هل ما زال «الإرهاب» عدو أميركا الأول؟

في ذكرى هجمات 11 سبتمبر

مواطن في مقبرة هيوستن بتكساس أمس حيث تم دفن بعض ضحايا هجمات 11 سبتمبر بنيويورك (أ.ف.ب)
مواطن في مقبرة هيوستن بتكساس أمس حيث تم دفن بعض ضحايا هجمات 11 سبتمبر بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

هل ما زال «الإرهاب» عدو أميركا الأول؟

مواطن في مقبرة هيوستن بتكساس أمس حيث تم دفن بعض ضحايا هجمات 11 سبتمبر بنيويورك (أ.ف.ب)
مواطن في مقبرة هيوستن بتكساس أمس حيث تم دفن بعض ضحايا هجمات 11 سبتمبر بنيويورك (أ.ف.ب)

هل يُمكن أن تُلخص 3 طائرات بعينها جانباً من التاريخ وجزءاً من المستقبل؟ يبدو أن ذلك يحدث؛ ففيما كانت طائرتان تحلقان نحو برجي مركز التجارة العالمي بنيويورك ضمن هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2001، جاءت ثالثتهما بعد عشرين عاماً تقريباً، وأقلعت منسحبة من أفغانستان ومن حولها تَحلّق البشر كموجات، ومنها تساقط من حاولوا عبثاً التمسك بـ«رحلة الفارين».
لكن التلخيص المختصر لآلاف الضحايا ومليارات الدولارات، يبدو قادراً على إثبات وجاهة ما عبّرت عنه طائرة رابعة لكنها «بدون طيار»، هذه المرة اغتالت «بلا صخب عملياتي» زعيم تنظيم «القاعدة»، أيمن الظواهري، في أغسطس (آب) الماضي، خلال اختبائه بكابل.
بعد 21 عاماً من «الحادي عشر من سبتمبر»، هل يمكن القول إن «جماعات الإرهاب» التي فجّرت المعركة في مطلعها مثل «القاعدة»، أو تلك التي استنسخت مسارها بتصرف، أو للدقة بتوحش، تحت راية جديدة كـ«داعش»، لا تزال تمثّل قوى صلبة؟ وماذا تبقّى منها؟ وفي أي بقاع؟ وهل لا تزال العدو الأول لأميركا؟ أم أنه جرى استبدال الأعداء بآخرين؟ غداة هجمات سبتمبر عام 2001، وقف الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش، متوعداً الأصدقاء المترددين قبل الأعداء المُنتظرين. استعار الرجل من الحرب حدتها وأسقطها على مفردات لغته قائلاً: «من ليس معنا فهو ضدنا». أما بالنسبة لمواطنيه، فإنه بشّرهم بأن «الحرب ستبدأ مع تنظيم (القاعدة)، لكنها لن تنتهي عنده»، في إشارة إلى حملته الكونية التي انتقلت من أفغانستان إلى العراق، علاوة على تعبيرات أخرى بمواقع شتى حول العالم.
وبعد أكثر من عقدين على حرب خاضتها بشعار «من ليس معنا فهو ضدنا»، تبدو الولايات المتحدة، وليست إدارة جو بايدن وحسب، مشغولة بسؤال جوهري حول العدو الأول، أو بالأحرى إعادة ترتيب أولويات العداء.

... المزيد
 


مقالات ذات صلة

ألمانيا تتهم «جهات خارجية» بالتخطيط لعمليات اغتيال داخل أراضيها

أوروبا وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت يعلن عن العثور على أسلحة مخبأة في غابة في برلين العام الماضي (د.ب.أ)

ألمانيا تتهم «جهات خارجية» بالتخطيط لعمليات اغتيال داخل أراضيها

كشف وزير الداخلية الألماني وجود مخطط من «قوى خارجية» لتنفيذ اغتيالات داخل البلاد بعد العثور على أسلحة مخبأة بغابة في برلين العام الماضي.

راغدة بهنام (برلين)
أفريقيا شرطيان يحرسان مقراً أمنياً في ولاية كيبي الاثنين (رويترز)

المعارك بين فصائل «داعش» في نيجيريا ترغم عائلاتهم على الفرار

المعارك بين فصائل «داعش» في نيجيريا ترغم عائلاتهم على الفرار... الجيش يصد هجوماً إرهابياً على قاعدة عسكرية متقدمة في بورنو.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا جانب من مباحثات موريتانيا والسنغال التي ناقشت تعزيز أمن الحدود (الجيش الموريتاني)

موريتانيا والسنغال تُجريان محادثات عسكرية لتعزيز أمن الحدود

أجرت موريتانيا والسنغال مباحثات، على مستوى قيادة الجيوش، أمس الخميس، تناولت تعزيز التعاون العسكري والأمني، في ظل تصاعد وتيرة انعدام الأمن بمنطقة الساحل.

الشيخ محمد (نواكشوط)
الخليج تبرز جهود مركز «اعتدال» وشركائه في مواجهة المحتوى المتطرف على المنصات الرقمية (واس)

«اعتدال» و«تلغرام» يزيلان 34.3 مليون مادة متطرفة… وإغلاق 1.2 ألف قناة

نجح المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف «اعتدال» بالشراكة مع منصة «تلغرام» في إزالة 34 مليوناً و290 ألفاً و268 مادة متطرفة، وإغلاق 1.275 قناة استخدمت في نشرها.

«الشرق الأوسط» (جدة)
أفريقيا أرشيفية لهجوم شنه مسلحون انفصاليون في مدينة غاو شمال مالي (أ.ب)

بوتين يُجري محادثات مع رئيس مالي بعد التصعيد الإرهابي

يجري الرئيس الروسي محادثات مع رئيس مالي بعد التصعيد الإرهابي، ومن المتوقع تعزيز مستوى التعاون العسكري بين موسكو وباماكو.

الشيخ محمد (نواكشوط)

من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)
TT

من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)

تعاقب على كاليفورنيا منذ عقد الستينات حكّام من الحزبين ترك كل منهم تعريفاً مختلفاً لدور الولاية وحدود السلطة التنفيذية. وتُظهر القائمة التاريخية الرسمية أن الهيمنة الديمقراطية الراهنة حديثة نسبياً، بعدما حكم الجمهوريون معظم الفترة الممتدة من 1983 إلى 1999، ثم عادوا مع أرنولد شوارتزنيغر. وهذا التاريخ يجعل الحاكمية أيضاً مختبراً لإنتاج زعامات وطنية، لا مجرد إدارة محلية لولاية كبيرة.

إدموند «بات» براون (ديمقراطي، 1959-1967): يُعد مهندس كاليفورنيا الحديثة؛ وسّع الجامعات والطرق ومشاريع المياه في مرحلة نمو سكاني هائل. لكن اضطرابات الستينات والقلق من الضرائب والجريمة مهّدت لهزيمته أمام رونالد ريغان.

رونالد ريغان (جمهوري، 1967-1975): وصل بخطاب محافظ ضد الاحتجاجات على خلفية «حرب فيتنام» والإنفاق الحكومي، وحوّل الحاكمية إلى منصة وطنية قادته لاحقاً إلى البيت الأبيض. إلا أن سجله التنفيذي كان أكثر براغماتية من شعاراته؛ وافق على زيادات ضريبية ووقّع قوانين اجتماعية وتنظيمية لا تنسجم كلها مع صورته المحافظة اللاحقة.

شوارتزنيغر (آ ب)

إدموند «جيري» براون (ديمقراطي، 1975-1983 و2011-2019): ابن الحاكم حكم ولايتين تفصل بينهما ثلاثة عقود. في الأولى مثّل جيلاً ديمقراطياً جديداً وواجه ثورة الضرائب التي جسّدها الاقتراح 13. وعندما عاد، قدّم نفسه حارساً مالياً، عالج عجزاً كبيراً وراكم احتياطيات، فيما دفع بقوة بسياسات المناخ والقطار السريع.

جورج ديوكمجيان (جمهوري، 1983-1991): جعل مكافحة الجريمة وتوسيع السجون محور حكمه، وتمسك بمقاومة الضرائب. جسّد مرحلة كان فيها الجمهوريون قادرين على الفوز بأكثرية مستقرة في الولاية.

بيت ويلسون (جمهوري، 1991-1999): واجه ركوداً قاسياً واضطر أولاً إلى زيادات ضريبية، ثم تبنى الاقتراح 187 الذي حرم المهاجرين غير الموثّقين خدمات عامة. عزز ذلك فوزه عام 1994، لكنه أسهم على المدى البعيد في نفور اللاتينيين من الحزب الجمهوري.

نيوسوم (غيتي)

غراي ديفيس (ديمقراطي، 1999-2003): أعاد الديمقراطيين إلى الحاكمية، لكن أزمة الكهرباء والعجز وصورته بوصفه سياسياً شديد الارتباط بالمانحين قادت إلى عزله من منصبه في اقتراع تاريخي.

أرنولد شوارتزنيغر (جمهوري، 2003-2011): فاز في الانتخابات التي أجريت بعد عزل ديفيس بقوة شهرته السينمائية، وبدأ محافظاً إصلاحياً ثم تحرك نحو الوسط. أبرز إرثه قانون خفض الانبعاثات لعام 2006 ومشروعات البنية التحتية، فيما ظلت أزمة الموازنة نقطة ضعفه الكبرى.

غافين نيوسوم (ديمقراطي، 2019-2027): حوّل الولاية إلى رأس حربة ديمقراطية في مواجهة ترمب، ووسّع سياسات المناخ والصحة والحقوق الإنجابية، ونجا من محاولة عزل عام 2021. لكنه يترك لخلفه أزمات السكن والتشرد والتأمين وكلفة المعيشة، ومعضلة الفصل بين قوة «نموذج كاليفورنيا» وطنياً وصعوبة تقديم خدمات مقنعة يومياً.


الاقتصاد التونسي... صمود تحت ثقل الديون

أحد الأسواق في وسط العاصمة التونسية (غيتي)
أحد الأسواق في وسط العاصمة التونسية (غيتي)
TT

الاقتصاد التونسي... صمود تحت ثقل الديون

أحد الأسواق في وسط العاصمة التونسية (غيتي)
أحد الأسواق في وسط العاصمة التونسية (غيتي)

بدأت تونس النصف الثاني من 2026 وسط تباين التقييمات لأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وانعكاساتها السياسية والأمنية. فالحكومة ترى في تحسن عدد من المؤشرات المالية والسياحية دليلاً على صواب خيار «التعويل على الذات»، ورفض «الرضوخ لإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والاتحاد الأوروبي». ولكن، في المقابل يحذر عدد من الخبراء الاقتصاديين والسياسيين ونشطاء معارضون من ارتفاع حجم الدين والتمويل الداخلي وتدهور القدرة الشرائية وارتفاع نسب البطالة ومؤشرات الفقر والتهميش.

على الرغم من تعاقب الاحتجاجات في ذروة صيف 2026، لا تبدو تونس على حافة انهيار اقتصادي - اجتماعي - سياسي كما سبق أن توقعت تقارير عديدة، بل إن الأوساط الرسمية، على العكس، ترى أن البلد تجاوز أخطر أزماته الهيكلية والظرفية «رغم كل مظاهر التعثّر».

تحسن واردات السياحة وتحويلات العمالة

وتكشف آخر إحصائيات الحكومة عن أن نسب النمو تحسنت فعلاً، وأن التضخم تراجع، في حين حافظ الدينار التونسي على قدر من الاستقرار مقارنة بالدولار الأميركي واليورو. وأيضاً تأكد أن مداخيل السياحة وتحويلات العمالة التونسية في الخارج والصادرات الصناعية والزراعية وفّرت هذه السنة نحو 10 مليارات دولار، ما حسّن مخزون المصرف المركزي من العملات الأجنبية.

ولكن، في المقابل، لا تزال البطالة مرتفعة، ولا سيما بين الشباب وخريجي الجامعات، وتواجه الأسر ارتفاعاً تراكمياً في الأسعار، وتعاني الشركات ضعف الاستثمار وصعوبة التمويل، وتستهلك خدمة الدين جانباً كبيراً من موارد الدولة.

وبناءً عليه، يمكن القول إن اقتصاد البلاد نجح في «الصمود» أكثر مما نجح في «الإقلاع».

تتكشَّف هذه المفارقة نفسها في الخطاب الرسمي؛ ذلك أن رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري قالت في يوليو (تموز)، لدى تسلّمها التقرير السنوي للبنك المركزي، إن النتائج الاقتصادية والمالية «تترجم صواب الخيارات الوطنية». وفسّرت ذلك بسياسة الرئيس قيس سعيّد التي تؤكد «السيادة الاقتصادية والمالية والتعويل على الإمكانات الذاتية ورفض الإملاءات الخارجية».

بيد أن التصريحات والبلاغات الجديدة الصادرة عن صلاح الدين السالمي، الأمين العام لاتحاد نقابات العمال «الاتحاد العام التونسي للشغل»، ورفاقه، تعترض وتؤكد أن الأرقام الاقتصادية تكون فعلاً إيجابية إذا ما انعكست على الحياة اليومية للمواطنين عموماً والطبقات الشعبية، سواءً عبر تحسين الخدمات أو القدرة الشرائية أو العدالة الاجتماعية.

هذه بالتحديد هي «المعضلة الكبرى» في تونس خلال 2026، وفق خبراء اقتصاد مستقلين في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، بينهم رضا الشكندالي وعبد الباسط السماري وماهر القلّال، الذين رأوا أن بعض المؤشرات تحسّنت، لكن ظروف العيش تدهورت.

صلاح الدين السالمي (موقع الاتحاد العام التونسي للشغل)

نمو نسبي... لكن الوظائف لم تعد

حسب آخر تقديرات «المعهد الوطني للإحصاء»، وأيضاً الحكومة في تونس، بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 2.6 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الأول من 2026، ثم 2.3 في المائة في الربع الثاني. وهي أرقام تسمح بالكلام عن «انتعاش نسبي بعد سنوات صعبة وأزمات إقليمية أثرت سلباً على البلاد». غير أن هذه المؤشرات الإيجابية تبقى أقل من أن تسهم في تحسين فرص التوظيف وإحداث موارد رزق محترمة لمئات آلاف الشباب والكهول العاطلين عن العمل؛ إذ إن الاقتصاد الذي يحمل نسبة رسمية للبطالة تقارب 15 في المائة يحتاج إلى معدلات نمو أعلى وأكثر استدامة، ولا سيما، إذا كان الهدف استيعاب الشباب وخريجي الجامعات.

حصيلة صيف 2026... تفاؤل حكومي وتحذير نقابي

اعتراف الحكومة

الحكومة تبدو واعية لهذه الفجوة، وخلال فعاليات «منتدى تونس للاستثمار» في يونيو (حزيران) الفائت، قالت رئيستها سارة الزعفراني إن الاقتصاد أظهر «قدرة على الصمود» على الرغم من «تعقيد السياق العالمي»، واستدلت على ذلك بتحسن النمو وتطور الاستثمار الدولي بوصفهما مؤشرين إلى استعادة الديناميكية.

لكن أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي ينظر إلى المسألة من زاوية أكثر تحفّظاً. فهو في قراءته لمخطّط التنمية 2026 - 2030، اعتبر أن المخطّط «يحتاج إلى مراجعة لأن بعض فرضيّاته سبقتها التطورات الاقتصادية والجيوسياسية». وانتقد الإخفاق في ترتيب التحديات بوضوح بين المديونية والاستثمار والبطالة والأمن الغذائي. وهذا في حين أن الخبراء والأكاديميين الجامعيين المستقلين يرون أن تراجع النسب الرسمية للتضخم المالي يمثل، بلا شك، أحد أهم عناصر الاستقرار الحالي في البلاد رغم الصعوبات.

التضخم يتراجع... لكن القدرة الشرائية لا تتحسَّن

الخبير الاقتصادي عبد الباسط السماري اعتبر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأرقام تخفي أحياناً تجربة اجتماعية مختلفة». وأوضح أن الانتقال من تضخّم تجاوز 10 في المائة في السنوات السابقة إلى نحو 5 في المائة لا يعني أن الأسعار عادت إلى الوراء، بل يعني واقعياً أن سرعة ارتفاعها أصبحت أبطأ.

ولقد لخّص الشكندالي هذه المفارقة عندما قال إن «تراجع التضخم لا يعني بالضرورة تحسن المعيشة». وأشار إلى أن المواطن راكم خسارة في قدرته الشرائية طوال سنوات، ولا يمكن قياس وضعه الحالي «بمجرد مقارنة معدل التضخم بين شهر وآخر». وهذا الطرح يجد صداه لدى «الاتحاد العام التونسي للشغل». ويُذكر أنه بعد انتخاب صلاح الدين السالمي أميناً عاماً لـ«الاتحاد» في مارس (آذار) الماضي، وضعت القيادة النقابية الجديدة مسألة الحوار الاجتماعي والأجور والقدرة الشرائية في مقدمة الملفات.

ثم في أبريل (نيسان)، حذّرت الهيئة الإدارية الوطنية لـ«الاتحاد» من تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وطالبت بتغييرات «عادلة» تحمي القدرة الشرائية، وباستئناف الحوار وزيادة الأجور.

ثم ذهب السالمي أبعد خلال يوليو الماضي، حين اعتبر، خلال تجمّعات عمالية بمناسبة إضرابات واسعة في البنوك أزمة، أن غياب «الحوار الاجتماعي والسياسي» غدا أحد أسباب التوتر في قطاعات عدة. وشدد على أن «المطالب النقابية لا تُختزل في الأجور، وإنما تتّصل أيضاً بمصلحة المؤسسات والاقتصاد والعاملين وتحسين مناخ الأعمال ومناخ الحريات في البلاد».

هذا الأمر يضع الحكومة أمام معادلة دقيقة؛ إذ إن المالية العمومية تحتاج إلى الانضباط، «لكن الأمن الاجتماعي يحتاج إلى تحسين القدرة الشرائية بما يحمي الطبقة الوسطى والفئات الضعيفة من التآكل»، حسب ما أورده الخبير الاقتصادي والسياسي ماهر القلّال في تصريح لـ«الشرق الأوسط».

حين تقترض الدولة لتدفع ديونها

ثم إنه، إذا كان ملف الأسعار هو الوجه الاجتماعي للأزمة، فإن الدَّين يمثل أحد أكثر وجوهها المالية تعقيداً. وهنا يستخدم الخبير الاقتصادي عبد الباسط السماري عبارة لافتة في توصيف الوضع، إذ يقول: «نقترض لنُسدّد، ونُسدّد لنقترض من جديد!».

وفي قراءته لميزانية 2026، يرى السماري أن تخصيص أكثر من ثلث الميزانية لخدمة الدَّين يعني أن موارد ضخمة أصبحت تتجه إلى الماضي بدلاً من بناء قدرة إنتاجية للمستقبل. ومن ثم، يحذّر بصورة خاصة من الاعتماد الكبير على الدَّين الداخلي، لأنه يسحب السيولة من النظام البنكي ويرفع تكلفة التمويل على الشركات، وبالتالي يمكن أن «يخنق الاستثمار الوطني».

هذه النقطة تلتقي، على الرغم من اختلاف المقاربات، مع تحذيرات رضا الشكندالي. فالأخير يرى أن الاعتماد المتزايد على الاقتراض الداخلي لم يكن خياراً اقتصادياً مثالياً بقدر ما كان نتيجة محدودية الوصول إلى التمويل الخارجي، وذلك بحجة «رفض شروط صندوق النقد العالمي والبنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية، مقابل الموافقة على التداين من مؤسسات دولية خاصة بنسب فائدة أعلى».

وفي تحليل الشكندالي للوضع المالي، فهو يحذِّر من حلقة يصبح فيها جزءٌ متزايد من موارد الدولة موجَّهاً لسداد التزامات سابقة، بينما يضيق الهامش المتاح للاستثمار. وهنا يرى أن المشكلة ليست محاسبية فقط، فعندما تتجه البنوك بكثافة إلى تمويل الدولة، يصبح شراء سند حكومي أكثر أماناً وأقل مخاطرة من إقراض مصنع أو شركة صغيرة.

وهكذا - والكلام للشكندالي - يمكن أن تنجح الدولة في تمويل الميزانية لكنها تفعل ذلك جزئياً على حساب الاقتصاد، الذي يفترض به أن يولّد الضرائب والوظائف والنمو مستقبلاً.

وهنا تظهر مفارقة أخرى هي أن الدولة تحتاج إلى البنوك كي تموّل عجزها، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى أن تموِّل البنوك القطاع الخاص كي يخرج الاقتصاد من العجز.

البنك المركزي... والخط الأحمر النقدي

بالتوازي، يتحول النقاش إلى مستوى أكثر حساسية عندما يتعلق بالتمويل المباشر للخزينة من البنك المركزي. وهنا يحذّر الشكندالي من أن ضخّ كميات كبيرة من السيولة في اقتصاد لا ترتفع فيه كمية السلع والخدمات بالوتيرة نفسها، يمكن أن يعيد الضغط على الأسعار وقيمة الدينار. ورأى أن «الحل على المدى الطويل لا يكمن في طباعة المزيد من النقود، بل في خلق المزيد من الثروة».

في أي حال، وعلى الرغم من كل المخاوف، يبدو أن تونس تجاوزت سيناريو «الانهيار النقدي» و«الأزمة الاقتصادية الاجتماعية الأمنية الشاملة»؛ إذ تؤكد الحكومة أن التضخم الفعلي حتى صيف 2026 ظل أدنى بكثير من المستويات التي كان يخشاها بعض الاقتصاديين. غير أن التحذيرات تتزايد من أن تصبح بعض القرارات المالية والنقدية الاستثنائية آلية اعتيادية وسياسة دائمة، فالتمويل من المصرف المركزي والبنوك التجارية يمكن أن يمنح الخزينة متنفّساً قصير الأجل، لكنه لا يستطيع أن يحلّ محل الاستثمار والإنتاجية والصادرات.

5 مليارات دولار فجوة التجارة الخارجية

على الجبهة الخارجية، يقدّم العجز التجاري صورة أخرى للاختلال الهيكلي. وخلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، قاربت صادرات تونس 40.6 مليار دينار، مقابل واردات بنحو 55.6 مليار. أي أن الفجوة اقتربت من 15 مليار دينار، أو ما يزيد قليلاً على خمسة مليارات دولار إذا ما احتُسب الدولار في حدود 2.92 دينار خلال أغسطس (آب).

وهنا يلفت السماري إلى أن «الطاقة تقع في قلب المشكلة»، وهو يعتبر في تحليله لبيانات التجارة أن أكثر من نصف العجز التجاري التونسي مصدره الطاقة. وعليه، فهذا يحول ملف الطاقة المتجددة من قضية بيئية إلى قضية سيادة اقتصادية.

فكل محطة شمسية أو ريحية تعوّض جزءاً من الغاز المستورد، عملياً، تعني تقليص الطلب على العملة الصعبة وتحسين الميزان التجاري، فضلاً عن تأمين الكهرباء للصناعة. أما تأجيل الاستثمار في الطاقة، فيعني بقاء الاقتصاد عرضة لأسعار الغاز والنفط وتقلبات الخارج.

انقطاعات غير مسبوقة للتيار الكهربائي

أمر آخر يستحق الإشارة إليه هو أن اضطرابات الكهرباء خلال الصيف أظهرت أن المسألة لا تتعلق فقط بأسعار الطاقة. وهنا يرى رضا الشكندالي في الانقطاعات المتكررة مؤشراً إلى «أزمة هيكلية» في حوكمة القطاع، وينتقد توجيه جانب من التمويلات إلى سداد الديون وشراء الغاز بدلاً من تجديد الإنتاج والشبكات. ثم إنه يدعو إلى تسريع الاستثمار في الطاقة الشمسية وتسوية ديون المؤسسات العمومية تجاه شركة الكهرباء والغاز. ولكن هنا تبرز قضية أكبر: ذلك أن تونس لا تعاني من نقص التمويل فقط، بل تعاني أيضاً مشكلة تحويل التمويل المتاح إلى استثمار فعلي.

وهذا ما أقرّت به رئيسة الحكومة نفسها، حين قالت في يونيو إن الاعتمادات المخصّصة للاستثمار العمومي ارتفعت من 4.7 مليار دينار عام 2023 إلى 6.5 مليار في 2026، لكنها شدّدت على أن التحدي الأساسي لم يعد فقط توفير الأموال، بل تحويلها إلى مشاريع منجزة في آجالها.

رئيس الحكومة سارة الزعفراني الزنزري (موقع وزارة التجهيز والاسكان - تونس)

المعارضة: الأزمة ليست اقتصادية فقط

ولكن قراءة المشهد ستظل ناقصة إذا ما اقتصرت على الحكومة والاقتصاديين والنقابات. فالمعارضة التونسية تنظر إلى التدهور الاجتماعي من زاوية سياسية أيضاً، وترى أن غياب التوازن السياسي والحوار والمساءلة جزء من أزمة الحوكمة الاقتصادية.

وبالفعل، شنّت بلاغات من عشرات المنظمات غير الحكومية والأحزاب المعارضة انتقادات حادة لسياسات السلطة وحملتها مسؤولية ما وصفته بـ«التدهور المريع» في ظروف العيش. ونظمت هذه الأطراف مسيرات وتجمعات احتجاجية في العاصمة تونس وفي عدة مدن داخلية.

في المقابل، تقدّم الحكومة تفسيراً معاكساً يقوم على القول إن السياسة الحالية «أعادت للدولة استقلال القرار الوطني» ومكّنتها من تحسين المؤشرات رغم الأزمات الخارجية.

لكن، في الحصيلة النهائية، أضحى التوتر الاجتماعي والسياسي جزءاً من المشهد الاقتصادي نفسه... وبات التحدي الأكبر بالنسبة لكل الأطراف هو التوصل إلى «توازن صعب جديد» لامتصاص الآثار السلبية للصدمات المالية والاقتصادية والأمنية الإقليمية والدولية.

تونس أمام ثلاثة سيناريوهات اقتصادية اجتماعية

تبدو تونس وهي تستعد لافتتاح السنة الإدارية والسياسية الجديدة بعد أسابيع أمام ثلاثة سيناريوهات: - السيناريو الأول، مبني على استمرار «الصمود الحالي»: نمو بين 2 و3 في المائة، وتضخم يمكن التحكم فيه، واستمرار السياحة والتحويلات والصادرات، وقدرة الدولة على سداد التزاماتها. وهذا سيناريو يمنع الانهيار، لكنه لا ينهي البطالة ومعضلات ارتفاع الأسعار والبطالة، ولا يعيد بناء الطبقة الوسطى. - السيناريو الثاني، عودة الضغوط المالية إذا ما استمر نمو الدَّين والتمويل الداخلي واتسع العجز التجاري، وخصوصاً في حال حدوث صدمات جديدة في أسعار الطاقة وكلفة الإنتاج. وعندها تصبح تحذيرات الخبراء المستقلين من التضخم والتمويل النقدي أكثر إلحاحاً. كما تتأكد الحاجة إلى التفاعل إيجاباً مع التحذيرات من التمادي في سياسة «الاقتراض لسداد الاقتراض». - السيناريو الثالث، تحويل الاستقرار النسبي إلى دورة استثمار. ويتطلب ذلك تسريع الطاقة المتجددة، وإصلاح الموانئ، وتبسيط الإدارة، وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية من دون تحويل الإصلاح إلى مجرد خصخصة، وتوجيه النظام المالي بصورة أكبر نحو تمويل الشركات، وخلق فرص للاستثمار أمام الجالية التونسية في الخارج.


الأهلي يستدرج أبها... والشباب لمصالحة جماهيره من شباك الخليج

جالينو لاعب الأهلي (تصوير: مشعل القدير)
جالينو لاعب الأهلي (تصوير: مشعل القدير)
TT

الأهلي يستدرج أبها... والشباب لمصالحة جماهيره من شباك الخليج

جالينو لاعب الأهلي (تصوير: مشعل القدير)
جالينو لاعب الأهلي (تصوير: مشعل القدير)

يدشن الأهلي مبارياته على أرضه في الموسم الكروي الجديد، وذلك عندما يستقبل نظيره أبها في ختام مباريات الجولة الثانية من الدوري السعودي للمحترفين.

وخاض الأهلي مباراته أمام الدرعية في الجولة الأولى بالعاصمة الرياض قبل أن يواجه الأنوار في حوطة بني تميم ببطولة كأس الملك.

ويسدل الستار على منافسات الجولة الثانية من الدوري السعودي للمحترفين بأربع مواجهات، إذ يستضيف الفتح نظيره الاتفاق، ويلتقي الخلود مع التعاون، فيما يحل الخليج ضيفاً على الشباب، ويستقبل الأهلي نظيره أبها.

في جدة، يستقبل الأهلي نظيره أبها في مواجهة يتطلع خلالها الفريق الجداوي إلى مواصلة انطلاقته الإيجابية، بعدما دشن موسمه بالفوز على الدرعية بهدف دون رد، رغم الصعوبات التي واجهها أمام الوافد الجديد.

ويبحث الأهلي عن انتصاره الثاني توالياً ومواصلة جمع النقاط منذ البداية، مستفيداً من عاملي الأرض والجمهور، في حين يدخل أبها المواجهة بطموح الخروج بنتيجة إيجابية أمام منافس يملك أسماء وخيارات متعددة.

الأهلي قدم نفسه بصورة مثالية رغم رحيل مدربه الألماني ماتياس يايسله وتولي مواطنه مارينو بوسيتش الدفة الفنية، حيث نجح حتى الآن في اختباراته الميدانية، لكنه يسعى لمزيد من الظهور المميز خاصة وأن الفريق تنتظره مباراة هامة في كأس القارات الأربعاء المقبل.

أبها بدوره لم يحقق الفوز في ظهوره الأول بالدوري السعودي للمحترفين عقب صعوده وعودته للمنافسة، إذ خسر مباراته الأولى الحزم بنتيجة 2-1 وعاد للخسارة في بطولة كأس الملك أمام العروبة وودع المنافسة من دور الـ32.

في الأحساء، يستقبل الفتح نظيره الاتفاق في مواجهة يدخلها الفريقان بظروف متشابهة، إذ يبحث أصحاب الأرض عن تجاوز البداية الصعبة والظهور بصورة أفضل أمام جماهيرهم، بعدما تلقوا خسارة ثقيلة أمام النصر بثلاثية نظيفة في الجولة الأولى، وبعدها الوداع من بطولة كأس الملك بالخسارة أمام العلا في الدور الأول.

الشباب عزز صفوفه بالغاني توماس بارتي (موقع النادي)

ويتطلع الفتح إلى استعادة توازنه سريعاً وتجنب خسارة ثانية على التوالي، إلا أن مهمته لن تكون سهلة أمام الاتفاق الذي سجل واحدة من أبرز بدايات الجولة الافتتاحية، بعدما تجاوز الرياض بنتيجة 4 - 2، مقدماً مستوى هجومياً لافتاً.

لكن الاتفاق تلقى خسارة موجعة أمام الجبلين وودع بطولة كأس الملك، إذ يحاول مصالحة جماهيره والعودة لدائرة الانتصارات في مباراة قوية أمام الفتح.

وفي مواجهة أخرى، يستضيف الخلود نظيره التعاون بعد بداية إيجابية للفريق في المسابقة، حيث نجح في الخروج بالتعادل أمام الاتحاد، في نتيجة منحته دفعة معنوية كبيرة قبل ظهوره الثاني، قبل أن يكمل تفوقه بفوز عريض أمام جدة بكأس الملك 5-0 ويتأهل للدور التالي من البطولة.

ويطمح الخلود إلى استثمار عاملي الأرض والجمهور وتحويل بدايته الإيجابية إلى انتصار أول، فيما يدخل التعاون اللقاء بعدما تعادل مع الخليج في الجولة الأولى، ويتطلع بدوره إلى تحقيق فوزه الأول وعدم فقدان مزيد من النقاط في مرحلة مبكرة من الموسم.

وفي الرياض، تتجه الأنظار إلى مواجهة الشباب والخليج، حيث يبحث الفريق العاصمي عن تقديم صورة أفضل واستعادة توازنه، خصوصاً مع تطلعاته إلى تسجيل حضور قوي في الدوري وعدم الدخول مبكراً في دوامة فقدان النقاط.

ويحل الخليج ضيفاً على الشباب بعدما خرج بنقطة من مواجهته الأولى أمام التعاون، في مباراة أظهر خلالها قدرته على مجاراة منافسه خارج أرضه، ويتطلع إلى تكرار حضوره الإيجابي والعودة بنتيجة تمنحه دفعة في بداية المشوار.

أما الشباب، فيدرك أن المواجهة تمثل فرصة مهمة لتأكيد قدرته على تجاوز أي تعثر مبكر، مستفيداً من إقامة اللقاء على أرضه، وفاقم الشباب أزمته بالخروج المبكر من بطولة كأس الملك بخسارته أمام الوحدة القادم من دوري الدرجة الأولى ووداع البطولة في الدور الأول.