ابحث عن مسؤولية «القطب الثالث» في فيضانات باكستان وجفاف الصين

سرعة ذوبان ثلوج «حزام» الهيمالايا تهدد سلامة البيئة والاستقرار السياسي بجنوب آسيا

ابحث عن مسؤولية «القطب الثالث» في فيضانات باكستان وجفاف الصين
TT

ابحث عن مسؤولية «القطب الثالث» في فيضانات باكستان وجفاف الصين

ابحث عن مسؤولية «القطب الثالث» في فيضانات باكستان وجفاف الصين

يرزح العالم اليوم تحت وطأة الآثار السلبية لتغير المناخ. ولقد واجهت الصين أسوأ موجة حر في تاريخها منذ 60 سنة، بينما تعرضت باكستان لأسوأ فيضانات في الذاكرة الحديثة. وبعدما عانت أوروبا هي الأخرى من موجة حر شديد، تقف اليوم الكثير من البلدان في جميع أنحاء العالم عرضة للدمار بسبب التغييرات المناخية.
ووفق المراقبين، تؤدي التغييرات المناخية إلى إحداث اضطرابات في النظام الجيو - سياسي، يخرج منها رابحون وخاسرون جدد. ولقد أثار الانهيار الأخير لمباحثات «مجموعة العشرين» بشأن المناخ في بالي (في إندونيسيا) مخاوف من «التراجع» عن تعهدات المناخ، ما يعد بمثابة مؤشر واضح على دور الجغرافيا السياسية في المناخ.
الحكومات العشرون المشاركة في المباحثات لم تتمكن من الاتفاق على بيان مشترك بشأن التغييرات المناخية. وكشفت تقارير إعلامية، عن أن وزراء المناخ والطاقة اشتبكوا حول أوكرانيا وتمويل الجهود المعنية بالمناخ والميثان والشحن ورسوم الكربون، وما إذا كان يجب أن تكون 1.5 درجة مئوية أو درجتين الحد الأقصى لارتفاع درجات الحرارة في العالم. كما طالبت دول كثيرة، خاصة الصين، بتفسير «دقيق» بالاتفاقات السابقة المعنية بالمناخ. وفي سياق متصل، تنتج موجات الحر والجفاف الشديدة التي اجتاحت الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة خلال الصيفين الماضيين صوراً مروعة ومثيرة للقلق.
لدى التطرق إلى الخلافات الدولية في موضوع المناخ، تقول آنا بريادارشيني، محررة الشؤون الخارجية في مجموعة «إنديا توداي» الإعلامية الهندية، إن «سياسة القوة تواصل إعاقة التعاون المناخي. ويبدو أن مفاوضات المناخ مسألة خلاف جيو - سياسي أكثر من كونها مشكلة تتعلق بالمنفعة المشتركة». وتوضح، أن «التغييرات المناخية أكثر عن مجرد أزمة بيئية... إنها أزمة منهجية تعمل على تغيير المشهد الجيو - سياسي، وستكون عواقبها عميقة على منطقة المحيطين الهندي والهادي، التي هي بالفعل أكثر مناطق العالم تعرضاً لمخاطر التغييرات المناخية وموطناً لأسرع نمو سكاني في العالم، والاقتصادات والتنافسات الجيوسياسية. وإذا نظرت إلى خريطة البلدان الأكثر عرضة لتأثيرات التغييرات المناخ، وقارنتها بخريطة الصراعات النشطة، ستبدو الخارطتان متطابقتين تقريباً».
في الصين، بسبب تداعيات التغييرات المناخية تظهر التماثيل البوذية المدفونة منذ فترة طويلة على ضفاف نهر اليانغتسي، في حين تنكشف سفن حربية نازية في مياه نهر الدانوب المنحسرة في أوروبا، وتطفو جثث ضحايا جرائم قتل الغوغاء في الطين الجاف الذي يشكل قاع بحيرة ميد سابقاً في ولاية نيفادا. بيد أن الأمر يتجاوز مجرد ظهور بقايا مثيرة للفضول من الماضي، وإنما تخلق هذه الأوضاع شعوراً بحدوث تغييرات بائسة غير مسبوقة.
- فيضانات باكستان... والوضع في آسيا
في آسيا، يبدو الوضع أسوأ من غيرها. وبعد الموجة الأخيرة من الكوارث، وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش منطقة جنوب آسيا بأنها «نقطة ساخنة لأزمة المناخ»، وقال، إنها منطقة معرّضة للمخاطر «ترتفع فيها احتمالات أن يموت المرء جراء التغييرات المناخية بمقدار 15 ضِعفاً». وشرح الدكتور روكسي ماثيو كول، عالم المناخ في المعهد الهندي للأرصاد الجوية المدارية، بأنه «كان موقعها الجغرافي المحاط بالمياه الاستوائية من طرف وجبال الهيمالايا في الطرف الآخر بمثابة نقطة القوة التي تنعم بها المنطقة، لكن ليس بعد الآن. اليوم، ترتفع درجات حرارة المحيط الهندي بأسرع معدلات، في وقت تذوب ثلوج جبال الهيمالايا بسرعة».
وأمام أسوأ كارثة فيضانات في تاريخها، بدأت باكستان في المطالبة بتعويضات من الدول الغنية المسؤولة بشكل أساسي عن التغييرات المناخية. وفي تصريحات عامة متكررة، قالت شيري رحمن، وزيرة شؤون التغييرات المناخية الباكستانية، إنه في حين أن بلادها لا تلعب أي دور يذكر في ظاهرة الانحباس الحراري، فإنها كانت من بين الأكثر عرضة للتغييرات المناخية.
وأشارت رحمن إلى أنه قتل أكثر عن 1300 شخص ونزح ما يقرب من مليون آخرين، وأثرت الفيضانات الأخيرة على حياة أكثر عن 30 مليون شخص، بعدما غمرت ثلث البلاد تحت الماء. جرى تقدير الخسائر في مجملها بأكثر عن 15 مليار دولار أميركي. وبالإضافة إلى ما سبق، تعرّض 4 ملايين فدان من المحاصيل للدمار ونفق 800.000 من رؤوس الماشية. ما يتوقع أن يؤدي حتماً إلى تفاقم حالة انعدام الأمن الغذائي في جميع أنحاء البلاد؛ ما سيخلف تداعيات كبرى على الاقتصاد. وللعلم، أدى تدمير أكثر عن مليون منزل في باكستان إلى تشريد العائلات وإجبارها على العيش في ظروف صعبة. وفي تعليق على الكارثة، قال أنجال براكاش، مدير شؤون الأبحاث في معهد بهارتي للسياسة العامة في الهند، إن «الفيضانات الأخيرة في باكستان واقعياً جاءت نتيجة لكارثة المناخ... التي كانت تلوح في الأفق على نحو واضح».
من ناحية أخرى، تسببت الفيضانات أيضاً بدمار واسع النطاق لأفغانستان المجاورة، خاصة الولايات الأفغانية الوسطى والشرقية. هذا، ومرت غالبية أفغانستان بفترة جفاف خطيرة، في حين لا يزال الناس هناك يتعافون من الزلزال المدمر الذي ضرب البلاد في يونيو (حزيران) والذي أودى بحياة أكثر عن 1000 شخص. وفي سياق متصل، تبقى المرتفعات المتنازع عليها في «حزام» سلاسل جبال الهيمالايا والكاراكورام والهندوكوش الممتد عبر أقاليم لاداخ وأكساي تشين وجامو وكشمير وغيلغيت - بالتستان، منطقة شديدة التأثر بالتغييرات المناخية. وتعد هذه الكتلة الجبلية الضخمة بمثابة «القطب الثالث» للكرة الأرضية؛ إذ تحتوي على ثلوج في أنهارها الجليدية أكثر عن أي مكان آخر خارج القارة القطبية الجنوبية والقطب الشمالي. وطبقاً لما ذكره بعض الخبراء، فإن ذوبان الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا قد ساهم بشكل كبير في فيضانات باكستان وكذلك الجفاف في الصين.
- مياه «القطب الثالث»
وحول هذا الجانب، صرّحت ريتويك دوتا، المحامية البيئية ومؤسس المبادرة القانونية للغابات والبيئة، بأن «سلاسل الجبال وأحواض الأنهار والتغييرات المناخية لا تلتزم الحدود الدولية. ومع ذلك، فإن تحدي الجغرافيا، حين تستخدم «الدول القومية» السيادة الإقليمية للمطالبة بالموارد الطبيعية داخل حدودها، يؤدي إلى احتمال نشوب صراع بين الدول على الموارد الطبيعية بينما تتفاقم ظاهرة الانحباس الحراري والكوارث المناخية».
ثم أردفت «يمكن أن تؤدي كتلة أو (حزام) الهيمالايا والكاراكورام والهندوكوش إلى وقوع أزمة وجودية في المنطقة خلال السنوات المقبلة. وفيما يخص آسيا بالذات، فإن ذوبان الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا يعد خبراً سيئاً؛ لأنه سيكون له تأثير شديد على دول جنوب شرقي آسيا، مثل الهند وباكستان وبوتان وبنغلاديش والصين وميانمار وغيرها، وسيأتي في شكل فيضانات مدمرة، وتزايد الانهيارات الأرضية، والطوفانات الساحلية، وفيضانات المدن، مثل تلك التي تواجهها الهند بالفعل، لكن على نطاقات أكبر بكثير». وهنا يعدّ خبراء البنك الدولي، أن الكوارث المرتبطة بالمناخ على ما يقرب من 700 مليون شخص في جميع أنحاء جنوب آسيا خلال العقد الماضي - أي ما يقرب من نصف سكان المنطقة.
في الهند، مثلاً، السؤال المطروح جدياً هو عن مدى تأثير ذوبان الأنهار الجليدية في كتلة جبال الهيمالايا على البلاد. وفي هذا الصدد، حذرت دوتا من أن «الهند ليست بمنأى عن هذا الأمر، وقد زعزع تأثير الذوبان الجليدي في جبال الهيمالايا - وهو أكثر بكثير مما قدر العلماء حتى الآن - استقرار النظام البيئي الهش الضروري للحفاظ على الغلاف الجوي للأرض، ويؤثر على دورات المياه القائمة منذ آلاف السنين».
- تأثر الجغرافيا السياسية
في هذه الأثناء، يتبادل الاتحاد الأوروبي والصين التشكيك في مدى التزام الطرف الآخر بمكافحة التغييرات المناخية، بعد فشل مباحثات المناخ خلال لقاء «مجموعة العشرين». ولقد اتهم فرانس تيمرمانز، المنسق الأوروبي المعني بالتغييرات المناخية، «أكبر جهة انبعاثات على هذا الكوكب»، في إشارة إلى الصين، بمحاولة التراجع عن اتفاقية غلاسغو للمناخ، التي توجت أسبوعين من مفاوضات الأمم المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي. وأضاف «يحاول بعض كبار اللاعبين الكبار على هذا الكوكب التراجع عما اتفقوا عليه في غلاسغو». ثم تابع ساخراً، أن البعض منهم، حتى أكبر مصادر الانبعاثات على هذا الكوكب، يحاول «الاختباء وراء البلدان النامية باستخدام الحجج التي أعتقد، في مرحلة ما، أنها لم تعد صالحة للاستخدام».
وحول هذا الموضوع، قالت الناشطة المعنية بالدفاع عن البيئة، فيريل ديساي «المباحثات بين أكبر بلدين (اقتصادياً) في العالم حول انبعاثات الغازات المسببة لظاهرة الانحباس الحراري، تحمل أهمية كبيرة لتعزيز العمل العالمي بشأن التغييرات المناخية. كما يمكن أن يهدد الخلاف الذي طال أمده بين الاثنين نجاح المناقشات في الجولة التالية من مباحثات المناخ العالمية التي تستضيفها مصر في نوفمبر المقبل».
ما يستحق الذكر هنا، أنه في أغسطس (آب)، تلقّى التعاون بين الولايات المتحدة والصين بشأن ظاهرة الانحباس الحراري ضربة قوية بعدما علّقت بكين مباحثات المناخ مع واشنطن. وجاء القرار الصيني رداً على زيارة نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأميركي لتايوان، وهي خطوة اعتبرتها بكين انتهاكاً للسيادة الصينية. وفي تحوّل رئيسي آخر عن المسار السابق، فإن الصين الآن، وليس الولايات المتحدة، هي التي تقف في قلب الجغرافيا السياسية الجديدة للتغييرات المناخية. وكانت كل فترة سابقة من الأمل بمجال العمل المناخي الطموح قائمة على استعداد واشنطن لدعم التعاون الدولي بشأن التغييرات المناخية، ونظام تنظيمي قوي لدعمه، لكن الوضع يبدو مختلفاً تماماً هذه المرة.
- جنوب شرقي آسيا بين واشنطن وبكين
كما سبقت الإشارة، فإن دول جنوب شرقي آسيا معرّضة بشكل خاص لبعض أخطر تداعيات التغييرات المناخية. وتشهد المنطقة بالفعل أنماطاً مناخية غير طبيعية، كما كشفت الفيضانات المدمرة في ماليزيا والفلبين. ثم إن المنطقة تقع في قلب التحديين الجيو - سياسيين الرئيسيين للقرن الواحد والعشرين: التغييرات المناخية وصعود الصين.
وبالفعل، تعيش المنطقة زيادة متكررة وشديدة في الفيضانات وموجات الجفاف والحرارة والأعاصير الناتجة من التغييرات المناخية. وتبعاً لـ«مركز مراقبة النزوح الداخلي»، نزح أكثر عن 32 مليون شخص في جنوب شرقي آسيا بسبب الكوارث الطبيعية المرتبطة بالطقس بين عامي 2015 و2019. ووفقاً لتقرير حديث صادر عن معهد ماكينزي العالمي، سيشهد عام 2050، كذلك، أن يعيش نحو 48 مليون شخص تحت رحمة فيضانات جراء ارتفاع المد.
وفي هذا الصدد، قالت شارون سيه، زميلة ومنسقة برنامج التغييرات المناخية في جنوب شرقي آسيا بمعهد جنوب شرقي آسيا للدراسات، إن «المخاوف المناخية تتزايد كل عام مع استمرار المنطقة في التعامل مع عواقب الطقس القاسي، لكن الحكومات والشركات وأصحاب المصلحة الآخرين غالباً ما يجري النظر إليهم باعتبارهم بطيئين وغير فاعلين في ردودهم».
وهنا يوضح أنجال براكاش، أنه «حددت العديد من البلدان في جنوب شرقي آسيا التخفيف من آثار التغييرات المناخية والتكيف معه باعتبارها أولويات قصوى، لكن هذه الجهود تبقى مقيدة بسبب سوء الإدارة والموارد المحدودة والأولويات الأخرى. ومع صعوبة أن تتولى كل دولة معالجة هذه التحديات بمفردها، تزداد هذه التحديات تعقيداً بسبب الجغرافيا السياسية المعقدة والصعبة في المنطقة».
في أي حال، تبرز منطقة جنوب شرقي آسيا اليوم كمنطقة مركزية للتنافس بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ، ومن المرجح أن يجري سحب العمل المناخي إلى نطاق تلك الديناميكية الأوسع. وتبدو دول جنوب شرقي آسيا حسّاسة بشكل خاص لمصير العلاقات بين واشنطن وبكين، مع شعور الكثير من دول المنطقة بالقلق سواءً كانت العلاقات بين العاصمتين تبدو متقاربة بشكل مفرط أو عدائية بشكل مفرط.
وأخيراً، يبقى القول، إنه داخل جنوب شرقي آسيا، تعد إندونيسيا - الغنية بالوقود الأحفوري - البلد الذي يحتاج إلى النظر في القضية بعمق. إذ يلعب الفحم دوراً مزدوجاً في الاقتصاد الإندونيسي... خاصة أن استهلاكه محلياً ويمثل أكثر عن 60 في المائة من طاقتها. واعتباراً من ديسمبر (كانون الأول) 2021، صارت إندونيسيا أكبر مصدر للفحم في العالم. وسيظل الفحم مصدراً رئيسياً للإيرادات، وكذلك مصدر للأهمية الجيو – سياسية؛ ذلك أنه لدى القوى الكبرى مثل الصين والهند سبب أكبر بكثير لتطوير علاقات ودية مع إندونيسيا لضمان الوصول إلى هذا المورد الاستراتيجي.

- إضاءة على تقرير «توقعات المناخ في جنوب شرقي آسيا»
> تقرير «توقعات المناخ في جنوب شرقي آسيا: تقرير مسح 2022»، الذي يأتي على خلفية فيضانات باكستان المدمرة - التي تركت ثلث البلاد تحت الماء - وأشد موجات الحرارة في الصين على الإطلاق، يسلط الضوء على التهديد الوجودي الذي تشكله التغييرات المناخية.
على سبيل المثال، ألزمت «اتفاقية باريس» لعام 2015 البلدان الغنية التي تتحمل انبعاثاتها مسؤولية كبيرة عن الانحباس الحراري بخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بوتيرة أسرع مع دعم البلدان النامية في أن تحذو حذوها. وبموجب اتفاق باريس، يجري تعريف الصين باعتبارها دولة نامية. لكن امتناع الدول الغنية عن تقديم تمويل المناخ الموعود أدى إلى تفاقم التوترات في مفاوضات المناخ العالمية. وللعلم، يعدّ الاتحاد الأوروبي المكوّن من 27 دولة أكبر ممول للجهود المعنية بالمناخ، تبعاً للبيانات الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
غير أنه، حتى لو بدأت البلدان في تنفيذ التزامات «اتفاقية باريس» بجدية، سيظل العالم يشهد زيادة في درجة الحرارة بمقدار 3.2 درجة مئوية بحلول نهاية هذا القرن. أما البلدان التي ستعاني من وطأة التغييرات المناخية، فتتصدرها الدول الجزيرية الصغيرة والبلدان ذات الكثافة السكانية العالية.
ثاني أكسيد الكربون هو أكبر غازات الاحتباس الحراري التي ينتجها الإنسان، وهو يمثل نحو 80 في المائة من الانبعاثات الكربونية، ومن ثم هو العامل الرئيس الذي يساهم في التغييرات المناخية والبيئية في جميع أنحاء العالم.
ما يحدث ببساطة أن انبعاثات الكربون تحبس الطاقة الشمسية داخل الغلاف الجوي؛ ما يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة العالمية. وتتمثل العواقب الأبرز لانبعاثات الكربون في زيادة احتمالية حدوث ظواهر الطقس المتطرفة ونقص الغذاء والماء وانعدام الأمن بسبب ارتفاع درجات الحرارة وذوبان الجليد وارتفاع مستوى سطح البحر. وتكشف الإحصاءات عن زيادة الكوارث المرتبطة بالفيضانات بنسبة 134 في المائة منذ عام 2000، مقارنة بالعقدين السابقين، وفقاً للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
راهناً، تنتج معظم دول العالم كمية من الانبعاثات الكربونية أكثر مما تستطيع امتصاصه، ما يشكل خطراً كبيراً على التغييرات المناخية العالمية. وتبعاً للتقديرات، كانت الدول الخمس الأولى التي انبعثت من الغازات المسببة للانحباس الحراري عام 2020 هي: الصين (31 في المائة من الانبعاثات العالمية)، فالولايات المتحدة (14 في المائة)، فالهند (7 في المائة) وروسيا (5 في المائة) واليابان (3 في المائة).
في المقابل، تعد مملكة بوتان، الدولة الصغيرة الواقعة في جبال الهيمالايا، أول دولة «سالبة» للكربون في العالم. وبفضل غاباتها الواسعة التي تغطي 70 في المائة من مساحتها، فإن المملكة قادرة على امتصاص كمية أكبر من ثاني أكسيد الكربون مما تنتجه. ولقد سهّلت الجهود الصارمة على صعيد حماية البيئة على بوتان التحكم في مستوى الانبعاثات الكربونية في البلاد. وبالمناسبة، ينص دستور بوتان على وجوب أن تظل نسبة 60 في المائة على الأقل من مساحة المملكة مغطاة بالغابات. وحقاً، تغطي «الغابات الوطنية» المحمية و«المحميات الطبيعية» ومناطق «حماية الحياة البرية» أكثر من نصف مساحتها. كذلك تخلق الحكومة البوتانية ظروفاً جيدة للأشخاص الذين يعيشون في المناطق المحمية؛ وذلك لحماية الغابات وحظر الصيد ومنع التعدين وتلوث الغابات، بجانب أن برامج حماية الموارد الوطنية، مثل «بهوتان النظيفة» و«بهوتان الخضراء» نشطة للغاية.


مقالات ذات صلة

عمالقة التكنولوجيا يخططون لاستثمار 60 مليار دولار في «أوبن إيه آي»

الاقتصاد الصفحة الرئيسية لـ«تشات جي بي تي» تظهر عليها عبارة «مرحباً بكم في أوبن إيه آي» - بافاريا (د.ب.أ)

عمالقة التكنولوجيا يخططون لاستثمار 60 مليار دولار في «أوبن إيه آي»

ذكرت صحيفة «ذا إنفورميشن» يوم الأربعاء، أن شركات «إنفيديا» و«أمازون» و«مايكروسوفت» تُجري محادثات لاستثمار ما يصل إلى 60 مليار دولار في شركة «أوبن إيه آي».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا أوضحت شركة «مايكروسوفت» أن الشريحة «مايا 200» الجديدة ستبدأ العمل هذا الأسبوع بمركز بيانات بولاية أيوا الأميركية مع خطط لموقع ثان في أريزونا (د.ب.أ)

«مايكروسوفت» تكشف عن «مايا 200»... الجيل الثاني من شرائحها للذكاء الاصطناعي

كشفت «مايكروسوفت» الاثنين عن الجيل الثاني من شريحة الذكاء الاصطناعي التي تنتجها داخل الشركة «مايا 200».

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
تكنولوجيا عرض حي في «CES 2026» يوضح كيف أصبحت الأوامر الصوتية أكثر سلاسة وواقعية داخل سيارات «بي إم دبليو» (بي إم دبليو)

«أليكسا +» يصل إلى «بي إم دبليو iX3» في أول تعاون من نوعه مع «أمازون»

في معرض «CES 2026» تكشف «بي إم دبليو» عن «iX3» الجديدة كأول سيارة تعتمد «Alexa+» مقدّمة تجربة تفاعل صوتي، معززة بالذكاء الاصطناعي وترفيه متقدم.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
يوميات الشرق قالت شركة «أمازون» إنها قررت ​التراجع عن خطط توصيل البضائع عبر طائرات مسيّرة في إيطاليا (د.ب.أ)

«أمازون» تتراجع عن خطط توصيل الطلبات بطائرات مسيّرة في إيطاليا

قالت شركة «أمازون»، الأحد، إنها قررت ​التراجع عن خطط توصيل البضائع عبر طائرات مسيّرة في إيطاليا، رغم إحرازها تقدماً جيداً مع الجهات التنظيمية في مجال الطيران.

«الشرق الأوسط» (روما)
آسيا شعار «أمازون» يظهر في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

«أمازون» تعلن منع 1800 كوري شمالي من التقدم لوظائف في الشركة

لفت إلى أن الكوريين الشماليين يستخدمون عادة «مزارع أجهزة كمبيوتر محمولة»، وهي جهاز كمبيوتر في الولايات المتحدة يتم تشغيله عن بعد من خارج البلاد.

«الشرق الأوسط» (سيول)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.