25 حزباً موريتانياً تتنافس في انتخابات «توافقية» مبكرة

ولد الغزواني أكد أنها ستكون «محطة بالغة الأهمية لتجربتنا السياسية المعاصرة»

شابة موريتانية ترفعُ صورة مرشحها للانتخابات عن حزب «الإنصاف» الحاكم (الشرق الأوسط)
شابة موريتانية ترفعُ صورة مرشحها للانتخابات عن حزب «الإنصاف» الحاكم (الشرق الأوسط)
TT

25 حزباً موريتانياً تتنافس في انتخابات «توافقية» مبكرة

شابة موريتانية ترفعُ صورة مرشحها للانتخابات عن حزب «الإنصاف» الحاكم (الشرق الأوسط)
شابة موريتانية ترفعُ صورة مرشحها للانتخابات عن حزب «الإنصاف» الحاكم (الشرق الأوسط)

انطلقت فجر اليوم (الجمعة) الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية والجهوية والمحلية، التي تنظم بشكل متزامن في موريتانيا يوم 13 مايو (أيار) المقبل، والتي يتنافسُ فيها 25 حزباً سياسياً ضمن أكثر من ألفي لائحة انتخابية، لنيل ثقة 1.7 مليون ناخب موريتاني.
وكان من المفترض أن تنظم الانتخابات في شهر أغسطس (آب) المقبل، لكن جرى تعجيلها إلى شهر مايو، بموجب اتفاق سياسي بين أحزاب الموالاة والمعارضة، تفادياً لتنظيمها في موسم الأمطار، حين تكثر الفيضانات والعواصف، ما يمنع الوصول إلى مناطق نائية من البلاد، وهو ما تسبب في مشكلات كبيرة خلال الانتخابات السابقة (2018).
وبموجب الاتفاق السياسي نفسه الذي أشرفت عليه وزارة الداخلية، وجرى توقيعه في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، تكون أحزاب المعارضة شريكاً في تحضير الانتخابات وتنظيمها. كما أدخل الاتفاق تعديلات جديدة على نظام الاقتراع، من أهمها اعتماد نظام النسبية في انتخاب المجالس المحلية والجهوية، واعتمادها أيضاً لانتخاب نصف مقاعد البرلمان، التي ارتفع عددها من 157 إلى 162 مقعداً، كما أنها أول انتخابات سيصوت فيها الموريتانيون الموجودون خارج البلاد، ضمن 3 دوائر (آسيا وأفريقيا وأميركا).
ورغم أنها انتخابات تُجرى في ظل توافق واضح بين السلطة والمعارضة، فإن التنافس فيها سيكون قوياً، خصوصاً في ما يتعلق بانتخاب أعضاء البرلمان، إذ يسعى حزب «الإنصاف» الحاكم إلى تأكيد هيمنته السياسية، من خلال المحافظة على أغلبية مقاعد البرلمان، لكنه سيواجه منافسة كبيرة من أحزاب صاعدة داخل ائتلاف الأحزاب الداعمة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.
وهكذا يتضح أن التنافس التقليدي بين أحزاب المعارضة والموالاة، بدأ ينحسر لصالح تنافس جديد داخل أحزاب الموالاة نفسها، إذ بدأت أحزاب جديدة تحاولُ إزاحة حزب «الإنصاف» من موقعه كذراع سياسية ضاربة لولد الغزواني، وتقدم نفسها بديلاً له، والمستفيد الأكبر في النهاية هو ولد الغزواني، وفق مراقبين.
وفي غضون ذلك، وجّه ولد الغزواني رسالة إلى الأحزاب السياسية بالتزامن مع انطلاق الحملة، دعاهم فيها إلى «الاختلاف باحترام»، مؤكداً أن التنافس يجب أن يلتزم بـ«المسؤولية الأخلاقية والالتزام الأدبي»، وقال: «إن الاستحقاقات الانتخابية تعد محطات مفصلية في مسيرة الشعوب على درب تنمية وعيها السياسي، وترسيخ تجربتها الديمقراطية، وتحسين حكمتها، وتعزيز ثقتها بمنظومتها المؤسسية».
وحاول ولد الغزواني أن يبتعد في رسالته عن دعم أي حزب، وحرص على المحافظة على «التهدئة السياسية»، التي أطلقها مع وصوله إلى السلطة، وأكد أن الساحة السياسية خلال سنوات حكمه تميزت بـ«الهدوء والاختلاف في ظل الاحترام والتباين دون تشنج»، مشيراً إلى أنه «بذل جهوداً كبيرة» من أجل تحقيقه والمحافظة عليه.
كما وصف الانتخابات المقبلة بأنها «استثناء لم يقدم نظيره في تاريخ البلاد، فهي أول انتخابات تجري بتوافق تام بين كل القوى السياسية، يؤسسه إجماع موثق على قواعدها وأسس تسييرها»، مبرزاً أن موريتانيا «تقف اليوم على عتبة محطة بالغة الأهمية في تجربتها السياسية المعاصرة».
ورغم هذا التوافق، فإن بعض أحزاب المعارضة عبّرت عن خشيتها من وقوع اختلالات في الانتخابات، على غرار حزب «اتحاد قوى التقدم» (يسار تقدمي)، الذي قال رئيسه محمد ولد مولود إن إجراء الانتخابات قبل موعدها أدى إلى وجود «ثغرات».
وأمل رئيس الحزب الذي يمثل اليسار الموريتاني منذ سبعينات القرن الماضي، في أن تكون هذه الانتخابات «مختلفة عن سابقاتها، وأن تحترم إرادة الشعب»، محذراً من «العودة إلى دوامة اليأس وانعدام الثقة ودوامة الأزمات السياسية».
أما حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، وهو الحزب الإسلامي الذي ظل في السنوات الأخيرة يتصدر المعارضة، فقد حذر رئيسه حمادي ولد سيدي المختار من «التزوير»، قائلاً إن الحزب رصد مؤشرات على ذلك، موضحاً خلال افتتاح الحملة الدعائية، أنهم سيكونون «دروعاً بشرية تقف أمام مكاتب التصويت، وأمام اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات لحماية الأصوات».
في سياق ذلك، أعلنت اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات جاهزيتها الفنية لتنظيم الانتخابات، إذ أكد الناطق باسمها، محمد تقي الله الأدهم، أن البطاقة الانتخابية جرى طبعها، وستصل في الوقت المحدد، قبل توزيعها على جميع المكاتب على عموم التراب الموريتاني، موضحاً أن الانتخابات ستشهد تنافس 1378 لائحة على مستوى المجالس المحلية، البالغ عددها 256 مجلساً، تمثل النساء فيها 32 في المائة، و145 لائحة على مستوى المجالس الجهوية البالغ عددها 13 مجلساً جهوياً، وتمثل النساء فيها 35 في المائة.
أما على مستوى البرلمان فتتنافس 599 لائحة للفوز بأكبر قدر من مقاعد البرلمان البالغ عددها 162 مقعداً، وتمثل النساء من اللوائح البرلمانية المتنافسة 37 في المائة، كما خصصت لائحة للشباب وذوي الاحتياجات الخاصة، وذلك للمرة الأولى في تاريخ البلاد.


مقالات ذات صلة

الرئيس الموريتاني السابق يؤكد استهدافه لـ«أسباب سياسية»

العالم العربي الرئيس الموريتاني السابق يؤكد استهدافه لـ«أسباب سياسية»

الرئيس الموريتاني السابق يؤكد استهدافه لـ«أسباب سياسية»

قال الرئيس الموريتاني السابق، محمد ولد عبد العزيز، الذي يحاكم بتهم فساد، إنه «مستهدف لأسباب سياسية بحتة». وأضاف ولد عبد العزيز خلال استجوابه أمام المحكمة المختصة بجرائم الفساد أمس، أنه «مستهدف لأنه سياسي ويعمل ضده سياسيون ورجال أعمال، كانوا يستفيدون من الدولة قبل توليه الرئاسة»، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الألمانية. وأوضح الرئيس السابق في أول حديث له حول أصل التهم الموجهة إليه، ومتابعته من قبل القضاء، أنه سجن انفرادياً لستة أشهر، وسجن بعد ذلك مع عائلته ثمانية أشهر في بيته. ويمثل الرئيس السابق أمام المحكمة المختصة بالفساد منذ 25 من يناير (كانون الثاني) الماضي بتهم تتعلق بالفساد وسوء استغلال ال

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
شمال افريقيا وزير الخارجية الجزائري في مالي بعد موريتانيا

وزير الخارجية الجزائري في مالي بعد موريتانيا

بحث وزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، أمس، بمالي، مع المسؤولين الحكوميين وممثلين عن حركات التمرد في الشمال، حل خلافاتهم السياسية بشكل عاجل والتقيد بـ«اتفاق السلام» المتعثر، وفق مصادر تتابع الموضوع، وذلك بهدف قطع الطريق أمام الجماعات المتطرفة، التي عادت إلى واجهة الأحداث الأمنية في الأيام الأخيرة، باغتيال مسؤول بارز في السلطة الانتقالية. وبحسب المصادر نفسها، حل عطاف بباماكو مساء الثلاثاء آتيا من موريتانيا، بغرض تسليم رسالة من الرئيس عبد المجيد تبون، لرئيس الحكم الانتقالي العقيد عاصيمي غويتا، تتضمن «أهمية الخروج من المأزق السياسي الذي يتخبط فيه هذا البلد الحدودي مع الجزائر، وتشدد على تطبيق اتفاق ال

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير خارجية الجزائر يبحث في موريتانيا أمن التجارة عبر الحدود

وزير خارجية الجزائر يبحث في موريتانيا أمن التجارة عبر الحدود

يبحث وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، منذ يومين في نواكشوط التبادل التجاري النشط عبر المركز الحدودي منذ عام، والوضع الأمني بالمناطق الحدودية، حيث تعرضت قوافل تجار جزائريين لاعتداءين بين نهاية 2021 ومطلع 2023، أسفرا عن قتلى، وتدمير شاحناتهم، وتسببا في نشر حالة من الخوف. وذكرت «الخارجية» الجزائرية، في بيان، أن لقاء جمع عطاف بالرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، «وفر فرصة لاستعراض التقدم المحرز، ضمن متابعة وتنفيذ التوجيهات السامية لقائدي البلدين، ومخرجات مشاوراتهما بمناسبة زيارة الدولة التي قام بها الغزواني إلى الجزائر في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2021، والتي أعطت انطلاقة لحقبة جديدة في تا

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
العالم العربي رئيس موريتانيا السابق ينفي تورطه في «أي فساد»

رئيس موريتانيا السابق ينفي تورطه في «أي فساد»

نفى الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز، خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية المختصة في جرائم الفساد، جميع التهم الموجهة إليه، التي من أبرزها تهمة الفساد وغسل الأموال والإثراء غير المشروع واستغلال النفوذ. وقال ولد عبد العزيز، الذي تحدث للمرة الأولى أمام هيئة المحكمة، مساء أول من أمس، إنه حكم موريتانيا عشر سنوات وغير وضعيتها من الأسوأ إلى الأحسن، مشيراً إلى أن السياسة التي تبناها لا يمكن أبدا أن يتورط صاحبها في أي نوع من «تبديد الأموال العمومية».

الشيخ محمد (نواكشوط)
العالم العربي بدء تسلم ملفات الترشح لانتخابات البرلمان الموريتاني

بدء تسلم ملفات الترشح لانتخابات البرلمان الموريتاني

بدأت لجنة الانتخابات الموريتانية تسلم الملفات المقدَّمة من الأحزاب السياسية، الخاصة بالترشح للانتخابات البرلمانية المقررة في 13 مايو (أيار) القادم. وافتتحت اللجنة الموريتانية المستقلة للانتخابات باب الترشح مع منتصف ليلة أول من أمس، إيذاناً ببدء السماح بإيداع لوائح الترشح للانتخابات البرلمانية في عموم موريتانيا. ويتنافس مرشحون يمثلون 25 حزباً سياسياً معترَفاً بها لانتخاب برلمان من 176 عضواً.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)

«الناتو» يعيد رسم شراكته الأطلسية... وتركيا في قلب المعادلة

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
TT

«الناتو» يعيد رسم شراكته الأطلسية... وتركيا في قلب المعادلة

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي

منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، تصاعد الكلام عن أفول الشراكة عبر الأطلسي؛ بل ذهب بعض المحللين إلى حد الجزم بأن حلف شمال الأطلسي دخل مرحلة التراجع التاريخي. إلا أن الوقائع تشير إلى مسار مختلف؛ فالحلف لا ينهار بقدر ما يعيد تعريف قواعد العلاقة بين ضفتي الأطلسي، في ظل انتقال تدريجي من نموذج اعتمد لعقود على القيادة الأميركية، إلى نموذج يقوم على توزيع أكبر للأعباء والمسؤوليات بين الولايات المتحدة وأوروبا.

وطوال أكثر من 70 عاماً، شكّلت المظلة الأمنية الأميركية حجر الأساس في الدفاع الأوروبي عبر حلف شمال الأطلسي (ناتو). لكن التحولات الدولية، وتبدل أولويات واشنطن، وتصاعد المنافسة مع الصين، دفعت الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى مطالبة الأوروبيين بتحمل نصيب أكبر من مسؤولية أمنهم. صحيح أن ترمب عبّر عن هذه المطالب بصوت مرتفع، إلا أن جذور الموقف الأميركي تعود إلى سنوات سابقة، عندما بدأت الولايات المتحدة توجيه اهتمامها نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، معتبرة أن التحدي الصيني يمثل أولويتها الاستراتيجية الأولى.

جنديان نرويجيان خلال تدريب مشترك مع قوات بحرية أميركية قبالة ساحل ولاية نورث كارولاينا الأميركية (رويترز)

في المقابل، تختلف نظرة الأوروبيين إلى مصادر التهديد؛ فبالنسبة لمعظم العواصم الأوروبية، لا تزال روسيا الخطر المباشر على الأمن القاري، وهو ما كرسته الحرب في أوكرانيا التي أعادت الدفاع الجماعي إلى الصدارة. أما واشنطن، فترى أن المنافسة مع الصين ستحدد شكل النظام الدولي خلال العقود المقبلة، حتى إن بقيت ملتزمة بالدفاع عن أوروبا.

* «الناتو» وقدرة الدول الأعضاء على التكيّف

إلا أن هذا التباين في ترتيب الأولويات لا يعني انهيار التحالف؛ بل يفرض إعادة صَوغ العلاقة على أسس أكثر واقعية، فـ«الناتو» لم يقم يوماً على تطابق كامل في الرؤى السياسية، وإنما على وجود مصالح أمنية مشتركة وشعور بوجود تهديدات تستدعي العمل الجماعي. لذلك، فإن استمرار الحلف يعتمد اليوم على قدرة أعضائه على التكيف مع بيئة استراتيجية أكثر تعقيداً، وليس على العودة إلى نموذج ما بعد الحرب الباردة.

وقد دفعت هذه البيئة الجديدة، الدول الأوروبية، إلى خطوات غير مسبوقة في مجال الإنفاق العسكري؛ فبعد سنوات من الانتقادات الأميركية بشأن غياب الإنصاف في تقاسم الأعباء، رفعت غالبية الدول الأعضاء موازناتها الدفاعية بصورة كبيرة، بينما شرعت دول مثل ألمانيا في مراجعة سياساتها التقليدية تجاه الإنفاق العسكري، في حين تواصل بولندا ودول الجناح الشرقي التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفياتي، الاستثمار بكثافة في تعزيز قدراتها الدفاعية خوفاً من روسيا.

ويعكس هذا التحول إدراكاً أوروبياً متزايداً لواقع أن أمن القارة لم يعد من الممكن أن يبقى معتمداً كلياً على الضمانات الأميركية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لـ«الناتو» مارك روته في البيت الأبيض يوم 26 يونيو (حزيران) الماضي (رويترز)

ولا تقتصر عملية إعادة التفاوض على الجانب العسكري؛ بل تمتد إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة الدفاعية، فالاستثمارات المتبادلة بين الولايات المتحدة وأوروبا لا تزال من الأكبر عالمياً، كما أن الصناعات الدفاعية الأميركية ترى في خطط التسلح الأوروبية فرصاً اقتصادية هائلة؛ ففرنسا هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متكاملة نسبياً، بينما يعتمد معظم الدول الأوروبية الأخرى بدرجات متفاوتة على استيراد الأسلحة والتقنيات العسكرية.

وفي الوقت نفسه، يسعى الأوروبيون إلى تعزيز استقلالهم الصناعي والتكنولوجي من دون التخلي عن التحالف مع واشنطن، في معادلة دقيقة تجمع بين الاستقلال الاستراتيجي واستمرار الشراكة.

*قمة «الناتو» في أنقرة

من هنا، تبدو قمة «الناتو» المرتقبة في أنقرة أكثر من مجرد اجتماع دوري لقادة الحلف؛ إذ تمثل محطة لاختبار قدرة الطرفين على بلورة صيغة جديدة للعلاقة الأطلسية، فالسؤال لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستظل الضامن الوحيد لأمن أوروبا؛ بل كيف يمكن للطرفين بناء شراكة أكثر توازناً؟

وفي هذا السياق، تبرز تركيا بوصفها إحدى أكثر الدول تأثيراً وإثارة للجدل داخل الحلف؛ فمن الناحية العسكرية، تمتلك ثاني أكبر جيش في «الناتو»، ويمنحها موقعها الجغرافي قدرة استثنائية على الربط بين البحر الأسود وشرق المتوسط والشرق الأوسط والقوقاز. ومع تصاعد التوتر مع روسيا واستمرار الاضطرابات في جوار أوروبا الجنوبي، تزداد أهمية هذه المزايا بالنسبة إلى الحلف.

لكن هذه القيمة الاستراتيجية تقابلها تحديات سياسية معقدة؛ فقد شهدت السنوات الماضية خلافات متكررة بين تركيا وعدد من حلفائها بشأن منظومة الصواريخ الروسية «إس-400»، والدور التركي في سوريا، والعلاقات مع اليونان وقبرص، إضافة إلى استخدام أنقرة آليات الإجماع داخل الحلف للدفاع عن أولوياتها الأمنية. لذلك، ينظر كثير من الحلفاء إلى تركيا باعتبارها شريكاً لا يمكن الاستغناء عنه، لكنه ليس شريكاً سهلاً.

دورية للشرطة في أنقرة التي تستعد لاستضافة قمة أطلسية (رويترز)

ورغم ذلك، تشير التجربة التاريخية إلى أن أهمية تركيا ترتفع كلما ازدادت الأخطار الأمنية التي تواجه أوروبا؛ ففي أوقات الأزمات، تعود الجغرافيا والقدرات العسكرية لتتقدم على الخلافات السياسية، بينما تتصدر هذه الخلافات المشهد عندما تتراجع مستويات التهديد. ومن المرجح أن يستمر هذا النمط خلال السنوات المقبلة، خصوصاً إذا استمرت الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وتراجعت قدرة الولايات المتحدة أو رغبتها في تحمل العبء الأمني الأوروبي بمفردها.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام «الناتو» لا يتمثل في الحفاظ على شكله التقليدي؛ بل في «كتابة» صيغة جديدة لآليات عمله بما ينسجم مع موازين القوى الجديدة، فنجاح الحلف سيقاس بقدرته على تحقيق توازن بين دور أوروبي أكثر استقلالية، واستمرار الالتزام الأميركي، والاستفادة من القدرات الاستراتيجية لدول محورية مثل تركيا، رغم استمرار الخلافات السياسية معها.

وعليه، فإن الحديث عن نهاية الشراكة الأطلسية يبدو سابقاً لأوانه، فما يجري اليوم ليس انهياراً للنظام الذي حكم العلاقات عبر الأطلسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ بل عملية إعادة توزيع للأدوار داخل الحلف، تفرضها التحولات الدولية وتغير أولويات القوى الكبرى. وقد تكون قمة أنقرة واحدة من أبرز المحطات التي ستكشف ما إذا كان «الناتو» قادراً على تحويل هذه المرحلة الانتقالية إلى نموذج أكثر توازناً وفاعلية في مواجهة تحديات العقد المقبل.


وزير ألماني سابق: أميركا في طريقها للخروج من «الناتو»

أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)
أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)
TT

وزير ألماني سابق: أميركا في طريقها للخروج من «الناتو»

أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)
أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)

أعرب وزير الخارجية الألماني الأسبق يوشكا فيشر عن شكوكه في استمرار الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس دونالد ترمب ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال فيشر (78 عاماً) في تصريحات لصحف مجموعة «فونكه» الألمانية الإعلامية: «في الواقع، الأميركيون في طريقهم إلى الخروج»، داعياً إلى أن يواصل الحلفاء المتبقون عمل التحالف من دون أميركا في حال حدوث ذلك، وأن يقيموا مظلة ردع نووي بالاعتماد على الأسلحة النووية لكل من فرنسا وبريطانيا.

ومن المقرر أن يعقد قادة «الناتو» قمة في العاصمة التركية أنقرة اعتباراً من يوم الثلاثاء المقبل.

وقبل القمة، جدَّد ترمب انتقاداته لألمانيا وحلفاء آخرين بسبب مساهماتهم في «الناتو»، رغم أنهم زادوا في الفترة الأخيرة إنفاقهم الدفاعي بشكل ملحوظ.

وقال فيشر: «قادة الدول والحكومات الأوروبية والأمين العام للناتو يتقربون إلى دونالد ترمب بقدر كبير من التملق للإبقاء عليه داخل الحلف»، مضيفاً أنه لا ينتقد هذا السلوك، وقال: «يتعين عليهم فعل ذلك، ولا أرى بديلاً. لكنني لا أعتقد أن الناتو سيستمر على المدى الطويل بهذه الطريقة».

وأكد فيشر أنه يعول على تعزيز الطابع الأوروبي داخل الحلف، قائلاً: «يجب أن يبقى الجزء الأوروبي من الناتو متماسكاً، ويفضل أن يكون ذلك بمشاركة كندا»، وأضاف: «لدينا إجراءات وآليات مجربة، ويجب الحفاظ عليها ونقلها إلى هيكل جديد».

وفي معرض رده على سؤال بشأن استمرار المظلة النووية الأميركية، قال فيشر: «لم أعد أعول عليها»، مضيفاً أنه من الصواب «إغداق كثير من المديح على ترمب»، لكنه أشار إلى شكوكه في أن يكون ذلك كافياً «إذا وصلت الأمور إلى لحظة الحسم».

وأفاد وزير الخارجية الأسبق أنه إذا انسحبت الولايات المتحدة فإنها ستسحب معها مظلتها النووية، وأضاف: «عندها سيتعين علينا أن نحاول بناء مظلة حماية خاصة بنا انطلاقاً من القدرات الموجودة في بريطانيا وفرنسا، ومن القدرات غير النووية للجزء الأوروبي من الناتو»، موضحاً أن ذلك سيعني أن تكون الكلمة الأخيرة في اتخاذ القرار للرئيس الفرنسي أو رئيس الوزراء البريطاني، كما هو الحال حالياً بالنسبة للرئيس الأميركي.

وأضاف: «سيتعين التفاوض بشأن مسائل التمويل».

وشغل فيشر منصب وزير الخارجية ونائب المستشار الألماني خلال الفترة من 1998 إلى 2005 في حكومة الائتلاف بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر بقيادة المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر.


50 برلمانياً أوروبياً يحثون «فيفا» على التحقيق في منح جائزة السلام لترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس فيفا جاني إنفانتينو في أثناء حصوله على جائزة السلام (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس فيفا جاني إنفانتينو في أثناء حصوله على جائزة السلام (رويترز)
TT

50 برلمانياً أوروبياً يحثون «فيفا» على التحقيق في منح جائزة السلام لترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس فيفا جاني إنفانتينو في أثناء حصوله على جائزة السلام (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس فيفا جاني إنفانتينو في أثناء حصوله على جائزة السلام (رويترز)

حث خمسون نائباً في البرلمان الأوروبي الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على التحقيق في منح رئيسه جاني إنفانتينو «جائزة السلام» للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وذلك في دعم لطلب تقدمت به في ديسمبر (كانون الأول) منظمة «FairSquare» المدافعة عن حقوق الإنسان، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكتبت المنظمة، الجمعة: «تشكل هذه الرسالة التدخل الأهم لمسؤولين سياسيين أوروبيين ضد سوء الحوكمة وانتهاكات القواعد على رأس كرة القدم العالمية منذ أن دعا البرلمان الأوروبي في 2015 سلف إنفانتينو، سيب بلاتر، إلى الاستقالة».

وفي رسالة مؤرخة، الاثنين، دعا 50 نائباً من 13 دولة أوروبية، معظمهم من الاشتراكيين الديمقراطيين والليبراليين والخضر، إلى «حث لجنة الأخلاقيات في فيفا على إجراء التحقيق بأقصى سرعة وجدية»، وهو التحقيق الذي تطالب به المنظمة البريطانية منذ نحو سبعة أشهر.

وكتب الموقّعون، بقيادة الآيرلندي باري أندروز والهولندية لارا فولترز والدنماركي نيلس فوغلسانغ، أنه «في وقت تتجه فيه أنظار العالم إلى فيفا هذا الصيف» بالتزامن مع مونديال 2026، فإن هذه الخطوة «تمثل فرصة لفيفا كي يثبت التزامه بالحياد السياسي والشفافية والمساءلة».

وكانت المنظمة التي حظيت في مطلع الشهر الماضي بدعم الاتحاد النرويجي لكرة القدم وحده حتى الآن من بين 211 دولة عضواً في فيفا، اتهمت إنفانتينو بانتهاك «واجب الحياد» المنصوص عليه في المادة 15 من مدونة أخلاقيات الاتحاد، من خلال تفضيل دونالد ترمب.

وتطالب المنظمة بشكل خاص لجنة الأخلاقيات بـ«دراسة الظروف» التي أحاطت بمنح الرئيس الأميركي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي «جائزة فيفا للسلام»، وهي جائزة غير مسبوقة لم تُوضَّح معاييرها وآلياتها من قبل الهيئة الكروية.

وبشكل أوسع، انتقدت «FairSquare» أيضاً دعوة إنفانتينو في أكتوبر (تشرين الأول) إلى منح ترمب جائزة نوبل للسلام، وكذلك تعليقاته المؤيدة لسياساته الداخلية.

واعتبرت المنظمة أن «دعمه الواضح للأجندة السياسية للرئيس ترمب على الصعيدين الوطني والدولي» يهدد «نزاهة وسمعة كرة القدم وفيفا نفسه».

ولم يعلّق فيفا، الجمعة، على استفسار «وكالة الصحافة الفرنسية» التي طلبت معرفة رأيه برسالة النواب الأوروبيين. كما لم يسبق له أن رد على طلب «FairSquare» ولا على الانتقادات المتعلقة بـ«جائزة السلام».