سبيل غصوب: ذهبت للبحث عن تاريخ عائلتي في قبو البيت الباريسي

«بيروت على السين» فتحت باب جائزة «غونكور» لمرشح لبناني شاب

سبيل غصوب (تصوير: باتريس نورمان)
سبيل غصوب (تصوير: باتريس نورمان)
TT

سبيل غصوب: ذهبت للبحث عن تاريخ عائلتي في قبو البيت الباريسي

سبيل غصوب (تصوير: باتريس نورمان)
سبيل غصوب (تصوير: باتريس نورمان)

من المفاجآت غير المتوقعة، فوز الكاتب اللبناني - الفرنسي، الشاب سبيل غصوب (33 عاماً)، في تصفية المرحلة الأولى لجائزة «غونكور» الأدبية الرفيعة، عن روايته «بيروت على السين»، الصادرة عن «دار ستوك» في باريس. وتضم اللائحة 15 اسماً، يعلن عن اختيار 4 من بينها في شهر 25 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وللمصادفة أن ذلك سيكون في بيروت هذه السنة، ضمن «مهرجان كتب بيروت»، الذي ينظمه «المعهد الفرنسي» في لبنان، بديلاً عن «معرض الكتاب الفرنكوفوني» المعتاد، ويحضره ما يقارب 50 كاتباً بالفرنسية. أما اسم الفائز النهائي في «غونكور»، أرقى جائزة أدبية فرنسية، فيعلن عنه يوم الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
لكن غصوب يقول، إنه بكى، حين علم باختياره، وبكت أمه معه التي كانت مع والده في لبنان، وأعلمها بالنبأ عبر الهاتف. فالقصة هي قصتها مع زوجها الكاتب قيصر غصوب، وتلك الرحلة إلى باريس للدراسة عام 1975 التي تحولت إلى هجرة قسرية بسبب الحرب التي اشتعلت، ويبدو أنها لم تنته إلى الآن. لم يتمكن الزوجان، رغم محاولاتهما الحثيثة، من تحقيق رغبتهما في العودة النهائية، وبقيت غصة البعد عن الوطن متأججة، حملها الابن، كمن يمسك جمراً. يقول سبيل غصوب لـ«الشرق الأوسط»: «أردت هذا الكتاب، تحية لوالديّ، ولكن أيضاً وددت أن أفهم من خلاله ما عاشاه أثناء سنوات الحرب، وهما في فرنسا، بعيدان عن عائلتيهما. بماذا كانا يفكران؟ كيف اجتازا تلك السنوات الصعبة؟ هذا الجزء من حياتهما، بقي طي الكتمان، لأنهما لزما حياله الصمت التام. أردت أن أفهم، أن أدعهما يتحدثان، يرويان، تلك التجربة التي لا أعرف عنها شيئاً».

اللغة والمنفى

تبدأ رواية «بيروت سور سين» أو «بيروت على السين» بعبارة من الأب الذي يقول لولده «تريدني أن أروي لك قصة حياتي بالعربية أم بالفرنسية؟» طلب الابن من والديه أن يتكلما. هو لا يعرف عما عليه أن يسأل. بل هو يفضل أن يدعهما يسترسلان كيفما شاءا. فالأمر في غاية الحساسية، وهو لا يريد أن يتسبب لهما بألم هما بغنى عنه. يرتبكان صحيح، لكن الكلام يجرّ الكلام، وتنساب خيوط الحكاية.
يقول غصوب في حديثه معنا «كان والداي يبكيان أحياناً، ويضحكان أحياناً أخرى، وهما يقصان مسار حياتهما». والحقيقة، أن الكتاب بقدر ما يمكن أن يبعث الحزن في النفس، مكتوب بأسلوب ساخر وظريف، يعكس روح النكتة داخل عائلة فكهة، نعيش معها يومياتها، وتقلباتها. ولا يتوانى الكاتب عن تطعيم جمله ببعض العبارات اللبنانية، حين يرى ذلك أدعى لإعطاء الجمل هويتها ونكهتها.
ندخل في حميمات الأسرة، الوالد الشاعر، المسرحي، الصحافي، الأم التي تعمل في غاليري للفن، وتنقل لأبنائها هذا الشغف بأرض الأجداد، بمسلكها، بالوجبات اللبنانية، وشتلات زرعتها على بلكونتها الصغيرة، بمجموعات «الواتساب» التي تضم واحدتها أكثر من 100 شخص من العائلة، تبقى على تواصل معهم، رغم الهجرة والشتات.

اختلاط الخاص بالعام روائياً

القصة تخرج من العائلي لتختلط فيها تعقيدات التركيبة السياسية اللبنانية، وبشاعة الانقسامات الآيديولوجية، من خلال قريب يقاتل من أجل استعادة فلسطين، وقريب ثانٍ، من جهة أخرى يقاتل مع «حزب الكتائب»، ولا يرى عدواً خطراً من الفلسطينيين على بلده. جزء من العائلة في باريس، بينما جزء آخر يقرر أن يعيش الحرب في لبنان. ثم تأخذنا القصة إلى امتداد هذه الصراعات إلى فرنسا نفسها، والانفجارات المتفرقة التي شهدتها باريس في الثمانينات من القرن الماضي، حيث يبدو أن الحرب تطارد العائلة وتحاصرها حتى في مهجرها. باستثناء دروس الوالد في اللغة العربية التي بقيت ثقيلة على القلب، انتظر غصوب إقامته في لبنان، ليتعلم جيداً، ما كان صعباً من دون مراس.
هذا هو العمل الثالث لسبيل غصوب، وجميعها تدور حول لبنان. بعد رواية «بيروت بين قوسين» و«الأنف اليهودي»، جاءت «بيروت على السين»؛ مما يستدعي السؤال حول سبب تركيز الكاتب على لبنان، رغم أنه مولود في فرنسا، وعاش وتعلم هناك؟ يقول «عاش والداي عمرهما كله في فرنسا، وهما ينتظران العودة إلى لبنان، لكن ذلك الحلم لم يتحقق. نقلا إلى هذه الرغبة الجارفة، حملتها في نفسي كما فيروس، لا أستطيع الفكاك منه. علينا إذن، أن نصلح البلد لنتمكن من العودة إليه، لعلنا بالكتابة نفهم أكثر، نتمكن من فعل شيء». ولكن هل ستستمر في الكتابة عن لبنان؟ «كل ما أعرفه أن كتبي الثلاثة المقبلة، لن تكون عن لبنان، ولكنه سيكون حاضراً في شخصية، في فصل أو مقطع، وليس المحور الرئيس».

البساطة سرّ الدماثة

قصة «بيروت على السين» سحرها، في بساطتها، في التفاصيل الحميمة الدافئة لعائلة لبنانية، التي يقصها الابن/الراوي، ليحدثنا عن مأكلها، مزاحها، قلقها، رغباتها، وقوتها في التغلب على سوداويتها. هي تفاصيل جمعها غصوب على مدار سنوات، من مصادر متعددة. فما باح به الوالدان، وسجله الابن من أحاديث على مدار ست سنوات، مع أنه كثير، لم يكفه وحده. يذكر لنا «ذهبت للبحث عن حكاية عائلتي في قبو المبنى الذي يسكنون فيه. هناك حيث يحتفظون بالكتب والصور والصحف والأوراق والرسائل، قضيت وقتاً طويلاً أنبش عن حكاية أهلي، التي هي أيضاً حكاية لبنانيين كثر. حملت نحو 20 صندوقاً كبيراً من القبو إلى بيتي، أنظر حولي، لا أعرف ما أفعل بكل هذا الأرشيف، الذي يحيط بي، طوال الوقت. هل معرض؟ هل كتاب؟».
حين حلت ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019 في لبنان، ركب سبيل الطائرة مسرعاً إلى لبنان، ليكتب، ليشارك ويرى بأم العين ما يحدث. رجع بعد عشرين يوماً إلى باريس، وفي نيته تأليف كتاب عن مشاهداته وتجربته هذه. عما رأى، لكنه اقتنع في النهاية أنه ليس الشخص المناسب للكتابة في الموضوع. ثمة من يعايشون التطورات عن قرب، أكثر منه. ثم قرر كتابة رواية تحكي ما دار في رأس وليد جنبلاط عندما اغتيل والده وما جال في وجدانه من خواطر بعدها على مدار سنين. يقول غصوب «حين أرسلت ما يزيد على 150 صفحة كتبتها، لأستشير أحد أصدقائي في لبنان، وأعرف رأيه، قال لي: ولماذا تكتب عن هؤلاء السياسيين الذين دمروا حياتنا ولا يزالون؟ لنحكِ قصتنا نحن، لا قصصهم هم. حينها فكرت بأهلي، وكيف تألموا وهم يتابعون الحرب الأهلية عن بعد، تماماً، كما كنت أعتصر وأنا أتابع الثورة على مسافة من لبنان».

ماذا أكتب في ظل الثورة؟

شرع حينها، في كتابة قصة شاب، يكتشف الحرب من خلال الأهل ورواياتهم، ويكون بفضل حكاياهم روايته الذاتية. «نحو ثلاث سنوات وأنا أجري مقابلات مع والدي وأسجل. تركت لهما حرية الكلام عما يريدانه، والسكوت عما يحبان الاحتفاظ به». «شخصياً لم أكن أرغب في كتابة نص درامي، حزين، يثقل القلب، بل على العكس، أردت للفيلم، أن يكون ظريفاً مضحكاً ومسلياً، وقد بذلت جهداً كبيراً لأجل ذلك».
كم هائل من المعلومات، عشرات الساعات من المقابلات، كل تفصيل يبدو غالياً ومهماً من الصعب الاستغناء عنه، لكن في النهاية، كان لا بد من الاختيار. «أكتب بالفرنسية، وعليّ أن، آخذ في عين الاعتبار، أن القارئ الفرنسي، لا يملك بالضرورة كل الخلفيات التي لدي. بعد أن كتبت الرواية وضمنتها معلومات عن مختلف الميليشيات التي تواجدت أثناء الحرب، طلب مني ناشري أن أحذفها، وأبسّط الفكرة».

الواقع والتخييل

يصرّ سبيل غصوب، على أن يصف عمله بأنه رواية، رغم أنه في بداية الكتاب، يعرفنا بشخصياته، كل أفراد العائلة في القصة يحتفظون بأسمائهم الحقيقية، نقع عن وقائع نعرف أنها حدثت بالفعل، أسماء شوارع، شخصيات معروفة كما جورج إبراهيم عبد الله. أين التخييل في «بيروت على السين»؟ نقرأ مثلاً عن علاقة الصداقة التي ربطت الوالد بالرسام الراحل شفيق عبود في باريس، عن الشاعر جوزف حرب الذي كان إلى جانب الوالد يوم زفافه. في رأي سبيل «بقدر ما أوهم القارئ بأنني أنقل له الواقع، وأغريه بأن يصدقني، أكون قادراً على أن أفعل ما أشاء، أن أملأ المساحات التي أريد بالخيال، والحس الروائي. وأنا أحب أن ألعب هذه اللعبة». هي رواية إذن؛ لأنك مُحال أن تتمكن من رواية الواقع، لأن لكل طريقته في رؤية الحقيقة، وقص الحكاية، «والحرب، كل فيها يقدم روايته الخاصة حولها، بحيث تتعدد الروايات بتعدد النصوص».
لم يصدّق سبيل، أن روايته اختيرت بين الروايات الـ15على لائحة «غونكور»، صحيح أن الأسماء ستخضع للغربلة، وأن المنافسة قوية وليست بسهلة، لكن يكفي أن يكون في مثل هذا العمر الصغيرة، وتكون روايته عن لبنان، ويتم اختيارها لجائزة فرنسية أدبية مرموقة، لا، بل هي الأهم أدبياً.
إن لم يصل سبيل إلى «غونكور»، فلا بأس أيضاً أن يفوز بـ«غونكور» الطلبة التي يتم التصويت عليها في المدارس الثانوية، بعد قراءة النصوص التي اختارتها اللجنة. سبيل غصوب، فاز على أي حال، فهذا الاختيار، لفت الأنظار إلى موهبة صاعدة. «الجائزة أهميتها، أنها تزيد من مبيع الكتاب، وتمنحني الراحة المادية التي تفسح لي فرصة الكتابة، دون الحاجة إلى البحث عن تمويل».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.