مباني الخرطوم المهجورة تعود إلى الحياة عبر الصور

بنايات تعكس وجه السودان القديم (الشرق الأوسط)
بنايات تعكس وجه السودان القديم (الشرق الأوسط)
TT

مباني الخرطوم المهجورة تعود إلى الحياة عبر الصور

بنايات تعكس وجه السودان القديم (الشرق الأوسط)
بنايات تعكس وجه السودان القديم (الشرق الأوسط)

«سودانية بكتوريل التصويرية» هو واحد من برامج كثيرة لإحياء بنايات تعكس وجه السودان القديم، عبر توثيق لمبانيه المهجورة والأثرية التي أشرفت على الاندثار، بإعادة قراءتها للأجيال القادمة والحاضرة عبر الصورة.
وتقول ريم حسين (مهندسة) صاحبة الفكرة: «إن المبادرة منبثقة من حب السودان. جاء الاسم لعكس المعنى المراد من المبادرة، وهو عكس خبايا السودان وجماله غير المعروف وغير المألوف، والتوثيق للمجهول المندثر منه».
وترى ريم حسين أن «هذه المباني تعرضت لعملية هجرة صامتة، وتكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة أمام التجاهل الرسمي والشعبي، فكان لا بد من التحرك ولفت الانتباه إلى تفاصيل التاريخ والإرث الذي قد يحمله حائط مهترئ بمبنى أو لافتة قديمة، لتبقى في منازل الذاكرة للجميع، وربما تؤدي دوراً في مجتمعها المحيط».
وعن خطة العمل، تقول حسين إنها تقوم بتصوير المبنى القديم وفق تصور معين، رهانه الأساسي ربط الناس بهذه المباني؛ لذا تبرز كل تفاصيل اللحظة التاريخية وقتها: الأزياء، والإكسسوارات، والحلي، والمجوهرات، وحتى تسريحات الشعر القديمة.


فندق «أكروبول» في وسط الخرطوم (الشرق الأوسط)

وعن بداية فكرتها، تقول حسين: «إن حكايات أمي وأبي الدائمة عن صباهم وأين كانوا يذهبون أيام الجامعة وأين عملوا، وربط الأماكن بتاريخ السودان الاجتماعي والسياسي، ولَّد لدي الانتباه الدائم لتفاصيل أي مكان، وكوَّن ذاكرة مكانية متقدة لدي. ومع مرور الزمان لاحظت تغير ملامح وطننا الحبيب، وللأسف يموت أو يهاجر للأبد مَن حفظ الأسرار، فبدأت الفكرة تراودني بحيث أكون (موديلاً) للصور تكون خلفيته هذه المباني القديمة». مضيفة: «إن دافعي الأساسي هو إحساسي بأن هذه المباني أو البيوت ليست مجرد أحجاراً صماء؛ بل هي شيء حي حمل فلسفة لطبيعة الحياة وشكلها في أزمنة سابقة ومجتمعات معينة».
تتحدث ريم حسين عن بداية التوثيق لمبنى البريد والبرق (البوستة) في الخرطوم، كباكورة أعمالها، قائلة: «قمت بالبحث طويلاً، وجمعت معلومات من والدتي التي كانت موظفة في هيئة البريد والبرق. ويُعرف عن المبنى أنه مشيد من الحجر الرملي، وعلى الطراز الفيكتوري بداية القرن الماضي».
وأشارت ريم إلى أنها تواجه بعض التحديات خلال توثيق هذه المباني؛ خصوصاً أن بعضها يقطنها عسكريون ويرفضون التقاط الصور.


التوثيق للمبنى بالصور (الشرق الأوسط)

مضيفة: «بعدها قمنا بالتوثيق لعدد من المباني في شارع الجمهورية بوسط الخرطوم، منها: فندق (صحاري)، و(الأكروبول)، وعمارة (أتينيه)، وبعدها مبنى (سودان كلوب)»، موضحة أن عملية البحث عن هذا المبنى استغرقت أكثر من سنتين لتجميع المعلومات، والإكسسوارات، والأزياء، وفريق التصوير، وأخذ الإذن بالتصوير.
وتحكي حسين عن مبنى «معمل أستاك الطبي» الذي قامت بتوثيقه، قائلة: «استطعت جمع كثير من المعلومات عن المبنى من الموظفين الإنجليز الذين كانوا يعملون فيه، وتم التقاط صور خارجية له خلال تظاهرة شبابية، بعد رفض إدارة المكان السماح لنا بأخذ الصور داخل دهاليزه».
ولم تقتصر عملية التوثيق المصورة على المباني أو الفنادق القديمة، كما تقول ريم؛ بل تعدتها إلى بعض المتاجر الشهيرة في السبعينات، مثل «جنبرتي» في شارع الجمهورية المعروف ببيع الأواني المنزلية التي تأتي من أوروبا.
وضمن مبادرتها، تقول صاحبة «سودانية للتصوير»: «أقوم بتوثيق فندق (الواحة)، وهو مبنى تمت مصادرته في عهد الرئيس الأسبق جعفر النميري، بداية السبعينات. وكان يستغل كاستراحة لموظفي (الخطوط الجوية البريطانية)، وهو مكون من عدة طوابق، ويحوي مسبحاً وحديقة أصبحت مكباً للنفايات الآن».
ثم تأتي «دار الوثائق السودانية»، كأحد أهم المشروعات التي يجب أن توثق؛ حسب حديث ريم: «إنه من أهم المباني القديمة في وسط الخرطوم، وتعود ملكيته لعائلة المهدي. ونحن بصدد أخذ الإذن والبدء في تصوير المبنى، وعمل اللازم مع فريق التصوير».
وعن رؤيتها للمستقبل، تقول ريم حسين: «أرجو أن تكون هذه التجربة دافعة لتحول هذه الأماكن أو المباني إلى قطعة جذب سياحي، من منطلق قيمة المكان وأبعاده التاريخية. وحلمي أن أرى يوماً ما حافلة من طابقين ملونة بألوان زاهية، مليئة بالأجانب، تجول في الشوارع في رحلات سياحية دائرية».


مقالات ذات صلة

«مشروع توثيقي» لمصري يفوز بجائزة من «وورلد برس فوتو»

يوميات الشرق «مشروع توثيقي» لمصري يفوز بجائزة من «وورلد برس فوتو»

«مشروع توثيقي» لمصري يفوز بجائزة من «وورلد برس فوتو»

«هنا الأبواب لا تعرفني» عنوان المشروع، الذي فاز به المصور المصري الشاب محمد مهدي في المسابقة الدولية للتصوير الفوتوغرافي «وورلد برس فوتو» لعام 2023.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق «الإسماعيلية التسجيلي» يُبرز مسيرة سينمائيين مصريين

«الإسماعيلية التسجيلي» يُبرز مسيرة سينمائيين مصريين

يحتفي «مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة» خلال دورته اﻟ24. بمسيرة 2 من السينمائيين المصريين، وهما مدير التصوير السينمائي دكتور محمود عبد السميع، والناقد والمؤرخ محمود علي، اللذين جمعهما توثيق السينما، حيث وثقها عبد السميع بالكاميرا عبر أفلامه، بينما وثقها علي بالقلم عبر كتب وموسوعات عن تاريخ السينما، واستهل المهرجان أولى فاعلياته بإقامة ندوة لكل منهما ظهر اليوم (الأربعاء). وأكد مدير التصوير السينمائي عبد السميع، خلال الندوة، أنه «كلما كانت اللقطة التي يتم تصويرها واقعية جنح الفيلم إلى التوثيق». وقال إن «الصورة يجب أن تبقى في خدمة المضمون في الفيلم التسجيلي بعيداً عن الجماليات».

انتصار دردير (الإسماعيلية)
يوميات الشرق مسعود هانتشر ممسكاً بيد ابنته إرماك البالغة 15 عاماً المتوفاة تحت الأنقاض جراء الزلزال في كهرمان ماراش (أ.ف.ب)

حملة تضامن مع رجل تركي ينشر صورته ممسكاً بيد ابنته المتوفاة تحت الأنقاض

حرّكت صورة مسعود هانتشر ممسكاً بيد ابنته المتوفاة تحت الأنقاض، عقب الزلزال العنيف الذي ضرب تركيا يوم 6 فبراير (شباط)، العالم بأسره، واستتبعت حملة من التضامن مع هذا الرجل المحطم، كما روى لـ«وكالة الصحافة الفرنسية». بعد نحو 3 أسابيع على هذه الكارثة الطبيعية التي أودت بأكثر من 44 ألف شخص في تركيا، غادر هانتشر، وهو والد لأربعة أطفال، من بينهم إرماك (15 عاماً) التي قضت مدفونة تحت أنقاض مبنى من 8 طوابق، بلدته كهرمان مراش، في جنوب شرقي تركيا، ليستقر في أنقرة. وقال: «لقد فقدت أيضاً والدتي وإخوتي وأبناء إخوتي في الزلزال. لكن دفن ولدك لا نظير لمأساويته...

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
يوميات الشرق الفنانة الروسية - (الجامعة الأميركية بالقاهرة)

فوتوغرافية روسية تعيد اكتشاف المباني المهجورة في مصر (صور)

تأثرت المصورة الفوتوغرافية الروسية زينيا نيكولسكايا بالبنايات القديمة بمدينة سانت بطرسبرغ، التي تم تأسيسها عام 1703-، كميناء مهم وقاعدة بحرية، لدرجة أنه أُطلق عليها لقب «نافذة على أوروبا» من قبل مؤسسها بطرس الأكبر، ولا تزال كذلك.

عبد الفتاح فرج (القاهرة)
يوميات الشرق الفريق المنظم لمهرجان «ما بين بين» خلال الإعلان عن فقراته (من المركز البريطاني)

مهرجان «ما بين بين» مساحات من الإبداع تضيء بيروت

حزم المجلس الثقافي البريطاني أمره في ما يخص تنظيمه للنشاطات الفنية، فقد قرر أن يشارك فيها بعد أن كان ينظمها ويشرف عليها فقط. وفي مؤتمر صحافي عقد في مركز «ستايشن» الثقافي، أعلن مارك معركش مدير الفنون في المجلس المذكور عن هذا التبديل. وأطلق في المناسبة مهرجان «ما بين بين» (in between) الثقافي والفني. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «الفنون حاضرة دائماً في نشاطات المجلس الثقافي البريطاني. لكن منذ نحو سنة ونيف أعدنا النظر بالاستراتيجية الخاصة بنا. ففي السابق كنا نعتمد على دعم مادي يوزع على شركائنا في الحقل الثقافي من دون أن يكون لنا أي دور مباشر فيه.


السينما الفلسطينية توسّع رواية غزة أمام العالم

الملصق الترويجي للفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي للفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (الشركة المنتجة)
TT

السينما الفلسطينية توسّع رواية غزة أمام العالم

الملصق الترويجي للفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي للفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (الشركة المنتجة)

يراهن سينمائيون فلسطينيون وعرب على الأفلام الواقعية والإنسانية لإنصاف القضية الفلسطينية في المهرجانات السينمائية الغربية، وسط استقبال لافت لعدد من التجارب التي تناولت معاناة «أصحاب الأرض» في مهرجانات عدّة، كان أحدثها «غزة 13»، الذي يُعرض ضمن النسخة الحالية من «مهرجان تورنتو» في كندا.

وجاء العرض العالمي الأول لفيلم «غزة 13»، للمخرج الفلسطيني حسام أبو دان، الذي يقدّم زاوية مختلفة في تناول الحرب، عبر تتبُّع آثارها الخفية على الحياة اليومية من خلال «رغد» البالغة 13 عاماً، التي تجد نفسها داخل مخيّم للنازحين بعد فقدان عدد من أفراد عائلتها.

وصُوّر الفيلم بالكامل في قطاع غزة، بمشاركة ممثلين وفنّيين فلسطينيين، ويُعدّ أول فيلم روائي طويل يُصوَّر داخل القطاع منذ 12 عاماً. كما عُرض الفيلم الوثائقي «المواطن أسامة» خارج المسابقة في «مهرجان فينيسيا»، ويتابع الصحافي والمصور الفلسطيني أسامة العشي على مدى عام خلال الحرب.

ويُعدّ الفيلم الوثائقي «نازا»، للمخرجَيْن الإسرائيليين يوفال أبراهام وراحيل شور، الذي حصل على جائزة «لجنة التحكيم الخاصة» في النسخة الماضية من مهرجان «فينيسيا السينمائي» في إيطاليا، من أحدث الأعمال التي تتناول اتهامات بارتكاب «إبادة جماعية في غزة». والفيلم إنتاج بريطاني-أميركي مشترك، وسبق لمخرجَيْه الفوز بجائزة «الأوسكار» العام الماضي عن فيلم «لا أرض أخرى»، الذي تشاركا في إخراجه مع مخرجين فلسطينيين.

وتضمّن الفيلم الجديد شهادات سرّية لـ24 جندياً وعنصراً مخابراتياً حول استخدام أنظمة ذكاء اصطناعي في عمليات قصف استهدفت، وفق هذه الشهادات، مدنيين في قطاع غزة. ونال جائزة لجنة التحكيم الخاصة وسط تفاعل جماهيري كبير وعاصفة غضب سياسية داخل إسرائيل.

ملصق مشاركة الفيلم الفلسطيني «غزة 13» في «تورنتو» (حساب المخرج في «فيسبوك»)

وشهد العام الماضي فوز فيلم «صوت هند رجب»، للمخرجة كوثر بن هنية، بجائزة «الأسد الفضي» في «فينيسيا». وتناول واقعة استهداف الطفلة الفلسطينية هند رجب، بعد إرسالها رسائل استغاثة خلال حصارها في غزة. ووصل العمل إلى التصفيات النهائية لـ«الأوسكار»، وعُدّ من أسباب تسليط الضوء بشكل أكبر على الحادث، فيما أعلنت إسرائيل فتح تحقيقات فيه، ثم أعلنت لاحقاً مسؤوليتها عن قتل الطفلة.

كما شهدت النسخة الماضية من المهرجان عرض الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة»، الذي وثّق جانباً من حرب الإبادة في غزة وانعكاساتها على الحياة اليومية للمواطنين.

وترى المنتجة والمخرجة الفلسطينية مي عودة أن الأفلام التي تتناول فلسطين تؤدّي دوراً مهماً في تغيير الصورة التي تصل إلى الجمهور العالمي، بفضل قدرة السينما على تحويل الوقائع السياسية والإنسانية إلى تجارب يراها المشاهد ويتفاعل معها، مشيرةً إلى أنّ «الفيلم قد يصل إلى الإنسان بطريقة لا تحققها الأخبار أو الخطابات السياسية، لأنه يخلق مساحة للتعاطف، ويمنح المتلقّي فرصة لرؤية حياة الآخر من الداخل، ما يجعل السينما أداة للمقاومة والتأثير».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنّ «السنوات الأخيرة شهدت حضوراً أوضح لفلسطين داخل الأوساط الثقافية العالمية، مع مواقف لمخرجين وفنانين ومثقفين»، مؤكدةً أنّ «تغيير الوعي لا يكفي وحده لوقف الحرب أو إنهاء الاحتلال، وإنما يحتاج إلى قرارات وضغوط سياسية واقتصادية».

وتستشهد بفيلم «لا أرض أخرى»، الذي نقل قضية «مسافر يطا» إلى جمهور دولي واسع وحاز «الأوسكار»، لكن ذلك لم يوقف ما يواجهه سكان المنطقة. وترى أنّ قوة السينما تكمن في كشف الواقع وصناعة الوعي والتعاطف، فيما يبقى التحدّي في تحويل هذا الوعي إلى فعل يترك أثراً في الواقع.

وفي هذا السياق، يقول الناقد الجزائري فيصل شيباني لـ«الشرق الأوسط» إن الأفلام التي تتناول الحرب في غزة والقضية الفلسطينية تملك قدرة كبيرة على التأثير في الرأي العام، بفضل قوة الصورة في الوصول إلى المتلقّي وتغيير نظرته إلى القضايا التي تطرحها، خصوصاً لدى النخب الثقافية والسياسية. ويشير إلى أنّ أفلاماً، مثل «صوت هند رجب» و«نازا»، أحدثت صدى واسعاً، لكن الأخير اكتسب خصوصية من تناوله الأحداث من منظور إسرائيلي، ممّا وسّع النقاش حوله إلى الأوساط السياسية والثقافية داخل إسرائيل.

فوق سطوح تل أبيب... جنود إسرائيليون يتحدثون عن آليات الحرب (مهرجان «فينيسيا»)

ويضيف شيباني أنّ قوة هذه الأعمال لا تكمن فقط في عرض صور الدمار والضحايا، وإنما في قدرتها على مساءلة الروايات السائدة حول الحرب وفتح زوايا جديدة أمام الجمهور لفهم التجربة الفلسطينية، مؤكداً أن «وصول هذه الأفلام إلى المهرجانات العالمية يوسّع دائرة النقاش، لأنّ السينما تمنح المتلقّي مساحة للتأمّل والتفاعل الإنساني تتجاوز أحياناً طبيعة التغطية الإخبارية. كما يرتبط تأثيرها بقدرتها على الوصول إلى جمهور متنوّع وتقديم صور متعدّدة عن الفلسطينيين وحياتهم وتجاربهم».

ويؤكد الناقد المصري محمد طارق أنّ تأثير الأفلام التي تتناول القضية الفلسطينية يظلّ مرتبطاً بطبيعة كلّ فيلم وسياقه والجمهور الذي يصل إليه والمهرجانات أو المنصات التي تعرضه، لكن ذلك لا ينفي انعكاساتها السياسية والثقافية، خصوصاً مع التحوّلات التي طرأت خلال السنوات الأخيرة على طريقة النظر إلى القضية الفلسطينية لدى قطاعات من الرأي العام الأوروبي.

ويشير لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «الأفلام من العناصر التي أسهمت في هذا التحوّل، إلى جانب عوامل سياسية وإعلامية ومجتمعية أخرى، وبالتالي يصعب فصل أثر السينما عن السياق الأوسع الذي تتحرّك داخله»، مؤكداً أنّ «للأفلام دوراً في بناء التعاطف مع القضية الفلسطينية، وربما يكون تأثيرها العاطفي أعمق، في بعض الحالات، من التغطية الصحافية، خصوصاً عندما تنجح في الوصول إلى جمهور واسع خارج الدوائر المعتادة المهتمة بالقضية».

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» الذي استعاد مأساة الطفلة الفلسطينية (الشركة المنتجة)

ويشير المخرج الفلسطيني إسماعيل الهباش لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ الأفلام الآتية من غزة، بحكم الظروف التي أُنتجت فيها وما تحمله من شهادات وصور مرتبطة بالحرب، تُعزّز بصورة مباشرة تصوّر الإبادة لدى الجمهور الذي تصل إليه، فيما تختلف الصورة بالنسبة إلى مجمل الأفلام الفلسطينية التي تُنتج في أماكن أخرى وتنطلق من تجارب مختلفة.

ويوضح أنّ «بعض هذه الأعمال يُسهم أيضاً في ترسيخ هذا التصوّر من خلال تناوله الحرب وتداعياتها، في حين تذهب أفلام أخرى إلى موضوعات وقضايا مختلفة لا ترتبط بصورة مباشرة بما يحدث في غزة، وبالتالي لا يمكن وضع جميع الأفلام الفلسطينية في السياق عينه».


15 عاماً من «تكريم»... باريس تحتفي بمَن وسَّعوا المساحة لغيرهم

ليلة عَبَرَت فيها الحكاياتُ الأجيال (تكريم)
ليلة عَبَرَت فيها الحكاياتُ الأجيال (تكريم)
TT

15 عاماً من «تكريم»... باريس تحتفي بمَن وسَّعوا المساحة لغيرهم

ليلة عَبَرَت فيها الحكاياتُ الأجيال (تكريم)
ليلة عَبَرَت فيها الحكاياتُ الأجيال (تكريم)

كانت باريس موعدَ «تكريم» مع عامِها الخامس عشر. نحو 400 مدعوّ التقوا في فندق «إنتركونتيننتال باريس لو غراند» قادمين من العالم العربي وأوروبا والولايات المتحدة وخرائط أخرى. احتفال بإنجازات عربية عَبَرَت الحدود، وبشبكة نسجتها المؤسّسة منذ انطلاقها عام 2010. وإنما شيء آخر كان يتشكَّل خلف مشهد الجوائز والأسماء الكبيرة. فالنجاح الذي احتفت به الأمسية لم يبقَ سيرةً شخصية مُكتملة العناصر. اقترب من البدايات التي لا يملك الإنسان اختيارها، وقد تمنحه الحياة فيها كثيراً أو تحرمه كثيراً قبل أن يخطو خطوته الأولى.

من المنصّة إلى مَن هم خارجها (تكريم)

أربعة أسماء تصدَّرت التكريم. باتريك شلهوب، أحد أبرز روّاد صناعة السلع الفاخرة عالمياً، نال جائزة «إنجازات العمر». وكُرّم رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة «CMA CGM»، رودولف سعادة، عن مسيرته في الأعمال والتجارة الدولية، والشيخة باولا الصباح عن التزامها بالثقافة والفنون والعمل الإنساني، في حين نال رجل الأعمال والناشر رجاء صيداوي، الرائد في المعلومات الاستراتيجية المتعلّقة بالطاقة، جائزة «الإرث».

ليلة عَبَرَت فيها الحكاياتُ الأجيال (تكريم)

قدَّمت غيدا فخري الأمسية بحضور شخصيات من عالم السياسة والأعمال والدبلوماسية والثقافة، من بينها رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق دومينيك دو فيلبان، ووزير الاقتصاد الفرنسي الأسبق برونو لومير. ووسط الاحتفاء بمَن صنعوا أسماءهم، أعاد مؤسِّس «تكريم» ورئيسها التنفيذي ريكاردو كرم النظر إلى الذين يقفون غالباً خارج الضوء في حكايات النجاح. شخص آمن بنا، وآخر منحنا فرصة، ويد امتدّت في الوقت المناسب. فاختارت «تكريم» أن يذهب ريع مزادها الخيري إلى «جمعية بيت الطفل اللبناني» (AFEL)، بجانب برنامجها للإرشاد والتوجيه المهني، لتحضر الطفولة في أمسية تحتفي بمسارات قطعت شوطاً طويلاً. فقبل أن يحتاج الإنسان إلى مَن يؤمن بموهبته، يحتاج في طفولته إلى عالم لا يؤذيه. الفرص تأتي لاحقاً. القدرة على استقبالها تُبنَى في سنوات لا يعرف الطفل خلالها أنه يبني مستقبله أصلاً.

أربعة أسماء أمام الضوء... وآلاف خلفه (تكريم)

منذ تأسيس «AFEL» عام 1976، مرَّ عبر عملها أطفال وعائلات وضعتهم الحياة أمام العنف أو الإهمال أو الجوع أو الانقطاع عن المدرسة. ووفق سفير الجمعية من الجيل الثالث، الشاب بول حجّار الذي قدَّم شهادة شخصيّة في الحفل، فقد رافقت أكثر من 12 ألف طفل وعائلة. وإنما جوهر الخمسين عاماً يصعب اختزاله في عدد. فالطفولة لا تنتهي عندما يكبر صاحبها. ما يحدث خلالها قد يستمر في الطريقة التي يثق بها الإنسان بنفسه وبالآخرين، وفي ما يعتقد أنه يستحقّه من الحياة. وحين تتدخَّل الجمعية في تلك السنوات، فإنها تعمل في مرحلة لم تصبح فيها الخسارة نهائية بعد.

«تكريم» تجمع العالم في باريس (تكريم)

تجربة بول حجّار من الجهة المُقابلة. حكايته بدأت من حياة كانت أكثر سخاءً معه. هو في الرابعة والعشرين. نشأ في عائلة متماسكة، وحظي بتعليم لائق، ثم أسَّس شركته الناشئة، ومضى يرسم لنفسه الطريق الذي أراده.

لم تعرف طفولته الخوف من أن يبقى جائعاً، أو أن يفقد الأمان والحبّ. احتاج الدخول إلى «AFEL» كي يرى الطفولة بعين أخرى. الأشياء التي لم ينتبه إليها لأنه امتلكها منذ البداية، أدرك للمرّة الأولى أنها ليست متاحة للجميع.

ومن هذه المعرفة يقول بول: «المشقّة ظرفٌ وليست حُكْماً، والمستقبل اتجاه وليس قدراً». في موقفه رفضٌ لأن تتحوَّل بداية الطفل إلى خاتمته. فالطفل المعنَّف ليس العنف الذي وقع عليه. والطفل المُهمَل أكبر من الإهمال الذي أحاط به. والفقر الذي وُلد فيه لا يملك حقّ تقرير قيمته أو مستقبله. التدخُّل في سنوات الطفولة محاولة لفصل الإنسان عن مصير قد تفرضه عليه ظروف لم يخترها.

جَدٌّ بدأ وحفيدٌ يُكمل الحكاية (تكريم)

وعلاقة عائلة حجّار بـ«AFEL» سبقت بول. جدّه جان، البالغ اليوم 96 عاماً، رافق الجمعية منذ تأسيسها قبل 50 عاماً على أيدي غبريال وسيمون وردة، بجانب المونسنيور غريغوار حداد، وإيلي ومنى بطل، وجوزف بخّاش، الذين استُعيدت ذكراهم في الأمسية. واصل والده غسّان حجّار ذلك الالتزام. فخلال العقد الأخير، خاض مرّتين تجارب جسدية دفعت به إلى أقصى حدود الاحتمال عبر الجبال والصحراء، وجمع أكثر من 250 ألف دولار لأطفال الجمعية. من تجربة والده، استخلص بول معنى آخر للمشقَّة. يمكن لمَن يدخل الصحراء بإرادته أن يعدّ الأيام حتى نهايتها. ثمة أطفال تبدأ محنتهم وهم لا يزالون في أول العُمر.

وقف الحفيد في باريس مكان الجدّ. لم تكن المسافة بين رجل في الـ96 وشاب في الـ24 مسافة عُمر فقط. كان بينهما إرثٌ ظلَّ يجد مَن يحمله.

نجاحٌ يفتح الباب وراءه (تكريم)

وحضر الفنّ أيضاً في المزاد الذي نُظِّم بالتعاون مع «كريستيز» دعماً لهذه القضية. فقد ضمّ أعمالاً لنبيل نحّاس، وسيمون فتّال، وتجارب خاصة. واختار بول أن ينهي كلمته من جهة الأطفال: «الأمل ليس سذاجة. الأمل هو الجيل المقبل»، ثم أعاد تعريف ما كان معروضاً أمام الحاضرين بقوله: «كلّ قطعة فنية تُزايدون عليها الليلة هي طفولة تُعاد إلى طفل يحتاج إليها».

بول حجّار لم يرث عن جدّه موقعاً في «AFEL»، ولا عن أبيه تحدّياته في الجبال والصحراء. الذي وصل إليه كان شيئاً لا يُورَّث بالمعنى المُتوقَّع. نشأ وهو يرى أنّ حياة أشخاص لا يعرفهم يمكن أن تكون شأناً يخصّ عائلته. وفي عامها الـ15، احتفت «تكريم» بأسماء أنجزت، ووضعت الفنّ في خدمة أطفال لا نعرف أسماءهم. فما يُجمِّل الأسماء الكبيرة حقاً هو إفساحها في الحياة مكاناً لاسم لم يُكتَب بعد.


الصين تكرّس «دبلوماسية الباندا» بإرسال زوجٍ منها إلى الولايات المتحدة

تغادر مركبات تقل زوجاً من الباندا العملاقة «بينغ بينغ» و«فو شوانغ» «قاعدة تشنغدو لأبحاث تربية الباندا العملاقة» في مدينة تشنغدو بمقاطعة سيتشوان جنوب غربي الصين (أ.ب)
تغادر مركبات تقل زوجاً من الباندا العملاقة «بينغ بينغ» و«فو شوانغ» «قاعدة تشنغدو لأبحاث تربية الباندا العملاقة» في مدينة تشنغدو بمقاطعة سيتشوان جنوب غربي الصين (أ.ب)
TT

الصين تكرّس «دبلوماسية الباندا» بإرسال زوجٍ منها إلى الولايات المتحدة

تغادر مركبات تقل زوجاً من الباندا العملاقة «بينغ بينغ» و«فو شوانغ» «قاعدة تشنغدو لأبحاث تربية الباندا العملاقة» في مدينة تشنغدو بمقاطعة سيتشوان جنوب غربي الصين (أ.ب)
تغادر مركبات تقل زوجاً من الباندا العملاقة «بينغ بينغ» و«فو شوانغ» «قاعدة تشنغدو لأبحاث تربية الباندا العملاقة» في مدينة تشنغدو بمقاطعة سيتشوان جنوب غربي الصين (أ.ب)

أرسلت الصين، اليوم (الأحد)، زوجاً من حيوانات الباندا العملاقة إلى الولايات المتحدة، وفق ما أفادت وسائل إعلام صينية رسمية، وذلك بعد قمة في واشنطن بين زعيمَي البلدين اتسمت بطابع استعراضي من دون تحقيق أي اختراقات.

وكان قد تمَّ الاتفاق مسبقاً على نقل زوج الباندا العملاقة، إلا أن الإعلان عن موعد مغادرتهما جرى الخميس خلال زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى واشنطن.

وتحظى هذه الثدييات التي تتميَّز بلونيها الأسود والأبيض بشعبية هائلة حول العالم، وترسلها الصين بالإعارة إلى دول أخرى في إطار برنامج يُعرف بـ«دبلوماسية الباندا»؛ لتعزيز العلاقات الخارجية، حسبما أشار تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وذكرت وكالة أنباء «شينخوا» الرسمية أن «بينغ بينغ» و«فو شوانغ» غادرا مطار تشنغدو شوانغليو الدولي على متن طائرة مستأجرة قرابة الساعة الثالثة من فجر الأحد (الساعة 19.00 بتوقيت غرينتش السبت).

وذكرت صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية الرسمية أنه تم تجهيز كعك الذرة المطهو على البخار والخيزران والجزر لضمان حصول زوج الباندا على الغذاء الكافي خلال الرحلة الجوية التي تستغرق 15 ساعة.

وكانت طائرة «بوينغ 777» تابعة لشركة «فيديكس» الأكثر تتبعاً على منصة «فلايت رادار 24» في أثناء اقترابها من ألاسكا، أي عند بلوغها منتصف رحلتها تقريباً.

يقوم الموظفون بنقل قفص يحمل الباندا العملاقة «بينغ بينغ» في «قاعدة أبحاث تشنغدو لتربية الباندا العملاقة» في تشنغدو (أ.ب)

وسيتم وضع حيوانَي الباندا العملاقة في حديقة حيوان في أتلانتا بولاية جورجيا، حيث سيمضيان السنوات العشر المقبلة.

ونظم «مركز تشنغدو لأبحاث تربية الباندا العملاقة» مراسم وداع لزوج الباندا قبيل بدء رحلتهما، بينما أشارت صحيفة «غلوبال تايمز» إلى أن الجانب الأميركي أرسل خبراء في تربية الباندا لمرافقة الثنائي في رحلتهما الجوية.

واستعداداً لوصولهما، قامت حديقة حيوان أتلانتا بتجديد مرافق الباندا وتشكيل فريق لرعايتهما. كما ضمنت توفير إمدادات مستقرة من الخيزران المزروع محلياً في أتلانتا التي تتمتع بمناخ مشابه جداً لمناخ مدينة تشنغدو.

واستضافت حديقة حيوان أتلانتا سابقاً حيوانات باندا بموجب اتفاقية إعارة من الصين لمدة ربع قرن بدءاً من عام 1999، لكنها لم تعد تضم أياً منها منذ عام 2024.

والوافدان الجديدان وُلدا عام 2020، حيث يبلغ الذكر «بينغ بينغ» الآن 6 سنوات، بينما ستُتم الأنثى «فو شوانغ» عامها السادس الشهر المقبل. وتعيش دببة الباندا في حدائق الحيوان المغلقة لنحو 30 عاماً.

وأُرسلت هذه الحيوانات المكسوة بالفرو إلى شتى أنحاء العالم على مدى عقود، بوصفها سفيرةً لقوة بكين الناعمة التي تعكس نوايا الصين الدبلوماسية الحسنة.

وفي عام 1972، أهدت الصين زوجاً من حيوانات الباندا إلى واشنطن في أعقاب الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إلى الدولة الشيوعية.

وكانت بكين قد استعادت زوج باندا من اليابان في وقت سابق من هذا العام في أعقاب الخلاف الدبلوماسي الذي نشأ بين البلدين إثر تلميح رئيسة الوزراء اليابانية إلى إمكانية تدخل طوكيو عسكرياً في حال تعرَّضت تايوان لهجوم صيني.