«قسد» تخشى «غزواً تركياً» لمناطقها بقيادة «هيئة تحرير الشام»

حاجز أمني كردي بالقامشلي في 10 سبتمبر 2022 (رويترز)
حاجز أمني كردي بالقامشلي في 10 سبتمبر 2022 (رويترز)
TT

«قسد» تخشى «غزواً تركياً» لمناطقها بقيادة «هيئة تحرير الشام»

حاجز أمني كردي بالقامشلي في 10 سبتمبر 2022 (رويترز)
حاجز أمني كردي بالقامشلي في 10 سبتمبر 2022 (رويترز)

حذّرت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) من سيطرة «هيئة تحرير الشام» (هتش) على مدينة عفرين ذات الغالبية الكردية بريف حلب الشمالي بدعم وقبول تركيين، ورأت أنّ تحركاتها تهدف إلى «إنشاء حزام أسود من العناصر الإرهابية على خطوط التماس مع قسد واستخدامهم في أي عدوان محتمل». وفيما أكد مسؤول بارز أن مصالح «هتش» تقاطعت مع أهداف أنقرة باستخدام مقاتليها وتكتيكاتها في «غزو تركي» محتمل ضد مناطق نفوذها، طالب «المجلس الوطني الكردي» المعارض، تركيا، التي تسيطر على المنطقة، بتحمل مسؤولياتها لإيقاف العمليات العسكرية وإخراج الفصائل المسلحة من عفرين وتسليم إدارتها لسكانها الأصليين.
وفي تعليقه على سيطرة «هيئة تحرير الشام» على مدينة عفرين ذات الغالبية الكردية وانتشار عناصرها على طول خطوط التماس والمواجهة مع قوات «قسد» بريف حلب الشمالي، قال مدير المركز الإعلامي لـ«قسد» فرهاد شامي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن سيطرة «الهيئة» على عفرين ليست وليدة الصدفة. وأضاف: «بتوجيهات استخباراتية تركية، عقد اجتماع بين قادة الفصائل الموالية لتركيا ومتزعمي الهيئة في سرمدا بتاريخ 25 يونيو (حزيران) الماضي. آنذاك قلنا عبر بلاغ صحافي إن أنقرة تحاول تأسيس حزام أسود من التنظيمات المتطرفة»، انطلاقاً من الريف الجنوبي لمدينة عفرين وصولاً إلى غرب مدينة عين العرب (كوباني) بريف حلب ورأس العين بمحافظة الحسكة. واتهم المسؤول العسكري تركيا بتصعيد هجماتها خلال الأيام الماضية على مناطق «قسد» وإشعال خطوط المواجهة على طول مناطق التماس، في كل من أرياف محافظات حلب والرقة والحسكة.
وبحسب شامي، فإن تركيا «تمنح (هتش) الفرصة للتمدد في عفرين من دون الانشغال بالجبهات معنا»، مستبعداً حدوث تغيرات في خرائط السيطرة بريف حلب الشمالي والغربي. وعزا السبب إلى الانتشار الكثيف للقوات والجهات المتحاربة، قائلاً: «ستتعامل كل الأطراف العسكرية بحساسية مفرطة هناك، وأي تغيير حقيقي في خريطة المنطقة سيغير بشكل حتمي خريطة السيطرة على مدينة حلب، بكل جهاتها الشرقية والغربية والشمالية وكذلك المدينة نفسها».
وعن موقف قوات «قسد» من حدوث تغييرات محتملة في السيطرة، شدّد على أنه «سيكون لدينا موقف فعّال وحازم في حال تشكيل الخطورة على شعبنا المهجر من عفرين في مناطق الشهباء هناك، نحن نراقب الوضع وسنتصرف بشكل حازم في حال أي هجوم».
وأكد مدير المركز الإعلامي لقوات «قسد» أن عناصر «الهيئة» ستعمل لاحقاً على فتح ثغرات للهجوم على مدينة حلب، وقال: «تركيا ستنقلب على الاتفاقيات مع روسيا وستكون حلب ضمن خطة إردوغان في حملته الانتخابية للرئاسة التركية المقبلة». ورأى أن موقع عفرين الاستراتيجي يشكل مساحة المناورة العسكرية المطلوبة لـ«الهيئة»، «كما سيلعب الشريط الحدودي من مدينتي جرابلس والباب بريف حلب الشرقي طوقاً خانقاً للفصائل السورية المسلحة».
وأوضح أن تركيا تريد من وجود «الهيئة» في ريف حلب الشمالي أن تكون عرضة للابتزاز بشكل مستمر، «لأن الفصائل الموالية لها تحولت رهينة للسياسات التركية، وستعتمد الهيئة بشكل مباشر في جرابلس والباب وريف منبج على وكلائها (حركة أحرار الشام وفيلق الشام) المتحالفة معها».
ورأى الكاتب والمحلل السياسي خورشيد دلي في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن التوجه التركي بزج «هتش» في معركة محتملة ضد قوات «قسد» سيلقى رفضاً أميركياً، مؤكداً أن مقاتلي «قسد» سيواجهون عناصر «الهيئة» بقوة حازمة إذا تحركت نحو مدينتي تل رفعت ومنبح بريف حلب.
وأوضح أن الاشتباكات الدائرة في الشمال السوري لا يمكن فصلها عن الاستدارة التركية نحو دمشق، وقال إن تطورات مدينة عفرين «المحتلة»، على حد وصفه، تدخل في إطار مساعي تركيا لترتيب أوراقها وأدواتها في الشمال السوري.
«لعل التوقيت له أهمية، إذ إنه يأتي تزامناً مع الاستدارة التركية نحو دمشق. أنقرة تريد من وراء تحركات هيئة تحرير الشام تحقيق ثلاثة أهداف»، بحسب دلي.
أول هذه الأهداف يكمن في تعويم «هتش» في الشمال السوري وجعل تقدم عناصرها وسيطرتها على مناطق جديدة بريف حلب بمثابة القوة المتهيئة للقيام بعملية عسكرية محتملة ضد مواقع «قسد»، «تحديداً في منطقتي تل رفعت ومنبج بعد أن وجدت رفضاً إقليمياً ودولياً لعمليتها هناك». أما ثاني الأهداف التركية، فهو توجيه ضربة استباقية للفصائل السورية المسلحة التي أظهرت مؤخراً رفضها للتطبيع التركي مع النظام السوري الحاكم. وبرأي دلي، فإن «أنقرة تريد بذلك قطع الطريق أمام المسعى الأميركي لتقوية هذه الفصائل، وجعلها عقبة في وجه استكمال الاستدارة التركية نحو دمشق». ويتعلق الهدف الثالث بترتيب الأوراق التركية بالشمال السوري وجعل «هتش» ورقة قوية في التفاوض مع الجانب الروسي والنظام السوري مستقبلاً.
وأشار دلي إلى رغبة أنقرة بتحقيق مكاسب كبرى من أي عملية تسوية مع موسكو ودمشق، «سواء في القبول بشروطها لإعادة اللاجئين، أو التوصل إلى تفاهمات للحد من نفوذ (الإدارة الذاتية) الكردية. كل ذلك مقابل السعي مستقبلاً لوضع النصرة على طاولة البازار السياسي».
سياسياً، طالبت الأمانة العامة لـ«المجلس الوطني الكردي» المعارض في بيان نُشر على موقعها الرسمي أمس (السبت)، المجتمع الدولي والدول ذات الشأن، وعلى رأسها تركيا التي تسيطر عسكرياً على المنطقة، بـ«تحمل مسؤوليتها لإيقاف العمليات العسكرية وإخراج الفصائل المسلحة عن المدن والبلدات والقرى، وكفّ يدها عن شؤون الناس وممتلكاتهم».
ودعا التحالف الكردي، تركيا، إلى إخراج «هتش» المصنفة إرهابياً من كامل منطقة عفرين، و«تسليم إدارة المنطقة بكل احتياجاتها إلى سكانها الأصليين، وتأمين عودة آمنة للنازحين إلى ديارهم».


مقالات ذات صلة

سوريا: مليون دولار وأسلحة في «مزرعة البغدادي» بالرقة

المشرق العربي سوريا: مليون دولار وأسلحة في «مزرعة البغدادي» بالرقة

سوريا: مليون دولار وأسلحة في «مزرعة البغدادي» بالرقة

أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، بأن وحدة مشتركة من «قوات سوريا الديمقراطية» والقوات الأميركية، عثرت على أموال وذهب خلال الأيام الفائتة، في مزرعة واقعة بمنطقة «كسرة فرج» في أطراف الرقة الجنوبية، وتعرف باسم «مزرعة البغدادي»، وذلك لأن أبو بكر البغدادي كان يمكث فيها إبان قيادته تنظيم «داعش» الإرهابي على المنطقة. ووفقاً للمرصد، فإن المداهمة جاءت بعد معلومات للأميركيين و«قسد» بوجود مخبأ سري، حيث عُثر عليه بالفعل وبداخله 3 غرف مموهة بشكل دقيق، وفيها 4 براميل مملوءة بكميات كبيرة من الذهب وأموال تقدر بنحو مليون دولار أميركي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي موسكو تتهم «إرهابيين» في إدلب بـ«التحضير لاستفزاز»

موسكو تتهم «إرهابيين» في إدلب بـ«التحضير لاستفزاز»

في وقت كُشفت فيه معلومات عن خطط أوكرانية لشن هجمات ضد القوات الروسية في سوريا، اتهمت وزارة الدفاع الروسية تنظيمات «إرهابية» منتشرة في محافظة إدلب بشمال غربي سوريا بـ«الاستعداد لهجوم استفزازي على المدنيين»، واتهام الجيش السوري والقوات الروسية به.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي مقتل قيادي في «سوريا الديمقراطية» بغارة تركية

مقتل قيادي في «سوريا الديمقراطية» بغارة تركية

أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بمقتل قيادي في «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وإصابة مرافق له، بعدما استهدفتهما طائرة مسيّرة تركية، بعد منتصف ليل الخميس - الجمعة، قرب معبر نصيبين في مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة على الحدود مع تركيا. ولفت «المرصد» إلى أن الاستهداف جاء بعد حوالي أسبوع من نجاة القائد العام لـ«قسد»، مظلوم عبدي، من محاولة اغتيال بمسيّرة تركية في محيط مطار السليمانية بكردستان العراق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي قتيل وجرحى في اشتباكات بين «قسد» وقوات مدعومة من روسيا

قتيل وجرحى في اشتباكات بين «قسد» وقوات مدعومة من روسيا

أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، الخميس، بمقتل عنصر من فصيل «الفيلق الخامس» المدعوم من روسيا خلال اشتباكات عنيفة مع عناصر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في بلدتي الطابية وجديد عكيدات بريف دير الزور الشرقي. وأضاف المرصد أن الاشتباكات العنيفة قد أسفرت أيضا عن سقوط جرحى في صفوف قوات سوريا الديمقراطية، فيما من المرجح ارتفاع عدد القتلى لوجود إصابات في حالة حرجة في صفوف الطرفين. وتوجه رتل روسي إلى بلدة طابية بريف دير الزور، لوقف الاشتباكات بين الطرفين، وسط حالة من التوتر والاستنفار في المنطقة، وفقا للمرصد. بالتوازي، حلق طيران مروحي لـ«التحالف الدولي» في أجواء قرى خشام والطابية ومظلوم بريف دير الزور ا

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي نجاة مظلوم عبدي من محاولة اغتيال في السليمانية

نجاة مظلوم عبدي من محاولة اغتيال في السليمانية

نجا قائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، مظلوم عبدي، مساء أمس، من محاولة اغتيال استهدفته في مطار السليمانية بكردستان العراق. وتحدث مصدر مطلع في السليمانية لـ «الشرق الأوسط» عن قصف بصاروخ أُطلق من طائرة مسيّرة وأصاب سور المطار.


الأردن: حشود رسمية وشعبية في وداع قتلى الكنيسة

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الأردن: حشود رسمية وشعبية في وداع قتلى الكنيسة

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

شيّع آلاف الأردنيين، الأحد، 8 من القتلى الـ9 الذين سقطوا في هجوم إرهابي استهدفهم يوم الجمعة الماضي في «كنيسة حمود» بمحافظة الكرك جنوب البلاد، في ظل حضور شعبي ورسمي وتشديد على مبادئ العيش المشترك.

وجاء التشييع الحاشد بعد يومين من إطلاق مسلحين يُشتبه في أنهم «تكفيريون»، الجمعة، النار على روّاد الكنيسة؛ ما أسفر عن مقتل 9 منهم وجرح نحو 25 آخرين. وسيُدفن القتيل الـ9 يوم الاثنين في مقبرة «سحاب» جنوب عمّان، وفق ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن عائلته.

ولم تتوقف مشاهد تشييع جثامين القتلى عند حدود جريمة الكنيسة؛ إذ شهدت قرية حمود إجماعاً وطنياً شدد على التآخي المسيحي - المسلم، وعدّ الجريمة الإرهابية نقطة للتلاحم وليست للفتنة.

وطغى الحضور الرسمي على الجنازة، وتقدم رؤساء السلطات الدستورية صفوف المعزين. واصطف معظم وجهاء المحافظة؛ مسلمين ومسيحيين، إلى جانب أُسر ضحايا الكنيسة لاستقبال العزاء. وتكفّل الديوان الملكي، بأمر من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، بترتيبات وبروتوكولات العزاء الكبير الذي شارك فيه آلاف الآتين من جميع محافظات وقرى المملكة الأردنية.

ومن المفارقات التي تعزز مبادئ العيش المشترك، فقد سقط من المسيحيين في الكنيسة الطبيب محمد القسوس. والقسوس فرع من فروع عشيرة الهلسة. وقد سمّاه والداه بهذا الاسم عن اقتناع بأنه لا فرق بين سكّان القرية الواحدة. ومحمد القسوس، كما هو معروف، يوصف بـ«طبيب الفقراء». ومن بين الجرحى في الاعتداء الإرهابي 4 من المسلمين؛ منهم اثنان حضرا بهدف النجدة عندما سمعا صوت الرصاص.

تقدم التحقيقات

كاهن يؤدي مراسم جنازة قتلى الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام في الأردن)

وأكدت مصادر مطلعة أن «الساعات الماضية شهدت استمراراً لعمليات البحث على نطاق أوسع» عن منفذي الاعتداء، مشيرة إلى أن التحقيقات بشأن ارتباطات المجموعة الإرهابية التي ارتكبت مجزرة الكنيسة تقترب من ربط خطوط الاتصال وتتبعها ورصد أي تحركات للمنفذين من خلال نظام المراقبة والسيطرة.

وعزت المصادر تأخر الإعلان عن النتائج الأولية للتحقيقات إلى أن عمليات البحث والتحري تتعامل مع مناطق جبلية شرق محافظة الكرك، وأن طبوغرافية مواقع البحث تحتاج إلى الحذر، خصوصاً في ظل مخاوف من تخزين الإرهابيين أسلحة تحضيراً لاستخدامها في عمليات أخرى. وفي الوقت ذاته، تستمر عمليات مداهمة مواقع يشتبه في وجودهم فيها.

وقال رئيس الحكومة، جعفر حسان، الأحد، خلال ترؤسه جلسة لمجلس الوزراء استُهلت بقراءة الفاتحة على أرواح قتلى الاعتداء، إن «أجهزة الدولة كافة تعمل للقبض على إرهابيي جريمة الكرك لينالوا العقوبة التي يستحقها أمثالهم». وأضاف: «هذه ليست فقط معركة أمنية؛ هذه معركة وعي وفكر. الشعوب والأوطان تنهار عندما تنتشر الفتنة والعصبية والعنصرية والتطرف في مجتمعاتها».

رسالة سلام... ومطالبات بالانتقام

ورصدت «الشرق الأوسط»، خلال مراسم التشييع، مشاهد لافتة اختزلت مشاعر الحزن والغضب والتمسك بالوحدة الوطنية. وفي حين امتزجت عمائم رجال الدين المسلمين بملابس رجال الدين المسيحيين في محيط الكنيسة، فقد وُضعت نعوش الضحايا في بداية مراسم الوداع على قماشة بيضاء حملت رسالة سلام، وزُيّنت بالورود قبل أن تُحمل في جنازة عسكرية مهيبة على أكتاف رجال الأمن العام، ملفوفة بالأعلام الأردنية.

حشود شاركت في تشييع الضحايا الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

مشهد آخر اختصر مساحات الغضب؛ إذ ارتدى شبان أردنيون الشماغ (غطاء رأس أردني باللون الأحمر) مقلوباً، في تقليد عشائري يرمز إلى طلب الثأر، تعبيراً عن غضبهم من الجريمة.

وعقب مواراة الجثامين الثرى، انطلقت وارتفعت زغاريد أمهات الضحايا وزوجاتهم وبناتهم وشقيقاتهم، لتختلط أصوات الزغاريد بدموع الفراق، في مشهد جمع بين ألم الفقد والاعتزاز بالراحلين، وسط حضور شعبي واسع.

وفي الجهة المقابلة لـ«كنيسة القديس جاورجيوس» بقرية حمود، وُوريت جثامين الضحايا الثرى في قبور جُهزت خصيصاً قبل مراسم التشييع، لتصبح الأرض المواجهة للكنيسة مثواهم الأخير، بعدما كانت شاهدة على الفاجعة التي أودت بحياتهم.

ومن المقرر إقامة نصب تذكاري في الموقع تخليداً لذكراهم، ليبقى شاهداً على الجريمة التي هزت الأردن.

خصوصية العلاقة الإسلامية المسيحية

واستقبل بيت العزاء الكبير بالقرية المعزين في قتلى الكنيسة، وقد أصبح منبراً لخطابات النخب الأردنية وشيوخ ووجهاء العشائر، ورجالات الدين الإسلامي. ومن منصة العزاء، طالب زعماء في المحافظة بمراجعة جذرية للمناهج الدراسية، وتعليم القبول بالآخر ومعاني التآخي بين أبناء الأردن من شتى الأصول والمنابت والمذاهب والطوائف.

ويرفض الأردنيون مصطلح «الأقليات» في بلدهم. فعلى الرغم من تنوّع البيئة الأردنية طائفياً ومذهبياً ومناطقياً وحتى سياسياً، فإنه لا أحد يستخدم المفردة من منطلقات التفرقة بين السكان، أو حتى على صعيد الحريات العامة بين جميع الأردنيين. ونص الدستور الأردني، في مطلع بنوده، على أن «كل الأردنيين أمام القانون سواء». وتكاد قلة فقط تعرف النِسب المئوية لفئات الشعب الأردني.

وتعدّ العشائر المسيحية الموزعة على عدد من محافظات المملكة الأردنية، في إربد وعجلون وجرش شمالاً، ومادبا والكرك جنوباً، من العشائر الأصيلة في المملكة، وهي تحمل العادات والتقاليد الأردنية. وثمة قول شهير في محافظة الكرك يتحدث عن أن «الجنازة بالكنيسة والعزاء في المسجد»، وهو ما أقرّ به وجهاء المحافظة.

تسييس النقاش العام

وتحاول قوى سياسية تقدمية استثمار الحادثة في إطار انتقاد السياسات التعليمية بالبلاد، والمطالبة بتحديث المناهج الدراسية لتواكب طبيعة تنوع المجتمعات والأفكار في المدارس الحكومية، التي يُنظر لها على أنها موروثة من زمن تحكّم الحركة الإسلامية في وزارة التعليم وقطاع التعليم خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي.

وتبحث قوى سياسية العمل تحت مظلة تيار اجتماعي سياسي عريض لرسم خطط من شأنها تعزيز سياسات نبذ العنف والأفكار المتطرفة، والحث عن القبول بالآخر، والمؤاخاة في الوطن.

وتُحذر قوى محسوبة على تيارات سياسية متعددة من «استمرار سياسات الاسترضاء في تجميد المناهج عند أساليب تعليم تقليدية؛ لا اتصال لها بالتربية المجتمعية وطبيعة التواصل بين فئات المجتمع».

وكان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني حذّر مبكراً، في عام 2014 خلال افتتاح واحدة من الدورات البرلمانية، بأن «واجبنا الديني والإنساني التصدي بكل حزم وقوة لكل من يحاول إشعال الحروب الطائفية أو المذهبية وتشويه صورة الإسلام والمسلمين».

ولفت الملك عبد الله الثاني حينها إلى أن الحرب على «هذه التنظيمات الإرهابية وعلى هذا الفكر المتطرف هي حربنا»، وأنه لا بد من «الدفاع عن أنفسنا وعن الإسلام وقيم التسامح والاعتدال ومحاربة التطرف والإرهاب. وكل من يؤيد هذا الفكر التكفيري المتطرف أو يحاول تبريره فهو عدو للإسلام وعدوٌ للوطن وكل القيم الإنسانية النبيلة»، مشيراً إلى أن «هذه التنظيمات تشن حربها على الإسلام والمسلمين قبل غيرهم».


إسرائيل تكثف غاراتها في غزة وتقتل 7 فلسطينيين

مشيعون خلال جنازة 3 فلسطينيين قُتلوا في غارة إسرائيلية في مستشفى الشفاء بمدينة غزة الأحد (رويترز)
مشيعون خلال جنازة 3 فلسطينيين قُتلوا في غارة إسرائيلية في مستشفى الشفاء بمدينة غزة الأحد (رويترز)
TT

إسرائيل تكثف غاراتها في غزة وتقتل 7 فلسطينيين

مشيعون خلال جنازة 3 فلسطينيين قُتلوا في غارة إسرائيلية في مستشفى الشفاء بمدينة غزة الأحد (رويترز)
مشيعون خلال جنازة 3 فلسطينيين قُتلوا في غارة إسرائيلية في مستشفى الشفاء بمدينة غزة الأحد (رويترز)

كثّف الجيش الإسرائيلي من نمط هجماته النهارية في غزة؛ إذ شنّ غارات خلال ساعات قصيرة من صباح الأحد، ما أسفر عن مقتل 7 فلسطينيين، ما بين الساعة العاشرة صباحاً، حتى الواحدة والنصف ظهراً بالتوقيت المحلي بغزة.

ونفّذت مسيرتا إسرائيليتان غارتين بفارق ساعة ونصف ساعة تقريباً داخل حرم الجامعة الإسلامية في غزة، التي تتبع بشكل أساسي حركة «حماس»، وكانت موقعاً لاستئناف الدراسة في عدد محدود من مبانيها، في وقت تضم بقية المباني آلاف النازحين من سكان شرق مدينة غزة، وشمال القطاع.

وتضمنت الهجمات الإسرائيلية كذلك عمليات إطلاق نار من مسيرات وآليات عسكرية عند الخط الأصفر الافتراضي الفاصل بين المواقع التي يحتلها الجيش الإسرائيلي (شرق الخط) والمواقع التي تسيطر عليها فصائل فلسطينية، أهمّها «حماس».

وتسببت الغارة الأولى بإصابة طالبات من كلية الطب بجروح متفاوتة، إحداها وصفت بالخطيرة، فيما استهدفت الثانية أمن الجامعة الإسلامية، ما أدى إلى مقتل 3 منهم على الفور، من بينهم على الأقل ناشط واحد في حركة «حماس».

وسبق هذه الغارة مقتل شقيقين من عائلة أبو زايد نتيجة استهدافهما بشكل مباشر من قبل طائرة مسيرة في مواصي خان يونس، جنوب قطاع غزة، بينما أصيب 4 مواطنين بينهم طفل بجروح متفاوتة، وحالة حرجة.

كما قتل مواطنان في غارتين منفصلتين، الأولى على شارع الرشيد قرب مستشفى حمد شمال مدينة غزة، والآخر في منطقة المزرعة، شرق دير البلح وسط قطاع غزة.

مشيعون يحضرون جنازة واحد من 3 فلسطينيين قُتلوا في غارة إسرائيلية بمستشفى الشفاء بمدينة غزة الأحد (رويترز)

وأصيب 6 فلسطينيين، بينهم طفل وسيدة، في إطلاق نار من قبل القوات الإسرائيلية اتجاه مناطق عدة من جنوب ووسط وشمال القطاع، خاصةً قرب الخط الأصفر. فيما فجّرت طائرات مسيرة صناديق متفجرة في عدة مناطق من حيي الشجاعية والتفاح، ومخيم جباليا، وجباليا البلد.

وشهد يوم السبت الماضي تصعيداً مماثلاً أسفر عن مقتل 6 فلسطينيين. كما سلمت القوات الإسرائيلية جثمان إبراهيم أبو غرابة (33 عاماً) الذي اختطفته حياً عصابات مسلحة تدعمها تل أبيب قبل نحو أسبوعين. وتحدث أفراد في عائلته وشهود أن فحص جثمان أبو غرابة «أظهر تعرضه للتعذيب».

وعقب اختطافه بأيام، حاصرت عناصر من العصابات عدة منازل لعائلة أبو غرابة وأقاربه، شرق دير البلح، قبل أن يتم إحراقها وهدمها لاحقاً من قبل آليات هندسية إسرائيلية، فيما اعتقل عدد آخر منهم ونقلوا للمواقع العسكرية الإسرائيلية، في وقت سمح لآخرين بعد التحقيق معهم ميدانياً بالانتقال لمناطق غرب الدير.

ومنذ إعلان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قتلت إسرائيل أكثر من 1650 فلسطينياً، وأصابت نحو 6 آلاف آخرين، فيما قتل منذ بداية الحرب 74544 شخصاً، وأصيب 175692، بحسب وزارة الصحة في قطاع غزة.

وأعلنت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية عن مقتل 10 طلبة ومعلم في قطاع غزة، خلال الفترة من 18 إلى 24 أكتوبر 2026، جراء إطلاق النار وقصف الاحتلال على المناطق السكنية، مبينةً أن آخرهم الطفلة فاطمة البيوك (8 أعوام)، الناجية الوحيدة من أسرتها التي أُبيدت بالكامل إثر قصف منزلها أواخر عام 2023، وتوفيت متأثرة بجراح أصيبت بها قبل أيام بنيران جيش الاحتلال الإسرائيلي شرق دير البلح.


الراعي يُحذّر من تهريب السلاح عبر الحدود: تهديد لأمن لبنان

الراعي لدى وصوله إلى العاقورة لترؤس قداس الأحد (فيسبوك)
الراعي لدى وصوله إلى العاقورة لترؤس قداس الأحد (فيسبوك)
TT

الراعي يُحذّر من تهريب السلاح عبر الحدود: تهديد لأمن لبنان

الراعي لدى وصوله إلى العاقورة لترؤس قداس الأحد (فيسبوك)
الراعي لدى وصوله إلى العاقورة لترؤس قداس الأحد (فيسبوك)

حذّر البطريرك الماروني بشارة الراعي من أن تكرار محاولات تهريب المتفجرات والأسلحة عبر الحدود إلى لبنان «يكشف أن أي ثغرة في ضبط الحدود يمكن أن تتحول إلى تهديد لأمن البلاد»، وذلك في ظل جدل سياسي حول شحنة متفجرات «حزب الله» التي ضبطتها القوى الأمنية، فيما تستكمل تحقيقاتها مع الموقوفين وتلاحق بقية المتورطين في الملف.

الحكومة اللبنانية مجتمعة يوم الخميس الماضي برئاسة جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

وأرجأت الحكومة، الخميس الماضي، البت في طلب وزير العدل عادل نصار إحالة الملف إلى المجلس العدلي، وهو أعلى محكمة جنائية استثنائية في البلاد، وتُعد أحكامه غير قابلة للطعن. وقررت الحكومة «متابعة البحث» في طلب وزارة العدل وفقاً لتقدّم مراحل التحقيق.

وقال وزير الإعلام، بول مرقص، خلال تلاوته مقررات مجلس الوزراء، إن المجلس «اعتبر أن هذه القضية خطيرة، لأنها تهدد أمن البلاد وسلامة المواطنين»، وشدّد على «ضرورة السير في التحقيق دون أي قيد أو سقف، إلا سقف القانون».

ومطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، ضبطت القوى الأمنية اللبنانية شاحنة محمّلة بكميات كبيرة من المتفجرات، أقر «حزب الله» بملكيتها، وقال إنها كانت مخصصة لمواجهة القوات الإسرائيلية في جنوب البلاد. ويواصل القضاء اللبناني تحقيقاته في القضية، وقد أوقف عدداً من المشتبه في تورطهم فيها، وأصدر بلاغات تعقّب بحق آخرين.

إرجاء القرار لا إلغاءه

وقال مصدر مطّلع على النقاشات المتعلقة بملف شحنة متفجرات «حزب الله» إن إرجاء مجلس الوزراء البتّ في إحالة الملف إلى المجلس العدلي «لا يعني استبعاد الطلب، بل هو استمهال بانتظار التقدم في التحقيقات»، مشيراً إلى أن الحزب نفسه «لا يستطيع مواجهة هذا الطلب بعد إقراره بأن الشحنة تعود إليه».

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط»: «هناك قاعدة قانونية تفيد بأن الإقرار هو أمّ القرائن... وقد أقرّ الحزب بمسؤوليته عن نقل المتفجرات، وبأن ملكيتها تعود إليه، ما يعني أنه اعترف بخرق القانون وقرارات مجلس الوزراء المتعلقة بحصرية السلاح وبسط الدولة سيطرتها بقواها الذاتية على كامل أراضيها، واحتكار قرارات السلم والحرب».

وقال المصدر: «حتى لو لم يبتّ مجلس الوزراء بطلب وزير العدل عادل نصار، فإن الطلب سيخضع لمناقشات إضافية داخل الحكومة في جلسات لاحقة بعد التقدم في التحقيقات الجارية».

وقال المصدر إن الوزير نصار «يرى أن خطورة هذا الملف، ومخاطره على السكان والأمن الوطني، تستدعي إحالة مجلس الوزراء للملف إلى المجلس العدلي».

وطالب «حزب الله» في وقت سابق، بإعادة المتفجرات والإفراج عن الموقوفين على خلفية ضبطها، في وقت تتمسك الحكومة بتطبيق قراراتها المتعلقة بحصر السلاح والأنشطة العسكرية والأمنية بيد مؤسسات الدولة.

الراعي

وأثار الملف انقسامات سياسية، وسط مخاوف من تداعياته على الداخل اللبناني. وقال البطريرك الراعي، الأحد، إن «ما يجري على الحدود يفرض نفسه اليوم بوصفه قضية لا يمكن التقليل من خطورتها»، مضيفاً أن «تكرار محاولات تهريب المتفجرات والسلاح والمواد الممنوعة يكشف أن الخطر ليس نظرياً، وأن أي ثغرة في ضبط الحدود يمكن أن تتحول إلى مدخل لتهديد أمن المواطنين واستقرار البلاد». وقال: «لهذا فإن ضبط الحدود بصورة جدية وفاعلة هو جزء من حماية كل لبنان».

وأعاد الراعي التشديد على أن «حصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية هو شرط أساسي لقيام دولة قادرة وعادلة، تتولى وحدها مسؤولية الأمن والسلم». وقال: «لا يمكن أن نطالب بالأمان ونقبل في الوقت نفسه بتعدد المرجعيات الأمنية. والدولة التي نريدها ليست دولة قوية على المواطن وضعيفة أمام الفوضى، بل دولة تحمي المواطن، وتضبط حدودها، وتطبّق القانون على الجميع، وتصون السيادة والحقوق من دون استثناء».

السلم الأهلي

في السياق نفسه، قال عضو كتلة «الجمهورية القوية» (القوات اللبنانية) النائب بيار بو عاصي: «إذا كان تحقيق السلم الأهلي يعني السماح بتنقل مئات الكيلوغرامات من المتفجرات في البلد، فعلينا عندها أن نعيد النظر في مفهومنا للسلم الأهلي».

وأشار في حديث تلفزيوني إلى أن «(حزب الله) هو الطرف القادر على جرّ البلد إلى حرب أهلية، فيما لا أحد منا يريد حرباً أهلية، لكن لا يمكن الاستسلام لمنطق من يأخذ البلد رهينة، ثم يُهدد بقتل كل من يحاول معالجة المشكلة، ويلقي بالمسؤولية على من يسعى إلى الحل».

في المقابل، يتمسك «حزب الله» بموقفه الرافض لقرارات الدولة اللبنانية. وقال القيادي في الحزب إبراهيم بيرم، إن «المقاومة لا تحتاج إلى مشروعية من أحد ما دام الاحتلال قائماً»، منتقداً ما وصفه بـ«ملاحقة المقاومة في وقت يُتغاضى فيه عن الاعتداءات الإسرائيلية»، في إشارة إلى توقيف شحنة الأسلحة. وأكد أن «المقاومة مستمرة رغم التحديات والإهمال».