الرياض تنأى عن التدخل في ترشيحات الرئاسة وتحترم إرادة اللبنانيين

لقاءات البخاري تؤكد استمرار الاهتمام السعودي بالشأن اللبناني

سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان وليد البخاري
سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان وليد البخاري
TT

الرياض تنأى عن التدخل في ترشيحات الرئاسة وتحترم إرادة اللبنانيين

سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان وليد البخاري
سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان وليد البخاري

تدحض مروحة الاتصالات واللقاءات التي يعقدها سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد البخاري، كل ما يشاع حول انكفاء المملكة عن الساحة اللبنانية؛ خصوصاً أن المملكة، كما يقول الذين يتواصلون باستمرار مع البخاري، تعتبر نفسها جزءاً من المجتمع الدولي الذي يسعى جاهداً لتأمين شبكة الأمان لدولة عربية شقيقة، لمنعها من الانزلاق الأمني وإقحامها في مسلسل من الفوضى يمكن أن يأخذها إلى المجهول.
ومع أن السعودية تنأى بنفسها عن التدخّل في بازار الترشيح لرئاسة الجمهورية لأنها ليست في وارد الدخول في لعبة الأسماء، فإنها في المقابل، بحسب ما يقول معظم الذين يلتقون السفير البخاري، لن تنخرط في تسوية إقليمية أو دولية تتعارض مع مصلحة اللبنانيين، وبالتالي لن تغطيها وهي تحترم إرادتهم في التغيير نحو غدٍ أفضل.
ويلفت هؤلاء إلى أن المملكة تتمايز عن معظم الأطراف الإقليمية بعدم وجود مشروع سياسي خاص بالبلد، ومن يدقّق في مواقفها حيال لبنان سرعان ما يكتشف أنها تتمسك باتفاق الطائف كونه الناظم الوحيد للعلاقات بين المكونات السياسية والطائفية وهي تترك للبنانيين تنقيته من الشوائب لمواصلة العمل ضمن المؤسسات الدستورية لاستكمال تطبيقه.
ويأتي تمسّك المملكة باتفاق الطائف بحسب هؤلاء انطلاقاً من أنه يشكّل صمام الأمان للحفاظ على وحدة لبنان وسيادته واستقلاله في مواجهة المشروعات التي لا تحاكي رغبة اللبنانيين بالتعايش تحت سقف الدولة الواحدة الموحّدة لأن مجرد اللعب بالنسيج اللبناني يأخذ البلد إلى متاهات تبقى مفتوحة على مشروعات غير قابلة للحياة.
ويتوقف هؤلاء أمام محطتين، كان للمملكة فيهما دور في إخراج لبنان من التأزّم السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يتخبّط فيه بتهيئة الأجواء للانتقال به إلى مرحلة التعافي بإعادة إدراجه على خريطة الاهتمام الدولي باعتبارها الممر الإلزامي لإنقاذه.
فالمحطة الأولى جاءت حصيلة المحادثات التي أجراها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته للسعودية مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والتي أثمرت عن إرساء أسس التواصل السعودي - الفرنسي في اللقاءات التي تُعقد بين الجانبين من حين لآخر في باريس، ونتج عنها تشكيل صندوق مشترك لتقديم المساعدات الإنسانية إلى عدد من المرافق الحيوية في لبنان التي تمر في حالة من الترهّل على خلفية الأزمات الكارثية التي تحاصرها تحت ضغط تدهور الأوضاع في لبنان.
لكن التواصل السعودي - الفرنسي لم يبق محصوراً بتقديم المساعدات الإنسانية التي لن تمر عبر القنوات الرسمية، وإنما أخذ يتطور تدريجاً باتجاه التفاهم على مقاربة موحّدة تتعلق بإنجاز الاستحقاق الرئاسي بانتخاب رئيس للجمهورية في موعده الدستوري.
وفي هذا السياق، يؤكد معظم الذين يواكبون عن كثب الاهتمام السعودي - الفرنسي بضرورة انتخاب الرئيس في موعده وقبل انتهاء ولاية الرئيس الحالي ميشال عون في 31 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، أن التواصل القائم بين الرياض وباريس شكل انعطافاً فرنسياً لجهة انتخاب رئيس لم يسبق له أن انخرط في فساد مالي أو سياسي من دون التطرُّق إلى اسم المرشح الذي تنطبق عليه المواصفات، ومنها السيادية، لأن الإصلاح لا يمكن أن يتحقّق من دون تمكين الدولة من بسط سيطرتها على الأراضي اللبنانية كافة.
ويكشف هؤلاء لـ«الشرق الأوسط» أن الجانب السعودي أثار في اللقاءات الثنائية التي تستضيفها باريس ما كان أعلنه الرئيس ماكرون في زيارته لبيروت بعد الانفجار الذي استهدف المرفأ بضرورة التوصل إلى عقد اجتماعي جديد كأساس لإصلاح النظام السياسي في لبنان؛ خصوصاً أن بعض الأطراف في الداخل راحت تروّج لوجود نية لدى فرنسا باستضافة مؤتمر للحوار، يشارك فيه أبرز المكوّنات السياسية والطائفية للبحث في اعتماد نظام جديد يقوم على مبدأ المثالثة، ويعتبر بمثابة مؤتمر تأسيسي.
ويؤكدون أن الجانب الفرنسي لم يتردّد في تحديد موقف قاطع أراد منه سحب كل ما تم تداوله حول رغبة فرنسا بحثّ اللبنانيين للتوصل إلى عقد اجتماعي جديد، وصولاً إلى نفي نية باريس باستضافة مؤتمر للحوار، يقود إلى اعتماد نظام لبناني جديد، يقوم على تطبيق المثالثة، ويقول إن لدى الرياض وباريس رغبة بعدم حرق ورقة الدعوة لمؤتمر حواري، على أن يُترك هذا الأمر للرئيس العتيد والحكومة الجديدة، وينقلون عن لسان مسؤول فرنسي بارز شارك في اللقاءات الثنائية قوله إن ما يقال حول هذا الموضوع ما هو إلا دسٌ رخيص. ويلفت هؤلاء إلى أن انتخاب رئيس من خارج منظومة الفساد السياسي والمالي يُفترض أن يمهّد للمجيء بحكومة جديدة تحمل برنامجاً للإصلاح بالتوافق مع المجلس النيابي، ويقولون إن الموقف الفرنسي القاطع بعدم استضافتها لمؤتمر حواري للبنانيين أدى إلى إسدال الستار على اللعب باتفاق الطائف وتجويفه من مفاعيله؛ خصوصاً أنه يحظى بدعم عربي ودولي، تجلى بتأييده من قبل مجلس الأمن.
أما بالنسبة إلى المحطة الثانية فهي تتعلق بالبيان السياسي المشترك الذي صدر عن وزراء خارجية الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، والسعودية، على هامش مشاركتهم في اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ما شكّل خريطة طريق للبنانيين، لا بد من اتباعها للعبور ببلدهم إلى مرحلة الإنقاذ، ويلتقي مع الموقف المشترك لباريس والرياض الذي يقطع الطريق على كل أشكال الاجتهاد وصولاً للعب على التناقضات الإقليمية والدولية التي لا أساس لها إلا لدى البعض في محور الممانعة الذي لا يزال يراهن على تغيير الهوية العربية للبنان والانتقال به من حاضنته العربية إلى حاضنة ترعاها إيران، ما ينأى به عن تحييده عن الصراعات الدائرة في المنطقة. كما يرى هؤلاء أن الخلاف بين الرياض وواشنطن حول الملف النفطي لن ينعكس سلباً على مفاعيل البيان الثلاثي الذي صدر عن وزراء خارجية الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية، والذي لا يزال قائماً، ويؤكدون أن الأمر نفسه ينسحب على الحوار المتقطّع بين الرياض وطهران في بغداد الذي لن يبدّل من الموقف السعودي لإنقاذ لبنان، بخلاف ما يتردد بأن الوضع في لبنان ليس على سلّم الأولويات لدى المملكة.
لذلك يقول هؤلاء المواكبون إن الترويج لانكفاء السعودية عن لبنان ليس في محله، وإن من يقود مثل هذه الحملات يهدف إلى إخلاء الساحة لمصلحة محور الممانعة تارة ببثّ «معلومات» هي أقرب إلى الشائعات، مفادها أن لبنان ليس في أولويات السعودية بذريعة أن لديها هموماً أخرى، وتارة بالرهان على وجود تباين بين الرياض من جهة وباريس من جهة أخرى، برغم أن الشراكة الجامعة بينهما حول إنقاذ لبنان لن تتبدّل ولن تخضع لحسابات الأطراف التي تريد فرض مرشحها لرئاسة الجمهورية؛ خصوصاً أن لبنان بهمومه لم يغب عن الرؤية التي أطلقها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والتي فيها مجموعة من البنود تشكل الخلاص للبنان.
وعليه، هناك من يعتقد أن للحرب الروسية - الأوكرانية ارتدادات على الداخل اللبناني، وتحديداً بالنسبة إلى انتخاب الرئيس، ومن زاوية أن دول الاتحاد الأوروبي ومعها الولايات المتحدة ستقاوم محاولة فرض رئيس يُصنّف على خانة التناغم مع موسكو.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.