عودة «إيبولا» إلى أوغندا... هل يجب أن يقلق العالم؟

دروس تجربة «جدري القردة» تفرض «الحذر»

مراقبة مرض فيروس الإيبولا على الحدود بين جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا (منظمة الصحة العالمية)
مراقبة مرض فيروس الإيبولا على الحدود بين جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا (منظمة الصحة العالمية)
TT

عودة «إيبولا» إلى أوغندا... هل يجب أن يقلق العالم؟

مراقبة مرض فيروس الإيبولا على الحدود بين جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا (منظمة الصحة العالمية)
مراقبة مرض فيروس الإيبولا على الحدود بين جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا (منظمة الصحة العالمية)

38 عاماً فصلت بين ظهور مرض «الإيبولا» لأول مره في دولة الكونغو الديمقراطية عام 1976. وبين أول إصابة خارج أفريقيا عام 2014 في إسبانيا، وهو ما يجعل ردود الفعل العالمية «هادئة»، إزاء التفشيات التي تحدث في أفريقيا، وآخرها أوغندا، من منطلق أن الفيروس لا يطرق في العادة أبوابهم.
ويتم بناء هذه المواقف الهادئة على حقيقة أن هذا الفيروس، الذي يوصف بـ«الفيروس المميت»، ليس من الفيروسات التنفسية التي تنتقل عن طريق الهواء، لكن انتقاله يحتاج إلى تواصل عن طريق ملامسة الدم أو سوائل الجسم أو إفرازات أو أعضاء الشخص المصاب أو المتوفى حديثاً، وهو سيناريو من الصعب حدوثه.
ويبدو هذا الكلام من الناحية النظرية «مطمئناً»، ولكن لا يزال العالم يعيش تجربة «جدري القردة»، وهو فيروس لا يتسبب في حالات وفيات كثيرة مثل الإيبولا، ولكن آليات انتقالهما متشابهة.
ومثل تفشيات «الإيبولا»، لم يكن العالم ينشغل كثيراً بتفشيات جدري القردة في المناطق التي يستوطنها في غرب وشرق أفريقيا، ولكن التفشي الأخير للفيروس، والذي لا يعرف مصدره، على وجه الدقة، حتى الآن، خرج بالفيروس من المناطق التي يستوطنها لينتشر حتى الآن في 92 دولة.
وبينما كان انتشار «جدري القردة» في حالات التفشي السابقة بطيئاً، فإنه ينتشر - حالياً - بشكل أسرع من أي انتشار آخر في التاريخ الحديث، وهو الأمر الذي يحير العلماء إلى الآن، إذ إنهم لا يرون أن التركيبة الجينية للفيروس الحالي، مختلفة كثيراً عن الفيروس في التفشيات السابقة.

وبشأن إمكانية انتقال هذا المرض لدول عربية لديها خطوط طيران مباشرة مع أوغندا أو علاقات تجارية، يقول شيوري كوداما، استشاري الوقاية من الأخطار المعدية والتأهب لها في المكتب الإقليمي لشرق المتوسط بمنظمة «الصحة العالمية»، إن لدى دول الإقليم إجراءات استعداد متعددة منذ تفشي فيروس إيبولا في غرب أفريقيا عامي 2014 و2015 حتى الآن.
وأوضح كوداما لـ«الشرق الأوسط أنه «مع التفشي الحالي أجرت دول الإقليم تقييماً سريعاً لتدابير التأهب والاستعداد للإيبولا، وتمت معالجة أي ثغرات من خلال خطط العمل التي تتناول القدرات المختبرية والتشخيصية على المعابر الحدودية، والمراقبة وتتبع الاتصال، والكشف المختبري والتشخيص، وإدارة الحالات والوقاية من العدوى ومكافحتها، والإبلاغ عن المخاطر، والدفن الآمن».
وبالإضافة لذلك، فإن «الجهود المبذولة بشكل تدريجي، استجابة لتفشي فيروس (كورونا) المستجد، وبعده جدري القردة، قد ساعدت على بناء قدرات قطرية أكثر مرونة لمنع انتشار المرض إلى المنطقة»، وفق ما يؤكد كوداما.
وعن الأشياء المشتركة بين جدري القردة والإيبولا، يوضح كوداما، أن «كليهما لديه إمكانية الانتقال من حيوان إلى إنسان (حيواني المنشأ) عن طريق الاتصال المباشر بالدم أو سوائل الجسم أو الآفات الجلدية أو المخاطية للحيوانات المصابة، ويمكن أن ينتج انتقال العدوى من إنسان إلى إنسان عن الاتصال الوثيق بإفرازات الجهاز التنفسي والجلد وآفات شخص مصاب أو أشياء ملوثة حديثاً، وبالإضافة إلى ذلك، تم وصف انتقال الفيروس عن طريق الاتصال الجنسي في كلتا الحالتين».
وبينما تبلغ فترة حضانة مرض فيروس الإيبولا (من 2 إلى 21 يوماً)، فإن فترة حضانة جدري القردة (عادة ما بين 6 إلى 13 يوماً، ولكن يمكن أن تتراوح من 5 إلى 21 يوماً).
وتراوحت نسبة إماتة حالات جدري القرود تاريخياً من 0 إلى 11 في المائة في عموم السكان، بينما تراوحت معدلات إماتة الإصابة بفيروس إيبولا السودان من 41 إلى مائة في المائة في حالات تفشي المرض السابقة.
وحتى لا يجد العالم نفسه بين عشية وضحاها، أمام تفشٍ عالمي غير معروف مصدره ولا أسباب انتشاره مثل ما يحدث مع مرض جدري القردة، يجب أن يكون الأداء مختلفاً هذه المرة مع تفشي «الإيبولا» الذي تشهده أوغندا حالياً، كما يطالب محمد سمير، أستاذ الأمراض المشتركة بجامعة الزقازيق (شمال شرقي القاهرة).
ويقول سمير في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «يجب أن يهتم العالم، وليس أوغندا وحدها، بدراسة أسباب التفشي الحالي جيداً، لا سيما أن هذه هي المرة الأولى منذ أكثر من عقد من الزمن التي تسجل فيها أوغندا إصابة بسلالة إيبولا السودان، كما يجب أيضاً معرفة، هل حدث أي تغير في سلوك الفيروس أو أن الفيروس عثر على مستودع حيواني جديد».
وتوجد خمسة من أنواع فيروسات الإيبولا، التي تسبب المرض للإنسان، وهي سلالات زائير، والسودان، بونديبوجيو (غرب أوغندا)، وريستون (تم عزله في مختبر رستون بولاية فرجينيا الأميركية مستخلصاً من قرد أفريقي)، وأخيراً فيروس «غابة تاي» بكوت ديفوار.
ويُشتبه في أن الحيوان المستودع الطبيعي للفيروس هو نوع من خفافيش الفاكهة، التي لا تمرض في حد ذاتها ولكنها يمكن أن تنقل المرض إلى الرئيسيات، بما في ذلك البشر، ويتعرّض الإنسان للفيروس إذا قتل الخفافيش المصابة أو قام باصطيادها للحصول على طعامها.
وبالإضافة إلى الخوف من مفاجآت الفيروس، عبر تغير سلوكه أو المستودع الحيواني الخاص به، وهو ما يفرض مزيداً من الحذر، فإن آلية الانتقال البطيئة للفيروس التي تتطلب تلامساً جسدياً مع المصاب، لا تزال هي الأخرى، رغم أنها سيناريو مستبعد، تمثل خطراً، لا يجب إهماله، كما يوضح سمير.
ويضيف: «المرض لا يعلن عن نفسه إلا بعد ظهور الأعراض بعد فترة حضانة تتراوح بين يومين و21 يوماً، ومن ثم فإنه في حال غياب آليات المراقبة والإنذار في مراكز المراقبة الصحية وفي المطارات وفي مراكز المنافذ البرية، يمكن أن يتسلل حاملو الفيروس إلى الداخل بسهولة لنشر العدوى لعدم ظهور أي أعراض عليهم، وهو ما حدث مع أول انتقال للفيروس من أفريقيا إلى أوروبا».
وأول شخص أصيب خارج أفريقيا بالفيروس، هو ممرضة إسبانية في عام 2014. وذلك بعد تنظيفها غرفة المستشفى لمبشر إسباني أعيد إلى وطنه مصاباً بالفيروس من غرب أفريقيا، ومات المبشر لكن الممرضة نجت.
وكانت وزارة الصحة الأوغندية قد أعلنت الثلاثاء عن أول حالة وفاة في البلاد بسبب فيروس إيبولا شديد العدوى منذ عام 2019. معلنة تفشي المرض في منطقة «موبيندي» بوسط البلاد.
وقالت منظمة الصحة العالمية في بيان صدر في وقت سابق يوم الثلاثاء، إن رجلاً يبلغ من العمر 24 عاماً في موبيندي أثبتت إصابته بـ«سلالة السودان النادرة نسبياً».
وأوضحت المنظمة أن «ذلك يأتي بعد تحقيق أجراه فريق الاستجابة السريعة الوطني في ست حالات وفاة حدثت في المنطقة هذا الشهر، ويشتبه أنها بسبب الإيبولا، كما أن ثمانية مرضى آخرين يشتبه في أنهم يخضعون للعلاج».
وقال ماتشيديسو مويتي، مدير منظمة الصحة العالمية في أفريقيا: «هذه هي المرة الأولى منذ أكثر من عقد من الزمن التي تسجل فيها أوغندا سلالة الإيبولا في السودان، ونحن نعمل عن كثب مع السلطات الصحية الوطنية للتحقيق في مصدر هذا الفاشية».
وكان هناك سبع حالات تفشٍ سابقة لسلالة السودان، بما في ذلك أربع مرات في أوغندا وثلاث مرات في السودان.
وشهدت أوغندا، التي تشترك في حدود سهلة الاختراق مع جمهورية الكونغو الديمقراطية، عدة فاشيات للإيبولا في الماضي، كان آخرها في عام 2019. عندما توفي خمسة أشخاص على الأقل.
وسجلت جمهورية الكونغو الديمقراطية الشهر الماضي حالة جديدة في شرقها الذي مزقته أعمال العنف، بعد أقل من ستة أسابيع من إعلان انتهاء تفشي الوباء في شمال غربي البلاد.
ومعدلات وفيات هذا المرض مرتفعة، حيث تبلغ نحو 50 في المائة في المتوسط من المصابين، وفق بيانات منظمة الصحة العالمية، والخيارات العلاجية المتاحة لهذا المرض، هي لقاح «أرفيبو» من شركة «ميرك»، وهو أول لقاح إيبولا معتمد من قبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية في ديسمبر (كانون الأول) 2019. وهو فعال للغاية في حماية الناس من سلالة زائير.
كما أبلغت مجموعة «جونسون أند جونسون» الأميركية عن نتائج واعدة للقاحها «زابدينو»، المكون من جرعتين ضد سلالة زائير، وقد تم التصريح باستخدامه في الاتحاد الأوروبي.
وفيما يتعلق بالعلاج، أوصت منظمة الصحة العالمية في أغسطس (آب) الماضي، بدواءين منقذين للحياة، وهما «إنمازب» و«إيبانجا»، وتم تجربتهما بنجاح أثناء تفشٍ سابق لفيروس إيبولا.


مقالات ذات صلة

بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

يوميات الشرق بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

تقدمت كريستين باومغارتنر، الزوجة الثانية للممثل الأميركي كيفين كوستنر، بطلب للطلاق، بعد زواجٍ دامَ 18 عاماً وأثمر عن ثلاثة أطفال. وذكرت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية أن الانفصال جاء بسبب «خلافات لا يمكن حلُّها»، حيث تسعى باومغارتنر للحضانة المشتركة على أطفالهما كايدين (15 عاماً)، وهايس (14 عاماً)، وغريس (12 عاماً). وكانت العلاقة بين كوستنر (68 عاماً)، وباومغارتنر (49 عاماً)، قد بدأت عام 2000، وتزوجا عام 2004.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق متحف «المركبات» بمصر يحيي ذكرى الملك فؤاد الأول

متحف «المركبات» بمصر يحيي ذكرى الملك فؤاد الأول

افتتح متحف المركبات الملكية بمصر معرضاً أثرياً مؤقتاً، اليوم (الأحد)، بعنوان «صاحب اللقبين فؤاد الأول»، وذلك لإحياء الذكرى 87 لوفاة الملك فؤاد الأول التي توافق 28 أبريل (نيسان). يضم المعرض نحو 30 قطعة أثرية، منها 3 وثائق أرشيفية، ونحو 20 صورة فوتوغرافية للملك، فضلاً عن فيلم وثائقي يتضمن لقطات «مهمة» من حياته. ويشير عنوان المعرض إلى حمل فؤاد الأول للقبين، هما «سلطان» و«ملك»؛ ففي عهده تحولت مصر من سلطنة إلى مملكة. ويقول أمين الكحكي، مدير عام متحف المركبات الملكية، لـ«الشرق الأوسط»، إن المعرض «يسلط الضوء على صفحات مهمة من التاريخ المصري، من خلال تناول مراحل مختلفة من حياة الملك فؤاد».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق وضع تسلسل كامل لجينوم «اللبلاب» المقاوم لتغير المناخ

وضع تسلسل كامل لجينوم «اللبلاب» المقاوم لتغير المناخ

قام فريق بحثي، بقيادة باحثين من المعهد الدولي لبحوث الثروة الحيوانية بكينيا، بوضع تسلسل كامل لجينوم حبة «فول اللبلاب» أو ما يعرف بـ«الفول المصري» أو «الفول الحيراتي»، المقاوم لتغيرات المناخ، بما يمكن أن يعزز الأمن الغذائي في المناطق المعرضة للجفاف، حسب العدد الأخير من دورية «نيتشر كومينيكيشن». ويمهد تسلسل «حبوب اللبلاب»، الطريق لزراعة المحاصيل على نطاق أوسع، ما «يجلب فوائد غذائية واقتصادية، فضلاً على التنوع الذي تشتد الحاجة إليه في نظام الغذاء العالمي».

حازم بدر (القاهرة)
يوميات الشرق «الوثائقية» المصرية تستعد لإنتاج فيلم عن «كليوباترا»

«الوثائقية» المصرية تستعد لإنتاج فيلم عن «كليوباترا»

في رد فعل على فيلم «الملكة كليوباترا»، الذي أنتجته منصة «نتفليكس» وأثار جدلاً كبيراً في مصر، أعلنت القناة «الوثائقية»، التابعة لـ«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية بمصر»، اليوم (الأحد)، «بدء التحضير لإنتاج فيلم وثائقي عن كليوباترا السابعة، آخر ملوك الأسرة البطلمية التي حكمت مصر في أعقاب وفاة الإسكندر الأكبر». وأفاد بيان صادر عن القناة بوجود «جلسات عمل منعقدة حالياً مع عدد من المتخصصين في التاريخ والآثار والأنثروبولوجيا، من أجل إخضاع البحوث المتعلقة بموضوع الفيلم وصورته، لأقصى درجات البحث والتدقيق». واعتبر متابعون عبر مواقع التواصل الاجتماعي هذه الخطوة بمثابة «الرد الصحيح على محاولات تزييف التار

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق مؤلفا «تحت الوصاية» لـ«الشرق الأوسط»: الواقع أصعب مما طرحناه في المسلسل

مؤلفا «تحت الوصاية» لـ«الشرق الأوسط»: الواقع أصعب مما طرحناه في المسلسل

أكد خالد وشيرين دياب مؤلفا مسلسل «تحت الوصاية»، أن واقع معاناة الأرامل مع «المجلس الحسبي» في مصر: «أصعب» مما جاء بالمسلسل، وأن بطلة العمل الفنانة منى زكي كانت معهما منذ بداية الفكرة، و«قدمت أداء عبقرياً زاد من تأثير العمل». وأثار المسلسل الذي تعرض لأزمة «قانون الوصاية» في مصر، جدلاً واسعاً وصل إلى ساحة البرلمان، وسط مطالبات بتغيير بعض مواد القانون. وأعلنت شركة «ميديا هب» المنتجة للعمل، عبر حسابها على «إنستغرام»، أن «العمل تخطى 61.6 مليون مشاهدة عبر قناة (DMC) خلال شهر رمضان، كما حاز إشادات عديدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي». وكانت شيرين دياب صاحبة الفكرة، وتحمس لها شقيقها الكاتب والمخرج خالد د

انتصار دردير (القاهرة)

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.


حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
TT

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)

أظهرت دراسة أجرتها جامعة إديث كوان الأسترالية أنّ تقوية العضلات وزيادة القوة البدنية لا تتطلَّب بالضرورة مجهوداً مُرهِقاً أو تمارين عالية الشدّة، بل يمكن تحقيق نتائج فعّالة من خلال أداء حركات بطيئة ومتحكم بها.

وأوضح الباحثون أنّ فاعلية التمارين لا ترتبط بالجهد الشديد بقدر ما ترتبط بطريقة أداء الحركة نفسها، وهو ما قد يُغيّر المفهوم الشائع عن اللياقة البدنية مستقبلاً. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية علمية متخصّصة في علوم الرياضة والصحة.

ويقوم الاعتقاد السائد لدى كثيرين على أنّ بناء العضلات وتحسين اللياقة يرتبطان بالتمارين الشاقة ورفع الأوزان الثقيلة أو ممارسة النشاط البدني لمدّة طويلة، وصولاً إلى الإرهاق أو الشعور بالألم العضلي بعد التمرين، على أساس أن «لا فائدة من دون معاناة»، وإنما الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذا التصور ليس دقيقاً في جميع الحالات.

وأظهرت النتائج أن بعض أنواع التمارين، مثل التمارين اللامركزية، يمكن أن تُحقّق فوائد ملحوظة للعضلات والقوة البدنية من دون الحاجة إلى مجهود بدني شديد أو تدريب مرهق كما هو شائع في التمارين التقليدية.

وتعتمد التمارين اللامركزية على عمل العضلات خلال إطالتها تحت تأثير مقاومة أو وزن، بدلاً من انقباضها لرفع الحمل. ويحدث ذلك خلال مرحلة «خفض الحركة»، مثل إنزال الأثقال تدريجياً، أو النزول على الدرج، أو الجلوس على الكرسي ببطء.

وتتميّز هذه التمارين بقدرتها على زيادة قوة العضلات وتحسين أدائها مع استهلاك طاقة أقل مقارنة بالتمارين التقليدية. كما أنها تُقلل الضغط الواقع على الجسم، ممّا يجعلها خياراً مناسباً لفئة واسعة من الأشخاص، بمن فيهم كبار السنّ ومرضى الأمراض المزمنة، نظراً إلى كونها أقل إجهاداً للقلب والرئتين.

وتشمل الأمثلة البسيطة لهذه التمارين التي يمكن ممارستها في المنزل: القرفصاء باستخدام الكرسي عبر الجلوس ببطء ثم الوقوف تدريجياً لتقوية عضلات الفخذين والأرداف، وخفض الكعبين من خلال الوقوف على أطراف الأصابع ثم إنزال الكعبين ببطء لتقوية عضلات الساقين، وتمارين الضغط على الحائط عبر دفع الجسم نحو الحائط ثم العودة ببطء لتقوية عضلات الصدر والذراعين بطريقة آمنة وسهلة. ويمكن أن تُحقّق هذه التمارين تحسينات صحية ملموسة في مدة لا تتجاوز 5 دقائق يومياً.

ورغم احتمال الشعور ببعض آلام العضلات في البداية، خصوصاً عند عدم الاعتياد عليها، فإنّ هذه التمارين لا تتطلّب الألم لتحقيق الفائدة الصحية.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة إديث كوان، الدكتور كين نوساكا، إنّ الاعتقاد بأنّ التمرين يجب أن يصل إلى حد الإرهاق الكامل يُثني كثيرين عن ممارسة النشاط البدني بانتظام.

وأضاف نوساكا، عبر موقع الجامعة: «بدلاً من ذلك، ينبغي التركيز على التمارين اللامركزية التي تُحقّق نتائج أقوى بجهد أقل بكثير من التمارين التقليدية، ومن دون الحاجة حتى إلى صالة رياضية، ممّا يجعلها عملية وسهلة الاستمرار».