زجاج بيروت المهشم يبوح بأسراره لخبراء الترميم في المتحف البريطاني

معرض يروي رحلة النجاة من انفجار المرفأ

إيمي بو رزق من المتحف الأثري بالجامعة الأميركية في بيروت ومنسقة المشروع كلير كويوبير تعملان على وعاء روماني بين عامي200 و 400 ميلادي (أمناء المتحف البريطاني الجامعة الأميركية في بيروت)
إيمي بو رزق من المتحف الأثري بالجامعة الأميركية في بيروت ومنسقة المشروع كلير كويوبير تعملان على وعاء روماني بين عامي200 و 400 ميلادي (أمناء المتحف البريطاني الجامعة الأميركية في بيروت)
TT

زجاج بيروت المهشم يبوح بأسراره لخبراء الترميم في المتحف البريطاني

إيمي بو رزق من المتحف الأثري بالجامعة الأميركية في بيروت ومنسقة المشروع كلير كويوبير تعملان على وعاء روماني بين عامي200 و 400 ميلادي (أمناء المتحف البريطاني الجامعة الأميركية في بيروت)
إيمي بو رزق من المتحف الأثري بالجامعة الأميركية في بيروت ومنسقة المشروع كلير كويوبير تعملان على وعاء روماني بين عامي200 و 400 ميلادي (أمناء المتحف البريطاني الجامعة الأميركية في بيروت)

منذ نحو عام سافرت ثمانية قطع زجاجية أثرية هشمها انفجار مرفأ بيروت إلى لندن، حيث خضعت لعمليات ترميم قام بها خبراء المتحف البريطاني. خلال عام استلقت القطع المتكسرة بين أيدي الخبراء، استسلمت لعمليات لملمة الأجزاء وباحت خلال ذلك الوقت ببعض من أسرارها لهم.
واليوم يفتتح المتحف معرضاً خاصاً بالقطع الثمانية تختلط فيه الصور المتحركة والتسجيلات الصوتية التي تتضافر كلها لتقدم للزائر نظرة على تاريخ تلك القطع وآثار الدمار الذي خرجت منه، والجهود التي بذلت لإعادتها كاملة الشكل. العرض الذي يحمل عنوان «زجاج بيروت المهشم» يقام في قاعة «أساهي شيمبون»، المخصصة للعروض المؤقتة المجانية، حتى 25 من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل لتبدأ القطع بعد ذلك رحلة العودة لمقرها في المتحف الأركيولوجي ببيروت. قصة القطع الثمانية هي جزء من حدث هز أركان لبنان، فانفجار مرفأ لبنان في 4 أغسطس (آب) 2020 لم يترك ركناً في البلد لم يلمسه بخسارة سواء مادية أو معنوية، ومنها الخسارة المادية للمتحف الأركيولوجي بالجامعة الأميركية في بيروت والذي يقع على بعد 3.2 كيلومتر من المرفأ.

تعود القطع إلى الحقب الرومانية والإسلامية وكانت ضمن إحدى خزانات العرض بالمتحف ومن شدة الانفجار انخلعت الخزانة من مكانها متسببة في تحطيم محتوياتها الثمينة وتناثرها على الأرضية مختلطة مع زجاج آخر متناثر من النوافذ وأبواب خزانات العرض. 74 قطعة كانت في خزانة العرض تمثل نماذج لصناعة الزجاج من العصور البيزنطية والإسلامية، معظمها تحطم وتناثرت شظاياه، مما جعلها غير قابلة للترميم، وتبقى عدد صغير من القطع عدّها الخبراء قابلة للترميم ثمانية منها نقلت إلى المتحف البريطاني، حيث الأجهزة والخبرات اللازمة لإصلاح وترميم هذه القطع.
بحسب بيان المتحف البريطاني نجحت محاولات الترميم في حفظ 18 قطعة، بالإضافة للقطع الثمانية في لندن ويأمل المرممون في بيروت ولندن أن تنجح محاولات ترميم ولملمة القطع المتناثرة من 46 قطعة أخرى.

كوب من العصر البيزنطي بين عامي 500 و 700

الشروخ جزء من القصة

ولكن عمليات الترميم لن تعيد القطع كاملة ولن تزيل أثر الانفجار، وهو أمر اتفق عليه الخبراء في بيروت ولندن، حيث حرص المرممون على أن تكون القطع في حالة مستقرة مع ترك الندب والشروخ واضحة فهي أصبحت جزءاً من تاريخ كل قطعة، تتحدث ببلاغة لا تستطيعها أي لغة عن حياتها منذ العصور القديمة، وعن كل ما مرت به حتى حطمها الانفجار ليتحول بدوره إلى قصة أخرى تضاف لقصص كثيرة مرت بها.
ولهذا الهدف تم تنسيق الإضاءة في المعرض بشكل يركز على الأضرار التي تركها الانفجار على كل قطعة، ندوب وآثار تحملها كل قطعة مثلما يحمل اللبنانيون آثار الانفجار في داخلهم وتعكس بعرضها عزيمتهم على التعافي وإعادة وصل القطع المتكسرة من حياتهم. رحلة القطع الثمانية بعد الانفجار إلى لندن وحتى عرضها ستكون أهم جانب من العرض، حيث يسافر الزوار على متن التسجيلات الصوتية والمرئية لخوض التجربة مرة أخرى منذ البداية، لحظة الانفجار الهائل الذي بعثر محتويات الخزانة في المتحف ببيروت وحتى تفاصيل عمليات الترميم التي قام بها الخبراء في معامل المتحف البريطاني. يستعين العرض بشهادات صوتية من العاملين في متحف الجامعة الأميركية والمتحف البريطاني، فهم شهود على حياة تلك القطع في وطنها ورحلتها لتعود مرة أخرى.

إناء من العصر الروماني بين عامي 50 و70 ميلادي (المتحف الآركيولوجي في الجامعة الأميركية، بيروت)

أسرار مخفية

يبقى للانفجار يد في الوصول لبعض الحقائق التي أخفتها القطع الزجاجية عبر مئات السنين، فقد توصل خبراء الترميم إلى معلومات وحقائق تاريخية لم يكن ممكناً الوصول لها لو لم تتكسر تلك القطع. فعبر عمليات تحليل دقيقة قام بها كل من د.أندرو ميك ود.جوان داير من المتحف البريطاني كان من الممكن سبر أغوار أسرار صناعة وتلوين القطع. عند تكسر القطع برزت في داخل كل كسر جوانب من الزجاج الداخلي. كما أثار وجود بعض العناصر الملونة في كل قطعة الاهتمام، خاصة أن القطع الثمانية لم تكن ملونة، مما طرح فكرة أن صناع القطع قاموا بتدوير زجاج مستخدم، وهو ما سيمنح الخبراء الفرصة لتكوين صورة واضحة لصناع ومستخدمي الزجاج في الحقب القديمة. وبالنسبة لنا في القرن الـ21 فذلك يعد أمراً مدهشاً أن نتشارك مع صناع الزجاج قبل 2000 عام في ممارسات التدوير.
تحمل الأواني أهمية كبيرة في سرد قصة تطور تقنية نفخ الزجاج في لبنان في القرن الأول قبل الميلاد، وهي الفترة التي شهدت ثورة في إنتاج الزجاج. مكنت هذه التقنية من الإنتاج الضخم للأجسام الزجاجية بأشكال مختلفة، مما جعل مادة النخبة متاحة للاستخدام المنزلي العام. في ست من القطع التي خضعت للترميم بدا واضحاً استخدام التقنية المبكرة لنفخ الزجاج.
يعود تاريخ قطعتين أخريين إلى أواخر العصر البيزنطي - العصور الإسلامية المبكرة، وربما تم استيرادهما إلى لبنان من مراكز تصنيع الزجاج المجاورة في سوريا أو مصر.

صحن من العصر الروماني بين عامي 200 و400

ويبقى الأمل

ومن جانبه، قال هارتويغ فيشر، مدير المتحف البريطاني: «يروي معرض زجاج بيروت المحطم قصة الدمار والتعافي، والصمود والتعاون. بعد مرور عامين على انفجار بيروت، يسعدنا أن نعرض هذه الأواني الزجاجية القديمة الثمانية المحفوظة. نحن ممتنون للعمل المتفاني الذي قام به الزملاء من المتحف الأثري في الجامعة الأميركية في بيروت والمتحف البريطاني الذين جعلوا هذا العرض ممكناً».
أما الدكتورة نادين بانايوت، أمينة المتحف الأثري في الجامعة الأميركية في بيروت فقالت: «إن إعادة بناء هذه الأواني الزجاجية، قطعة صغيرة تلو الأخرى، ساعدت على لم شملها، والتعرف على قيمتها التراثية، وبناء حس مجتمعي. إن رؤية هذه الأواني المحطمة والحساسة وقد أعيد تجميعها لم يؤد إلى عملية الشفاء فحسب، بل ألهمني أيضاً الأمل في مستقبل أفضل».

دورق روماني من القرن الأول  الميلادي

وأشارت زينة كلينك هوبي، أمينة في المتحف البريطاني إلى الأثر العاطفي الذي صاحب عمليات الترميم قائلة: «كانت لقطات انفجار بيروت بمثابة صدمة كبيرة. كان العمل مع الزملاء في المتحف البريطاني والمتحف الأثري في بيروت لتجميع بعض القطع الأثرية التي تحطمت في الانفجار رحلة عاطفية، ولكنه أيضاً خطوة صغيرة ذات مغزى في الحفاظ على تراث بيروت وفخرها وفي تعافي مواطنيها وهم يعيدون بناء حياتهم تدريجياً».
الدكتور دويغو كاموركوجلو، كبير مسؤولي الترميم في المتحف لخص العرض في جملة واحدة حيث قال: «ثمانية قطع زجاجية، مئات الشظايا، ثلاث نساء... أثبت الحفاظ على هذه الأواني الفريدة أنه عندما ندعم بعضنا بعضاً، سيكون هناك دائماً أمل».

بعض القطع المرممة في معرض «زجاج بيروت المهشم» (المتحف الآركيولوجي في الجامعة الأميركية، بيروت - لبنان)

مقالات ذات صلة

احتفاء بحاتم الطائي في حائل

يوميات الشرق احتفاء بحاتم الطائي في حائل

احتفاء بحاتم الطائي في حائل

تنظم وزارة الثقافة السعودية، في مدينة حائل الواقعة شمال البلاد، يوم الجمعة المقبل، مهرجاناً تحت شعار «في ضيافة الطائي»، وذلك احتفاء بابن المدينة الذي أصبح مثالاً للكرم بين العرب، وأحد أبرز شعرائهم على مدار التاريخ. وتحتفل الوزارة بشخصية حاتم الطائي، وقِيمه الحميدة، وأعماله الخالدة في ذاكرة الشعر العربي، ومكانته الثقافية.

يوميات الشرق سقوط أمطار داخل بهو المتحف الكبير يثير جدلاً في مصر

سقوط أمطار داخل بهو المتحف الكبير يثير جدلاً في مصر

قللت وزارة السياحة والآثار المصرية من خطورة سقوط أمطار داخل بهو المتحف الكبير بميدان الرماية، (غرب القاهرة)، وذلك بعد ساعات من الجدل الذي واكب تداول صور ومقاطع مصورة، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لسقوط مياه أمطار على تمثال الملك رمسيس الثاني داخل البهو. ونفت الوزارة، في بيان لها، على لسان اللواء عاطف مفتاح، المشرف على مشروع المتحف المصري الكبير والمنطقة المحيطة به «وجود خطورة من سقوط هذه الأمطار»، مشيراً إلى «أن تمثال رمسيس الثاني لم ولن يتأثر بمياه الأمطار، وأن المتحف وجميع فراغاته في أفضل حالة من الحفظ». وأوضح أن سقوط الأمطار أمر طبيعي ومتوقع ومدروس في أثناء تصميم وتنفيذ المتحف ولا يُمثل أي

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق 3 أنصاب جنائزية في حائل والحِجر السعوديتين

3 أنصاب جنائزية في حائل والحِجر السعوديتين

خرجت من أراضي المملكة العربية السعودية عدد كبير من المنحوتات تشهد لتطوّر هذا التعبير الفني خلال مراحل زمنية متلاحقة. تعود أقدم هذه المنحوتات إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد، وهي من الطراز الجنائزي، وأهمّها نصبان يتميّزان بملامحهما الآدمية مصدرهما قرية الكهفة في منطقة حائل، ونصب ثالث مشابه لهما، مصدره منطقة الحِجر في محافظة العلا. تقع منطقة حائل في شمال نجد، في منتصف الجزء الشمالي الغربي من المملكة، وتُعدّ من أقدم مناطق الاستيطان في شبه الجزيرة العربية. وتقع قرية الكهفة في القسم الشرقي من هذه المنطقة.

يوميات الشرق هيكل لأكبر الديناصورات في متحف التاريخ الطبيعي بلندن

هيكل لأكبر الديناصورات في متحف التاريخ الطبيعي بلندن

يُعرض في لندن بدءاً من اليوم الجمعة هيكل عظمي لأحد أكبر الديناصورات، في أوّل معرض مماثل في أوروبا، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وكان هذا الحيوان يعيش قبل نحو مائة مليون سنة في باتاغونيا ويأكل 130 كيلوغراماً من النباتات يومياً. ويُعرَض الهيكل الذي ينتمي إلى عائلة التيتانوصورات والمُسمى «تيتان باتاغونيا» في صالة عرض متحف التاريخ الطبيعي في لندن. وأكد الباحثون أنّه لو كان بوضعية مستقيمة لكان حجمه مماثلاً لمبنى مؤلّف من 5 طوابق. ويشكل الهيكل العظمي البالغ ارتفاعه 37.2 متر نسخة طبق الأصل لأحد التيتانوصورات الستة التي عُثر عليها بعدما اكتشف مزارع أرجنتيني عظمة ضخمة بارزة من الأرض في عام 2010.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم هيكل عظمي لأكبر الديناصورات يُعرض في لندن

هيكل عظمي لأكبر الديناصورات يُعرض في لندن

يُعرض في لندن بدءاً من الجمعة هيكل عظمي جرى صبّه لأحد أكبر الديناصورات على الإطلاق، في أوّل معرض لهيكل عظمي مماثل في أوروبا، حسبما أفادت وكالة الصحافة الفرنسية. وكان هذا الحيوان يعيش قبل نحو مائة مليون سنة في باتاغونيا ويأكل 130 كيلوغراماً من النباتات يومياً. ويُعرَض الهيكل العظمي للحيوان، الذي ينتمي إلى عائلة التيتانوصورات والمُسمى «تيتان باتاغونيا» في صالة عرض متحف التاريخ الطبيعي في لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم الجمعة، وفور بدئه تصدّر قوائم الأفلام الأعلى مشاهدة في السعودية ودول عربية عدة، وهو الفيلم العربي الوحيد المرشح لجائزة «أوسكار» في دورتها الـ98، ويأتي من إخراج المخرجة التونسية كوثر بن هنية.

يُعيد الفيلم بناء الأحداث المحيطة بمقتل الطفلة ذات الـ6 أعوام، هند رجب، في غزة على يد القوات الإسرائيلية مطلع عام 2024، مما أحدث صدى واسعاً منذ عرضه العالمي الأول في «مهرجان فينيسيا السينمائي» في سبتمبر (أيلول) الماضي، حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى، علاوة على كونه ممثلاً لتونس في فئة «أفضل فيلم روائي دولي» في «أوسكار»، وتم ترشيحه لجائزتَي «بافتا»، و«غولدن غلوب».

كما يظهر الدعم السعودي في مسار «صوت هند رجب» عبر أكثر من مستوى، بدءاً من مشاركة «استوديوهات إم بي سي» في الإنتاج بوصفها منتجاً منفذاً وممولاً مشاركاً، وصولاً إلى امتلاك «إم بي سي شاهد» حقوق العرض الحصري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتصدّر الفيلم قائمة الأعمال الأعلى مشاهدة في منصة «شاهد» منذ الأيام الأولى لطرحه، وتحوّل إلى موضوع رائج على شبكات التواصل الاجتماعي.

كما تزامن إطلاق الفيلم على منصات البث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يوم الجمعة، مع إعلان من شركة التوزيع الأميركية «Willa» عن توسيع عرضه في الولايات المتحدة ليشمل أكثر من 70 صالة سينما في أنحاء البلاد، مع مشاركة المخرجة كوثر بن هنية في سلسلة من جلسات الأسئلة والأجوبة المباشرة في نيويورك ولوس أنجليس خلال الأيام المقبلة.


فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي، بقدر ما هو مشروع سينمائي طويل النفس، تشكّل وتغذّى من تراكمات سياسية واجتماعية وإنسانية امتدت على مدار أكثر من سبعة عقود.

الفيلم المدعوم من «مؤسسة البحر الأحمر» سيُعرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة المقبلة من مهرجان برلين السينمائي، وهو من إخراج رانية الرافعي التي تقدّم قراءة مركبة لمدينة طرابلس، بوصفها كياناً حياً، يتقاطع فيه الخاص والعام، والذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية، والغضب بوصفه حالة تاريخية مستمرة وليس حدثاً طارئاً.

الفيلم يندرج ضمن خانة الوثائقي التجريبي، وهو توصيف لا يبدو شكلياً بقدر ما يعكس جوهر التجربة نفسها، فـ«يوم الغضب... حكايات من طرابلس» يستعيد خمس لحظات ثورية شهدتها طرابلس منذ عام 1943 وحتى اليوم، لا ليعيد تمثيلها أو يقدّمها بوصفها محطات مكتملة، بل ليقرأها بوصفها مسارات متداخلة، وحلقات في سلسلة طويلة من البحث عن العدالة والهوية والمعنى.

توضح المنتجة جنان داغر لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم بالأساس مشروع المخرجة رانيا الرافعي، وأن دورها منتجةً جاء امتداداً لتعاون طويل بينهما في الأفلام الطويلة، بدأ مع فيلم «74: استعادة نضال»، وهو العمل الذي حظي، حينها، بمسار مهرجاني واسع، وشكّل محطة تأسيسية في علاقتهما المهنية.

وتشير داغر إلى أن فكرة «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» بدأت قبل اندلاع احتجاجات 2019 بقليل، حين كانت رانيا الرافعي تفكّر في إنجاز فيلم عن طرابلس، مدينتها، بوصفها مساحة تاريخية وسياسية معقّدة، ومع انطلاق التحركات الشعبية في لبنان، خصوصاً في طرابلس، تحوّل المشروع من فكرة مؤجلة إلى ضرورة، خصوصاً مع انخراط المخرجة المباشر في الشارع، وقرارها أن تكون حاضرة بالكاميرا وسط ما يجري.

المنتجة اللبنانية جنان داغر (الشرق الأوسط)

وتؤكد المنتجة أن الفيلم لا يتعامل مع لحظة 2019 بوصفها حدثاً معزولاً، بل يضعها ضمن مسار تاريخي طويل من الانتفاضات والتحركات التي شهدتها المدينة منذ عام 1943، فالتاريخ -حسب رؤيتها- لا يُصنع فجأة، بل يتكوّن عبر تراكمات متتالية، وغالباً ما نميل إلى اعتبار لحظة معينة «تاريخية» من دون الانتباه إلى ما سبقها من مقدمات وشروط.

وعن البنية السردية للفيلم، توضّح جنان داغر أن الفيلم يحمل بُعداً شخصياً واضحاً، إذ تقوم بنيته على رسائل تكتبها رانيا الرافعي إلى والدها، الذي تُوفي خلال فترة العمل على الفيلم، هذا الجانب الحميمي، برأيها، لا يتناقض مع الطابع السياسي للعمل، بل يمنحه عمقاً إضافياً، لأنه يربط التحولات الكبرى بتجارب فردية، ويعيد السياسة إلى مستوى الحياة اليومية.

تحديات أساسية

وتلفت جنان داغر إلى أن أحد التحديات الأساسية كان تفادي الوقوع في خطاب أحادي أو قراءة منحازة، خصوصاً أن طرابلس تُقرأ دائماً من زوايا طائفية أو آيديولوجية ضيقة، لذلك، حرص الفيلم على الرصد والاستماع، لا على إصدار الأحكام، وعلى طرح الأسئلة بدل تقديم إجابات جاهزة حول المراحل المختلفة التي مرت بها المدينة، من الاستعمار إلى الحرب الأهلية، وصولاً إلى الزمن الراهن.

على المستوى الإنتاجي، تصف جنان داغر تجربة إنجاز الفيلم بالصعبة والطويلة، في ظل نقص التمويل والأزمات المتلاحقة التي شهدها لبنان منذ عام 2019، فجرى تصوير العمل على مراحل متقطعة، وهو ما فرض تحديات كبيرة، لكنه أتاح في المقابل مسافة زمنية للتأمل وإعادة التفكير في المادة المصوّرة.

حصد الفيلم اللبناني دعماً من «البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

وتؤكد جنان داغر أن دعم «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي» كان حاسماً في مسار الفيلم، لا سيما في مرحلتَي الإنتاج وما بعدهما، إذ أتاح الانتقال من مرحلة التصوير المتفرّق إلى مرحلة الإنجاز النهائي. كما لعبت جهات داعمة أخرى، مثل «الصندوق العربي للثقافة والفنون» (آفاق)، و«مؤسسة الدوحة للأفلام»، و«مؤسسة سينما لبنان»، أدواراً أساسية في مراحل مختلفة من المشروع.

وحول اختيار الفيلم للمشاركة في مهرجان برلين السينمائي، تقول جنان داغر إن التقديم جاء في مرحلة كان فيها الفيلم قد انتهى من المونتاج، لكنه لم يكن قد دخل بعد في المعالجات النهائية للصوت والصورة، لينجز الفريق العمل بتفاصيله كافّة عبر جهد مكثف، ليكون جاهزاً للعرض في «برلين السينمائي»، مما يشكّل فرصة حقيقية لفتح مسار دولي للفيلم، والوصول إلى جمهور أوسع، وهو الهدف الأساسي بالنسبة لهم.

Your Premium trial has ended


معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
TT

معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)

كشفت واقعة استرداد مصر لتمثال رأس أثري من هولندا بعد تتبعه في أحد المعارض بمدينة ماسترخيت عن إمكانية أن تقود المعارض والمزادات الخارجية لاسترداد الآثار المصرية المهربة إلى الخارج، وفق أكثر من واقعة ظهرت فيها تلك الآثار، وتمت استعادته بالطرق القانونية والجهود الدبلوماسية.

وتسلّمت السفارة المصرية في هولندا رأس تمثال حجري من عصر تحتمس الثالث قبل 3500 سنة، من حجر الجرانوديوريت، كان قد خرج من البلاد بطريقة غير شرعية، وتم رصده في أحد المعارض للفنون الجميلة، وتتبعه حتى استرداده.

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، أن استرداد هذا الرأس يُجسّد ثمرة التعاون البنّاء بين مصر ومملكة هولندا، ويعكس التزاماً مشتركاً بتطبيق الاتفاقيات الدولية المعنية بحماية التراث الثقافي، ومكافحة الاتجار غير المشروع في الممتلكات الأثرية، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

مشدداً على حرص الدولة المصرية على استعادة آثارها التي خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة، والعمل المستمر على صون التراث الحضاري المصري، والحفاظ على الهوية الثقافية للأمة، بالتنسيق مع وزارة الخارجية المصرية وجميع الجهات المعنية، وبالتعاون مع الشركاء الدوليين.

من جانبه، أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إلى أن هذه الخطوة تمثل إضافة جديدة إلى سجل النجاحات المصرية في ملف استرداد الآثار، وتعكس التزام الدولة المصرية بحماية تراثها الحضاري، وصون هويتها الثقافية، بالتعاون مع المجتمع الدولي.

بينما أوضح مدير عام الإدارة العامة للآثار المستردة والمشرف على الإدارة المركزية للمنافذ الأثرية بالمجلس الأعلى للآثار، شعبان عبد الجواد، أن القطعة الأثرية، وفقاً للمعاينة الأولية، يُرجّح أنها تعود إلى عصر الدولة الحديثة، وتحديداً فترة حكم الملك تحتمس الثالث، وأنها كانت قد خرجت من البلاد بطريقة غير مشروعة، قبل أن يتم رصدها في أثناء عرضها في معرض الفنون الجميلة (TEFAF) بمدينة ماسترخيت الهولندية عام 2022، حيث قامت السلطات الهولندية بضبطها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالها.

التمثال المسترد من هولندا من عصر تحتمس الثالث (وزارة السياحة والآثار)

ووضعت منظمة اليونيسكو اتفاقية بشأن حظر ومنع الاستيراد والتصدير والنقل غير المشروع للممتلكات الثقافية عام 1970، واعتمدتها مصر في 5 أبريل (نيسان) 1973، بينما انضمت هولندا للاتفاقية في 2009، ويتعاون البلدان بصفتهما طرفين في الاتفاقية، لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية في إطار قانوني دولي منظم.

ويرى خبير الآثار المصري، الدكتور حسين عبد البصير، أن استرداد رأس تمثال أثري نادر بعد رصده في أحد المعارض الأوروبية، كما حدث في ماسترخيت بهولندا، يؤكد حقيقة باتت واضحة اليوم وهي أن «المعارض والمزادات الأجنبية أصبحت أحد أهم مفاتيح كشف الآثار المصرية المنهوبة، حتى إن لم يكن ذلك هدفها المعلن».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الواقعة ليست استثناءً، بل امتداد لسلسلة من الحالات التي أثبتت أن خروج القطع الأثرية إلى العلن - عبر كتالوجات البيع والمعارض الدولية - يتيح للخبراء المصريين توثيقها علمياً، ومقارنتها بالسجلات والأرشيفات، ثم التحرك القانوني والدبلوماسي لاستعادتها. وهنا يتحول العرض التجاري إلى دليل إدانة، لا إلى سند ملكية».

ولفت إلى أن نجاح مصر في استعادة هذه القطعة وغيرها يعكس تطوراً ملحوظاً في كفاءة الرصد والمتابعة العلمية، والتعاون بين الآثاريين والجهات القانونية، استخدام القوانين والاتفاقيات الدولية بشكل فعّال. وقال: «هذه الجهود ترسل رسالة واضحة إلى العالم مفادها أن مصر لا تنسى آثارها، ولا تتنازل عن حقها في تاريخها، مهما طال الزمن أو تغيّرت الأماكن».

وكانت أكثر من واقعة لمعارض ومزادات خارجية كشفت عن وجود آثار مصرية مهربة لها من بينها واقعة تصوير النجمة الأميركية كيم كارداشيان أمام تابوت أثري بمتحف المتروبوليتان بنيويورك عام 2018، وهي الصورة التي أدت إلى اكتشاف بيع التابوت الذهبي للكاهن نجم عنخ إلى المتحف الأميركي من قبل لصوص مقابل 4 ملايين دولار باستخدام وثائق مزورة.

جانب من آثار مستردة من فرنسا سابقاً (وزارة السياحة والآثار)

ووفق المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، فإن استرداد رأس تمثال أثري نادر من هولندا واقعة تعكس تنامي الوعي المؤسسي بأهمية المتابعة الدقيقة لحركة القطع الأثرية خارج حدودها الجغرافية، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الأمر «يكشف الدور الذي يمكن أن تؤديه المعارض الأجنبية بوصفها فضاءات ثقافية مفتوحة في إتاحة الفرصة لمراجعة مصادر القطع المعروضة والتحقق من مسارات انتقالها التاريخية».

ومن منظور أكاديمي، تلفت إلى أن «تكرار عمليات الاسترداد خلال السنوات الأخيرة يشير إلى تحوّل نوعي في إدارة ملف التراث الثقافي، قائم على التوثيق العلمي والتعاون الدولي وتفعيل الاتفاقيات المنظمة لحماية الممتلكات الثقافية».

ومن الوقائع الأحدث لاكتشاف آثار مصرية مهربة في المعارض الفنية والمزادات، ما تم إعلانه العام الماضي عن دار مزادات «أبوللو» في لندن عن عرض 185 قطعة أثرية مصرية للبيع، وبعد هذا الإعلان كشفت مصادر بوزارة السياحة لوسائل إعلام محلية أن إدارة الآثار المستردة بالوزارة تتابع بشكل دوري المزادات التي تقام بجميع دول العالم، وتعلن عن عرض قطع أثرية مصرية للبيع، وتسعى الوزارة لاستردادها بالطرق القانونية ومخاطبة الجهات المسؤولة.

واستردت مصر أكثر من 30 ألف قطعة أثرية في الفترة من 2014 حتى 2024، بمتابعة مستمرة لكل المزادات العلنية والمعارض الفنية وكل ما يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر وكالات الأنباء الدولية عن الآثار المصرية التي يتم تداولها في الخارج، من بينها استرداد 20 قطعة أثرية من أستراليا، كانت معروضة بإحدى صالات المزادات الشهيرة هناك.