الوطن الملتبس في رواية «الحفيدة الأميركية»

مقدمة لقلق بات مألوفاً عند المهاجر العربي المعاصر

الوطن الملتبس في رواية «الحفيدة الأميركية»
TT

الوطن الملتبس في رواية «الحفيدة الأميركية»

الوطن الملتبس في رواية «الحفيدة الأميركية»

عند اقتراب رواية «الحفيدة الأميركية» لإنعام كجه جي من نهايتها تطالعنا هذه العبارة: «ليس في وسعي سوى أن أكون أميركية. عراقيتي تخلت عني». سنكون في تلك المرحلة من الرواية قد مررنا بكثير من العبارات المشابهة التي تؤكد إشكالية الانتماء بصور مختلفة، أو ما أشير إليه بالوطن الملتبس. ففي هذه الرواية التي صدرت لأول مرة عام 2008 كأنها مقدمة لقلق بات مألوفاً في المهاجر العربي المعاصر: ازدواجية الانتماء. بعد «الحفيدة الأميركية» جاءت رواية إنعام المميزة أيضاً «طشاري» (2013)، وكان من مؤشرات تميز الروايتين صدورهما بترجمات لعدة لغات، وإن تفوقت رواية «الحفيدة» بعدد أكبر، فقد ترجمت إلى الفارسية والصينية والإيطالية إلى جانب الإنجليزية والفرنسية. هذا الانتشار يبرر في تقديري أهمية الموضوع السياسية والإنسانية، كارثة العراق التي تلت مأساة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وما أدى إليه ذلك من تفاقم للهجرة أو «التطشير» كما عبرت إنعام كجه جي بلهجتها العراقية. ذلك التطشير لم يتبقَّ من الشعوب التي لم تعِش مآسيه إلا القليل، لذا هو ظاهرة عالمية بقدر ما هو مأساة مشتركة.
كان من الطبيعي لوضع كالذي نجم عن كوارث الحروب والاحتلال، ومن أقدمها وأسوئها ما عاشه ويعيشه الشعب الفلسطيني على يد الاحتلال الإسرائيلي، أن تزداد حدة الوعي بإشكاليات الانتماء وأن تتكاثر الأسئلة حول معاني الوطن والهوية. تلك المعاني ليست جديدة بالطبع، فقد عرفتها البشرية منذ تألفت المجتمعات واتضح أن الأكثرية في كل مجتمع إنما كان ائتلافها على حساب أقليات لم تستطع الاندماج، إما لأنها مرفوضة من قبل الأكثرية أو لأنها لم ترغب بالذوبان حفاظاً على هوية. في رواية «الحفيدة الأميركية» تجتمع هذه الإشكاليات، إشكالية التطشير الإنساني الناجم عن الحروب والاحتلال، وإشكالية الانتماء الأقلّي أو الأقلوي. فزينة الأميركية - العراقية هي أيضاً مسيحية من كلدانيي العراق وهي من ثم مأزومة بمأزق مضاعف. المأزق الذي تتمحور حوله الرواية هو أن زينة، (هي راوية الحكاية) التي هاجر أبواها إلى أميركا بعد الاحتلال، تعود إلى العراق مترجمة للجيش الأميركي المحتل طبعاً، وذلك لكي يسهل حصولها على الجنسية الأميركية المشتهاة من قبل المهاجرين إلى الولايات المتحدة عامة. هذا الوضع الصعب تتنقل المترجمة بين مآزقه أو لسعاته الكثيرة بخفة تارة ووعي مأساوي تارة أخرى. تتأتى الخفة من حس كوميدي لاذع وآسر لدى إنعام كجه جي (المقيمة في باريس منذ سنوات). إنه الضحك في قلب العاصفة والقدرة الأسلوبية الفذة على اجتراح الطرافة والابتسامة حيث لا متسع سوى للأسى والبكاء. تعتمد الرواية حيلة الميتافكشن، أو الرواية الصادرة عن وعي معلن بكونها رواية، كما الحال في كثير من روايات ما بعد الحداثة. هنا نجد راوية ومؤلفة ضمنية للرواية، لكني سأعود إلى هذه الحيلة لاحقاً. ما يهمني الآن هو متابعة مسألة الالتباس.
بعودتها إلى العراق مع فرقة من القوات الأميركية تستعيد المترجمة زينة علاقتها بأسرتها وبصفة خاصة جدتها رحمة. تلتقي الحفيدة بالجدة لتواجه غضب المرأة العجوز مما رأته خيانة عظمى ترتكبها حفيدتها العائدة من أميركا. لكن الحفيدة تقابل ذلك باللطف والنكتة حتى وهي ترسم صور المعاناة المنتشرة حولها. تروي الحفيدة أن الجدة رحمة تتذكر زوجها الذي رحل وتركها وحيدة وكيف ظلت تلقي باللائمة عليه وعلى القديسين معاً: «إنها تنقم عليه. حين يضيق خلقها، لأنه راح وخلاها، وتنقم على العذراء والقديسين الذين يتأخرون في الامتثال لمرادها، وتشتم الأولاد الذين تركوها وهجّوا، وتذرف دمعتها الروتينية الجاهزة دائماً وأبداً، ثم تمخط في منشفة صغيرة وتقوم إلى المطبخ».
ومع سعي الحفيدة لاستعادة علاقتها بجدتها تسعى أيضاً إلى استعادة علاقتها بأقاربها، طاووس وعبد المهيمن وحيدر وغيرهم. وحين أعجبت بأحدهم ثم أحبته اتضح أن أمه طاووس كانت قد أرضعتها فلا يجوز لها أن تعيش معه علاقة عاطفية ناهيك بأن تتزوجه. لكن المهم ليس هذا وإنما في علاقة أولئك بالعراق، بالوطن، مقارنة بعلاقة الحفيدة بذلك الوطن: «أنا غريبة حتى عن جدتي، أم أمي. إن حيدر ومهيمن وطاووس أقرب إليها مني لأنهم ظلوا مثلها، عراقيين خلصاً. ذهب ليرة. لا تشوب وطنيتهم جنسية أخرى. يندفع الدم إلى شرايينهم حين يذكر اسم العراق». ثم يتحول وصف العلاقة الجاد إلى سخرية مبطنة من خلال المبالغة في وصف عمق العلاقة التي تربط أولئك بالوطن: «يغنون لبغداد بانخطاف دراويش يدورون حول أنفسهم وأصواتهم غائرة من التهجد. كأنهم مأخوذون إلى نقطة قصية. أرواحهم شاخصة إليها. مدينة السلام، المدورة، الزوراء، موطن ألف ليلة وليلة، بغدااااد قلعة الأسود...»، لكن تلك السخرية التي تصعد في اللغة إلى أدبية مؤثرة سرعان ما تفضي إلى مساءلة لا تهكم فيها: «لم يردني حليبي إلى بغداد. سلختني منها الكارثة وأعادتني إليها الكارثة. فمن له الحق في حسابي؟».
الإجابة عن سؤال الحساب هي الذات طبعاً، ذات الحفيدة، أو ذات الكاتبة من ورائها، فهي التي تحاسب هنا. الرواية كلها، في وجه من وجوهها، حساب تمتزج فيه المأساة بالكوميديا، الجد بالسخرية، الواقع بالحلم. تقول لنفسها مرة مبررة ذهابها مع الجيش الأميركي: «إنها فرصتي لرد الجميل للبلد الذي احتضنني منذ أول الصبا وفتح لي ولأسرتي صدره»، لتعود بعد ذلك تحاسب نفسها على ذلك الرد للجميل حين تتذكر أبيات الشعر واللغة التي كان أبوها يدرسها لأطفاله، حين تتذكر قصيدة «دجلة الخير» للجواهري، فتقارن حماستها للذهاب مجندة أميركية إلى العراق بما في تلك الأبيات من حب للوطن: «هل ذهبت كل تلك الدروس الصباحية عبثاً؟ ألهذا علمني أبي اللغة ودربني على الاهتمام بمخارج الحروف لكي أنتهي مترجمة معتمدة لدى الجيش الأميركي؟».
ينتهي ذلك التردد وتتوارى المحاسبة، أو هكذا يبدو، والرواية تقترب من نهايتها حين ترى المترجمة - المجندة أن ثمة ما يبرر البزة العسكرية التي تلبسها («لكل منا بزته التعيسة التي يرتديها تحت جلده»)، وأن العراقيين لم يروا قيمة لما يفعله الأميركيون. هنا تتخلى الحفيدة عن عراقيتها، أو هكذا تقنع نفسها وهي تخاطب قريبها الذي أحبته وقال لها إنها أخته: «جئنا لنقوم بعمل عظيم، وهم أفسدوا كل شيء. تقيأتم على سلة الورد التي قدمناها إليكم... سأبقى مترجمة الاحتلال ولن أكون أختك. لا بالحليب ولا بالدم. الدم الذي حفر خنادق بيننا، جعلني أقول (نحن وأنتم). ليس في قدرتي سوى أن أكون أميركية. عراقيتي تخلت عني... حاولت أن أكون الاثنتين ولم أفلح».
من الصعب القول من الذي تخلى عن الثاني، أو ربما هكذا تود لنا الراوية، أو إنعام كجه جي، أو المؤلفة التي صنعتها، أن نتساءل. وأظنه التساؤل الذي يقوله أو يخطر ببال كثير ممن تشردوا عن أوطانهم فصارت أوطاناً ملتبسة أو صار الانتماء إليها كذلك.
بقي أن أقول إن حيلة الميتافكشن التي تطالعنا في الرواية، ببناء السرد على راوية ومؤلفة ضمنية، ربما أرادت منها كجه جي أن تخفف من وقع الحرج الناجم عن تساؤلات الرواية أو مضامينها الموجعة. تقول الحفيدة - الراوية: «لذلك لا أرغب في الاستجابة لهذه المؤلفة اللجوج التي تزاحمني على الكومبيوتر وتجلس لصقي، الكتف بالكتف... وأنا لا أريد هذه المؤلفة إلى جواري. أدفعها عني وأتمرد على محاولاتها وأنقر على لمسات تمسح المكتوب على الشاشة». غير أن حضور تلك المؤلفة أضعف في تقديري من أن يكون له دور يذكر، يظل هو الآخر حضوراً ملتبساً.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».