الغرب يسعى لكسب الوقت في «النووي» الإيراني لغياب الخيار البديل

لقاء مرتقب بين الرئيسين الفرنسي والإيراني على هامش الجمعية العامة في نيويورك

مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (رويترز)
مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (رويترز)
TT

الغرب يسعى لكسب الوقت في «النووي» الإيراني لغياب الخيار البديل

مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (رويترز)
مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (رويترز)

(تحليل إخباري)
مع انطلاق أسبوع القادة والرؤساء في الجمعية العامة للأمم المتحدة بدءاً من يوم الاثنين المقبل، يعود الملف النووي الإيراني إلى واجهة اهتمامات الدبلوماسية الدولية. ورجحت مصادر رئاسية فرنسية عقد اجتماع بين الرئيس إيمانويل ماكرون الذي سيصل إلى نيويورك يوم الاثنين، ونظيره الإيراني إبراهيم رئيسي، الذي أكدت الحكومة الإيرانية توجهه إلى نيويورك. وبالتأكيد لن يكون هذا اللقاء الوحيد، وسبب انعدام الرؤية هو التداخل بين جنازة الملكة إليزابيث الثانية وانطلاق أعمال الجمعية العامة التي توفر أعمالها، علاوة على وجود كثير من زعماء العالم حضورياً، فرصة استثنائية للتشاور بين رؤساء الدول والحكومات في كيفية إخراج الملف النووي من عنق الزجاجة.
وأهمية اللقاءات المرتقبة أنها تأتي بعد فشل الوساطة التي يقوم بها الاتحاد الأوروبي ممثلاً برئيس دبلوماسيتها جوزيب بوريل ومساعده إنريكي مورا. واعترف بوريل، أول من أمس، بأن مواقف الطرفين الإيراني والأميركي «تباعدت» بدءاً من هذا الصيف، وأن المقترحات الإيرانية الأخيرة - أي رد طهران الثاني على ورقة التسوية الأوروبية التي قدمها بوريل في الثامن من أغسطس (آب) - «لم تساعد»، لأنها «حملت مقترحات جديدة، ولأن البيئة السياسية لم تعد ملائمة». ولذا، عبر بوريل عن «أسفه»، ونبه بأنه «لا يتعين توقع حصول اختراق (في المفاوضات) بالأيام المقبلة»، لا بل الوصول إلى «طريق مسدود».
وتعبيراً عن خيبته الكبرى بعد أسابيع من توقعه الوصول إلى إحياء الاتفاق النووي بعد الردود الأولى على ورقته إلى وصفها بـ«المعقولة»، قال بوريل: «لم يعد لدي شيء أقترحه». ويحمل الغربيون مسؤولية الفشل لإيران. وقالت المصادر الفرنسية إن طهران «لم تلتقط المقترح الذي كان مطروحاً على الطاولة»، مضيفة أن التركيز اليوم «على كيفية إنجاح المفاوضات وسوف نستخلص النتائج لاحقاً».
- الثلاثي الأوروبي
كان الأوروبيون الثلاثة (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) قد وصلوا قبل موريل إلى الاستنتاج عينه في بيانهم المشترك الذي أعلنوا فيه، أنهم قدموا «الحد الأقصى من الليونة» التي يمكن إظهارها في المفاوضات والتساهل مع إيران. وخلص الثلاثة إلى «التشكيك» في رغبة إيران حقيقة بالتوصل إلى اتفاق ما يستبطن الظن بأنها، كما تقول مصادر أوروبية، «تفاوض من أجل التفاوض» وهدفها الأول «كسب الوقت». كذلك، فإن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن بدا بالغ التشاؤم بقوله إنه «من غير المرجح أن تلوح آفاق حل في المدى القصير». وبنظره، فإن إيران «إما غير عازمة أو غير قادرة على اتخاذ الخطوات اللازمة للتوصل إلى اتفاق». وقبل بلينكن، وصل المستشار الألماني أولاف شولتز إلى الخلاصة نفسها، أي المستبعدة لتحقيق اختراق على المدى القريب. وذهب الباحث الفرنسي في الشأن الاستراتيجي برونو تيرتريه إلى اعتبار ما هو حاصل بأنه «ملحمة المفاوضات اللامتناهية».
إزاء المستنقع الذى غرقت فيه الوساطة الأوروبية وتبادل الطرفين الرئيسيين (واشنطن وطهران) الاتهامات بالمسؤولية عن فشلها، تشير مصادر أوروبية إلى عدة عناصر تدفع كلها باتجاه الاعتقاد بأن أي طرف لم يدفن بشكل قطعي المسار التفاوضي أو حتى لم يشِر إلى تجميده أو الخروج منه. واللافت أن بوريل كما بلينكن وشولتز وغيرهم، شددوا على انعدام أفق تفعيل الاتفاق النووي «على المدى القريب» أو «في الأيام المقبلة»، ما يترك الباب مفتوحاً أمام العودة إلى تفعيل التفاوض لاحقاً. ويربط الوسيط الأوروبي ذلك بالوضع السياسي الداخلي الأميركي، أي بالانتخابات النصفية الأميركية التي تضيف إليها المصادر الأوروبية الانتخابات التشريعية الإسرائيلية. وكلتا العمليتين الانتخابيتين ستحصل في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ما يعني عملياً أن تنشيط المسار التفاوضي مجدداً، عبر طرح أفكار مبتكرة، لا يتعين حصوله قبل نهاية العام الحالي. من هنا، فإن المصادر الأوروبية ترى أن كل الأطراف بحاجة اليوم إلى الإبقاء على «شعرة معاوية» التفاوضية من أجل كسب الوقت وتمرير الاستحقاقات المقبلة.
- أدلة إضافية
ثمة عدة أدلة إضافية تدفع في هذا الاتجاه، أولها أن مجلس محافظي وكالة الطاقة الذرية الدولية اختار الاكتفاء ببيان يدعو إيران إلى الاستجابة لطلبات الوكالة الخاصة بإلقاء الضوء على ثلاثة مواقع نووية غير معلنة، عثر فيها المفتشون الدوليون على آثار يورانيوم مخصب. وبيان المجلس الذي حاز على دعم ثلثي أعضائه، لا قيمة قانونية له، وهو يعد تراجعاً عن الموقف الذي تم تبنيه بالتصويت في شهر يونيو (حزيران) الماضي.
وتم الاكتفاء في البيان الجديد بالتذكير بقرار المجلس السابق والتأكيد على مضمونه المندد بانعدام تعاون إيران إلى جانب تهديد مضمر بالذهاب أبعد من ذلك. والمغزى من «خيار الحد الأدنى» أن المعسكر الغربي حرص على عدم استثارة طهران ومنعها من اللجوء إلى تدابير ثأرية مثل تعمية باقي كاميرات المراقبة التابعة للوكالة في المواقع النووية، خصوصاً المحافظة على احتمال العودة إلى التفاوض في مرحلة لاحقة. وتعني هذه المقاربة أن الغربيين ربحوا عدة أشهر إضافية لمعالجة ملف بالغ التعقيد ضاعفت الحرب الروسية على أوكرانيا وما يستتبعها من أزمات اقتصادية ومالية وطاقوية من تعقيداته.
وتشير المصادر الأوروبية إلى أن ضعف الموقف الغربي اليوم مرده إلى «غياب الخطة البديلة» عن المفاوضات المتعثرة. ولدى المعسكر المذكور القناعة التامة بأن إيران تسعى، من جانبها، لكسب الوقت وللدفع ببرنامجها النووي إلى الأمام. ومن عناصر هذه القناعة أن بعض المطالب الإيرانية كان الغرض منها إطالة المفاوضات وتعقيدها وإغراقها في المتاهات.
- «التكتيك» الإيراني
وثمة مثلان واضحان على التكتيك التفاوضي الذي اتبعه الوفد الإيراني في فيينا ولاحقاً في الدوحة أو عبر التواصل غير المباشر عبر الوسيط الأوروبي، أوله مطلب شطب الحرس الثوري من لائحة المنظمات الإرهابية الخاصة بالخارجية الأميركية. وبعد التركيز الإيراني على ذلك طيلة أسابيع، اعترفت طهران لاحقاً بأنه لم يكن «أبداً شرطاً مسبقاً». والحال عينه بخصوص مطلب الحصول على ضمانات قانونية أميركية ملزمة تمنع الإدارات المقبلة من الخروج مجدداً من الاتفاق، إذ إنه بعد أسابيع من النقاشات، اعترف المفاوض الإيراني بأن طلباً كهذا لا يمكن تلبيته لأسباب قانونية وسياسية أميركية داخلية، فكان أن تراجع عنه.
خلف تعقيدات المفاوضات وبسبب الوقت المتاح، كان البرنامج النووي الإيراني يحقق قفزات متتالية، إن من حيث نسبة الإشباع أو لجهة مراكمة كميات اليورانيوم المخصب أو تقليص الفترة الزمنية الضرورية لجمع ما يكفي من اليورانيوم عالي التخصيب لتصنيع القنبلة الذرية في حال عزمت طهران الحصول عليها. والحال اليوم أن ضعف الموقف الغربي مرده لغياب خطة بديلة ذات صدقية. وفيما أخذت تسمع أصوات أوروبية تطالب ببلورة مسار «بديل» عن مفاوضات بان حتى اليوم عقمها. وفي السياق عينه، فإن الرئيس بايدن طالب إدارته بتوفير «خيارات بديلة» لتعامل الولايات المتحدة. ولكن في غياب البديل في الوقت الحاضر، والحرص على إبقاء المسار التفاوضي حياً، والامتناع، راهناً، عن اللجوء إلى الخيار العسكري، فإن الغرب بحاجة لمزيد من الوقت. وفي هذا السياق، نقلت صحيفة «لو فيغارو» في عددها ليوم 12 الحالي، عن دبلوماسي فرنسي قوله إن ما يسعى إليه المفاوضون الأوروبيون «كسب بعض الوقت، عاماً أو عامين»، وإنه «من الأفضل التوصل إلى اتفاق الممكن، من البقاء دون اتفاق، لأن هذا يعني القفز إلى المجهول».


مقالات ذات صلة

«الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

شؤون إقليمية «الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

«الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التقارير بشأن إعادة وضع كاميرات مراقبة في إيران، في سياق الاتفاق الأخير بين مدير الوكالة التابعة للأمم المتحدة والمنظمة الإيرانية للطاقة الذرية. وقال فريدريك دال، المتحدث باسم الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية، أمس، إن «العمل جار» دون تحديد عدد الكاميرات أو المواقع التي وصلتها الوكالة الدولية. وأفادت «جمعية الحد من التسلح» التي تراقب امتثال لدول لمعاهدة حظر الانتشار النووي ومقرها واشنطن، بأن الوكالة الدولية بدأت في إعادة تركيب كاميرات المراقبة في بعض منشآت إيران التي تقترب من عتبة الأسلحة النووية. وتوصل غروسي في طهران بداية مارس

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شؤون إقليمية أنباء عن إعادة كاميرات المراقبة «الأممية» في منشآت نووية إيرانية

أنباء عن إعادة كاميرات المراقبة «الأممية» في منشآت نووية إيرانية

أفادت «جمعية الحد من التسلح» بأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدأت في إعادة تركيب كاميرات المراقبة في بعض المنشآت النووية الإيرانية بموجب الاتفاق الأخير بين مدير الوكالة رافائيل غروسي، وإيران التي تقترب من عتبة الأسلحة النووية. وتوصل غروسي طهران في بداية مارس (آذار) إلى اتفاق مع المسؤولين الإيرانيين بشأن إعادة تشغيل كاميرات المراقبة في مواقع نووية عدة وزيادة عمليات التفتيش في منشأة فوردو. وتسبب الاتفاق في تفادي مجلس محافظي التابع للوكالة الدولية إصداراً جديداً يدين طهران بسبب عدم تجاوبها مع مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خصوصاً تلك المتعقلة بالتحقيق في ثلاثة مواقع سرية، عثر فيها على آثا

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شؤون إقليمية الكشف عن «فوردو»... أبرز تسريبات مسؤول أعدمته إيران بتهمة التجسس

الكشف عن «فوردو»... أبرز تسريبات مسؤول أعدمته إيران بتهمة التجسس

بعد نحو 5 أشهر على إعدام علي رضا أكبري، النائب السابق لوزير الدفاع الإيراني، على خلفية اتهامه بالتجسس لصالح بريطانيا، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مصادر إسرائيلية وإيرانية أن المسؤول السابق «كان جاسوساً غير متوقع» بسبب ولائه الشديد للنظام، لكنه لعب دوراً رئيسياً في الكشف عن منشأة فوردو التي ضمت أنشطة سرية لإيران قبل أن تعترف طهران بوجود موقع تخصيب اليورانيوم الواقع تحت الأرض في عام 2009. وأعدم أكبري (62 عاماً)، الذي يحمل الجنسية البريطانية، فجر 14 يناير (كانون الثاني)، بعد ثلاثة أيام من تسريب قضية اعتقاله لوسائل الإعلام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية موسكو تُحمل الغرب تعثر إحياء «الاتفاق النووي»

موسكو تُحمل الغرب تعثر إحياء «الاتفاق النووي»

حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمس من ضياع فرص إحياء الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وحمّل الغرب مسؤولية تعثر المفاوضات. وقال لافروف خلال مؤتمر صحافي في نيويورك أمس: «سيكون من الخطأ الفادح تفويت فرصة استئناف خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن برنامج إيران النووي»، وحمّل «تصرفات الغرب» المسؤولية إذ قال «في هذه المرحلة، لا يعتمد استئناف الاتفاق، على إيران أو روسيا أو الصين... الذين دمروه يجب عليهم إعادته إلى الحياة الآن». وانتقد لافروف «متطلبات جديدة لم يتم ذكرها في المسودة الأولى للاتفاق». وأضاف «لنفترض أنه تم التوصل إلى اتفاق لاستئنافه منذ فترة طويلة.

شؤون إقليمية عبداللهيان يتحدث عن «مبادرات» لاستئناف مفاوضات «النووي»

عبداللهيان يتحدث عن «مبادرات» لاستئناف مفاوضات «النووي»

أعلن وزير الخارجية الإيراني أمير حسين عبداللهيان، أمس أن بلاده تلقت أفكاراً بشأن مفاوضات إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 عن إيران، معرباً عن امتنانه للدور البناء لسلطان عمان ونواياه الصادقة في هذا الصدد. وفي اليوم الثاني لزيارته إلى عمان التي اختتمها أمس متوجهاً إلى بيروت، قال عبداللهيان عقب لقائه مع نظيره العماني إن مسقط «تلعب دائماً دوراً بناء» في محادثات النووية، وأضاف «قد أجرينا المشاورات اللازمة في هذا الصدد». وفي وقت لاحق، نقلت وكالة الأنباء العمانية عن عبداللهيان القول إن سلطنة عُمان لديها «مبادرات جدية» فيما يخص الملف النووي الإيراني «ستسهم» في عودة المفاوضات. وذكرت وزارة الخارجية العما

ميرزا الخويلدي (مسقط)

كاتس: لا مطلب أميركياً بالانسحاب من لبنان

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)
TT

كاتس: لا مطلب أميركياً بالانسحاب من لبنان

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)

قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الأربعاء، إنّ الولايات المتحدة لم تطلب سحب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، وذلك بينما أفيد بأنّ طهران تطالب بذلك في إطار المفاوضات مع واشنطن، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال كاتس في مقابلة خلال مؤتمر للقادة المحليين في تل أبيب: «لقد أعلنّا أننا على أي حال لن ننسحب، وحتى هذه اللحظة - وهذا إنجاز دبلوماسي - لا يوجد أي طلب أميركي من إسرائيل بالانسحاب من لبنان».

ورداً على سؤال عما إذا كان الجيش سيلتزم بطلب مماثل في حال حصوله، قال كاتس إنه أخبر نظيره الأميركي بيت هيغسيث، كما أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أخبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب «أننا موجودون هناك لحماية سكان الشمال».


اعتراضات الداخل الإيراني… هل تربك مسار التفاوض؟

إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)
TT

اعتراضات الداخل الإيراني… هل تربك مسار التفاوض؟

إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)

عكست مواقف عدد من الشخصيات والتيارات السياسية داخل إيران وجود اعتراضات وتحفظات على مسار التفاوض مع الولايات المتحدة، لكنها لم تصل حتى الآن إلى مستوى يهدد بإفشال المحادثات الجارية بين الجانبين.

وبعد أسابيع من الحرب التي اندلعت إثر الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، توصلت واشنطن وطهران إلى وقف لإطلاق النار في أبريل (نيسان)، قبل أن توقعا مذكرة تفاهم في 17 يونيو (حزيران). وأعقب ذلك جولة مفاوضات في سويسرا جمعت بين وفد إيراني برئاسة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووفد أميركي بقيادة نائب الرئيس جي دي فانس، بوساطة باكستانية وقطرية، في إطار مساعٍ للتوصل إلى اتفاق نهائي ينهي الحرب.

لكن مسار التفاوض لا يزال مرشحاً لمواجهة عقبات معقدة بعد حرب تركت تداعيات واسعة في أنحاء الشرق الأوسط، وأظهرت خلالها إيران قدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز، فيما أبقى الرئيس الأميركي دونالد ترمب خيار القوة العسكرية مطروحاً في حال تعثر المفاوضات.

ورغم أن التفاهم بين البلدين يمثل تطوراً نادراً في علاقة اتسمت بالعداء منذ تأسيس نظام الحكم الثيوقراطي في طهران إثر ثورة 1979، فقد واجه انتقادات من دوائر محافظة في الولايات المتحدة، كما أثار اعتراضات داخل إيران على التفاوض المباشر مع واشنطن.

ويقول محللون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن هناك تيارات سياسية تعارض تقديم تنازلات للولايات المتحدة أو الانخراط في مفاوضات مباشرة معها، لكن هذه القوى لا تبدو قادرة في الوقت الراهن على تعطيل المسار التفاوضي أو التأثير بصورة حاسمة في نتائجه.

إيراني يمر أمام صورة للمرشد مجتبى خامنئي في طهران غداة توقيع اتفاق إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة (إ.ب.أ)

«إجماع إيجابي»

ومع بدء تداول الأنباء عن التوصل إلى التفاهم، نظم عشرات الأشخاص في 13 يونيو تجمعاً محدوداً أمام وزارة الخارجية في مدينة مشهد، ورددوا شعارات مناهضة لقاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي اللذين يقودان المسار التفاوضي.

كما تحدثت تقارير عن تحفظات من بعض الشخصيات السياسية، من بينها المحافظ المتشدد سعيد جليلي، الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي وكبير المفاوضين النوويين السابق.

في المقابل، أكدت القيادة الإيرانية العليا دعمها للمفاوضات. وقال المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، في رسالة متلفزة غداة توقيع مذكرة التفاهم، إنه وافق على الاتفاق رغم أن لديه «وجهة نظر مختلفة»، مشدداً على أن التفاوض المباشر مع واشنطن لا يعني القبول بمطالبها أو التنازل أمامها.

ولم يظهر خامنئي علناً منذ انتخابه في مارس (آذار) خلفاً لوالده علي خامنئي الذي قُتل في الأيام الأولى من الحرب.

كما دافع قاليباف عن المسار التفاوضي في مواجهة الانتقادات الداخلية، مشيراً في منشور على منصة «إكس» إلى أن أحد مذيعي التلفزيون الرسمي تمنى إغلاق مطار طهران لمنع الوفد الإيراني من السفر إلى سويسرا، عاداً أن مثل هذا الموقف كان سيؤدي إلى «إراقة مزيد من الدماء» في لبنان.

وفي مؤشر إلى وجود دعم من المؤسسة العسكرية للمفاوضات، دعا قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري إسماعيل قاآني إلى الإشادة بجهود عراقجي وقاليباف، مؤكداً أن العاملين في الميدان العسكري والمفاوضين السياسيين يتحركون ضمن إطار واحد.

ويرى محللون أن هناك توافقاً نسبياً داخل مؤسسات الدولة الإيرانية على منح المفاوضات فرصة واختبار مدى جدية إدارة ترمب في الوصول إلى اتفاق دائم.

أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)

«تغييرات في النظام»

وخلال قمة «مجموعة السبع» في فرنسا، أشاد ترمب مراراً بالقيادة الإيرانية الحالية، واصفاً المسؤولين الإيرانيين بأنهم «أذكياء» و«عقلانيون للغاية»، و«غير متطرّفين». وقال إن «المجموعة الأولى (من القادة) رحلت كما رحلت المجموعة الثانية ووجدنا أن المجموعة الثالثة (مكوّنة من قادة) أذكياء جداً... انتهى بنا المطاف بإقامة اتفاق».

من جهته، قال فانس إن واشنطن تعتقد أن بعض التيارات المتشددة في إيران باتت تدرك أن نهج المواجهة مع الولايات المتحدة لم يعد مجدياً، مضيفاً أن «البراغماتيين داخل النظام الإيراني، الذين يريدون حقاً تغيير علاقتهم مع الشرق الأوسط والعالم، هؤلاء يكسبون الحجة».

وحرص كل من عراقجي وقاليباف على التأكيد أن المفاوضات لن تكون على حساب المصالح الإيرانية، كما تجنبا الظهور في صور مشتركة مع فانس خلال محادثات سويسرا، في خطوة عُدّت مراعاة للحساسيات السياسية الداخلية.

ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه طبيعة آلية اتخاذ القرار داخل النظام الإيراني موضع متابعة، بعد التغييرات الكبيرة التي شهدتها بنية القيادة خلال الحرب، ومقتل عدد من كبار المسؤولين والقادة العسكريين.

ويرى محللون أن العداء للولايات المتحدة لا يزال أحد المرتكزات الأساسية للجمهورية الإسلامية، لكن التطورات الأخيرة قد تعكس تحولاً تدريجياً في مقاربة بعض مراكز القرار تجاه العلاقة مع واشنطن.

ويشير هؤلاء إلى أن أي تغيير محتمل سيظل عملية طويلة ومعقدة، وأن نتائجها النهائية لا تزال غير واضحة في ظل استمرار الخلافات حول البرنامج النووي، والعقوبات، وترتيبات الأمن الإقليمي.


ترمب: طهران أبلغتنا بعدم فرض رسوم في مضيق هرمز

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينزل من الطائرة الرئاسية في قاعدة «أندروز» المشتركة بولاية ماريلاند 23 يونيو 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينزل من الطائرة الرئاسية في قاعدة «أندروز» المشتركة بولاية ماريلاند 23 يونيو 2026 (رويترز)
TT

ترمب: طهران أبلغتنا بعدم فرض رسوم في مضيق هرمز

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينزل من الطائرة الرئاسية في قاعدة «أندروز» المشتركة بولاية ماريلاند 23 يونيو 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينزل من الطائرة الرئاسية في قاعدة «أندروز» المشتركة بولاية ماريلاند 23 يونيو 2026 (رويترز)

شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، على أن الاتفاق المؤقت مع إيران يتضمن التزامات واضحة بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز، وآلية استخدام الأموال الإيرانية المجمدة، وعودة عمليات التفتيش النووي، في وقت تكشف فيه التصريحات المتبادلة بين واشنطن وطهران عن تباينات متزايدة حول تفسير بنود التفاهم الموقع الأسبوع الماضي.

وجاءت تصريحات ترمب بينما تستعد الولايات المتحدة وإيران للانتقال إلى مرحلة جديدة من المحادثات الفنية التي يفترض أن تستمر 60 يوماً، بهدف تحويل مذكرة التفاهم إلى اتفاق نهائي يعالج الملفات الأكثر تعقيداً، من البرنامج النووي والعقوبات إلى أمن الملاحة والتوترات الإقليمية.

وقال ترمب إن إيران أبلغت الولايات المتحدة بأنها لا تسعى إلى فرض أي رسوم أو تكاليف تأمين أو أعباء مالية أخرى على السفن العابرة لمضيق هرمز.

وكتب على منصته للتواصل الاجتماعي أن طهران أكدت لواشنطن أنه «لا توجد أي رسوم عبور، ولا تكاليف تأمين، ولا أي رسوم أخرى من أي نوع تسعى إيران إلى فرضها أو تحصل عليها من السفن التي تعبر مضيق هرمز».

وربط ترمب بين هذه المسألة واستمرار المسار التفاوضي، قائلاً إن ثبوت عكس ذلك سيعني إنهاء المفاوضات «فوراً».

ويواجه ترمب انتقادات داخلية بسبب الاتفاق، بما في ذلك من أوساط متشددة داخل الحزب الجمهوري، التي ترى أن التفاهم تضمن تنازلات كبيرة لإيران.

ويشكل مضيق هرمز أحد أكثر الملفات حساسية في المحادثات الجارية. فالاتفاق المؤقت نص على إعادة فتح الممر الذي أُغلق خلال الحرب، لكن الخلاف لا يزال قائماً بشأن طبيعة الترتيبات التي ستنظم الملاحة فيه بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.

وتتمسك واشنطن بأن المضيق ممر مائي دولي لا يجوز فرض رسوم على العبور فيه، بينما تتحدث طهران عن ترتيبات مرتبطة بالخدمات البحرية والإدارة المستقبلية للممر ضمن أطر يجري بحثها مع سلطنة عُمان ودول المنطقة.

الأموال المجمدة

بالتوازي مع ذلك، سعت إدارة ترمب إلى توضيح كيفية التعامل مع الأموال الإيرانية المجمدة التي ينص الاتفاق على الإفراج عن جزء منها.

وقال ترمب إن الولايات المتحدة لم تمنح إيران أموالاً بصورة مباشرة، وإن أي أموال سيُفرج عنها ستظل خاضعة لرقابة أميركية كاملة. وقال في هذا الصدد إن «واشنطن ستفرج عن جزء من الأموال الإيرانية، لكن تحت سيطرة أميركية كاملة، لاستخدامها في شراء الذرة والقمح وفول الصويا ومنتجات أخرى من المزارعين ومربي الماشية الأميركيين».

وأضاف أن هذه الأموال ستستخدم لشراء مواد غذائية ومنتجات زراعية أميركية، بينها الذرة والقمح وفول الصويا، مشيراً إلى أن إيران تحتاج بشدة إلى الغذاء، وأن واشنطن ستؤمن هذه المشتريات من السوق الأميركية.

وجاءت تصريحات الرئيس الأميركي بعد ساعات من مقابلة أجراها وزير الخزانة سكوت بيسنت، الذي قدم أول شرح تفصيلي للآلية التي تعتزم الإدارة اعتمادها في إدارة الأموال المفرج عنها.

وقال بيسنت في مقابلة مع قناة «سي إن بي سي» الاقتصادية إن وزارة الخزانة الأميركية ستشرف على الأموال الإيرانية عند الإفراج عنها، موضحاً أن «نسبة كبيرة جداً» منها ستُخصص لشراء مواد غذائية وأدوية أميركية.

وأضاف أن الدفعات الأولى ستُفرج عنها على الأرجح عبر قطر، حيث سيتولى مسؤولون من وزارة الخزانة الأميركية في الدوحة متابعة كيفية تخصيص الأموال وإنفاقها.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت خلال اجتماع على هامش قمة مجموعة السبع في إيفيان بفرنسا الأسبوع الماضي (رويترز)

ووصف الآلية بأنها عملية «إعادة تدوير» للأموال، بحيث تعود في نهاية المطاف إلى الاقتصاد الأميركي من خلال مشتريات زراعية وصيدلانية.

لكن هذه الرواية اصطدمت سريعاً بالموقف الإيراني؛ فقد رفض مسؤولون إيرانيون فكرة أن تحدد الولايات المتحدة أو شركاؤها كيفية إنفاق الأصول المفرج عنها، مؤكدين أن أي مشتريات مستقبلية ستخضع لمعايير السعر والجودة وليس للشروط الأميركية.

ويعكس هذا الخلاف إحدى القضايا الأكثر حساسية في الاتفاق؛ إذ لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت واشنطن ستتمتع بسيطرة قانونية مباشرة على الأموال بعد الإفراج عنها، أم أنها تراهن على ترتيبات مصرفية وحسابات ضمان وآليات مرتبطة بالعقوبات لضمان توجيه الأموال نحو الأغراض التي تريدها.

ولم يحدد بيسنت حجم الأموال التي ستُفرج عنها، أو الجهة التي ستدير الحسابات، أو أدوات الإنفاذ التي ستُستخدم لضمان عدم تحويل الأموال إلى استخدامات أخرى.

التفتيش النووي

وفي موازاة الجدل المالي، استمر التباين بين الجانبين حول ملف التفتيش النووي. وقال ترمب إن مفتشين أميركيين سيشاركون مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في زيارة المواقع النووية الإيرانية، مؤكداً أن طهران وافقت على عمليات التفتيش رغم التصريحات الإيرانية التي تنفي ذلك.

وأضاف، في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، أن إيران «توافق على اتفاق وتضعه كتابة، ثم تخرج لتقول إنه غير صحيح».

وجاءت تصريحاته بعد يوم من إعلان الخارجية الإيرانية عدم وجود زيارات مقررة حالياً لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع النووية التي تعرضت للقصف خلال الحرب.

ويمثل ملف التفتيش أحد الاختبارات المبكرة للتفاهم الجديد. فواشنطن تقدم عودة المفتشين على أنها من أبرز نتائج الجولة الأولى من المحادثات، بينما تقول طهران إن قضايا الوصول إلى المواقع النووية وآليات الرقابة الدولية لا تزال جزءاً من المفاوضات النهائية ولم تُحسم بعد.

وفي الوقت نفسه، أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن عمليات التفتيش «ستجري بالتأكيد»، لكنها أوضحت أن التفاصيل المتعلقة بالمواعيد والإجراءات والأماكن لا تزال قيد التفاوض.

تعكس هذه التباينات حجم الفجوة التي لا تزال قائمة بين الروايتين الأميركية والإيرانية رغم التوصل إلى اتفاق أوقف الحرب وفتح باب التفاوض.

ففي الوقت الذي تعرض فيه إدارة ترمب الاتفاق على أنه يتضمن تفاهمات واضحة بشأن التفتيش النووي، والأموال المجمدة، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، تصر طهران على أن كثيراً من هذه القضايا لا يزال خاضعاً للنقاش ولم يتحول بعد إلى التزامات نهائية.