المنظمات النقابية الفرنسية تعرض عضلاتها وتتوعد الحكومة بشتاء ساخن

وسط أجواء اجتماعية شديدة الاحتقان

جانب من المظاهرات الشعبية والنقابية
جانب من المظاهرات الشعبية والنقابية
TT

المنظمات النقابية الفرنسية تعرض عضلاتها وتتوعد الحكومة بشتاء ساخن

جانب من المظاهرات الشعبية والنقابية
جانب من المظاهرات الشعبية والنقابية

بعد أقل من ستة أشهر على انتخاب الرئيس إيمانويل ماكرون لولاية ثانية، تبدو طموحات الرئيس الفرنسي في مفترق طرق صعب جداً. وهذا لأن واقع السياسات الحكومية، سواء تلك التي تّم تطبيقها، أو التي يجري التحضير لها، بدأ يلقي بثقله بشدة على الحياة اليومية للفرنسيين؛ فبين ارتفاع أسعار المواد الأساسية، لا سيما الطاقة، والتشديد المرتقب على إعانات البطالة، وإصلاح المعاشات المتوقع في نهاية العام... مروراً بالطوابير التي لا تنتهي أمام محطات الوقود، بدا التذمر الشعبي وكأنه وصل إلى ذروته. أما النتيجة، فموجة عارمة من الإضرابات والمسيرات الاحتجاجية تشهدها فرنسا منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، حتى إنه لا يكاد يمر أسبوع من دون أن نسمع عن إضراب عمالي أو مسيرة احتجاجية في شوارع المدن الكبرى.
بعد إضراب عمال قطاع النقل والتربية والتعليم ثم قطاع الصحّة والتوظيف العمومي في فرنسا، ينضم عمال مصافي النفط التابعة لمجموعة «توتال إنيرجي» وعمال المحطات النووية، إضافة لشركات نادراً ما كانت تُضرب عن العمل، كمجموعة صناعة الطيران «داسو»، و«ستيلانتيس» للسيارات، و«صفران» لصناعة المحركات، و«غروباما» للتأمينات، وشركة «أرمور ميكا» للتجهيزات الطبية، وشركة «كارفور»، إلى حشود الغاضبين التي تزداد يوماً عن يوم.
المطالب اجتماعية قبل كل شيء، وعلى رأسها رفع الأجور التي لم تعد تفي بحاجات الفرنسيين، على ضوء الغلاء الفاحش في الأسعار، وذلك بعد ارتفاع معدلات التضخم إلى أرقام قياسية وصلت في فرنسا إلى نسبة 6 في المائة، حسب الأرقام الرسمية لـ«معهد الإحصاء والدراسات الاقتصادية الفرنسي» (لينسي). وهذه نسبة لم تُسجّل في هذا البلد منذ أربعين سنة، وبالأخص، إذا علمنا أن مؤشرات الأجور قد تراجعت بنسبة 2.5 في المائة بين يونيو (حزيران) 2021 ويونيو 2022 بسبب غلاء الأسعار.
> مطالب اجتماعية قبل كل شيء...
المطالب تخص تحديداً الشرائح الاجتماعية البسيطة التي تتقاضى أجوراً ضعيفة، والتي باتت تواجه صعوبة في مواجهة تداعيات التضخم، بسبب انخفاض قدرتها الشرائية.
المواد الغذائية، مثلاً، عرفت زيادة في الأسعار بلغت نسبة 8 في المائة، بينما سجلت أسعار الطاقة من كهرباء وغاز زيادة بنسبة تفوق 20 في المائة. وعلى هذا الأساس تطالب التنظيمات النقابية برفع رواتب العمال، علماً بأن فرنسا تطبق ما يسمى بالحد الأدنى للأجور الذي يحدّده قانون العمل بـ1300 يورو. في حين تطالب المنظمات النقابية برفعه إلى 1600 يورو، بل إن بعض التنظيمات النقابية، كـ«الكونفدرالية العامة للشغل» (سي جي تي) تذهب إلى المطالبة برفع هذا الأجر الأدنى إلى 2000 يورو.
هذا، وكانت قناة «بي أف أم بيزنيس» الاقتصادية قد أفادت في تقرير بأن بعض شركات القطاع الخاص قد منحت موظفيها زيادات في الأجور بلغت نسبة 3 في المائة في 2022، قد تصل إلى 3.3 في المائة خلال 2023. وهذه نسبة متوسطة، علاوة على أنها تُعتبر ضعيفة مقارنة بالتضخم؛ فهي تخّص في غالبيتها الكوادر الذين ينشطون في قطاعات اقتصادية معينة، كالإعلام الآلي والتسويق والتكنولوجيا الرقمية.
> إضرابات وشعور بالظلم
في مجموعة «غروبوما»، مثلاً، التي دخل ثلاثة أرباع عمالها في إضراب منذ ثلاثة أسابيع، لم تسجل الأجور أي زيادة منذ أكثر من عشر سنوات، ما جعل نسبة العمال الذين تركوا وظائفهم في هذه المؤسسة خلال السنوات الخمس الأخيرة يرتفع إلى 20 في المائة. السبب، كما يشرح إيريك شوفي، وهو أحد مسؤولي المنظمة النقابية (سي أف دي تي)، في صحيفة «لوجورنال دو ديمانش» يعود إلى أن «أصحاب الشركات الذين يرفضون إعادة تقييم أجور عمالهم سيفقدونهم، وبالأخص مع تنامي الشعور الظلم... فحين يرى العامل أن مديره قد حصل على زيادة بين 15 و20 في المائة بينما هو لم يطله شيء، فهذا سيدفعه إلى التخلي عن هذه الوظيفة».
الأزمة نفسها يعيشها عمال شركة «وولد لاين» للدفع الإلكتروني الذين يطالبون منذ ثلاث سنوات برفع قيمة أجورهم بـ250 يورو، غير أن الإدارة لم توافق إلا على 40 يورو. إنها «قمة الأنانية»، حسب تصريحات باسكال رينيه ممثل نقابة القوى العمالية (أف أو) في صحيفة «لو جورنال دو ديمانش» الذي يشرح بأن المفاوضات التي بدأت منذ ثلاث سنوات وصلت إلى طريق مسدود، وهذا رغم نسبة الأرباح الكبيرة التي تحققها هذه الشركة، والتي ارتفعت عام 2021 بنسبة 12 في المائة.
الأسباب ذاتها، تقريباً، دفعت عمال شركة صناعة السيارات «ستيلانتيس» العملاقة للمطالبة برفع رواتبهم، لا سيما عندما جرى الإعلان عن راتب المدير العام، كارلوس تافاريس؛ إذ تبين أنه تقاضى أكثر من 19 مليون يورو في سنة 2021، ثم إن المدير العام لمجموعة «توتال إنيرجي»، باتريك بويانيه، أثار هو الآخر جدلاً كبيراً في وسائل الإعلام حين حاول، عبر تغريدة نشرها في «تويتر»، تبرير زيادة أجره. ولقد جاء الهجوم أساساً من اليسار، حيث ردّ عليه النائب فرنسوا روفان ساخراً: «عزيزي باتريك، كلي تعاطف معك... كيف استطعت أن تعيش على راتب أربعة ملايين يورو؟». أما الممثل الكوميدي غييوم موريس، فقد حوّل القضية إلى موقف كوميدي حين أنشأ على وسائل التواصل «صندوق تضامن» للمدير العام لـ«توتال أنيرجي» لمساعدته على الخروج من «الأزمة»، وصل بالكاد إلى 30 يورو. والمعروف أن عملاق النفط والغاز الفرنسي (توتال)، حققت أرباحاً جاوزت الـ16 مليار يورو بفضل ارتفاع الأسعار. وبالتالي، قرر مجلس إدارة الشركة زيادة مخصصات رئيسه بنسبة 52 في المائة لترتفع من أربعة ملايين إلى ستة ملايين يورو، إضافة إلى أن حَمَلة أسهم المجموعة تلقّوا حصصاً من الأرباح مرتفعة جداً، قياساً بالسنوات السابقة.
> غضب الشارع
مثل هذه الحالات أثارت غضب الفرنسيين. أما المسؤول الأول في نظرهم فهو الحكومة التي لم تحرك ساكناً لمساندة الشرائح الشعبية الأكثر هشاشة، ولذا لا لوم على المضربين الذين لا يطالبون إلا بحقوقهم المشروعة. هذا، على الأقل، ما أكدته نتائج دراسة لمعهد «فيفافويس» نشرتها صحيفة «ليبيراسيون»، تبين من خلالها أن 82 في المائة من الفرنسيين يرون أن الحكومة لا تقوم بأي شيء لحمايتهم من التضخم، مقابل 4 في المائة فقط يؤمنون بأن الحكومة تفعل كل ما بوسعها للتخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية التي تضرب البلاد. ثم إن أكثر من 79 في المائة يعتقدون أن هذه الحالة ستؤدي إلى انفجار الأوضاع وظهور المزيد من الحركات الاحتجاجية هذا الشتاء، إذا ما استمرت الحكومة على سياستها الراهنة.
> الحكومة تدافع عن نفسها
رئيسة الوزراء إليزابيث بورن، طبعاً، دافعت عن موقف الحكومة ضد الانتقادات التي استهدفتها بخصوص قصورها في أداء مهمتها؛ إذ صرّحت إثر لقاء صحافي على القناة الخاصة «تي أف 1» بأنها «تستمع لكل مطالب الفرنسيين بخصوص القدرة الشرائية». وأردفت: «الواقع في هذا البلد أن الحكومة تحمي القدرة الشرائية أكثر من أي جهة أخرى؛ فقد رفعنا الأجور كما حددنا سقف لأسعار الطاقة، ومنحنا تخفيض 30 سنتيم على سعر الوقود إلى غاية نهاية السنة».
أما جيرار دارمانان، وزير الداخلية، فقد اعترف في مظاهرة سياسية بأن هناك مشكلة «أجور» في فرنسا، وتحديداً ما يخّص الفروق المتباينة بين ما يتقاضاه كبار أرباب العمل من أجور ومِنَح وما يحصل عليه العمال البسطاء، إلا أنه ذكر في الوقت نفسه أن «المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة فقط؛ فهي رفعت أجور موظفي القطاع العام في حدود المستطاع... والكرة الآن في معسكر نقابة أرباب العمل. وعليهم فتح باب المفاوضات مع عمال القطاع الخاص والنقابات».
هذا ما أكده أيضاً وزير الاقتصاد برونو لومير، الذي دعا كل الشركات التي تستطيع إلى رفع رواتب عمالها. وهذا أضعف الإيمان بالنسبة للحكومة، التي لا تملك إلا أن تدعو الشركات للتفاوض بشأن رفع الأجور مع موظفيها، وهو ما تشرحه كارولين لوش روكيا من «مكتب غرانت تورونتون للقانون الاجتماعي»؛ إذ تقول: «للحكومة الحق في دعوة الشركات والعمال إلى التفاوض، لكن لا يوجد أي قانون يُجبر هذه الشركات على رفع الرواتب، فهي وحدها بالتشاور مع عمالها تستطيع حلّ هذه المعضّلة».
وفي السياق ذاته، انتقد وزير الحكومة غابريال أتال استمرار الإضراب، وقال: «حق الإضراب موجود بالتأكيد، لكن في لحظة ما يجب أن تبقى البلاد قادرة على العمل». وتابع: «المؤكَّد هو أن هناك عدداً قليلاً من النقابيين الذين يعطون أحياناً انطباعاً بأنهم يجلسون على مصالح الملايين من الفرنسيين»، مستطرداً أنه «من غير المقبول أن يستمر التعطيل، بينما وُقّعت اتفاقات لتحسين الأجور في الشركات».
> أزمة ثلاثية الأبعاد
المشكلة عند بعض المتابعين تكمن في غياب عنصر «الحزم والشدة» عند الرئيس ماكرون، الذي يبدو وكأنه فقد السيطرة على الأوضاع، مع تراكم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية خلال ستة أشهر فقط من توليه رئاسة البلاد لولاية ثانية؛ ففي غضون أسابيع، أخذت الأجواء الاجتماعية تتدهور بسبب إضراب عمال مصافي النفط ومستودعاته؛ إذ أوقفت ست مصافٍ من أصل سبع (هي الموزع الأساسي لهذه المادة في فرنسا) نشاطها كلياً، وكانت النتيجة طوابير طويلة أمام محطات الوقود التي أغلقت أبوابها الواحدة تلو الأخرى.
وحتى، وإن لم تكن تسوية هذه المعضلة من صلاحيات الحكومة، كما حاول الرئيس ماكرون التأكيد عليه مراراً، فإن نقص الوقود في أكثر من ثلث المحطات الفرنسية، والمشكلات التي واجهت المستهلكين للتزود بالوقود، ومشاهد الفوضى التي عمّت في محيط هذه المحطات... كلها كانت قد أثرت سلباً على الرأي العام. وما فاقم الوضع تجاهل الحكومة لهذه المطالب في البداية، ثم المماطلة في مواجهة الأوضاع الصعبة فيما بعد.
الحكومة (كما كان متوقعاً) دافعت عن موقفها بحجة أنها فضلت الحكمة على التهور؛ إذ أعلن مسؤول حكومي لصحيفة «ليبيراسيون» أنه «لا يمكننا اتهام الحكومة بالتقصير؛ فلو كانت قرّرت اللّجوء إلى مصادرة مصافي النفط من العمال المُضربين في الساعات الأولى لبدايات الأزمة، كما طلبه البعض، لكان القرار قد أُلغي بحكم قضائي. إلا أننا أقحمنا أنفسنا في أزمة سياسية كبيرة... وتابع: «اليوم، بعدما استنفدت المنظمات النقابية وسائل الطعن القانونية، وبعد اتفاق الطرفين على رفع الأجور بنسبة 7 في المائة، فإن ماتينيون (الحكومة الفرنسية) تراهن على عودة المياه إلى مجاريها في القريب العاجل».
من ناحية ثانية، كتب الصحافي جيروم بيغلي، في عمود الرأي بصحيفة «ليبراسيون» معلقاً: «كل شيء في زيادة في هذا البلد ما عدا سطوة الرئيس. أسعار الوقود، الطاقة، المواد الغذائية، تذاكر الطائرة... كل شيء ما عدا كلمة الإليزيه التي تتجه عكس التيار وإلى الأسفل». وأضاف: «الرئيس لا يترأس فقط المجالس الأوروبية، ولا يتحاور فقط مع بوتين وبايدن وشولتز. هو قبل أي شيء مُطالَب بالاستماع إلى هواجس وانشغالات الأشخاص الذين منحوه أصواتهم». ثم تابع انتقاده: «بعد ستة أشهر من توليه الرئاسة لم يجرِ تصويت على أي قانون مهم... ومقابل رفض الامتثال يكتفي بكلمات منمقة: المالية، ضرائب التركات، البطالة، التحول البيئي... هناك طابور من ورش العمل تنتظر البنّاء الذي يبدو عاجزاً عن تعبئة عماله. سيارة فرنسا ينقصها الوقود، وسائقها مُتردد في الاتجاه الواجب سلكه».
كل هذه الأجواء خلقت نوعاً من الفوضى وصعوبة في الوصول إلى اتفاق بين مختلف الأطياف السياسية. ولقد برز ذلك جلياً في المناقشات البرلمانية الأخيرة حول قانون المالية لعام 2023، إلى حد أن رئيسة الحكومة، إليزابيث بورن، وجدت نفسها مضطرة للجوء إلى إحدى المواد القانونية (49 - 3) لطرح التصويت على الموازنة، وذلك هرباً من انتقادات المعارضة والمناقشات التي لا تنتهي، وطلبات التعديلات الكثيرة الآتية من المعارضة، لا سيما من اليسار.
الباحث والمؤرخ ميشال وينوك، في كتابه «إدارة فرنسا» (دار نشر «كالمون ليفي»)، يشير إلى هذه السمة الفرنسية، واصفاً إياها بـ«التشنجات» السياسية التي تصيب البلد كل 12 أو 15 سنة. ورغم هدوء الأوضاع نوعاً ما منذ إقرار «الجمهورية الخامسة»، فإن المؤرخ لا يرى أن فرنسا وصلت إلى التحلي بثقافة «التسوية» أو «التوافق» التي تميز معظم الديمقراطيات الغربية. وهنا لا يستثني سوى مرحلتي حكم الجنرال تشارل ديغول وفرنسوا ميتران، اللذين نجحا إلى حد كبير في لمّ شمل الأطراف المتنازعة، وتقديم حلول اتفقت عليها جميع الأطراف.
> نقابات العمل الفرنسية من أبرز المستفيدين... رغم خلافاتها
> تعتبر المعارضة اليسارية الفرنسية، أو تحالف الأحزاب اليسارية «الاتحاد الشعبي البيئي والاجتماعي الجديد»، المستفيد الكبير من هذه الأزمات التي تضعف كاهل الحكومة وتقوّي موقف المعارضة، وعلى رأسها حزب «فرنسا المتمردة»، التي يتقدم زعيمها جان لوك ميلونشون كل المواكب الاحتجاجية.

رئيسة الوزراء الفرنسية (إ.ب.أ)

بيد أن مثل هذه الأجواء المتسمة بالاحتقان تعتبر أيضاً فرصة المنظمات النقابية لعرض عضلاتها، وهي بالفعل تلعب دوراً كبيراً في تعبئة الحشود، وتقف وراء تنظيم المسيرات والإضرابات. والمعروف عن فرنسا ليس فقط تقليدها النقابي الموروث عن الثورة وأحداث مايو (أيار) 1968، ولكن أيضاً ثقل هذه المركزيات في المعادلات السياسية. وهذه، وإن فقدت من نفوذها الذي كان واسعاً خلال عقدي السبعينات والثمانينات، فإنها في العديد من الأزمات التي واجهت فيها الحكومة نجحت في ليّ ذراعها وإرغامها على التراجع. وهذا حدث عام 1995، حين تراجعت حكومة آلان جوبيه - آنذاك - عن «الإصلاحات» المزعوم تنفيذها بعد الضغوط التي مارستها هذه النقابات.

الرئيس الفرنسي (أ.ف.ب)

في فرنسا راهناً خمس منظمات نقابية كبيرة، إلا أن اثنتين منها فقط ما زالتا تحظيان بنفوذ قوي في أوساط العمال. المنظمتان هما:
1 - «الكونفدرالية الديمقراطية للشغل» و (سي أف دي تي)، وهي أول منظمة نقابية في فرنسا من حيث عدد المنخرطين، حيث تضم أكثر من 600 ألف عضو، ولديها مداخيل مادية مهمة تفوق 500 ألف يورو سنوياً. هذه المنظمة حاضرة بقوة بين أوساط موظفي القطاع الخاص، ومعروفة بمواقفها المعتدلة (أحياناً تتهم بمواقفها المُتساهلة وقربها من الحكومة)، كما أنها تميل إلى اليمين المعتدل.
2 - «الكونفدرالية العامة للشغل» (سي جي تي)، التي تضم، حسب آخر التقارير، 470 ألف عضو، وهي مَن كان وراء الدعوة لتنظيم الإضرابات. هذه المنظمة قريبة من الحزب الشيوعي الفرنسي، وحاضرة بقوة في القطاع العام، ولا سيما التربية والتعليم والصحة والنقل. مواقفها في الغالب متشّددة، وكانت الوحيدة التي رفضت القبول بعرض إدارة مجموعة «توتال إنيرجي» بزيادة أجور العمال بنسبة 7 في المائة، وأصّرت على زيادة بنسبة 10 في المائة. ولقد وصف زعيمها، فيليب مارتينيز، عرض العملاق النفطي الفرنسي بـ«المهزلة»، ودعا إلى التوقف عن إجبار العاملين المضربين في المصافي ومستودعات الوقود عن العمل.
العلاقة بين المنظمتين النقابيتين كثيراً ما وُصِفت بـ«المتوترة»، بل وصلت مرات عديدة إلى العنف وتبادل التهم. منها أحداث التكسير التي تعرض لها مقر «الكونفدرالية الديمقراطية للشغل» بفعل أعضاء من «سي جي تي»، بعد دعوة زعيم «سي أف دي تي»، لوران بيرجيه، أتباعه إلى التصويت لصالح الرئيس إيمانويل ماكرون في الانتخابات الرئاسية. كذلك اتهمت قيادة «سي جي تي» منافستها بخيانة العمال ومبادئ العمل النقابي حين قبلت توقيع اتفاق مع الحكومة لإنهاء الإضراب، الذي نظم ضد تعديل قانون الشغل، الذي استفاد منه أرباب العمل بامتيازات جديدة.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.