عمليات «تطهير» تعصف بالإعلام الأميركي لاستعادة ثقة الجمهور

رأسمال أوروبي وافد لاستقطاع حصة والتأثير على السوق المستقطَبة

ماتياس دوبفنر
ماتياس دوبفنر
TT

عمليات «تطهير» تعصف بالإعلام الأميركي لاستعادة ثقة الجمهور

ماتياس دوبفنر
ماتياس دوبفنر

من غير المرجح أن تنتهي في أي وقت قريب، موجة الدعوة إلى «الحياد» التي تعصف بوسائل الإعلام الأميركية والغربية عموماً. هذا إذا كانت الدعوة للحيادية، مرتبطة على الأقل، بالاستحقاقات السياسية الانتخابية، في ظل الخلافات السياسية التي تعصف بالديمقراطيات الغربية في هذه المرحلة.
لكن، حسب بعض المراقبين، وبعيداً عن ادعاء الحياد، الذي يسعى إلى «تصحيح» الخلل في العلاقة مع الجمهور لتحسين ظروف الإنتاج والربحية، يبدو مثيراً أن تلك الدعوات - التي باتت تأخذ شكل «التطهير» - تصدر فقط ضد مؤسسات إعلامية متهَمة بالانحياز لليبراليين واليساريين، ومحسوبة عموماً على الديمقراطيين، في حين تعيش المؤسسات المحسوبة على اليمين والجمهوريين عموماً، حالة «استقرار» مزيفة، رغم «الفوضى» السياسية التي تعصف بالحزب الجمهوري.


«بوليتيكو» أمام فرصة لممارسة تأثيرها

اللافت في تلك الدعوات أنها تتجاوز الولايات المتحدة، في ظل دخول رأسمال أوروبي للاستحواذ على مؤسسات إعلامية أميركية، بهدف ترك بصمته عليها و«الإثبات أن الحياد هو في الواقع الموقف الأكثر نجاحاً». فقد أعلن الملياردير ماتياس دوبفنر، رئيس مجموعة «أكسل شبرينغر» الإعلامية الألمانية، التي استحوذت على صحيفة «بوليتيكو» الإلكترونية الأميركية قبل أشهر مقابل مليار دولار، أن لديه «طموحات عالمية»، لما يسميه «نوعاً أكثر ابتعاداً عن الحزبية في الصحافة»، رغم صعوبة تحديد ما تعنيه هذه العبارة.
دوبفنر دعا في رسالة إلى موظفيه صباح الانتخابات الأميركية عام 2020، للاجتماع لمدة ساعة من أجل الصلاة لفوز دونالد ترمب. ورغم قوله لاحقاً إنها كانت «مزحة» لاستفزاز موظفيه، فإنها تعبر عن صراحته!
حياد ديمقراطي لا جمهوري
من اللافت إذن أن تكون الحيادية مقصورة على وسائل الإعلام «الديمقراطية». لكن المثير أيضاً، أن أكثر دعوات الحياد، تصدر أيضاً من «ديمقراطيين» يشدّدون على الابتعاد عن الاستقطاب السياسي الذي يقسم المجتمع الأميركي، «كوسيلة أفضل للحفاظ على الوحدة».
غير أن هؤلاء في الواقع، وفي ظل عجزهم عن تقديم إجابات عن أزمة الحزب الديمقراطي، ومعالجة المشاكل السياسية والفكرية التي يعانيها، يبتعدون عن معالجة الأسباب الحقيقية لهذا الاستقطاب. لا سيما، في ظل إغلاق السبل أمام ظهور قادة محدثين جدد للحزب، المهيمن عليه من قبل دهاقنة المؤسسة الحزبية الديمقراطية التقليدية وعجزتها، بحسب المنتقدين.
ووفق إحصاءات حديثة، هذا الأمر يترجم غالباً بسيل من الكتابات والمقالات، بعضها يشجع على هذا الحياد، وبعضها الآخر ينتقده، محملاً إياه مسؤولية تصاعد وتيرة التشكيك وانعدام الثقة بالإعلام، في أذهان غالبية الأميركيين اليوم.


أسماء إعلامية كبرى غادرت «سي إن إن»

مراسلون... محلّلون
في السنوات الأخيرة، تحول مراسلو كثير من المحطات الإخبارية والإعلامية الأميركية، بما فيها الإلكترونية والإذاعية والمكتوبة، إلى محللين سياسيين مرغوبين ومطلوبين، من إداراتهم ومن جمهور المتابعين والمشاهدين. إلا أن تراجع حجم المشاهدات، بما في ذلك في ساعات الذروة والبرامج الأكثر استقطاباً، جراء فقدان الثقة، قرع جرس الإنذار لاستعادة هذا الجمهور.
وما يثير الاهتمام أيضاً، أن تلك الدعوات غالباً ما تنتشر وتتوسع في أعقاب أي حدث سياسي، خصوصاً، إذا كان ناجماً عن قرارات خلافية من النوع الذي تتخذه المحكمة الأميركية العليا، على سبيل المثال. وهذا ما يؤدي إلى الخلط بين ردود الفعل الناقمة على تلك القرارات - وحقيقة أن أحكام المحكمة - بمعزل عن طبيعة توازناتها الآيديولوجية، ليست مسؤولة عن تراجع الثقة بوسائل الإعلام وتراجع نسبة المشاهدين، أو عن الاستقطاب السياسي، ما يفترض وجاهة الدعوة إلى العودة للحياد.

إخراج منتقدي ترمب
يزعم كثير من موظفي شبكة «سي إن إن» الحاليين والسابقين أن الهجرة الجماعية المفاجئة وعمليات الطرد من المحطة، التي شملت أسماء إعلامية كبرى فيها، مثل برايان ستيلتر مضيف البرنامج الإخباري الإعلامي الأسبوعي «مصادر موثوقة» (لمدة ثلاثة عقود)، ومراسلها المخضرم في البيت الأبيض جون هاروود (الذي استقال أخيراً)، قد بدأت في أعقاب انضمام كريس ليخت على رأس المحطة.
هؤلاء يتهمون ليخت بأنه بدأ عمله من خلال إخراج – أو إبعاد - الأصوات التي غالباً ما تنتقد دونالد ترمب وحلفاءه. في المقابل، قال ليخت، إنه يريد من «سي إن إن» المساعدة في استعادة الثقة التي فقدها كثير من الناس في وسائل الإعلام. وأضاف أن هدفه تقديم صورة جديدة أكثر «حيادية» آيديولوجياً، تتماشى مع نظرة ديفيد زاسلاف، رئيس المؤسسة الأم «وورنر بروس»، من خلال «التحدث بلا خوف عن الحقيقة للسلطة، وتحدي الوضع الراهن، والتشكيك في التفكير الجماعي وتثقيف المشاهدين والقراء، مع حقائق واضحة وتعليقات ثاقبة، عبر احترام وجهات النظر المختلفة دائماً».
الواقع أن دعوات ليخت «لتنويع» حضور المشاركين في حوارات «سي إن إن»، فتحها أكثر أمام اتجاهات «الرأي الآخر»... يعني ظهور مزيد من السياسيين الجمهوريين واليمينيين.
غير أن حضور «الرأي الآخر» في المحطات ووسائل الإعلام المحافظة واليمينية، كان ويبقى شكلياً. وعلى سبيل المثال، تكاد استضافة معارضي ترمب على محطة «فوكس نيوز»، المحسوبة على الجمهوريين والمحافظين عموماً، تقتصر على «أهل البيت» من معارضي ترمب في الحزب الجمهوري نفسه. وهذا ما حصل الأسبوع الماضي، عندما استضافت وزير العدل السابق وليام بار، لتسمح له بانتقاد رئيسه السابق في قضية الملفات السرية التي صادرها محققو الـ«إف بي آي» من منزل ترمب في مارالاغو قبل نحو شهر.

«بوليتيكو» تتجه يميناً
ومع قدوم الوافد الألماني الأوروبي الجديد ماتياس دوبفنر إلى مجتمع المليارديرات الإعلاميين، وإعلان «قلقه» من أن الصحافة الأميركية أصبحت مستقطبة للغاية، وتنجرف نحو اليسار، مثل «نيويورك تايمز»، وتقع وسائل الإعلام المحافظة تحت تأثير «الحقائق البديلة» الترمبية، قال دوبفنر إن صحيفة «بوليتيكو» الإلكترونية تعد «فرصة عظيمة» لممارسة تأثيرها واقتطاع حصة أكبر في السوق الأميركية، وهذا بينما يُجمع الخبراء على أن وسائل الإعلام ككل تتجه أكثر فأكثر نحو الرقمنة. وخلال مقابلة صحافية، قال دوبفنر أخيراً: «نريد أن نثبت أن كونك محايداً هو في الواقع الموقف الأكثر نجاحاً... إنه الرهان الأكبر والأكثر تناقضاً».
لكن كيف يأمل دوبفنر في تعريف الصحافة «غير الحزبية» في ظل الاستقطاب السياسي الحاد الذي يلقي بثقله على وسائل الإعلام الأميركية؟ ثم إنه شخصياً كان قد صرح بأن ترمب اتخذ الخطوات الصحيحة بشأن خمس قضايا من أصل ما اعتبره أهم ست قضايا خلال نصف القرن الماضي، وهي: «الدفاع عن الديمقراطيات الحرة» في مواجهة روسيا والصين، و«دفع حلفاء الناتو إلى زيادة مساهماتهم»، و«الإصلاحات الضريبية»، و«جهود السلام في الشرق الأوسط»، فضلاً عن «تحدي الاحتكارات التكنولوجية»، رغم إقراره بفشلها ضمناً، فيما فشل في «التصدي لتغير المناخ». وختم قائلاً: «لم تفعل أي إدارة أميركية بما فعله ترمب خلال السنوات الخمسين الماضية».
وبينما يحاول دوبفنر الانتقال إلى السوق الأميركية وما وراءها، يقول إنه «يأمل أيضاً في الوصول عبر تلك الخطوط الفاصلة، التي تتشكل داخل ديمقراطياتنا».
في المقابل، ينظر اليساريون والوسطيون الليبراليون بعين الريبة إلى دوبفنر، ذي الصلات بصحيفة «بيلد» الألمانية اليمينية المشاكسة، وهي الصحيفة الأكثر مبيعاً في أوروبا، والمطبوعة التي تعد الرافعة المالية لمجموعة «أكسل شبرينغر».
أخيراً، بانتظار ما ستؤول إليه عمليات «التطهير» و«الحياد»، الجارية في «سي إن إن» وغيرها من المؤسسات الإعلامية الأميركية، يتساءل البعض عن كيف يمكن معرفة أين، بالضبط، سترسم الخطوط الجديدة، في حين تتجه المحطات والمواقع لتغطية الانتخابات النصفية والرئاسية المقبلة، التي يمكن أن يكون الرئيس السابق ترمب مرشحاً فيها، وما الذي سيتبقى من هذا الحياد؟


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.