الغرب يسعى لكسب الوقت في «النووي» الإيراني لغياب الخيار البديل

لقاء مرتقب بين الرئيسين الفرنسي والإيراني على هامش الجمعية العامة في نيويورك

مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (رويترز)
مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (رويترز)
TT

الغرب يسعى لكسب الوقت في «النووي» الإيراني لغياب الخيار البديل

مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (رويترز)
مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (رويترز)

(تحليل إخباري)
مع انطلاق أسبوع القادة والرؤساء في الجمعية العامة للأمم المتحدة بدءاً من يوم الاثنين المقبل، يعود الملف النووي الإيراني إلى واجهة اهتمامات الدبلوماسية الدولية. ورجحت مصادر رئاسية فرنسية عقد اجتماع بين الرئيس إيمانويل ماكرون الذي سيصل إلى نيويورك يوم الاثنين، ونظيره الإيراني إبراهيم رئيسي، الذي أكدت الحكومة الإيرانية توجهه إلى نيويورك. وبالتأكيد لن يكون هذا اللقاء الوحيد، وسبب انعدام الرؤية هو التداخل بين جنازة الملكة إليزابيث الثانية وانطلاق أعمال الجمعية العامة التي توفر أعمالها، علاوة على وجود كثير من زعماء العالم حضورياً، فرصة استثنائية للتشاور بين رؤساء الدول والحكومات في كيفية إخراج الملف النووي من عنق الزجاجة.
وأهمية اللقاءات المرتقبة أنها تأتي بعد فشل الوساطة التي يقوم بها الاتحاد الأوروبي ممثلاً برئيس دبلوماسيتها جوزيب بوريل ومساعده إنريكي مورا. واعترف بوريل، أول من أمس، بأن مواقف الطرفين الإيراني والأميركي «تباعدت» بدءاً من هذا الصيف، وأن المقترحات الإيرانية الأخيرة - أي رد طهران الثاني على ورقة التسوية الأوروبية التي قدمها بوريل في الثامن من أغسطس (آب) - «لم تساعد»، لأنها «حملت مقترحات جديدة، ولأن البيئة السياسية لم تعد ملائمة». ولذا، عبر بوريل عن «أسفه»، ونبه بأنه «لا يتعين توقع حصول اختراق (في المفاوضات) بالأيام المقبلة»، لا بل الوصول إلى «طريق مسدود».
وتعبيراً عن خيبته الكبرى بعد أسابيع من توقعه الوصول إلى إحياء الاتفاق النووي بعد الردود الأولى على ورقته إلى وصفها بـ«المعقولة»، قال بوريل: «لم يعد لدي شيء أقترحه». ويحمل الغربيون مسؤولية الفشل لإيران. وقالت المصادر الفرنسية إن طهران «لم تلتقط المقترح الذي كان مطروحاً على الطاولة»، مضيفة أن التركيز اليوم «على كيفية إنجاح المفاوضات وسوف نستخلص النتائج لاحقاً».
- الثلاثي الأوروبي
كان الأوروبيون الثلاثة (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) قد وصلوا قبل موريل إلى الاستنتاج عينه في بيانهم المشترك الذي أعلنوا فيه، أنهم قدموا «الحد الأقصى من الليونة» التي يمكن إظهارها في المفاوضات والتساهل مع إيران. وخلص الثلاثة إلى «التشكيك» في رغبة إيران حقيقة بالتوصل إلى اتفاق ما يستبطن الظن بأنها، كما تقول مصادر أوروبية، «تفاوض من أجل التفاوض» وهدفها الأول «كسب الوقت». كذلك، فإن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن بدا بالغ التشاؤم بقوله إنه «من غير المرجح أن تلوح آفاق حل في المدى القصير». وبنظره، فإن إيران «إما غير عازمة أو غير قادرة على اتخاذ الخطوات اللازمة للتوصل إلى اتفاق». وقبل بلينكن، وصل المستشار الألماني أولاف شولتز إلى الخلاصة نفسها، أي المستبعدة لتحقيق اختراق على المدى القريب. وذهب الباحث الفرنسي في الشأن الاستراتيجي برونو تيرتريه إلى اعتبار ما هو حاصل بأنه «ملحمة المفاوضات اللامتناهية».
إزاء المستنقع الذى غرقت فيه الوساطة الأوروبية وتبادل الطرفين الرئيسيين (واشنطن وطهران) الاتهامات بالمسؤولية عن فشلها، تشير مصادر أوروبية إلى عدة عناصر تدفع كلها باتجاه الاعتقاد بأن أي طرف لم يدفن بشكل قطعي المسار التفاوضي أو حتى لم يشِر إلى تجميده أو الخروج منه. واللافت أن بوريل كما بلينكن وشولتز وغيرهم، شددوا على انعدام أفق تفعيل الاتفاق النووي «على المدى القريب» أو «في الأيام المقبلة»، ما يترك الباب مفتوحاً أمام العودة إلى تفعيل التفاوض لاحقاً. ويربط الوسيط الأوروبي ذلك بالوضع السياسي الداخلي الأميركي، أي بالانتخابات النصفية الأميركية التي تضيف إليها المصادر الأوروبية الانتخابات التشريعية الإسرائيلية. وكلتا العمليتين الانتخابيتين ستحصل في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ما يعني عملياً أن تنشيط المسار التفاوضي مجدداً، عبر طرح أفكار مبتكرة، لا يتعين حصوله قبل نهاية العام الحالي. من هنا، فإن المصادر الأوروبية ترى أن كل الأطراف بحاجة اليوم إلى الإبقاء على «شعرة معاوية» التفاوضية من أجل كسب الوقت وتمرير الاستحقاقات المقبلة.
- أدلة إضافية
ثمة عدة أدلة إضافية تدفع في هذا الاتجاه، أولها أن مجلس محافظي وكالة الطاقة الذرية الدولية اختار الاكتفاء ببيان يدعو إيران إلى الاستجابة لطلبات الوكالة الخاصة بإلقاء الضوء على ثلاثة مواقع نووية غير معلنة، عثر فيها المفتشون الدوليون على آثار يورانيوم مخصب. وبيان المجلس الذي حاز على دعم ثلثي أعضائه، لا قيمة قانونية له، وهو يعد تراجعاً عن الموقف الذي تم تبنيه بالتصويت في شهر يونيو (حزيران) الماضي.
وتم الاكتفاء في البيان الجديد بالتذكير بقرار المجلس السابق والتأكيد على مضمونه المندد بانعدام تعاون إيران إلى جانب تهديد مضمر بالذهاب أبعد من ذلك. والمغزى من «خيار الحد الأدنى» أن المعسكر الغربي حرص على عدم استثارة طهران ومنعها من اللجوء إلى تدابير ثأرية مثل تعمية باقي كاميرات المراقبة التابعة للوكالة في المواقع النووية، خصوصاً المحافظة على احتمال العودة إلى التفاوض في مرحلة لاحقة. وتعني هذه المقاربة أن الغربيين ربحوا عدة أشهر إضافية لمعالجة ملف بالغ التعقيد ضاعفت الحرب الروسية على أوكرانيا وما يستتبعها من أزمات اقتصادية ومالية وطاقوية من تعقيداته.
وتشير المصادر الأوروبية إلى أن ضعف الموقف الغربي اليوم مرده إلى «غياب الخطة البديلة» عن المفاوضات المتعثرة. ولدى المعسكر المذكور القناعة التامة بأن إيران تسعى، من جانبها، لكسب الوقت وللدفع ببرنامجها النووي إلى الأمام. ومن عناصر هذه القناعة أن بعض المطالب الإيرانية كان الغرض منها إطالة المفاوضات وتعقيدها وإغراقها في المتاهات.
- «التكتيك» الإيراني
وثمة مثلان واضحان على التكتيك التفاوضي الذي اتبعه الوفد الإيراني في فيينا ولاحقاً في الدوحة أو عبر التواصل غير المباشر عبر الوسيط الأوروبي، أوله مطلب شطب الحرس الثوري من لائحة المنظمات الإرهابية الخاصة بالخارجية الأميركية. وبعد التركيز الإيراني على ذلك طيلة أسابيع، اعترفت طهران لاحقاً بأنه لم يكن «أبداً شرطاً مسبقاً». والحال عينه بخصوص مطلب الحصول على ضمانات قانونية أميركية ملزمة تمنع الإدارات المقبلة من الخروج مجدداً من الاتفاق، إذ إنه بعد أسابيع من النقاشات، اعترف المفاوض الإيراني بأن طلباً كهذا لا يمكن تلبيته لأسباب قانونية وسياسية أميركية داخلية، فكان أن تراجع عنه.
خلف تعقيدات المفاوضات وبسبب الوقت المتاح، كان البرنامج النووي الإيراني يحقق قفزات متتالية، إن من حيث نسبة الإشباع أو لجهة مراكمة كميات اليورانيوم المخصب أو تقليص الفترة الزمنية الضرورية لجمع ما يكفي من اليورانيوم عالي التخصيب لتصنيع القنبلة الذرية في حال عزمت طهران الحصول عليها. والحال اليوم أن ضعف الموقف الغربي مرده لغياب خطة بديلة ذات صدقية. وفيما أخذت تسمع أصوات أوروبية تطالب ببلورة مسار «بديل» عن مفاوضات بان حتى اليوم عقمها. وفي السياق عينه، فإن الرئيس بايدن طالب إدارته بتوفير «خيارات بديلة» لتعامل الولايات المتحدة. ولكن في غياب البديل في الوقت الحاضر، والحرص على إبقاء المسار التفاوضي حياً، والامتناع، راهناً، عن اللجوء إلى الخيار العسكري، فإن الغرب بحاجة لمزيد من الوقت. وفي هذا السياق، نقلت صحيفة «لو فيغارو» في عددها ليوم 12 الحالي، عن دبلوماسي فرنسي قوله إن ما يسعى إليه المفاوضون الأوروبيون «كسب بعض الوقت، عاماً أو عامين»، وإنه «من الأفضل التوصل إلى اتفاق الممكن، من البقاء دون اتفاق، لأن هذا يعني القفز إلى المجهول».


مقالات ذات صلة

«الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

شؤون إقليمية «الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

«الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التقارير بشأن إعادة وضع كاميرات مراقبة في إيران، في سياق الاتفاق الأخير بين مدير الوكالة التابعة للأمم المتحدة والمنظمة الإيرانية للطاقة الذرية. وقال فريدريك دال، المتحدث باسم الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية، أمس، إن «العمل جار» دون تحديد عدد الكاميرات أو المواقع التي وصلتها الوكالة الدولية. وأفادت «جمعية الحد من التسلح» التي تراقب امتثال لدول لمعاهدة حظر الانتشار النووي ومقرها واشنطن، بأن الوكالة الدولية بدأت في إعادة تركيب كاميرات المراقبة في بعض منشآت إيران التي تقترب من عتبة الأسلحة النووية. وتوصل غروسي في طهران بداية مارس

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شؤون إقليمية أنباء عن إعادة كاميرات المراقبة «الأممية» في منشآت نووية إيرانية

أنباء عن إعادة كاميرات المراقبة «الأممية» في منشآت نووية إيرانية

أفادت «جمعية الحد من التسلح» بأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدأت في إعادة تركيب كاميرات المراقبة في بعض المنشآت النووية الإيرانية بموجب الاتفاق الأخير بين مدير الوكالة رافائيل غروسي، وإيران التي تقترب من عتبة الأسلحة النووية. وتوصل غروسي طهران في بداية مارس (آذار) إلى اتفاق مع المسؤولين الإيرانيين بشأن إعادة تشغيل كاميرات المراقبة في مواقع نووية عدة وزيادة عمليات التفتيش في منشأة فوردو. وتسبب الاتفاق في تفادي مجلس محافظي التابع للوكالة الدولية إصداراً جديداً يدين طهران بسبب عدم تجاوبها مع مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خصوصاً تلك المتعقلة بالتحقيق في ثلاثة مواقع سرية، عثر فيها على آثا

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شؤون إقليمية الكشف عن «فوردو»... أبرز تسريبات مسؤول أعدمته إيران بتهمة التجسس

الكشف عن «فوردو»... أبرز تسريبات مسؤول أعدمته إيران بتهمة التجسس

بعد نحو 5 أشهر على إعدام علي رضا أكبري، النائب السابق لوزير الدفاع الإيراني، على خلفية اتهامه بالتجسس لصالح بريطانيا، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مصادر إسرائيلية وإيرانية أن المسؤول السابق «كان جاسوساً غير متوقع» بسبب ولائه الشديد للنظام، لكنه لعب دوراً رئيسياً في الكشف عن منشأة فوردو التي ضمت أنشطة سرية لإيران قبل أن تعترف طهران بوجود موقع تخصيب اليورانيوم الواقع تحت الأرض في عام 2009. وأعدم أكبري (62 عاماً)، الذي يحمل الجنسية البريطانية، فجر 14 يناير (كانون الثاني)، بعد ثلاثة أيام من تسريب قضية اعتقاله لوسائل الإعلام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية موسكو تُحمل الغرب تعثر إحياء «الاتفاق النووي»

موسكو تُحمل الغرب تعثر إحياء «الاتفاق النووي»

حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمس من ضياع فرص إحياء الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وحمّل الغرب مسؤولية تعثر المفاوضات. وقال لافروف خلال مؤتمر صحافي في نيويورك أمس: «سيكون من الخطأ الفادح تفويت فرصة استئناف خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن برنامج إيران النووي»، وحمّل «تصرفات الغرب» المسؤولية إذ قال «في هذه المرحلة، لا يعتمد استئناف الاتفاق، على إيران أو روسيا أو الصين... الذين دمروه يجب عليهم إعادته إلى الحياة الآن». وانتقد لافروف «متطلبات جديدة لم يتم ذكرها في المسودة الأولى للاتفاق». وأضاف «لنفترض أنه تم التوصل إلى اتفاق لاستئنافه منذ فترة طويلة.

شؤون إقليمية عبداللهيان يتحدث عن «مبادرات» لاستئناف مفاوضات «النووي»

عبداللهيان يتحدث عن «مبادرات» لاستئناف مفاوضات «النووي»

أعلن وزير الخارجية الإيراني أمير حسين عبداللهيان، أمس أن بلاده تلقت أفكاراً بشأن مفاوضات إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 عن إيران، معرباً عن امتنانه للدور البناء لسلطان عمان ونواياه الصادقة في هذا الصدد. وفي اليوم الثاني لزيارته إلى عمان التي اختتمها أمس متوجهاً إلى بيروت، قال عبداللهيان عقب لقائه مع نظيره العماني إن مسقط «تلعب دائماً دوراً بناء» في محادثات النووية، وأضاف «قد أجرينا المشاورات اللازمة في هذا الصدد». وفي وقت لاحق، نقلت وكالة الأنباء العمانية عن عبداللهيان القول إن سلطنة عُمان لديها «مبادرات جدية» فيما يخص الملف النووي الإيراني «ستسهم» في عودة المفاوضات. وذكرت وزارة الخارجية العما

ميرزا الخويلدي (مسقط)

نتنياهو: جيشنا سيبقى في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية بعمق 10 كم

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

نتنياهو: جيشنا سيبقى في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية بعمق 10 كم

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، إن وقف إطلاق النار مع لبنان يمثل فرصة لـ«سلام تاريخي»، مشدداً على مطلبه بنزع سلاح «حزب الله» كشرط مسبق لأي اتفاق. وصرّح نتنياهو: «لدينا فرصة للتوصل إلى اتفاق سلام تاريخي مع لبنان»، موضحاً أن القوات الإسرائيلية «ستبقى في الجنوب (اللبناني) ضِمن منطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن، الخميس، أن نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون اتفقا على وقف لإطلاق النار لمدة عشرة أيام يبدأ الخميس عند الساعة 21:00 بتوقيت غرينتش، مشيراً إلى أن هذا الاتفاق «سيشمل (حزب الله)» المدعوم من إيران.


ترمب: يبدو أننا سنتوصل إلى اتفاق مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
TT

ترمب: يبدو أننا سنتوصل إلى اتفاق مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في حديث إلى الصحافيين في البيت الأبيض: «يبدو أننا سنتوصل إلى اتفاق مع إيران» ينهي ستة أسابيع من الحرب.

وأضاف أن «الاجتماع التالي مع إيران قد يُعقَد مطلع الأسبوع المقبل»، لافتاً إلى أن إيران «مستعدّة، اليوم، لفعل أمور رفضتها بالأمس»، كاشفاً أنها وافقت على تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصّب بقوله: «وافقوا على إعادة الغبار النووي إلينا». وأكمل: «لدينا تصريح، تصريح ‌قوي للغاية بأنهم لن يملكوا ⁠أسلحة ⁠نووية لمدة تزيد عن 20 عاما».

وفيما أكد تحقيق «تقدم كبير» في السعي إلى حل، استدرك أنه ليس «متأكداً مما إذا كان يتعين تمديد وقف إطلاق النار» مع طهران.

وأوضح أنه ​إذا ‌تم ⁠التوصل ​إلى اتفاق ⁠مع إيران ⁠والاتفاق على ‌توقيعه ‌في ​إسلام ‌أباد، فإنه ‌قد يذهب ‌إلى العاصمة الباكستانية، مشيرا إلى ⁠أن إيران ⁠وافقت على كل شيء تقريباً.

وجزم بأن «الحصار الأميركي لمضيق هرمز صامد على نحو جيد»، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».

وتطرّق الرئيس الأميركي إلى إعلانه هدنة 10 أيام بين إسرائيل ولبنان، موضحاً أن وقف إطلاق النار «سيشمل (حزب الله)».

وتناول موضوع السجال الكلامي مع الفاتيكان بقوله إن «على البابا ليو أن يدرك أن إيران تشكل تهديداً للعالم».


دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
TT

دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)

نقلت صحف إصلاحية، الخميس، عن الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي دعوته إلى دعم مسار المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، بوساطة باكستانية، وتثبيت «المكاسب التي حققتها إيران بعد الحرب»، معتبراً أن البلاد باتت في موقع يتيح لها السعي إلى «سلام مستدام» رغم صعوبة المرحلة.

وقال خاتمي، خلال اجتماع مع مستشاريه، إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بعد أربعين يوماً من القتال والهجمات المكثفة على الموارد البشرية والعسكرية والاقتصادية والعلمية، أدخلت البلاد في «مرحلة جديدة»، مضيفاً أن هذا الواقع لا يمكن فهمه أو التعامل معه بالأدوات الذهنية والافتراضات السابقة.

وأضاف أن إيران، «بفضل المدافعين الشجعان وتضحيات الشعب الواعي»، تمكنت من إحباط ما وصفه بـ«حلم إسقاط نظامها السياسي واستقلالها ووحدة أراضيها وحضارتها التاريخية»، مضيفاً أن «الصمود» وضعها في «موقع عزة» يجعل الوصول إلى «سلام دائم»، رغم تعقيداته، «ليس بعيد المنال».

وشدّد خاتمي على أن السلام المستدام هو «الوجه الآخر للدفاع الشامل»، لكنه أكثر تعقيداً من الميدان العسكري، موضحاً أن السلام لا يقتصر على غياب الحرب، بل يحتاج إلى «حوارات حقيقية، ومفاوضات ذكية، واتفاقات معقولة». وقال إن الحوار في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعلى المستويين الداخلي والخارجي، يمثل بدوره شكلاً من أشكال الدفاع الفعال.

وأشار إلى أن مؤسسات الدولة والحكومة بدأت بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، مضيفاً أن «الأركان القانونية في البلاد شرعت في إجراءات مهمة، وأجرت المفاوضات اللازمة»، ومعتبراً أن «على الجميع أن يساعدوا في إنجاح هذه الجهود».

ورأى خاتمي أن الحرب أظهرت بوضوح مواقف القوى والتيارات من مسألة السلام، ومنحت صورة أوضح عن الجهات الداعمة له والجهات المنخرطة في تأجيج الحرب. كما قال إن مفكرين ومراكز أبحاث ووسائل إعلام وحكومات عدة باتت تتحدث بوضوح عن فشل الاستراتيجيات الأميركية والإسرائيلية القائمة على الحرب والتصعيد.

وأضاف أن تراجع هذا النهج، إلى جانب التأثير المتزايد للحرب على الاقتصاد العالمي، وضع إيران في موقع يمكنها من امتلاك هامش أوسع بعد الحرب، ليس في إدارة المواجهة فقط، بل أيضاً في الإسهام في تثبيت سلام إقليمي ودولي.

وأعرب خاتمي عن اعتقاده أن البلاد دخلت مرحلة «أكثر حساسية»، تستوجب «تجنب الاندفاع والتطرف، والعمل على تثبيت النجاحات العسكرية والسياسية الراهنة»، فضلاً عن قراءة دقيقة لاحتياجات المجتمع ومتطلبات ما بعد الحرب والتحولات الاقتصادية والسياسية الدولية.

ودعا إلى التوجه نحو مستقبل يبعد شبح الحرب والتهديد عن إيران، ويتيح مشاركة جميع المواطنين، وخصوصاً النخب والمفكرين والشرائح المختلفة، في إعادة بناء البلاد على أسس الحرية والاستقلال والازدهار.

وشدّد خاتمي على أن دعم المفاوضات يمثل أولوية في هذه المرحلة، وأن الحفاظ على المكاسب الحالية يمر عبر إدارة هادئة وعقلانية للمرحلة المقبلة، بما يعزز فرص الوصول إلى تسوية مستقرة.

الحفاظ على السرية

وعكست الصحف الإيرانية الصادرة، الخميس، تبايناً في مقاربة ملف الحرب والمفاوضات مع الولايات المتحدة، بين دعوات إلى الحفاظ على السرية، واعتبار فشل محادثات إسلام آباد موقفاً أفضل من التوصل إلى اتفاق، وانتقادات لضعف إدارة المعلومات الموجهة إلى الرأي العام.

وكتب حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان»، أن جميع الأنظمة الحاكمة «لديها أسرار وخفايا لا يمكن كشفها ويجب أن تبقى مخفية»، معتبراً أن حجب بعض المعلومات لا يعني استبعاد الناس، بل يهدف إلى إبقاء أسرار الدولة بعيداً عن الخصوم ومنعهم من القيام بردود فعل استباقية.

وأضاف أن إجابة المسؤولين المعنيين بالحرب على بعض الأسئلة قد تؤدي إلى «كشف أسرار البلاد وتسبب مشكلات للنظام»، مشيراً إلى أن بعض القرارات قد تستند إلى «حسابات دقيقة وواقعية» لا يمكن إعلانها.

أما صحيفة «قدس»، التابعة لهيئة «آستان قدس رضوي» الخاضعة لمكتب المرشد الإيراني، فرأت أن فشل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد بدا «أفضل من أي اتفاق»، معتبرة أن الوفد الإيراني واجه «المطالب المفرطة» للجانب الأميركي وتمسك بمصالح البلاد.

وقالت الصحيفة إن إيران «لا تملك خياراً سوى إثبات وجودها وفرضه بقوة»، مضيفة أن ذلك لا يتحقق إلا عبر «المقاومة والاستعداد للمواجهة وتحميل العدو التكلفة». كما اعتبرت أن المفاوضات لا ينبغي أن تستهدف إنهاء النزاع، بل إدارة الصراع وتثبيت الوقائع والضغط المتبادل.

على الضفة الأخرى، انتقدت صحيفة «خراسان»، القريبة من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، طريقة إدارة المعلومات المرتبطة بالمفاوضات، مشيرة إلى وجود فجوة واضحة بين السلطات والرأي العام.

وقالت إن المشكلة الأساسية ليست في معارضة المجتمع لقرارات النظام، بل في «نقص المعلومات»، مضيفة أن المواطنين الذين أظهروا دعماً خلال «40 ليلة» ينتظرون معلومات دقيقة وسريعة، لا مجرد بيانات عامة.

وحذرت الصحيفة من أن الفراغ المعلوماتي يمكن أن يتحول سريعاً إلى قلق، ثم إلى فقدان للثقة إذا لم يعالج في الوقت المناسب، مشددة على ضرورة بناء رواية إعلامية واضحة للمفاوضات، تتولاها جهة واحدة تتمتع بالمصداقية والسرعة والخبرة الإعلامية، مع رسائل مفهومة وتوقيت واضح.

«تراجع واشنطن»

ورأت صحيفة «فرهيختغان»، المقربة من علي أكبر ولايتي، أن زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران تحمل دلالات تتجاوز الوساطة المباشرة بين واشنطن وطهران.

وبحسب الصحيفة، فإن منير بات، منذ إقصاء عمران خان، صاحب الدور الأبرز في إدارة الملفات الكبرى في باكستان، ولا سيما تلك المرتبطة بالتوازنات الدولية وانعكاسات التنافس بين الصين والولايات المتحدة على بلاده. ومن هذا المنطلق، فسّرت الصحيفة تحركه نحو طهران بوصفه جزءاً من موقع باكستان داخل هذا التنافس، وليس استجابة ظرفية فقط للأزمة الإيرانية - الأميركية.

وأضافت الصحيفة أن اختيار باكستان لتولي الوساطة بعد تراجع أدوار وسطاء إقليميين سابقين، مثل عُمان وقطر، يعكس تحولاً في بيئة التفاوض فرضته الحرب، كما يعكس، في تقديرها، صعوداً نسبياً للموقع الصيني في إدارة التوازنات الإقليمية، في مقابل تراجع هامش الحركة الأميركي.

وأشارت إلى أن إسلام آباد تحركت خلال الحرب في خط أقرب إلى بكين، سواء في مواقفها المعلنة أو في قبولها استضافة المفاوضات.

وفي هذا السياق، اعتبرت «فرهيختغان» أن مجرد عودة عاصم منير إلى طهران بعد جولة إسلام آباد تمثل، في أحد أوجهها، مؤشراً إلى «تراجع واشنطن» عن لهجة الإنذار التي حملها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، إذ كان قد قدم المقترح الأميركي عند مغادرته باكستان على أنه «العرض النهائي»، وأن على إيران قبوله أو رفضه.

وترى الصحيفة أن دخول منير مجدداً على خط الوساطة بعد ذلك يعني عملياً أن باب التفاوض لم يغلق، وأن الولايات المتحدة عادت إلى البحث عن مخرج عبر الوسيط الباكستاني، بما يوحي، من وجهة نظرها، بأن الضغط العسكري والحصار البحري لم يحققا حسماً سريعاً، وأن واشنطن اضطرت إلى العودة إلى مسار المراجعة والاتصال.