شكري المبخوت: «الطلياني» قصّة تونسيّة تعبّر عن خصائص المجتمع التي أعرفها

الروائي التونسي: مشروعي يتناول تحوّلات الهوية

الروائي التونسي شكري المبخوت (الشرق الأوسط)  -  رواية «الطلياني» للروائي التونسي شكري المبخوت
الروائي التونسي شكري المبخوت (الشرق الأوسط) - رواية «الطلياني» للروائي التونسي شكري المبخوت
TT

شكري المبخوت: «الطلياني» قصّة تونسيّة تعبّر عن خصائص المجتمع التي أعرفها

الروائي التونسي شكري المبخوت (الشرق الأوسط)  -  رواية «الطلياني» للروائي التونسي شكري المبخوت
الروائي التونسي شكري المبخوت (الشرق الأوسط) - رواية «الطلياني» للروائي التونسي شكري المبخوت

على الرغم من أنه قضى عمراً طويلاً في التدريس والبحث العلمي الأكاديمي، فإنه فاجأ الجميع في 2015 بحصول روايته «الطلياني» على جائزة الرواية العربية «البوكر»، وهي الرواية الأولى لاسم لم يكن معروفاً في المشهد الروائي العربي. الناقد والأكاديمي والروائي التونسي شكري المبخوت الذي أصبح نجماً في عالم الرواية، ولد عام 1962، وهو عميد سابق لكلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة، ويشغل الآن وظيفة رئيس جامعة منوبة. وحاصل على دكتوراه الدولة في الآداب، من كلية الآداب بمنوبة. صدر له عن دار «التنوير» ثلاث روايات، هي: «الطلياني» و«باغندا»، و«مرآة الخاسر»، كما صدر له: «السيد العميد في قلعته»، ورواية «السيرة العطرة للزعيم». جاءت روايته الأولى «الطلياني» وبعدها «مرآة الخاسر» وقبلهما مجموعة «السيّدة الرئيسة»، ضمن مشروعٍ روائي يسجل من خلاله تحولات المجتمع التونسي في قالب روائي.
لقيت «الطلياني» ترحيباً لدى عامة الجمهور الثقافي في العالم العربي؛ لأنها برأيه «قصة تونسية تعبّر عن المجتمع التونسي». الجانب الفني لـ«الطلياني» أنزلها هذه المنزلة في نفوس القرّاء، من ذلك بناء الشخصيّة المنكسرة التي لا تفقد تألّقها حتى في لحظة الانكسار؛ علاوة على الكتابة البصريّة التي تجعل القارئ يطالع الرواية كما لو أنه يشاهد شريطاً سينمائيّاً. هكذا يقول الدكتور شكري المبخوت لـ«الشرق الأوسط»، في الحوار التالي الذي أُجري معه بمناسبة الاحتفاء بتونس (ضيف شرف) في معرض الرياض الدولي للكتاب 2022. وفيما يلي نص الحوار:

> كيف ترى الحضور الثقافي التونسي في معرض الرياض الدولي للكتاب؟
- أعتقد مبدئيّاً بأنّ هذا الحضور سيكون فرصة لمزيد من التعرّف على الحركيّة الثقافيّة التي تشهدها الثقافة التونسيّة؛ إذ لا شكّ في أنّ البرنامج الثقافي سيبرز جوانب منها. وأكبر ظنّي أن هذا الحضور حلقة مهمّة من سلسلة متواصلة للحضور التونسي في المملكة، وقد تجسّم تاريخيّاً في معرفة القرّاء السعوديين لكثير من الإنتاج الإبداعي والفكري التونسي من قبل، علاوة على تمثيل الأكاديميين التونسيين لهذه الثقافة في عدد من الجامعات السعودية؛ خصوصاً في مجال تدريس الأدب والنقد العربيين.
> لديك حضور بارز في المشهد الثقافي العربي، وأنت بالإضافة لعدد من الأسماء الأدبية التونسية سجلتم علامة فارقة في مشهد الإبداع الأدبي على المستوى العربي والعالمي. كيف ترى التفاعل بين الإبداع الأدبي في تونس وأرجاء العالم العربي؟
- كنتُ أشبّه دوماً الأدب في العالم العربي بالنهر الكبير ذي الروافد المتعدّدة، ومنه الرافد التونسيّ. ومن الطبيعي والحال تلك أن يحدث تفاعل ربما بصورة أكبر مما نتصوّر. فالقرّاء والمثقّفون في تونس كانوا دوماً منفتحين -ولا يزالون- على الإنتاج الإبداعي في العالم العربي، ولا يوجد كاتب عربي مهمّ لم يشارك في لقاء من اللقاءات الثقافيّة الكثيرة التي تُعقد في تونس. وبالمقابل يشكو الفاعلون الثقافيّون والمبدعون التونسيّون من قلّة احتفال العالم العربي بهم. ففكرة أن المشرق مركز والمغرب هامش تحكّمت لعقود في الثقافة العربيّة، وأثّرت في تمثّلات التونسيين منذ ثلاثينات القرن الماضي لموقع إبداعهم من المشهد الإبداعي العربي. ولنا في بعض رسائل الشابّي أدلّة واضحة على هذا الشعور. لكنني أعتقد بأنّ حال الثقافة العربيّة تغيّرت بفضل تعدّد المراكز؛ إذ خرجنا من هيمنة المركز المصري، وإلى حدّ ما المركز الشامي، إلى مراكز أخرى ظهرت منذ عقدين أو أكثر؛ سواء في المغرب الكبير أو الخليج، لأسباب يطول شرحها. وعلينا أن ننظر إلى هذا بإيجابيّة؛ لأن في ثراء الروافد ثراءً للنهر كلّه.
> أتيتَ لعالم السرد والرواية من ميدان الممارسة الأكاديمية والنقدية. كيف أثر ذلك في نجاحك بوصفك روائياً؟
- ذكّرني سؤالك بأخبار قديمة تُروى عن النحاة العرب. فقد كانوا بارعين لا محالة في علمهم باللغة؛ لكن هذه البراعة لم تمنعهم من اللحن عند الكلام. فالمعرفة النظريّة بالقواعد لا تعصم المتكلّم بالضرورة من الخطأ عند المخاطبة العاديّة. وقياساً عليه، فإنّ المعرفة بنقد الرواية لا تعني آليّاً إنتاج نصّ ناجح يلقى حظوة لدى القرّاء على الأقلّ. ولو كان الأمر كذلك لقدّم المحرّرون الأدبيّون في كبرى دور النشر العالميّة إلى القرّاء كلّ يوم آلافاً من الأعمال التي تلقى رواجاً كبيراً (مسألة البيست سيلر). ما أستطيع قوله وأنا مطمئنّ: إنّ المعرفة النقديّة الأكاديميّة في علاقتها بالسرد الروائي ينبغي أن ننظر إليها على أنها جزء فقط من خبرة الروائي باللغة والمجتمع والنفسيّات... إلخ، وليست محدّداً للنجاح الأدبي، مع لطف الإشارة إلى أن الرواية في عصرنا لم تعد حكياً لقصّة مشوّقة فحسب؛ بل أصبحت تحمل معرفة ما وتنتجها أيضاً.

إقبال كبير من الجمهور في ثالث أيام معرض الرياض للكتاب (واس)

- سرّ «الطلياني»!

> في عام 2014 صدرت لك رواية «الطلياني» التي شقت لك طريقاً نحو النجومية الثقافية. كثيرون اعتبروا هذه الرواية واحدة من أهم ما أنتجه السرد العربي. برأيك، ما السرّ في رواية «الطلياني»؟
- لو كنت أعرف الوصفة أو السرّ لقلت لك... بكل بساطة: ما فكّرت فيه عن وعي وأنا أكتب «الطلياني» هو أن أروي قصّة تونسيّة تعبّر عن مجتمعي التونسي بخصائصه التي أزعم أنني أعرفها. فالمشكلة أن صورة تونس في الأدب ضعيفة بسبب ضعف الإنتاج الروائي نفسه، قبل الفورة التي شهدتها الرواية العربيّة عموماً في العقدين الأخيرين. وأعتقد أنّ القرّاء الذين رأوا بعض القيمة في هذه الرواية، إنما أدركوا هذا الهدف الذي رسمته لها، ولاحظوا فيها وفي غيرها مما كتبت اشتغالاً على تحوّلات المجتمع التونسي وملامح الإنسان التونسي. طبعاً هذا إطار عام للمسألة؛ لأنه توجد مسائل فنيّة ربما جعلت لـ«الطلياني» هذه المنزلة في نفوس القرّاء. من ذلك بناء الشخصيّة المنكسرة التي لا تفقد تألّقها حتى في لحظة الانكسار، علاوة على الكتابة البصريّة التي تجعل القارئ يطالع الرواية كما لو أنه يشاهد شريطاً سينمائيّاً.
> كيف فتحت رواية «الطلياني» ما يمكن أن نسميه «أرشيف» الألم الإنساني؟ تقول بطلتها «زينة»: «وجعي –يا عبد الناصر– في الجسد، ولكن لا دواء له... خرقتُ الصمت معك أنت، أنت الوحيد الذي فتحت له أرشيف وجعي».
- كل الروايات الجادّة هي بحث في أرشيف الوجع الإنساني بالنسبة إليّ. هكذا أفهم الرواية. فحين نكتب نتأمّل من حيث ندري أو لا ندري حركة الإنسان، بحثاً عن شيء ما ينقصه، فيصارع وينكسر فيصرّ ويعيد البحث، فتخيب آماله وتتعاظم أوجاعه. فهذا الكائن الهشّ أمام حركة الزمان وفي الأمكنة التي لم يخترها في العادة عنيد عناداً يصنع إنسانيّته، بتردّداتها وتناقضاتها وأخطائها وعظمتها والقلق الذي يلفّها. من هنا، فإنّ الرواية إذ تتتبّع هذا البحث الإشكالي تفتح أرشيفات الأوجاع والآلام.
> في «الطلياني»، تقول على لسان بطلتها «زينة»: «المثقف عندي هو الذي يطلق النار على كل ما يتحرك... هو من يخلخل السائد». هل ترى فعلاً أن هذا هو دور المثقف؟
- هو تصوّر من التصوّرات الموجودة عن دور المثقّف، وليس من ابتداعي إلا في طريقة التعبير عنه. العبارة المحايدة أكثر هي «المثقّف النقديّ». كان هذا اختيار «زينة» بثقافتها الواسعة والثوريّة في الرواية، ولا أرى اختياراً آخر يناسب شخصيّتها كما رسمتها في «الطلياني». ولكن عموماً أجد التعريف مناسباً لكلّ فكر ينشد التغيير، ويعمل على تجاوز المحنّط في المجتمع والقيم والأفكار. فللحقيقة وجوه، ودور المثقّف فلسفيّاً هو أساساً أن يكشف هذه الوجوه ويناقشها، ويجوّد النظر فيها انتصاراً لقيمة الحرّيّة.
> كأن ثورات «الربيع العربي» حفزتك لاستكمال رواية «الطلياني»، فجاءت رواية «مرآة الخاسر» (دار التنوير 2019)، لتكمل المشوار، وتضيف عناصر جديدة أثرت المشهد الروائي. هل هو مشروع لكتابة تاريخ تونس الحديث بقالب روائي؟
- ذكرتُ لك من قبل أنّ اشتغالي الأساسي روائياً كان على تحوّلات المجتمع التونسي، وتأمّل خصائص هذا البلد والإنسان فيه. لتعتبر ذلك ضرباً من البحث في الهوية التونسيّة وتحوّلاتها التي تبرز بالخصوص في فترة الأزمات. فهذه الأزمات مادّة خصبة روائيّاً للتفكير في المستمرّ الثابت وفي المتغيّر المتحوّل، يكشف في العمق تفاعل الإنسان التونسي مع الأحداث، ويبرز تصوّراته وردود فعله وهواجسه. من هذه الناحية تناولت «الطلياني» بعض التحوّلات في ثمانينات القرن المنصرم، وجاءت «مرآة الخاسر» لتعالج تحوّلات تونس في تسعينات القرن العشرين، وتوقّفت الرواية تقريباً في حدود سنة ألفين للميلاد. وفي أطول قصّة من مجموعة «السيّدة الرئيسة»، وقد منحت للمجموعة كلّها عنوانها، نجد اشتغالاً على بداية سنوات الألفين. هذا الترتيب يدلّ على أننا أمام مشروع روائي فعلاً مثلما قلت، وسمّيته كتابة تاريخ تونس، كما عشته وعايشته في صيغة روائيّة. وأصدقك القول إنه يمكن كتابة جزءين آخرين على الأقلّ، يواصل فيهما «عبد الناصر الطلياني» مساره المتعرّج الذي يروي من خلاله تعرّجات مسار البلاد والمجتمع. ولكنّ هذا يحتاج إلى جهد ومثابرة وتركيز كي تكون الحبكات مناسبة، فلا تسقط الشخصيّة في التكرار والنمطيّة. وما يحول دون ذلك هو الحاجة إلى التفرّغ؛ لأن الرهان كبير ولا مجال للخطأ فيه.

- بين الشعر والرواية
> الشعر كان ديوان العرب، واليوم هناك من يقول إن الرواية هي ديوان العرب؛ لأنها الأصدق في تمثيل أحوالهم. أنت تقول إنّ «الشِّعر تمرين بلاغي، بينما الرواية هي أم الحقيقة الإنسانية العميقة». كيف نجح الخطاب السردي في تمثيل أحوال المجتمعات العربية؟
- نعم. المسألة مهمّة جدّاً. فأنت تقرأ اليوم في الروايات العربيّة روحاً محلّيّة تمثّل تنوّع المجتمعات العربيّة في كل شيء؛ حتّى لغويّاً (لهجات عربيّة مختلفة ولغات أخرى غير العربيّة تُستعمل هنا وهناك). وقد سبق للرواية المصريّة أن قامت بهذا الدور، ولم يكن نجيب محفوظ إلا المثال الساطع على ذلك؛ لكنّ القرّاء العرب اكتشفوا منذ رواية الطيّب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال» أي في حدود سنة نشرها 1966 على الأقل، أن الرواية المصريّة تعبّر عن مصر وليس عن كل العالم العربي، وأنّ ثراء المجتمع السوداني مختلف عن ثراء المجتمع المصريّ. وعلى هذا القياس، ففي كل بلد عربي نجد خصائص ومميّزات تمثّل مادّة للروائيين يمتحون منها ما يمكن أن يعبّر عن هذه المجتمعات المتنوّعة فعلاً اجتماعيّاً وثقافيّاً. أصبحنا اليوم نعرف المجتمع العماني أو الليبي أو الإريتري، من خلال روايات نجحت لبشرى خلفان أو محمد النعّاس أو حجي جابر، مثلما عرفنا من قبل المجتمع العراقي أو السوري أو اللبناني من خلال كتابات مميّزة. عموماً أعتقد أن الرواية العربيّة قامت بالدور الذي من المفترض أن يقوم به علم الاجتماع أو الأنثروبولوجيا، ولكن بشكل آخر أقرب إلى نفوس القرّاء، علاوة على أدوارها الأخرى الجماليّة والثقافيّة.
> ماذا تمتلك الرواية لتصبح ديوان العرب؟
- تمتلك ما كنت أقوله لك. أقصد قدرتها على بيان أن وحدة الثقافة العربيّة بفضل اللغة العربيّة لا تعني مطلق التشابه والمماثلة. لذلك فهي قادرة على أن تتناول المحلّي والخصوصي والمميّز والمتنوّع والمختلف. صحيح أن رواياتنا حين تترجم إلى اللغات الأخرى -إذا تُرجمت- توضع في خانة الأدب الأجنبي، وتفريعاً في خانة الأدب العربي، ولكن هذه الخانة تخفي تنوّعاً مذهلاً بدأ يبرز أكثر فأكثر.
> لديك سجل مع الجوائز. ماذا يعني لك الفوز بجائزة الملك فيصل العالمية في فرع اللغة العربية والأدب 2018، وقبلها جائزة خادم الحرمين الشريفين للترجمة 2012؟
- يظنّ كثيرون أنّ حصولي على بعض الجوائز هو من باب أنّ لي من اسمي نصيباً، إن لم تكن الكتابة عندي منذ البداية موجّهة للحصول على جوائز، كما يدّعي البعض (فكرة صيّاد جوائز). ولكن في حقيقة الأمر أرى هذه الجوائز ضرباً من الاعتراف بجهد متواضع في سياق محدّد، وليس تخطيطاً.
فجائزة أكاديميّة في قيمة جائزة الملك فيصل ليست بالأمر الهيّن، حتّى نخطّط له ونصل إلى مبتغانا، فالإعلان عنها والترشّح لها لا يفصل بينهما وقت يسمح بالارتجال، وإنما يكون ذلك بفضل تراكم معرفي وكتابات سابقة تتوّج بالترشّح، إضافة إلى التسابق مع أفضل العقول العربيّة وغير العربيّة. وقس عليها حصول «الطلياني» على «البوكر»، وهي الرواية الأولى لاسم غير معروف في المشهد الروائي العربي. والحق أنني بقدر ما أفخر بـ«البوكر» التي وسّعت من قاعدة قرّائي في الأدب، فإنّني أفخر كذلك فخراً كبيراً بجائزة الملك فيصل؛ لأنها جائزة أكاديميّة توّجت جزءاً من عملي الأكاديمي طيلة ثلاثين عاماً تقريباً.
> واسيني الأعرج قال بعد منحك جائزة الرواية العربية، إن «جائزة (البوكر) لم تخلق أديباً؛ ولكنها كشفت عن أديب»، ولكنك قلت بعد أن فاز واسيني بجائزة «كتارا»: «إن الجوائز تزيد النجم سطوعاً». فكيف ترى أثر الجوائز الأدبية؟
- سأروي لك شيئاً. كنتُ قد قرأت لواسيني منذ سنوات، ولكن أوّل مرّة ألتقيه فيها كانت سنة 2015 في القاهرة، في مؤتمر للرواية. ومما أذهلني وأبهجني في الآن نفسه رغبة القرّاء في التحدّث إلى واسيني والتقاط صور معه، وكان يتعامل مع الطلبات الكثيرة والمزعجة أحياناً بنبل وأريحيّة وابتسامات تليق بالنجوم. يومها عرفت أن للأدب نجومه، ومنهم واسيني. لذلك قلت إن الجوائز تزيد النجوم سطوعاً؛ لأنه فعلاً كان نجماً قبل حصوله على جائزة «كتارا». ربما لم يكن سياق التصريح يسمح بسرد ما ذكرته لك الآن، وها أنا أفعل. أما ما قصده الصديق واسيني من قوله، فمن الواضح أن الجوائز لا تصنع الأدباء؛ بل تتوّجهم وتعرّف بهم.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

تجدد المخاوف من ظهور تمساح بدلتا مصر

بحيرة ناصر بمحافظة أسوان (فيسبوك)
بحيرة ناصر بمحافظة أسوان (فيسبوك)
TT

تجدد المخاوف من ظهور تمساح بدلتا مصر

بحيرة ناصر بمحافظة أسوان (فيسبوك)
بحيرة ناصر بمحافظة أسوان (فيسبوك)

تجددت المخاوف من ظهور تمساح في إحدى قرى محافظة المنوفية (دلتا مصر) بعد نشر صور تفيد برصده في أحد المصارف المائية بقرية بير شمس بمركز الباجور، تحركت على أثر ذلك السلطات المحلية لفحص هذه الشكاوى، والتأكد من صحتها، خصوصاً مع شيوع أخبار ووقائع سابقة بهذا الصدد في محافظات بشمال مصر، وأثارت الذعر بين الأهالي.

وفور شيوع الأخبار قامت السلطات المحلية، بالتنسيق مع مديرية الطب البيطري، والجهات المعنية، بالانتقال إلى مكان البلاغ لتمشيط المصرف المائي، وتشكيل فرق رصد متخصصة للوقوف على حقيقة ظهور التمساح من عدمه، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

من جانبه قال حسين أبو صدام، الخبير الزراعي، ونقيب عام الفلاحين، إنه فور انتشار الإشاعة بظهور التمساح في مجرى مائي بقرية بير شمس بمحافظة المنوفية، وجه المحافظ لجنة لموقع البلاغ للتحقق من صحته ضمن السياسة العامة للدولة بالتعامل الفوري مع أي خطر محتمل. لافتاً إلى أنه بعد فترة طويلة من البحث، وتمشيط المنطقة لم يعثر على أثر للتماسيح في المنطقة المشار إليها، مما يؤكد أن هذه الإشاعة غير صحيحة.

وشدد نقيب الفلاحين في حديثه لـ«الشرق الأوسط» على «ضرورة توخي الحذر، وعدم تداول الإشاعات قبل التأكد من صحتها، والاعتماد على البيانات الرسمية فقط في مثل هذه الحالات».

كما نصح «بالحذر، والابتعاد عن المجاري المائية المشار إليها، وخاصة التي تنمو فيها الحشائش المائية، مع عدم النزول أو الاستحمام بها لحين إصدار بيان رسمي، والتأكد من خلو المياه من أي زواحف ضارة».

العثور على تمساح قبل شهور في محافظة الشرقية (محافظة الشرقية)

وأكد أبو صدام أن «أي تماسيح قد تظهر بالمجاري المائية خارج بحيرة ناصر قد يكون مصدرها أحد الأشخاص المربين لهذه الزواحف لتجارة غير مشروعة نظراً لتجريم القانون المصري بيع التماسيح».

وسبق أن تم الإبلاغ عن وجود تمساح بأحد المصارف في محافظة الشرقية بدلتا مصر، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مما أثار ذعر الأهالي، وأكد مسؤولون وقتها اتخاذ إجراءات الرصد اللازمة،

وأعلنت وزارة البيئة المصرية عن نجاح وحدة صيد التماسيح بالإدارة العامة للمحميات الطبيعية في الإمساك بالتمساح الذي أُبلغ عن ظهوره في مصرف بلبيس العمومي بمنطقة الزوامل في محافظة الشرقية.

وتبين أن التمساح يبلغ طوله نحو 25 سنتيمتراً، وعمره لا يتجاوز عامين، وينتمي للتماسيح النيلية، وفق بيان الوزارة الذي أضاف أنه ستُتّخذ إجراءات قانونية لإعادة التمساح إلى بيئته الطبيعية في بحيرة ناصر.


جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)
أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)
TT

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)
أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)

انحازت جوائز المسابقة الرسمية للنسخة الخامسة عشرة من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» للقضايا الاجتماعية في مجمل اختياراتها، بينما حصدت السينما المصرية جوائز عدة، منها جائزتا «أفضل فيلم» عن «كولونيا» للمخرج محمد صيام، وهو الفيلم نفسه الذي حصد بطله أحمد مالك جائزة «أفضل ممثل»، وهي الجائزة نفسها التي نالها بالنسخة الماضية من «مهرجان الجونة السينمائي».

تدور أحداث «كولونيا» الذي يتشارك في بطولته مع أحمد مالك كلٌّ من الفنان الفلسطيني كامل الباشا ومايان السيد ودنيا ماهر حول ليلة طويلة تشهد مواجهات حادة بين أب وابنه يستدعيان فيها ذكرياتهما وخلافاتهما القديمة والصورة السيئة التي يحملها كل منهما تجاه الآخر.

الخلافات بين الأب ونجله تأتي قبل ساعات فقط من وفاة الأب العائد لبيته بعد غيبوبة مرضية استمرت 6 أشهر، فيما تتنقل الأحداث عبر «الفلاش باك» التي تكشف المزيد من التفاصيل حول عمق العلاقة بين الأب والابن.

وحصد الفيلم السوداني «ملكة القطن» للمخرجة سوزانا مرغني جائزة «لجنة التحكيم الخاصة لأفضل فيلم»، الذي تدور أحداثه في قرية سودانية تشتهر بزراعة القطن حيث نشأت نفيسة على قصص بطولية ترويها لها جدتها عن محاربة المستعمرين، لكن عندما يصل رجل أعمال شاب من الخارج بخطة تنمية جديدة وقطن مُعدل وراثياً، تنطلق قوة نفيسة وتتصدى لإنقاذ حقول القطن السوداني وتجد في ذلك إنقاذاً لنفسها من الضياع.

أحمد مالك خلال الحديث على المسرح بعد تسلم الجائزة (إدارة المهرجان)

الفيلم الذي شاركت في إنتاجه 7 دول، وعرض في النسخة الماضية من «مهرجان البندقية» ضمن فعاليات «أسبوع النقاد» هو الأول لمخرجته، ومن بطولة مهاد مرتضى، ورابحة محمد محمود، وطلعت فريد، وحرم بشير، ومحمد موسى، وحسن محيي الدين.

أما الفيلم المصري «القصص» فحصل على جائزة التصوير لمدير التصوير النمساوي وولفجانج ثالر، وهو الفيلم الذي استلهم مخرجه أبو بكر شوقي أحداث قصة حب والديه عبر 5 حكايات تنطلق من صيف عام 1967 وسبق عرضه في النسخة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي».

وضمت عضوية لجنة تحكيم المهرجان المخرج الجنوبي أفريقي نتشافهيني والورولي، ومن بوركينا فاسو المخرج داني كوياتي، والفنانة المصرية بسمة، والمخرج المصري سعد هنداوي، إلى جانب المخرج المغربي جمال سويسي، فيما شهد حفل الختام تكريم الثلاثي سهير المرشدي، ومحسن محيي الدين، وسيف عبد الرحمن ضمن برنامج «تكريم نجوم سينما يوسف شاهين» احتفالاً بمئوية ميلاد المخرج الراحل التي تضمنت عدة فعاليات لأعماله خلال المهرجان.

أما جوائز مسابقة الفيلم القصير، فجاءت لتبرز تنوعاً لافتاً في التجارب الأفريقية، حيث مُنحت تنويهات خاصة لكل من فيلم «لا توقظ الطفل النائم» للمخرج كيفن أوبير من السنغال، وفيلم «حكايتي مع شارع جيبّا» للمخرج كاجو إيدهيبور من نيجيريا. وفي فئة أفضل إسهام فني، ذهبت الجائزة إلى فيلم «همسات من الريح» للمخرج ريمي ريوموجابي من رواندا، إلى جانب فيلم «عائشة» للمخرجة سناء العلوي من المغرب، الذي حصد قناع توت عنخ آمون الفضي. بينما تُوّج فيلم «أحلام دندرة» للمخرجة صابرين الحسامي من مصر بجائزة قناع توت عنخ آمون الذهبي.

صورة تذكارية للفائزين (إدارة المهرجان)

ونال الفيلم الجنوب أفريقي «قضاء الرب» للمخرج مايكل جيمس جائزة أفضل فيلم يتناول قضية أفريقية، وتدور أحداثه في مدينة ديربان، حيث يعيش عدد من الرجال المشردين داخل مبنى متهالك يجمعهم تضامن هش في مواجهة عالم قاسٍ تسوده اللامبالاة.

وقال الناقد السينمائي طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»، إنه بالرغم من سابقة احتفالات عدة مهرجانات منها «الجونة السينمائي» بمئوية شاهين فإن الحدث نفسه يتجاوز فكرة السبق بتقديم أفكار مختلفة في الاحتفال، مشيراً إلى أن المهرجان يتفرد بكونه الحدث السينمائي الأهم المرتبط بالسينما الأفريقية بشكل رئيسي.

وأضاف الشناوي أن المهرجان شهد عرض مجموعة من أبرز الأفلام المصرية التي تميزت خلال الفترة الماضية، وجميعها عرضت للمرة الأولى في الأقصر، نظراً لكون المدينة لا تملك أي شاشة عرض سينمائية حتى الآن، وهو ما أتاح فرصة مشاهدة الأفلام لجمهور المدينة.


«أرشيف السودان للفن التشكيلي»... محاولة لتوثيق نصف قرن من الإنتاج البصري

لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)
لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)
TT

«أرشيف السودان للفن التشكيلي»... محاولة لتوثيق نصف قرن من الإنتاج البصري

لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)
لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)

يمكن في السودان أن تختفي لوحة كاملة دون أن تترك أثراً، لا يرتبط ذلك بقيمتها الفنية، بل بغياب المسار الذي يوصل إليها، فالأعمال موزعة بين بيوت خاصة، ومراسم، وصور قديمة، وذاكرة شفهية، دون نظام يربطها أو يتيح قراءتها ضمن سياق أوسع، هذه الفجوة لا تتعلق بالحفظ فقط، بل بإمكانية فهم التاريخ البصري الذي يعتمد على مصادر متفرقة وغير مكتملة.

من هذا الفراغ، يتشكل مشروع «أرشيف السودان للفن التشكيلي» كمحاولة لبناء مرجع منظم يغطي ما يقارب نصف قرن من الإنتاج البصري. في صيغته الحالية، يعمل المشروع على توثيق الأعمال خلال المدة من 1975 إلى 2025، مع الإشارة إلى أن مراحل البحث الأولى امتدت إلى ما قبل ذلك، وصولاً إلى خمسينات القرن الماضي، لفهم الجذور التي تشكلت منها المدارس الفنية الحديثة في السودان.

بالإضافة إلى جمع الأعمال، يعمل المشروع على تصنيفها وربطها بسياقاتها، من خلال قاعدة بيانات تفصيلية تشمل الفنانين والأعمال والمؤسسات، بهدف تحويل الإنتاج الفني من مواد متفرقة إلى مادة قابلة للبحث والتحليل، بما يسمح بقراءة التحولات البصرية عبر الزمن، وربطها بالسياقات السياسية والاجتماعية التي أثرت فيها.

يتحرك المشروع ضمن نطاق محدد يشمل «الرسم والتلوين، التصوير، النحت والطباعة»، مع تركيز على بناء هيكل منهجي يمكن التوسع منه لاحقاً، هذا التحديد يعكس إدراكاً لصعوبة التعامل مع المشهد ككتلة واحدة، ويضع أولوية لإنشاء قاعدة منظمة، بدلاً من إعادة إنتاج التشتت داخل الأرشيف نفسه.

أطلق المشروع من القاهرة العام الماضي (الشرق الأوسط)

على المستوى التقني، يعمل المشروع على تطوير منصة رقمية تتيح إدخال البيانات عبر نماذج مخصصة، تخضع للمراجعة قبل النشر، مع اعتماد نظام تخزين يضمن حماية المواد واستمرارية الوصول إليها، ويتم توثيق كل عمل ضمن بيانات تشمل تاريخ الإنتاج، الخامات، والسياق المرتبط به؛ ما يسمح بقراءة الأعمال ضمن شبكة من العلاقات، وليس كعناصر منفصلة.

كما يفتح المشروع باب المساهمة أمام الفنانين والباحثين، سواء عبر رفع الأعمال أو تقديم معلومات إضافية، في محاولة لتوسيع قاعدة البيانات بشكل مستمر، هذه المقاربة تنقل الأرشيف من كونه مشروعاً مغلقاً إلى مساحة تفاعلية تعكس تعددية المشهد الفني، وتحد من مركزية السرد، وتمنح المشاركين دوراً مباشراً في بناء المحتوى.

تأتي هذه الجهود في سياق سياسي واجتماعي ضاغط، لا سيما بعد اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، التي أدت إلى فقدان واسع للأعمال الفنية والوثائق. هذا الواقع أعاد طرح الأرشفة كأولوية، ليس فقط لتنظيم ما هو موجود، بل أيضاً لحماية ما تبقى من إرث مهدد بالاختفاء، في ظل غياب بنية قادرة على احتوائه.

تقول مديرة المشروع ريم سيف الجعيلي إن الفكرة نشأت من داخل الممارسة اليومية للعمل الفني، عبر مؤسسة «ذا ميوز ملتي استوديوز» التي تأسست عام 2019، وركزت على تنظيم المعارض والورش والإقامات الفنية، إلى جانب البرامج الثقافية المرتبطة بالمشهدين الثقافي والفني في السودان.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الاحتكاك المباشر بالفنانين والباحثين كشف مبكراً نقصاً واضحاً في التوثيق، وصعوبة الوصول إلى مصادر يمكن الاعتماد عليها، وهو ما انعكس على طبيعة العمل الثقافي نفسه، وجعل من الصعب بناء مشاريع تستند إلى معرفة دقيقة بتاريخ الفن السوداني»، لافتة إلى أن هذه الملاحظة قادت إلى بلورة فكرة الأرشيف في عام 2021، بوصفه محاولة لبناء منصة يمكن من خلالها قراءة الفن السوداني ضمن صورة شاملة، وليس كمجموعة أعمال متفرقة، مع التركيز على تقديم بنية تسمح بالفهم وليس الحفظ فقط.

وأوضحت أن «مرحلة التفكير استغرقت وقتاً قبل الانتقال إلى التنفيذ في 2022، حيث بدأ العمل على بناء قاعدة بيانات بالتعاون مع باحثين، بهدف جمع المعلومات الأساسية حول الفنانين داخل السودان وخارجه، وتحديد نطاق العمل بشكل أكثر دقة»، مشيرة إلى أن المشروع اعتمد على تحديد إطار زمني واضح يبدأ من خمسينات القرن الماضي كخلفية بحثية، بينما يركز التوثيق المنهجي في مرحلته الأولى على المدة بين 1975 و2025، بما يتيح قراءة التحولات الفنية ضمن نطاق يمكن التحكم فيه وتحليله.

وفيما يتعلق بفريق العمل، قالت إن المشروع يعتمد على نواة أساسية من 5 أفراد ضمن المؤسسة، إلى جانب فريق موسع يصل إلى نحو 10 أشخاص يعملون بشكل مباشر على الأرشيف، مع الاستعانة بخبرات متخصصة في مجالات الفن والنقد، مؤكدة حرصهم على مراعاة حقوق الملكية الفكرية عبر موافقة الفنانين وذويهم وهو ما جعلهم اليوم يسجلون بيانات أعمال نحو 40 فناناً بصرياً سودانياً مع استمرار العمل لإضافة آخرين خلال المرحلة المقبلة.