكومة اللبنانية في نزع سلاح «الحزب»، فإن إسرائيل ستتحرك لفرض ذلك. وأكد أن الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، هو في مرمى الخطط الإسرائيلية للاغتيال.

عناصر بالجيش الإسرائيلي في موقع هجوم صاروخي شنه «حزب الله» استهدف منزلاً ببلدة كريات شمونة شمال إسرائيل قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

وهاجم الجنرال يوم طوف ساميا قيادة الجيش والحكومة اللذين لا يزالان يضعان «حزب الله» هدفاً للحرب، وقال إن «(الحزب) هو جيش إرهاب ويستحق التصفية، لكن من يريد فعلاً التخلص منه، عليه أن يتعامل مع الدولة اللبنانية ويدمر بنيتها التحتية حتى يفهم الشعب اللبناني أن هذا (الحزب) وهذه القيادة التي تحجم عن محاربته جلبت الوبال عليه».

لكن أقوال القائد العسكري المذكور ظلت حاضرة بقوة، وردّدها، خلال النهار، عدد من الخبراء العسكريين والجنرالات في الاحتياط، الذين قالوا إن «هذا التصريح يتسم بالصدق والإقرار بأن الحرب الحالية لا تكفي لتدمير (حزب الله) وهزيمته، وأنه في ظل عجز الحكومة والجيش في لبنان عن نزع سلاح (الحزب)، فإن الجيش الإسرائيلي هو وحده القادر على القيام بهذه المهمة، لكنه من أجل ذلك يحتاج إلى احتلال كل أراضي الدولة اللبنانية، وإجراء عمليات تفتيش في كل قرية وبلدة بلبنان، وبالتالي فإن تفكيكه ليس من أهداف العملية الحالية».

وفي ضوء الخلافات الظاهرة بين الجيش والحكومة، قرر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تأجيل الاجتماع، الذي كان مقرراً ظهر الجمعة، للكابنيت (المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية) إلى مساء السبت، واستبدل به مشاورات مع عدد مقلَّص من الوزراء والجنرالات.

وقال مصدر عسكري آخر، لوسائل الإعلام العبرية، إن الجيش الإسرائيلي سيعرض على المستوى السياسي في الكابنيت، خطةً لتدمير القرى اللبنانية الحدودية في جنوب لبنان تدميراً كاملاً، وإنشاء منطقة أمنية خالية من السكان، دون عودة أي لبناني إلى القرى الواقعة على ما تُطلق عليه إسرائيل مسمّى «خط التَّماس»، وقرروا استثناء 20 قرية مسيحية من هذا التهجير.

ويبرر الجيش الإسرائيلي هذه العملية بحُجة أن «حزب الله» حاول مجدداً، خلال العام الماضي، إعادة ترميم البنى التحتية لقواته على طول الحدود، ولذلك يجب تحويل المنطقة الممتدة من 3 إلى 4 كيلومترات من الحدود إلى منطقة أمنية، «بخط دفاعيّ متقدّم». ويقول الجيش إن تنفيذ الخطة يستدعي تدمير عشرات القرى اللبنانية، القريبة من البلدات الإسرائيلية، تدميراً كاملاً، بدءاً من قرية كفركلا المقابلة للمطلّة، مروراً بالناقورة المقابلة لـ«شلومي»، بما يشمل التدمير الكامل لجميع البنى التحتية في القرى، وتدميرها بالكامل، ومنع سكانها اللبنانيين من العودة إليها بشكل دائم.

ووفقاً للجيش الإسرائيلي، فإن هذه الخطة «أُعدّت ونُسِّقت مع الموافقات القانونية، وخضعت، بالفعل، للتنظيم القانوني اللازم: فبما أن هذه القرى كانت بمثابة بنية تحتية سمحت لـ(حزب الله) بالعمل انطلاقاً منها، فإن جميع البنى التحتية المدنية تُعد (مُجرَّمة)، ووجود القرية بحد ذاته سيمكّن (حزب الله) من إعادة بناء بنية تحتية (إرهابية) في المستقبل، الأمر الذي يستلزم تدمير القرية بأكملها».

جنود إسرائيليون يحملون نعش عسكريّ قُتل في جنوب لبنان خلال المواجهات مع «حزب الله» (أ.ف.ب)

وزعم الجيش الإسرائيلي أنه حتى بعد وقف إطلاق النار السابق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، عاد عناصر «حزب الله» إلى القرى القريبة من الحدود مع إسرائيل، متذرعين بعودة جزء من السكان. كما رصد الجيش الإسرائيلي محاولات لإعادة حفر بنى تحتية تحت الأرض، وأسلحة لم تكن موجودة في تلك القرى، خلال الهجوم الإسرائيلي السابق، قبل نحو عام ونصف العام. وقد خلص الجيش الإسرائيلي إلى أنه «سيكون من المستحيل في نهاية العملية الحالية العودة إلى الوراء، نحو خط الحدود الحالي؛ لأن (حزب الله) سيعود مجدداً إلى تلك القرى ويحاول إنشاء بنى تحتية إرهابية جديدة هناك، وبالتالي يجب إنشاء خط جديد». والنموذج الذي اقترحه الجيش الإسرائيلي هو نسخة من نموذج «الخطّ الأصفر» في قطاع غزة؛ خط كامل من القرى، في شريط يتراوح عرضه بين 2 و4 كيلومترات، وفقاً للتضاريس، سيكون خالياً تماماً من السكان، وتحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، وسينشئ الجيش الإسرائيلي خطاً من النقاط الأمامية فيه.

وقال ضابط رفيع بالجيش الإسرائيلي، في معرض شرح الخطة، إنها «خطة مختلفة تماماً عن المنطقة الأمنية التي كانت لدينا في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي؛ لقد تعلّمنا كثيراً منذ ذلك الحين، والتغيير الأبرز هو أنه لن يُسمح للسكان بالعيش في تلك المنطقة». وتابع: «نحن نعمل على تقريب خط الحدود، ليصبح خطاً من المواقع الأمامية القوية والدائمة، وسيكون هذا مفهوماً متكاملاً لخطوط دفاعية جديدة»، على حدّ وصفه.

وأقرّ الجنرال الإسرائيلي بأن التصريحات المتعلقة بنزع سلاح «حزب الله»، كهدف للحرب، كانت «طموحة» للغاية، ويقول إنه في هذه المرحلة، لا تسمح القيود بنزع سلاح «الحزب»؛ «فمزيج الحرب الممتدة لعامين ونصف العام، مع ضرورة تركيز الجهود على إيران، لا يسمح بتحديد نزع سلاح (حزب الله) كهدف».


القرى المسيحية في الجنوب: ثباتٌ حذِر على وقع المخاوف الأمنية ودعوات الإخلاء

جانب من احتفالات «الجمعة العظيمة» في بلدة القليعة المسيحية جنوب لبنان (الشرق الأوسط)
جانب من احتفالات «الجمعة العظيمة» في بلدة القليعة المسيحية جنوب لبنان (الشرق الأوسط)
TT

القرى المسيحية في الجنوب: ثباتٌ حذِر على وقع المخاوف الأمنية ودعوات الإخلاء

جانب من احتفالات «الجمعة العظيمة» في بلدة القليعة المسيحية جنوب لبنان (الشرق الأوسط)
جانب من احتفالات «الجمعة العظيمة» في بلدة القليعة المسيحية جنوب لبنان (الشرق الأوسط)

أحدثت الأنباء، التي تم تداولها الجمعة عن إنذارات بإخلاء بلدة إبل في جنوب لبنان، صدمة واسعة وحالة من الهلع، ليس بين سكانها فقط، بل في صفوف أهالي البلدات المسيحية أيضاً، التي لا تزال صامدة في المنطقة، وتعيش على وقع المخاوف الأمنية وانقطاع طرق الإمداد. وبعد التدقيق، تبين أن الأمر بالإخلاء وُجّه إلى المنطقة الشمالية من البلدة من ناحية بنت جبيل، مع احتدام المعارك في المنطقة المحيطة، وخاصة في ظل المحاولات الإسرائيلية المستمرة لدخول مدينة بنت جبيل.

مدخل بلدة بنت جبيل في جنوب لبنان بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي منها وبدء عودة الأهالي إليها بعد انتهاء الحرب في شهر نوفمبر 2024 (إ.ب.أ)

إخلاء جزئي

وقال رئيس بلدية عين إبل، أيوب خريش، في تصريح له، إن عدداً من الأشخاص غادروا البلدة بمواكبة «الصليب الأحمر»، وهم من أصحاب الحالات الخاصة كالحوامل والمرضى. لافتاً إلى أن نحو 30 عائلة تركت الجزء الشمالي من البلدة، المواجه لمدينة بنت جبيل، ونزحت باتجاه أجزاء أخرى منها، نافياً نفياً قاطعاً ما تردد عن إنذار بإخلاء البلدة بالكامل.

وتحاول القوات الإسرائيلية اقتحام بنت جبيل من أكثر من محور، وكان تركيزها في الساعات الماضية على محور عين إبل والأطراف بين رميش ويارون. ما دفعها لطلب إخلاء الجزء الشمالي من عين إبل.

لبنانيون يتجمعون أمام دورية للجيش قرب دير في بلدة رميش بعدما غادروا قرية عين إبل يوم 1 أكتوبر 2024 خلال الحرب السابقة (رويترز)

ونبّهت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من تداول رسالة تدّعي وجود اتّفاق لتسهيل الإخلاء من عين إبل إلى بيروت. وأكدت اللجنة أنّ هذه المعلومات غير دقيقة ولا تمتّ إليها بصلة، ودعت إلى عدم التجاوب مع هذه الرسائل أو مشاركتها.

ممرات آمنة

ومنذ نحو أسبوع، تتجه الأنظار إلى 13 بلدة في جنوب الليطاني، معظم سكانها من المسيحيين، بعد قرار الجيش اللبناني الانسحاب من مواقع انتشاره فيها، إثر تقدم القوات الإسرائيلية إليها وتجنبه أي اشتباك أو مواجهة مباشرة معها.

وأصبحت الطرق، التي تربط مثلث رميش ودبل وعين إبل ببقية المناطق اللبنانية، تحت النار، ما جعل هذه البلدات الـ3 معزولة، وأدى إلى رفع أهلها الصوت لتأمين ممرات إنسانية لإيصال المواد الغذائية والأدوية والمحروقات وغيرها من السلع الضرورية.

وأشار مصدر رسمي لبناني إلى أن «رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، الذي يكثف اتصالاته مع الأميركيين والفرنسيين والأوروبيين، للوصول إلى وقف نار في لبنان يخص دائماً أهالي المناطق الصامدة في الجنوب، بلفتة خاصة إذ يطالب بالضغط على إسرائيل لضمان بقائهم في قراهم وبلداتهم وعدم محاصرتهم من خلال تأمين ممرات آمنة تصل من خلالها مقومات البقاء». لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الرئيس التقى، على هامش مشاركته بقداس يوم الجمعة، بالسفير البابوي الذي يقوم بجهود استثنائية لمساعدة أهالي القرى المسيحية الصامدة، «وتم البحث في هذا الملف». كذلك شدّد البطريرك الماروني بشارة الراعي، في عظة له، على وجوب ترك «ممرات إنسانية إلى الصامدين في قراهم لتصل إليهم حاجاتهم».

الاستشفاء هاجس أساسي

وقال مصدر كنسي لـ«الشرق الأوسط» إن الأوضاع «صعبة جداً في القرى المسيحية، التي باتت محاصرة، وكل الطرق إليها مقطوعة»، لافتاً إلى أن «الهاجس الأساسي في رميش ودبل وعين إبل هو بشكل أساسي موضوع الاستشفاء، مع تعطل معظم المستشفيات القريبة، التي بات اثنان منها فقط يستقبلان بشكل أساسي جرحى الحرب. أما المرضى فيضطرون للتوجه إلى صيدا، ما يضع حياة كثيرين في خطر».

وأوضح المصدر أن «الفاتيكان، عبر السفير البابوي في لبنان، لا يزال على تواصل مع واشنطن عبر السفير الأميركي في بيروت لضمان بقاء أهالي القرى المسيحية الحدودية في أرضهم وتأمين ممرات آمنة إليهم لمدّهم بمقومات الصمود».

أهالي بلدة القليعة المسيحية في جنوب لبنان يحتفلون في «الجمعة العظيمة» (الشرق الأوسط)

وتشير «ر.ض»، ابنة بلدة القليعة، إلى أن «وضع القرى في قضاء مرجعيون أسهل من وضع أهالي القرى في بنت جبيل حيث الوضع الجغرافي صعب جداً». لافتة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «كان قد تم قطع الطريق بوقت سابق، لكن أعيد فتحها من قبل الجيش وقوات اليونيفيل، والمستشفى في المنطقة لا يزال يعمل». مضيفة: «هو الإيمان وتمسكنا بأرضنا ما يجعلنا صامدين في قرانا وبلداتنا».

جولات على المسؤولين

ويجول وفد من القيمين على القرى الجنوبية على المسؤولين اللبنانيين. والتقوا أخيراً رئيس الحكومة نواف سلام، الذي أبلغهم بأن «الصليب الأحمر» الدولي سيذهب قريباً إلى المنطقة، ويؤمن المساعدات اللازمة.

ويوم الجمعة، التقى رئيس حزب «القوات» اللبنانية سمير جعجع وفداً من بلدية دبل الجنوبية، مطالباً بتأمين الطريق بين دبل ورميش، وفتحها لتسهيل دخول المساعدات، وتأمين خط آمن للبئر الارتوازية، كي يتم ضخّ المياه إلى الأهالي، ولا سيما أنّ الجيش الإسرائيلي يتمركز في محيطه. وأثنى جعجع على تمسك أهالي القرى الحدودية بأرضهم، رغم كل الصعاب والمخاطر المحدقة بهم.

وكان الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، نبّه قبل أيام مما قال إنها «محاولات (حزب الله) المتعمدة للتمركز في القرى المسيحية في جنوب لبنان، والعمل من داخلها، معتقداً أن ذلك يمنحه حصانة ويقيه من ضربات الجيش الإسرائيلية،»، ودعا أهالي القرى المسيحية إلى دفع «حزب الله» خارج قراهم وعدم التعاون معه.