الانتخابات النصفية الأميركية قد تغير سياسات واشنطن الداخلية والخارجية

المخاوف على الاقتصاد أكبر من المخاوف على الديمقراطية ومستقبل البلاد السياسي

الرئيس جو بايدن منهمك بالحملة الانتخابية
الرئيس جو بايدن منهمك بالحملة الانتخابية
TT

الانتخابات النصفية الأميركية قد تغير سياسات واشنطن الداخلية والخارجية

الرئيس جو بايدن منهمك بالحملة الانتخابية
الرئيس جو بايدن منهمك بالحملة الانتخابية

تكاد الانتخابات النصفية الأميركية، التي تجري بعد سنتين من الانتخابات العامة، تكون حدثاً مفصلياً، ليس فقط على المستوى الداخلي، بل أيضاً على المستوى الخارجي، بالنظر إلى النتائج التي ستترتب عنها. ومع أن انتخابات مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل دائماً ما كانت محل متابعة، فإن الانقسام العمودي داخل المجتمع الأميركي، والحرب الأوكرانية، زادا من أهميتها كثيراً هذا العام. فقراءة الموقف الأميركي، عن عالم يقف متردداً من تصديق ما إذا كان الخطر النووي قد «ينهي العالم»، لا يقل أهمية عن معرفة مآلات الديمقراطية الأميركية. في لحظة سياسية داخلية صعبة يصوت الأميركيون في هذه الانتخابات، لتجديد 35 من أعضاء مجلس الشيوخ الـ 100، وكل أعضاء مجلس النواب الـ 435، وحكام 36 ولاية من أصل 50. ومع أن الرئيس الأميركي يشبه بـ{الملوك» في سلطاته، فالواقع يشير إلى ان دور مجلس الشيوخ لا يقل أهمية عنه، بسبب الدور التشريعي والتنفيذي الذي يلعبه. ولذلك يسعى كل الرؤساء الأميركيون إلى الحفاظ على تفوق حزبهم في هذه الانتخابات، رغم أن التاريخ، دائماً ما أظهر فشلهم في ذلك. ولكن، مع ذلك، تمكن العديد من الرؤساء الذين سكنوا البيت الأبيض من الترشح والفوز في فترة رئاسية ثانية، رغم خسارة حزبهم الانتخابات النصفية.
الانتخابات النصفية الأميركية هذا العام تقدّم مشكلة مزدوجة ومختلفة في آن معا. فمن ناحية هناك حزب ديمقراطي مع رئيس مشكوك في قدرته على الترشح لفترة ثانية، وسط «صمت» حزبه وتدن في نسب تأييده، ما ينعكس بشدة على فرصه. وقبالته حزب جمهوري يقوده فعلياً رئيس سابق خسر ولايته الثانية، لكنه يسعى للترشح بعدما فرض قبضته على الحزب، ونجح غالبية مرشحيه في الانتخابات التمهيدية في ظل انقسام قل مثيله بين قيادته وقاعدته، رغم مواجهته سيلا من الاتهامات والدعاوى.

الرئيس جو بايدن منهمك بالحملة الانتخابية

ثم إن انتخابات حكام الولايات لا تقل أهمية عن انتخابات الكونغرس بمجلسيه. إذ إن دورالحكام حاسم في تسهيل خطط الحزبين الرئيسين أو تعطيلها، في تطبيق بعض التشريعات الأكثر تأثيرا على حياة مواطني ولاياتهم، كالتعامل مع قضية حق الإجهاض، على سبيل المثال. ويتفق العديد من الخبراء والمراقبين على أن السباق الانتخابي بعد أسبوعين، ستحسمه 10 ولايات. ويتوقع أن تشهد سباقات محمومة ومهمة، في ظل التغييرات الأفقية (الطبقية) والعمودية (الحزبية)، التي طرأت على الولاءات السياسية التاريخية فيها. وحتى انتخابات المجالس المحلية في الولايات، التي ستجري في اليوم نفسه، باتت خاضعة لاستقطاب حزبي حاد، وهو ما لم يكن بارزاً في السابق.
> أصوات المستقلين حاسمة
في أي حال، سخونة المواجهة السياسية، باتت تركز على قضايا، يسعى كلا الحزبين إلى التأكيد على أنها ستكون حاسمة في تقرير تصويت الناخبين. لكن من نافلة القول إن الرهان، منعقد على قدرة الحزبين على استقطاب المستقلين، الذين يقررون عادة مصير السباقات.
التدقيق في طبيعة «القضايا»، التي يرفعها الحزبان، يمكن أن يوضح خلفية الاستقطاب والانقسام الحزبي، على قاعدة قراءة حجم الولايات وموقعها وأهميتها وطبيعة الإنتاج فيها. فالاختلافات بين هموم - ومصالح - سكان الأرياف المتمركزين في ولايات الوسط ذات الكثافة السكانية المنخفضة، الذين يصوتون عادة للجمهوريين، والمدن في الولايات الأكثر تصنيعاً والأكبر سكانياً، الذين يصوتون عادة للديمقراطيين، تعكس طبيعة تلك القضايا وقربها من هموم قاعدة الحزبين.
وفي ظل توقعات تشير إلى منافسة صعبة ومصيرية، سواءً للديمقراطيين أو للجمهوريين، للسيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، يحاول الحزبان تحفيز الأميركيين، ولا سيما «الغالبية الصامتة»، على المشاركة في الانتخابات النصفية، عبر طرح القضايا التي يعتقدون أنها ستكون حاسمة في تقرير وجهات التصويت. وغني عن القول إن الاستطلاعات التي تشير إلى معطيات، قد تبدو «مخيبة» للبعض أو «واعدة» للآخرين، لا تزال صدقيتها موضع تشكيك، في ظل التجارب السابقة. هذ الأمر فرض على الماكينات الانتخابية لدى الحزبين التعامل بطريقة مختلفة مع هذه الشريحة من الناخبين، عبر تركيز الدعاية وعقد صلات ونشاطات مباشرة، لاستقطابهم. ولذا، يرى العديد من الخبراء والمراقبين، أن القضايا التي تلخص جوهر الحملات الانتخابية، ستتمحور حول: التضخم والاقتصاد عموماً، وحق الإجهاض، والطبابة والأدوية، والهجرة، والحق بحمل السلاح والجريمة ودور الشرطة، ودور الرئيس السابق دونالد ترمب وادعاءاته بتزوير الانتخابات والهجوم على مبنى الكابيتول والملفات المرفوعة ضده، والعنصرية وحقوق التصويت والأقليات.
> التضخم أم الإجهاض
تركيز الجمهوريين على الاقتصاد ليس مستغرباً، إذ لطالما شكل نقطة التحريض والجذب الرئيسية في كل الانتخابات الأميركية، بمعزل عن هوية ساكن البيت الأبيض. ومع تضخم غير مسبوق منذ عقود، كان من الطبيعي أن يستغل الجمهوريون تأثيره على حياة المواطنين. وهم يدافعون عن «إنجازات» ترمب الاقتصادية رغم تشكيك العديد من الخبراء بها، ويحمّلون - عن اقتناع أو ولاء مطلق - تبعات جائحة كوفيد-19 في «إفشاله» بانتخابات 2020. وفي المقابل، أمام ضآلة تأثير الإجراءات التي تتخذها إدارة الرئيس الديمقراطي جو بايدن للحد من انعكاسات التضخم، حتى الآن، ثمة محاولة لتحميل «عوامل» خارجية المسؤولية، منها ارتفاع أسعار النفط، على سبيل المثال. كذلك، يراهن الديمقراطيون على تحويل الإجهاض قضيةً لا تعكس قيم «الليبرالية» وحسب، بل وتختصر الصراع مع الجمهوريين المحافظين، الذين يهيمنون اليوم على المحكمة العليا، وأيضاً على المجالس النيابية والمحلية في نحو نصف الولايات الأميركية.
للعلم، منح الدستور الذي وضعه «المؤسسون الأوائل»، كل ولاية من الولايات الأميركية، مهما كان حجمها وعدد سكانها، مقعدين في مجلس الشيوخ. في حين أن مقاعد مجلس النواب، والمجالس المحلية، تحتسب تبعا لعدد سكان الولاية. غير أن سيطرة الجمهوريين على غالبية الولايات الصغيرة والريفية وبعض الولايات الكبرى، منحتهم القدرة على تعديل العديد من القوانين والأحكام التي تنظم حق التصويت وتقسيم المناطق الانتخابية لمصلحتهم. وهو ما سيحرم الديمقراطيين من استغلال تفوقهم بين سكان المدن، والفوز في تلك الولايات.
لكن، وللحفاظ على سيطرتهم على البيت الأبيض ومجلسي الشيوخ والنواب، بما يضمن للرئيس بايدن، حدا أدنى من «الانسجام» مع السلطتين التنفيذية والتشريعية، يحتاج الديمقراطيون إلى أكثر من مجرد غالبية بسيطة في مجلس الشيوخ. وللتغلب على قواعد التعطيل التي يفرضها المجلس، سعى بايدن إلى تعديل عتبة الـ60 صوتا لتقنين حقوق الإجهاض، من أجل الالتفاف على قرار المحكمة العليا. غير أن السيناتورين الديمقراطيين المحافظين، جو مانشين وكيرستن سينيما، يعارضان ذلك. ولقد قال بايدن إنه سيحتاج إلى انتخاب اثنين إضافيين من الديمقراطيين على الأقل لعضوية مجلس الشيوخ، للالتفاف على معارضتهما، وتغيير قواعد التعطيل، المعروف بـ«الخيار النووي»، لتمرير تشريع حقوق الإجهاض.
حالياً، مع انقسام مجلس الشيوخ مناصفة بين الجمهوريين والديمقراطيين، ومعارضة شيخين ديمقراطيين، لا يستطيع صوت نائبة الرئيس كمالا هاريس، رئيسة مجلس الشيوخ، أن يحسم تعديل قانون التصويت. لذا يعتقد كثيرون أن عهد بايدن قد تحسمه انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني)، طبعاً من دون أن يعني ذلك، استحالة فوز الديمقراطيين في انتخابات الرئاسة عام 2024. ذلك أن الظروف والأحكام التي تحسمها، مختلفة ومتشابكة مع عوامل عدة، على رأسها هوية المنافس الخصم.
> من مخاوف الحزبين
الجمهوريون - وخصوصاً «طبقتهم السياسية» - يحذرون صراحة من احتمال خسارتهم السباق الرئاسي إذا كان دونالد ترمب هو المرشح، على ما كرره أخيرا رئيس مجلس النواب الجمهوري السابق بول رايان. وهم يعتقدون أنهم يتمتعون بأفضلية الفوز بالرئاسة، مع عدد كبير من المرشحين القياديين الشباب غير المتورطين بقضايا. وفي المقابل، يعاني الديمقراطيون من غياب الوجوه القيادية، ومن فشل كمالا هاريس في «إحداث فارق»، يمكّنها من الفوز على أي مرشح جمهوري، «ما عدا ترمب»، بحسب بعض الخبراء.
ترمب كان قد واجه في انتخابات 2020، موجة رفض واسعة بلغت أكثر من 7 ملايين صوت شعبي لمصلحة بايدن. وهو يحتاج إلى «معجزة» للخلاص من القضايا والدعاوى المرفوعة ضده. وعلى رأس هذه القضايا، التحقيق في المستندات السرية التي صادرها مكتب التحقيقات الفيدرالية من منزله في مارالاغو بولاية فلوريدا، التي قد تعرضه لتبعات جرمية كافية لإنهاء مستقبله الانتخابي، لا السياسي. ولكن بحسب استطلاع أخير، أعرب 67 في المائة من الجمهوريين، عن أنهم يؤيدون استمراره بلعب دور بارز في الحزب، سواء فشل أو مُنع من الترشح للرئاسة عام 2024.
> صوت المرأة
في الجبهة الأخرى، يجهد الديمقراطيون، للتركيز على حق الإجهاض، ويراهنون على كسب صوت المرأة، لكونها نصف المجتمع، والمعنية الرئيسية والأكثر تضررا من قرار المحكمة العليا، التي ألغت الصيف الماضي القانون الفيدرالي الذي كان يحميها والأطباء والجهاز الطبي من الملاحقة. ووفق الاستطلاعات الأخيرة، لا يزال الناخب الديمقراطي يضع هذه القضية على رأس أولوياته في الانتخابات النصفية.
وحقاً، يأمل الديمقراطيون في أن تحفّز مسألة حق الإجهاض الناخبين وتعبئهم، مراهنين على بعض المؤشرات. ومقابل استطلاعات رأي تشير إلى أن قضية الإجهاض تأتي في المرتبة الثانية، بعد التضخم والاقتصاد عموماً، أظهر استطلاع حديث لمؤسسة «كايسر فاوندايشن»، أن 50 في المائة من الناخبين المسجلين، رأوا أن قرار المحكمة العليا جعلهم أكثر حماسا للتصويت الشهر المقبل، بزيادة 7 نقاط مئوية على شهر يوليو (تموز) الماضي، عندما طُرح السؤال نفسه بعد أسابيع قليلة من صدور الحكم. كذلك قال حوالي نصف الناخبين في الولايات التي تفرض حظراً كاملاً على الإجهاض إن قوانين الإجهاض في ولاياتهم جعلتهم أكثر تحمساً للتصويت. وأظهر تحقيق لوكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، أن ناخبين جمهوريين - خصوصا من النساء - قد يصوّتون مع الديمقراطيين، في بعض الولايات الحاسمة كولاية بنسلفانيا، بسبب تخوفهم من استعداد ولايتهم لحظر هذا الحق، في حال فوز المرشحين الجمهوريين المدعومين من ترمب. ووجد الاستطلاع أن قرار المحكمة العليا يحفّز النساء بشكل خاص، إذ أشار إلى أن حوالي 3 من كل 5 نساء تتراوح أعمارهن بين 18 و49 سنة، قلن إنهن من المرجح أن يتوجهن إلى صناديق الاقتراع الشهر المقبل.
أخيراً، رغم الجهود التي يبذلها الرئيس بايدن لتحسين أداء إدارته في خفض التضخم، يحتاج الديمقراطيون إلى تغيير الكثير في المشهد المحيط بحكمهم، إذا ما أرادوا الحفاظ على سيطرتهم على مجلسي الشيوخ والنواب. وفي ظل «الإحباط» من تخبط إدارته في معالجة مشاكل الهجرة والعمل والعمالة والأمن والسلاح والطاقة والمناخ، ينبغي عليهم أيضا، حض الناخبين على المشاركة في التصويت بكثافة، وإقناع المستقلين وخصوصا الأغلبية الصامتة، برجاحة التصويت على حق الإجهاض، كقضية ترمز إلى الدفاع عن «الديمقراطية» المهددة. وبحسب إحصاءات أخيرة، بات ممثلو اليمين المحافظ والشعبوي - من الذين يشككون في شرعية انتخابات 2020 - يشكلون غالبية المرشحين الجمهوريين في الانتخابات النصفية.
ومن ناحية، حسب استطلاع مشترك لصحيفة «نيويورك تايمز» وجامعة سيينا، يعتقد الناخبون بأغلبية ساحقة، أن الديمقراطية الأميركية مهددة. لكنهم يبدون غير مبالين بشكل ملحوظ بشأن هذا الخطر، إذ اعتبرته قلة قليلة منهم أنه «المشكلة الأكثر» إلحاحا في أميركا راهناً. وأظهر الاستطلاع أن أكثر من ثلث الناخبين المستقلين ومجموعة أصغر - لكن جديرة بالملاحظة - من الديمقراطيين، منفتحون على دعم المرشحين الذين يرفضون شرعية تلك الانتخابات، وأعطوا اهتماما أكبر لمخاوفهم بشأن الاقتصاد، أكثر من المخاوف بشأن مصير النظام السياسي في البلاد.
> الولايات الـ10 التي يمكن أن تقرر مصير التوازنات الحزبية والخريطة السياسية في أميركا
* ولاية فلوريدا «المتأرجحة»، وثالث أكبر ولاية من حيث عدد السكان. يسعى الجمهوريون إلى تثبيت سيطرتهم عليها، ويتنافس حاكمها الجمهوري رون ديسانتيس مع منافسه الديمقراطي الحاكم السابق تشارلي كريست، وعينه على الانتخابات الرئاسية، حيث تضعه استطلاعات التفضيل مباشرة وراء ترمب لدى الجمهوريين.
* ولاية تكساس، ثاني أكبر ولاية، يتنافس حاكمها الجمهوري اليميني المتشدد غريغ أبوت مع الديمقراطي بيتو أورورك، الذي ارتفعت أسهمه بعدما نافس عام 2018 السيناتور تيد كروز في سباق ساخن على مقعد مجلس الشيوخ. وقد تكون المواجهة بينهما أكثر سخونة من المواجهة مع كروز.
* ولاية ميشيغان «المعقل التاريخي لصناعة السيارات»، باتت ولاية متأرجحة بعد عقود من سيطرة الديمقراطيين عليها. فالأزمات الاقتصادية، أدت إلى تراجع دور الطبقة العاملة وتغير الولاءات السياسية للطبقة الوسطى. تتنافس هنا الحاكمة الديمقراطية غريتشن ويتمر مع الجمهورية تيودر ديكسون، بعدما أصبحت هدفا للجمهوريين جراء تطبيقها الصارم لقيود كوفيد-19. لكن استطلاعات الرأي تشير إلى تقدمها – وإن كان يتناقص - على ديكسون، بعد الفوضى التي شهدتها الانتخابات التمهيدية الجمهورية.

غريتشن ويتمر  -  غريغ آبوت  -  رون دي سانتيس

* ولاية بنسلفانيا، إحدى كبرى ولايات «حزام الصدأ»، تحولت منذ 2016 إلى ولاية متأرجحة. حاكمها الديمقراطي خرج من السباق بسبب الحد الزمني لإعادة الانتخاب. ويتنافس على المنصب الديمقراطي غوش شابيرو، مدعي عام الولاية، مع الجمهوري دوغ ماستريانو المدعوم من ترمب، والمؤيد لادعاءات تزوير الانتخابات. يسعى الجمهوريون لإخراجها من عباءة الديمقراطيين، وحظيت باهتمام خاص من الرئيس بايدن.
* ولاية ويسكونسن، إحدى الولايات الصناعية والزراعية الغنية، يتنافس حاكمها الديمقراطي الحالي توني إيفرز مع الجمهوري تيم ميشيلز، المدعوم بقوة من ترمب. إيفرز عمل للحفاظ على اللجنة المكونة من الحزبين للإشراف على الانتخابات، وعرقل أجندة الهيئة التشريعية التي يسيطر عليها الجمهوريون، بما في ذلك فرض قواعد انتخابية أكثر صرامة، وتصدى لجهود تقييد حق الإجهاض.
* ولاية كانساس، أحد معاقل الجمهوريين التقليدية، انتزعت حاكمتها الديمقراطية الحالية لورا كيلي فوزاً مفاجئاً عام 2018، من الجمهوريين. لكنها تواجه اليوم تصميمهم على إزاحتها، بمرشحهم ديريك شميدت، مدعي عام الولاية. شميدت وعد بإنهاء سيطرة الديمقراطيين والدفاع عن حرية التعبير الديني ومعارضة الإجهاض. لكن ناخبي الولاية رفضوا في أغسطس (آب) بغالبية ساحقة إزالة الحماية الدستورية لحق الإجهاض. وهو ما يضعف جهود الجمهوريين في إعادة السيطرة على الولاية، ودعم الديمقراطيين للتركيز على قضية الإجهاض.
* ولاية نيفادا، الولاية الصحراوية حيث مدينة لاس فيغاس، يتنافس هنا الحاكم الديمقراطي ستيف سيسولاك، مع المرشح الجمهوري جو لومباردو. وتدور المعركة على حقوق المثليين، ودور الشرطة، وسط ارتفاع جرائم القتل فيها.
* ولاية أريزونا، في الجنوب الغربي، وجهت ضربة لدونالد ترمب في محاولته قلب نتائج الانتخابات، بعد رفض سكرتيرة الولاية، الديمقراطية كاتي هوبز، ادعاءات التزوير. هوبز هي المرشحة الحالية لمنصب الحاكم، في مواجهة الجمهورية اليمينية المتشددة كاري ليك، التي تؤيد بشدة ترمب في كل شيء. والتنافس بينهما يقوم على رفض هوبز فكرة أن بايدن «سرق» الانتخابات، فيما تتهم ليك إدارته «باضطهادها السياسي المستمر لأنصار (أميركا أولا)».
* ولاية جورجيا، إحدى كبريات ولايات «الجنوب العميق» - يتنافس فيها الجمهوري بريان كيمب - الذي خالف ترمب بعدما صادق على نتائج انتخابات 2020، وهزم مرشحه المدعوم منه في الانتخابات التمهيدية - مع الديمقراطية السوداء، ستايسي أبرامز، الناشطة الشهيرة في الدفاع عن الملونين. عام 2018 - خسرت أبرامز أمامه بنصف نقطة مئوية، ومع أنها جمعت 18.5 مليون دولار مقابل 7 ملايين دولار لكيمب، فإن الديمقراطيين متخوفون من تصاعد الفارق بينهما لصالح كيمب.
* ولاية نيو مكسيكو «الجبلية الزرقاء» تشهد منافسة حامية بين حاكمتها الحالية لوغان غريشام والجمهوري مارك رونشيتي المرشح السابق لمجلس الشيوخ، وعالم الأرصاد الجوية. وفي حين تدفع غريشام الهيئة التشريعية في الولاية إلى توسيع نطاق حقوق الإجهاض، وفرض قواعد أكثر صرامة لامتلاك الأسلحة، وإنهاء الحصانة المتعلقة بالملاحقة القضائية لضباط الشرطة... يقف رونشيتي على النقيض منها، مشددا على ارتفاع مؤشر الجريمة ودعوته لتشديد الأمن في هذه الولاية الحدودية مع المكسيك.


مقالات ذات صلة

25 حزباً موريتانياً تتنافس في انتخابات «توافقية» سابقة لأوانها

العالم 25 حزباً موريتانياً تتنافس في انتخابات «توافقية» سابقة لأوانها

25 حزباً موريتانياً تتنافس في انتخابات «توافقية» سابقة لأوانها

انطلقت فجر أمس، الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية والجهوية والمحلية، التي تنظم بشكل متزامن في موريتانيا يوم 13 مايو (أيار) المقبل، والتي يتنافسُ فيها 25 حزباً سياسياً ضمن أكثر من ألفي لائحة انتخابية، لنيل ثقة 1.7 مليون ناخب موريتاني. وكان من المفترض أن تنظم الانتخابات في شهر أغسطس (آب) المقبل، لكن تم تعجيلها إلى شهر مايو، بموجب اتفاق سياسي بين أحزاب الموالاة والمعارضة، تفادياً لتنظيمها في موسم الأمطار، حيث تنتشر الفيضانات والعواصف، ما يمنع الوصول إلى مناطق نائية من البلد، وهو ما تسبب في مشاكل كبيرة خلال الانتخابات السابقة (2018). وبموجب الاتفاق السياسي نفسه الذي أشرفت عليه وزارة الداخلية

الشيخ محمد (نواكشوط)
العالم 25 حزباً موريتانياً تتنافس في انتخابات «توافقية» مبكرة

25 حزباً موريتانياً تتنافس في انتخابات «توافقية» مبكرة

انطلقت فجر اليوم (الجمعة) الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية والجهوية والمحلية، التي تنظم بشكل متزامن في موريتانيا يوم 13 مايو (أيار) المقبل، والتي يتنافسُ فيها 25 حزباً سياسياً ضمن أكثر من ألفي لائحة انتخابية، لنيل ثقة 1.7 مليون ناخب موريتاني. وكان من المفترض أن تنظم الانتخابات في شهر أغسطس (آب) المقبل، لكن جرى تعجيلها إلى شهر مايو، بموجب اتفاق سياسي بين أحزاب الموالاة والمعارضة، تفادياً لتنظيمها في موسم الأمطار، حين تكثر الفيضانات والعواصف، ما يمنع الوصول إلى مناطق نائية من البلاد، وهو ما تسبب في مشكلات كبيرة خلال الانتخابات السابقة (2018). وبموجب الاتفاق السياسي نفسه الذي أشرفت عليه وز

الشيخ محمد (نواكشوط)
العالم «تجمع الأحرار» المغربي يفوز بمقعد نيابي في انتخابات جزئية

«تجمع الأحرار» المغربي يفوز بمقعد نيابي في انتخابات جزئية

فاز حزب «التجمع الوطني للأحرار» المغربي، متزعم الائتلاف الحكومي، بمقعد نيابي جديد عقب الانتخابات الجزئية، التي أُجريت أمس بالدائرة الانتخابية في مدينة بني ملال، الواقعة جنوب شرقي الدار البيضاء. وحصل مرشح الحزب عبد الرحيم الشطبي على أعلى عدد من الأصوات، حسب النتائج التي أعلنت عنها السلطات مساء (الخميس)، حيث حصل على 17 ألفاً و536 صوتاً، في حين حصل مرشح حزب الاتحاد الاشتراكي المعارض على 2972 صوتاً، بينما حل مرشح «الحركة الشعبية» في المرتبة الثالثة بـ2259. ويشغل الشطبي، الذي فاز بمقعد نيابي، منصب المنسق الجهوي لحزب التجمع الوطني للأحرار في جهة بني ملال - خنيفرة. وشهدت الانتخابات الجزئية مشاركة ضعي

«الشرق الأوسط» (الرباط)
العالم ما الدور المرتقب للقبائل الليبية في الانتخابات المُنتظرة؟

ما الدور المرتقب للقبائل الليبية في الانتخابات المُنتظرة؟

أعادت التحركات الجارية في ليبيا حالياً باتجاه السعي لإجراء الانتخابات العام الجاري، القبائل إلى دائرة الضوء، وسط توقع سياسيين بأنه سيكون لها دور في السباق المنتظر، إذا توفر التوافق المطلوب بين الأفرقاء، والذي تعمل عليه البعثة الأممية. ويرى سياسيون أن الاستحقاق المنتظر يعد بوابة للقبائل في عموم ليبيا، لاستعادة جزء من نفوذها الذي فقدته خلال السنوات الماضية على خلفية انخراطها في حسابات الصراع السياسي والعسكري.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم إردوغان يلغي أنشطته الانتخابية اليوم بسبب إنفلونزا المعدة

إردوغان يلغي أنشطته الانتخابية اليوم بسبب إنفلونزا المعدة

قطع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أمس (الثلاثاء)، مقابلة تلفزيونية مباشرة قبل أن يعود ويعتذر متحدثاً عن إصابته بإنفلونزا المعدة، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. ألقى الزعيم البالغ التاسعة والستين ثلاثة خطابات انتخابية، أمس، قبل انتخابات رئاسية وتشريعية في 14 مايو (أيار) تبدو نتائجها غير محسومة. وكان مقرراً أن يُنهي إردوغان الأمسية بمقابلة مباشرة مشتركة مع قناتي «Ulke» و«Kanal 7»، وقد بدأ ظهوره التلفزيوني بعد تأخير لأكثر من 90 دقيقة، ثم قطعه بعد عشر دقائق خلال طرح سؤال عليه. وعاد إردوغان بعد 15 دقيقة واعتذر قائلاً إنه أصيب بوعكة. وأوضح: «أمس واليوم كان هناك عمل كثير.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...