روسيا وأوكرانيا أمام «مأزق تكافؤ القوات»

البنتاغون: مليار دولار إضافية لـ«منع انتصار موسكو»

جنود أوكرانيون في الخطوط الأمامية للقتال في ميكولايف بالجنوب الأوكراني (أ.ب)
جنود أوكرانيون في الخطوط الأمامية للقتال في ميكولايف بالجنوب الأوكراني (أ.ب)
TT

روسيا وأوكرانيا أمام «مأزق تكافؤ القوات»

جنود أوكرانيون في الخطوط الأمامية للقتال في ميكولايف بالجنوب الأوكراني (أ.ب)
جنود أوكرانيون في الخطوط الأمامية للقتال في ميكولايف بالجنوب الأوكراني (أ.ب)

أكّد وكيل وزارة الدفاع الأميركية للشؤون السياسية، كولن كال، أنّ المساعدات العسكرية التي تقدمها الولايات المتحدة وحلفاؤها، مكّنت الأوكرانيين من تغيير مسار الحرب مع روسيا، وأنّ واشنطن مصممة على مواصلة تقديم هذه المساعدات مهما تطلّب الأمر.
وقال كال في مؤتمر صحافي في البنتاغون مساء الاثنين، إنّ القوات الروسية فقدت ما بين 70 إلى 80 ألف جندي بين قتيل وجريح، منذ بدء الغزو، وأوضح كال أنّ منظومة الصواريخ «هيمارس» الأميركية وغيرها من المنظومات الغربية التي زودت بها القوات الأوكرانية، لعبت دوراً كبيراً في منع القوات الروسية من تحقيق أي تقدم على جبهات إقليم دونباس منذ بداية الصيف وحتى الآن، وكشف كال أكبر مساعدة عسكرية أميركية بقيمة مليار دولار، تقدم من مخزونات وزارة الدفاع، مما يرفع قيمة المساعدات العسكرية التي قدمتها الولايات المتحدة لأوكرانيا منذ بداية عهد الرئيس بايدن إلى 9.8 مليار دولار، بينها 9.1 مليار دولار منذ بداية الغزو.
مدفع من عيار 155 يطلق قذيفة من مربض أوكراني في محيط خاركيف (أ.ف.ب)
وتشمل المساعدة ذخيرة إضافية لأنظمة الصواريخ «هيمارس»، و75 ألف طلقة مدفعية من عيار 155 ملم، و20 مدفع هاون من عيار 120 ملم، و 20 ألف طلقة مدفعية من ذخيرتها، وذخائر صواريخ أرض – جو من طراز «ناسامس»، وألف صاروخ «جافلين» المضاد للدروع، ومئات من أنظمة «إيه تي-4» المضادة للدروع، و50 مركبة علاج طبي مدرعة، وذخائر مضادة للأفراد، ومتفجرات «سي-4»، وإمدادات طبية. وأضاف كال أنّ هذه كلها قدرات حاسمة لمساعدة الأوكرانيين على صد الهجوم الروسي في الشرق، وكذلك لمعالجة التطورات في الجنوب وفي أماكن أخرى.
وجاءت إشارته للتطورات في الجنوب الأوكراني، في ظل معلومات عن قيام القوات الروسية بتعزيز مواقعها في تلك المنطقة.
ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن محللين مستقلين قولهم إن الخسائر الفادحة في صفوف القوات الروسية، ستجبرها على إعادة تشكيل الوحدات، ويؤكد هؤلاء المحلّلون، أنّه على الرغم من أنّ موسكو أعادت تجميع وحداتها، فإنّها ستستمر في مواجهة المشاكل اللوجستية في الأشهر المقبلة، وأضاف التقرير أنّه عقب «صيف من الخدع والمناورات مع القليل من المعارك الحاسمة»، يواجه كل من الجيش الأوكراني والقوات الروسية، مأزقاً بشأن كيفية تركيز قواتهما، مما يترك القادة في لعبة تخمين حول المكان والزمان وكيف يمكن أن يتحرك الخصم.
ويرى قائد أوكراني في الحرس الوطني، الذي يقاتل خارج مدينة سلوفيانسك الشرقية، أنّ القوات الأوكرانية «وصلت اليوم إلى حالة من التكافؤ في الحرب شرق البلاد»، وقال يوري بيريزا، إنّ الفضل في الصمود في ساحة المعركة، منذ حوالي شهر، يعود لأنظمة الصواريخ «هيمارس» التي تستطيع أن تصيب الأهداف الروسية بدقة من مسافات بعيدة، وأضاف: «في المرة الأولى التي سمعت فيها إطلاق صواريخ (هيمارس)، كان الأمر أشبه بالموسيقى في أذني... إنّها أجمل موسيقى للجنود الأوكرانيين».
علم روسي على مبنى رسمي في خيرسون (رويترز)
وفيما يشير المسؤولون الأميركيون إلى أنّ منظومة «هيمارس» تحدث فرقاً، يقول بعض المحلّلين إنّ تباطؤ التقدم الروسي في الشرق ليس له علاقة بتشتت انتباه القوات الروسيّة، أو بالأسلحة التي بحوزة أوكرانيا، بقدر ما يتعلق بحاجة روسيا لإعادة بناء ونشر قواتها المنهارة، وهذا ما سلط عليه الضوء وكيل وزارة الدفاع في البنتاغون، عندما أشار إلى حجم الخسائر التي منيت بها القوات الروسية منذ بدء الغزو.
وتحدّث محلّلون عسكريون غربيون عن تحويل مسار القوات الروسية، وتقليل العنف ونيران المدفعية في إقليم دونباس، الذي كان محور تركيز موسكو منذ أن فشلت في السيطرة على كييف في الربيع الماضي، ومنذ ذلك الحين، انقسمت الحرب الروسية في أوكرانيا فعلياً إلى مسرحين، في الشرق وفي الجنوب، حيث تسعى أوكرانيا إلى إبطاء أو وقف التقدم الروسي في الشرق، من خلال شنها هجوماً مضاداً ضدّ روسيا في الجنوب.
ومن وجهة نظر أوكرانية، فإن الروس هم الأكثر عرضة للخطر على الأراضي التي يسيطرون عليها في منطقة خيرسون على الضفة الغربية لنهر دنيبرو، وفي الأسابيع الأخيرة، قصف الجيش الأوكراني جسرين يستخدمان لإعادة الإمداد، وضربهما مجددا يوم السبت، ما هدّد بمحاصرة القوات الروسية في تلك المدينة التي كانت قد سقطت في بداية الغزو.
ونقلت «نيويورك تايمز» عن العقيد الأوكراني المتقاعد سيرغي غرابسكي، قوله لوسائل إعلام محلّية، إنّ روسيا حوّلت نحو 10 آلاف مظلي من الجبهة شمال سلوفيانسك إلى منطقة خيرسون الجنوبية، وفي الأسبوع الماضي، تقدّم الجنود الأوكرانيون شمال سلوفيانسك، مؤكدين تحرير قرية دوفنكه التي شهدت معارك عنيفة على مدى شهور، ويقول غرابسكي إنّ القوّات الروسية «عالقة بصراحة في دونباس، والآن لديهم صداع جديد في الجنوب».
وعلى عكس انسحاب روسيا من محيط كييف في الشتاء الماضي، والذي عدّه المسؤولون الروس «تحوّلاً في التركيز على دونباس»، كانت إعادة الانتشار في الجنوب تدريجية وغير معلنة، ويقول محللون إنّ التحوّل كان كبيراً أيضاً، فقد عزّزت روسيا قواتها في الجنوب بشكل كبير، ويبدو أنها تنشئ قوة احتياط متنقلة كبيرة، وفقاً لمايكل كوفمان، مدير الدراسات الروسيّة في معهد أبحاث «سي إن إيه» في أرلينغتون بولاية فيرجينيا.
وأوضح كوفمان سبب تعزيز روسيا قوّاتها في الجنوب: «قد يكون ذلك بسبب عدم تأكدهم بالضبط من الخطط الأوكرانية، لكنهم يتوقّعون نوعاً من الهجوم في الجنوب»، وتابع قائلاً إنّ القوات الروسية ما زالت تختبر جبهات القتال في الشرق، وتضغط على القوات الأوكرانية في الشمال الشرقي، وتشن على الأقل هجوماً محدوداً في الجنوب، «لذلك ترى الآن ساحات معركة نشطة بشكل واضح».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: واشنطن لم تخطرني بالتسريبات الاستخباراتية

الولايات المتحدة​ زيلينسكي: واشنطن لم تخطرني بالتسريبات الاستخباراتية

زيلينسكي: واشنطن لم تخطرني بالتسريبات الاستخباراتية

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لصحيفة «واشنطن بوست»، إن الحكومة الأميركية لم تُبلغه بنشر المعلومات الاستخباراتية ذات الأصداء المدوِّية على الإنترنت. وأضاف زيلينسكي، للصحيفة الأميركية، في مقابلة نُشرت، أمس الثلاثاء: «لم أتلقّ معلومات من البيت الأبيض أو البنتاغون مسبقاً، لم تكن لدينا تلك المعلومات، أنا شخصياً لم أفعل، إنها بالتأكيد قصة سيئة». وجرى تداول مجموعة من وثائق «البنتاغون» السرية على الإنترنت، لأسابيع، بعد نشرها في مجموعة دردشة على تطبيق «ديسكورد». وتحتوي الوثائق على معلومات، من بين أمور أخرى، عن الحرب التي تشنّها روسيا ضد أوكرانيا، بالإضافة إلى تفاصيل حول عمليات التجسس الأميرك

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم الجيش الأوكراني: تدمير 15 من 18 صاروخاً أطلقتها القوات الروسية

الجيش الأوكراني: تدمير 15 من 18 صاروخاً أطلقتها القوات الروسية

أعلن الجيش الأوكراني أن فرق الدفاع الجوي دمرت 15 من 18 صاروخا أطلقتها القوات الروسية في الساعات الأولى من صباح اليوم الاثنين، فيما كثفت موسكو الهجمات على جارتها في الأيام القليلة الماضية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم حريق بخزان وقود في سيفاستوبول بعد هجوم بمسيّرة

حريق بخزان وقود في سيفاستوبول بعد هجوم بمسيّرة

قال حاكم سيفاستوبول الذي عينته روسيا إن النيران اشتعلت اليوم (السبت) في خزان وقود في المدينة الساحلية الواقعة في شبه جزيرة القرم فيما يبدو أنه ناجم عن غارة بطائرة مسيرة، وفقاً لوكالة «رويترز». وكتب الحاكم ميخائيل رازفوجاييف على تطبيق «تيليغرام» للمراسلة، «وفقا للمعلومات الأولية، نتج الحريق عن ضربة بطائرة مسيرة». وتعرضت سيفاستوبول، الواقعة في شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا من أوكرانيا في عام 2014، لهجمات جوية متكررة منذ بدء غزو روسيا الشامل لجارتها في فبراير (شباط) 2022. واتهم مسؤولون روس كييف بتنفيذ الهجمات. ولم يرد الجيش الأوكراني على الفور على طلب للتعليق اليوم.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم بعد مقتل 25 بقصف روسي... زيلينسكي يطالب بدفاعات جوية أفضل

بعد مقتل 25 بقصف روسي... زيلينسكي يطالب بدفاعات جوية أفضل

طالب الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي بالحصول على مزيد من الأسلحة للدفاع عن بلاده بعد موجة من الهجمات الصاروخية الروسية التي استهدفت مواقع سكنية، مما أسفر عن مقتل 25 شخصا، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وقال زيلينسكي في رسالة فيديو مساء أمس (الجمعة) «الدفاع الجوي، قوة جوية حديثة - من دونها يستحيل الدفاع الجوي الفعال - مدفعية ومركبات مدرعة... كل ما هو ضروري لتوفير الأمن لمدننا وقرانا في الداخل وفي الخطوط الأمامية». وأشار زيلينسكي إلى أن الهجوم الذي وقع بمدينة أومان، في الساعات الأولى من صباح أمس، أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 23 شخصا، من بينهم أربعة أطفال.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم مقاتلات روسية تحبط تقدم قوات الاحتياط الأوكرانية بصواريخ «كروز»

مقاتلات روسية تحبط تقدم قوات الاحتياط الأوكرانية بصواريخ «كروز»

أعلنت وزارة الدفاع الروسية، اليوم (الجمعة)، أن الطيران الروسي شن سلسلة من الضربات الصاروخية البعيدة المدى «كروز»، ما أدى إلى تعطيل تقدم الاحتياطيات الأوكرانية، حسبما أفادت وكالة الأنباء الألمانية. وقالت وزارة الدفاع الروسية، في بيانها، إن «القوات الجوية الروسية شنت ضربة صاروخية بأسلحة عالية الدقة بعيدة المدى، وأطلقت من الجو على نقاط الانتشار المؤقتة للوحدات الاحتياطية التابعة للقوات المسلحة الأوكرانية، وقد تحقق هدف الضربة، وتم إصابة جميع الأهداف المحددة»، وفقاً لوكالة أنباء «سبوتنيك» الروسية. وأضافت «الدفاع الروسية» أنه «تم إيقاف نقل احتياطيات العدو إلى مناطق القتال».

«الشرق الأوسط» (موسكو)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟