فيلم «شقراء» يرسم الصورة القاتمة لحياة أيقونة هوليوود الأولى

بين مارلين مونرو التي شاهدَها الكل ونورما جين التي لم يرَها أحد

آنا دي آرماس بدور مارلين مونرو (نتفليكس)
آنا دي آرماس بدور مارلين مونرو (نتفليكس)
TT

فيلم «شقراء» يرسم الصورة القاتمة لحياة أيقونة هوليوود الأولى

آنا دي آرماس بدور مارلين مونرو (نتفليكس)
آنا دي آرماس بدور مارلين مونرو (نتفليكس)

لم تعِش مارلين مونرو لتعاصر ثورة «أنا أيضاً» (Me Too). لم تشهد على لحظة وقفت فيها نجمات هوليوود أمام الملأ وجاهرن بأنهن كن عرضة للتحرش والتنمر والاستغلال.
لو عاشت مونرو حتى هذه اللحظة، لربما كانت قادت بنفسها تلك الحركة المناهضة لذكورية الكواليس الهوليوودية ووحشيتها. لكانت وقفت وصرخت: «أنا أيضاً أُرغمت على ما لم أرغب فيه. أنا أيضاً عُيرت بأنني الشقراء الساذجة. أنا أيضاً لستُ بخير».
لكن مونرو لم تعِش، فهي اختارت الموت بحسب توقيتها. أو على الأقل، يبقى هذا السيناريو الأكثر تداولاً بعد 60 سنة على وفاتها اللغز، والتي أحاطت بها علامات استفهامٍ ما زالت تُطرح حتى اليوم.
ليل الرابع من أغسطس (آب) 1962، عُثر على أيقونة هوليوود جثة نائمة على وجهها. كانت في الـ36 وفي مرحلة صعبة من حياتها. حجبت ملامحَها المحبوبة عن عيون الناس، وأغرقت حزن العمر القصير في وسادة، بعد أن غرق جسدها في كمية هائلة من المهدئات والمسكنات.
https://www.youtube.com/watch?v=aIsFywuZPoQ
* «شقراء»
«تعود» مارلين مونرو قريباً إلى الشاشة لتقف في وجه نورما جين مورنتسون (اسمها الحقيقي). ففيلم «شقراء Blonde» الذي تُطلقه منصة «نتفليكس» في 28 سبتمبر (أيلول)، لن يشكل سيرة ذاتية تقليدية تضيء على أبرز إنجازات النجمة، بل سيُظهرها في أحلَكِ لحظات ضعفها وهشاشتها. بعد أن انشغلت معظم أفلامها وصورها بتعرية جسد مارلين، يأتي «بلوند» ليعري روحَها.
«ما عدت قادرة على إنجاز مشهد آخر مع مارلين مونرو. مارلين ليست حقيقية، هي لا تعيش إلا على الشاشة. عندما أخرج من غرفة الملابس، أنا نورما جين وأبقى هي بعد أن تدور الكاميرا». بأداءٍ واعدٍ بالإبداع، تتقمص بطلة الفيلم الممثلة الكوبية آنا دي آرماس شخصية مونرو، وتختصر الصراع الذي عاشته مع نفسها الحقيقية. هذا ما أراده فعلاً المخرج أندرو دومينيك الذي قال في تصريحات لنتفليكس، إن لُب الفيلم سيركز على صراعات مونرو النفسية طيلة مسيرتها. يضيف المخرج الأسترالي، الذي اقتبس القصة عن رواية جويس كارول أوتس الصادرة عام 2000: «أردت أن أروي حكاية نورما جين، الطفلة اليتيمة التائهة في غابات هوليوود والتي استنزفتها أيقونة مارلين مونرو».

ليس من السهل الشفاء من طفولة مبتورة السعادة، ولا انتظارُ والدٍ لا يعود. لكن نورما الصغيرة أصرت على ترقب عودة أبٍ لم تعرفه، ذهب وأخذ معه الفرح. انتظرته في كل فيلم صورته ولم يشاهده، وفي كل رجل أحبته ولم يَفِ. حتى أنها غنت له: «My Heart belongs to Daddy قلبي يملكه دادي». وحدَهما الوالد المجهول والأم المصابة بأمراضٍ نفسية وعصبية، لم يكونا أبداً من بين المصفقين لمارلين مونرو.

لم تعثر مارلين على والدها، فاستبدلته بالشهرة وبالعلاقات العاطفية مع رجالٍ أثرياء ومعروفين. منذ كانت طفلة متشردة بين دور الأيتام والعائلات الحاضنة، ملأت الفراغ بالسينما وعرفت باكراً أنها ستصبح ممثلة. لطالما كررت أن بعض العائلات التي احتضنتها كانت ترسلها إلى دور السينما لتتخلص منها، فتجلس نورما الصغيرة أمام الشاشة الكبيرة من الصباح حتى المساء، وهي كانت تعشق ذلك.
في تلك البيوت الغريبة، تعرضت نورما لاعتداءات جنسية متكررة خلال الطفولة والمراهقة. كبرت لاحقاً لتجد نفسها لعبة جميلة بين أيادي بعض المنتجين والمخرجين، الذين لم يوفروا فرصة لاستغلالها. وهي كانت تطمح إلى التمثيل مهما كلف الأمر، فحاولت أن تسير الرياح كما تشتهي سفينتها. حتى في أدوارها، طغى الشكل على المضمون. لطالما عانت من تسليع جمالها، واختصار صورتها بـ«الشقراء المثيرة»، في وقتٍ كانت تُراكِم جلسات التدريب على التمثيل، طامحة إلى أن يرى المنتجون والمخرجون أبعد من شعرها الأشقر وشامة خدها وعينَيها الساحرتَين.
يقول مخرج «بلوند» إن الفيلم لم يكن ليبصر النور لولا حملة «أنا أيضاً Me Too»، التي رفعت الحُجُب عما تتعرض له نجمات هوليوود من مضايقات وتعديات جسدية من قِبَل بعض المنتجين والمخرجين. ويكشف دومينيك أن الفيلم سيتخطى كل الحدود، «لينتقد كل المقدسات الأميركية، بمن في ذلك جون كينيدي». مع العلم أن بعض التقارير تحدثت في الماضي عن احتمال تورط الرئيس الأميركي وشقيقه روبرت في حادثة انتحار مونرو، التي ربطتها علاقات عاطفية بالرجلين.
ليس مستغرباً إذن أن يوضع الفيلم في خانة الـNC – 17 أي أنه ممنوع لمَن هم دون الـ18 عاماً، في سابقة هي الأولى في تاريخ أفلام نتفليكس الأصلية. وقد اتُخذ القرار ليس بسبب المحتوى الجنسي فحسب، بل نظراً للمادة المثيرة للجدل التي أحاطت بحياة مارلين.
* نورما تنزع قناع مارلين
الكل يعرف ابتسامة مارلين مونرو الهوليوودية، وقوامها الفائض إغراءً، وضحكتها الممهورة بالدلَع، لكن قلة تعرف ماذا خبأت تلك الابتسامة من انهيارات وهزائم. بأي قوة استطاعت مارلين أن تدفن نورما الطفلة المنبوذة، والمراهقة الخجولة، والصبية القلقة، والمرأة التي حلمت بالأمومة ولم تنَلها؟
يكشف فيلم «شقراء» بعض تلك الخفايا، وحسب مخرجه فإنه «يشرح كيف ترسم صدمات الطفولة شخصية إنسانة ممزقة بين صورتها العامة وحياتها الخاصة». ويضيف دومينيك «إنها حكاية كل إنسان تقريباً».
فمَن منا لا يضطر أحياناً إلى وضع قناع الابتسامة ويخرج لمواجهة العالم، بينما روحُه حزينة أو متعبة؟ هكذا هي مارلين... مثل الناس، لكن مع ندوبٍ أعمق ومعرضة لنار الأضواء. سيكون من السهل على مشاهدي الفيلم أن يبنوا علاقة إنسانية وأن يتعاطفوا مع البطلة التي ما إن تبتعد الكاميرا عن وجهها، حتى تعود تلك المرأة الخائفة والمرهَقة.

مشهد من فيلم "Blonde" الذي سيعرض على نتفليكس في 28 سبتمبر
عبادة الجماهير لها على امتداد الكرة الأرضية لم تملأ الفراغ الذي سكن قلبها. حاولت أن ترمم تلك التصدعات الداخلية بزيجاتٍ لم تعمر، وبعقاقير مهدئة كانت السبب المباشر في إنهاء حياتها. «هي الطفلة التي لم يرغب بها أحد والمرأة التي رغب بها الجميع. كان من الصعب عليها التعامل مع هذا التناقض»، يقول مخرج «شقراء» الذي يُبثُ في عرضٍ أول خلال مهرجان البندقية نهاية الشهر الحالي.
قبل أن تدخل «رواق الذكريات» (Corridor of Memories)، وهو اسم المكان الذي ووريت فيه الثرى في لوس أنجليس، أبصرت مارلين مونرو الأنا الحقيقية التي تسكنها. ذهبت عميقاً في فهم شخصيتها المركبة فقالت: «عرفت أنني أنتمي للجمهور والعالم، ليس لأنني موهوبة أو جميلة، بل لأنني لم أنتمِ لأحدٍ أو شيءٍ سواهما».
كانت مونرو صادقة في مواقفها، وهكذا سيكون الفيلم، صادماً بصدقه. يجاريها عندما تعلن بجرأة أن «هوليوود هي مكان يدفعون لك فيه ألف دولار من أجل قبلة و50 سنتاً من أجل روحك». أما أكثر ما أحبت مارلين فهو النوم، النوم من أجل النسيان والحلم. أحبته إلى درجة أنها ماتت بحثاً عنه.


مقالات ذات صلة

«مؤلف ومخرج وحرامي»... كوميديا مصرية تراهن على ثنائية أحمد فتحي ومي كساب

يوميات الشرق أحمد فتحي ومي كساب في العرض الخاص للفيلم (حساب فتحي على «فيسبوك»)

«مؤلف ومخرج وحرامي»... كوميديا مصرية تراهن على ثنائية أحمد فتحي ومي كساب

صعوبة السيناريو تمثّلت في اعتماده على التصوير داخل موقع واحد، ممّا فرض تحدّياً...

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)

العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

ما بين عامي 2004 و2017، ظهر دونالد ترمب في حلقات تلفزيونية أسبوعية بعنوان «المتدرّب». كان المستضيف ومدير النقاشات والمعلّق والمنتج المنفّذ.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)

شاشة الناقد: جوائز «غولدن غلوبز»- بين الرعب الرمزي والدراما التاريخية

ريان كوغلر يسعى دائماً لإنتاج أفلام مختلفة في كل نوع سينمائي. فيلمه (Creed «كريد»، 2015) أضاف جديداً إلى أفلام الدراما الرياضية

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
يوميات الشرق أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)

شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

لحق الفنان المصري الشاب محمود ماجد بشقيقه الأكبر هشام ماجد في عالم الفن من خلال كتابة وبطولة فيلمه القصير «ده صوت إيه ده».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق «فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)

بيروت تستضيف «مهرجان الفيلم الإيطالي» بنسخته الثانية

تتميّز الأفلام الإيطالية بالواقعية الدرامية والقصص الإنسانية العميقة، وغالباً ما تعتمد مواقع تصوير حقيقية بعيداً عن الاستوديوهات المصطنعة.

فيفيان حداد (بيروت)

معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
TT

معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)

تُقدّم الفنانة تارا الخازن، في معرضها الفردي «بين الأنفاس»، صوراً عن لبنان الذي تراه حالة داخلية تتشكَّل بين شهيق وزفير. المعرض، المُقام في صالة «بلو روز» بمنطقة التباريس البيروتية حتى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، يُحاول التقاط اللحظة الفاصلة التي يُعلّق فيها الإنسان حياته مؤقّتاً كي يستمرّ. وبين الأعمال، تصبح الصورة وقفة ومحاولة فَهْم.

تعود فكرة المعرض إلى مسير طويل قطعته الفنانة عبر لبنان في ربيع 2023. كان الهدف الحركة نفسها. وفي يومياتها، تكتب عن الحاجة إلى الركض. إلى فكّ قبضة رغبات قديمة. إلى التقاط نَفَس كامل. هذا الدافع الشخصي تحوَّل إلى بنية عمل. فالكاميرا وسيلة نجاة، وحين تضيق الحياة، يُختصر العالم في إطار يُمكن احتماله.

صور تارا الخازن تبحث عن مساحة للفهم (الشرق الأوسط)

يبحث «بين الأنفاس» عن التفاصيل التي تمرّ عادة من دون انتباه. صورة «عيد ميلاد أمي» في تنورين مثلاً، التي تُسجّل احتفالاً عائلياً، تضعنا أمام علاقة مضطربة مع الزمن. فالاحتفال محاولة لتثبيت شيء يتفلّت. كأنّ الصورة تقول إنّ العائلة في بلد قَلِق تصبح شكلاً من أشكال الصمود الرمزي، فيحتفل أفرادها كي لا ينهاروا، ويخلقون مناسبة لإقناع أنفسهم بأنّ الاستمرارية لا تزال ممكنة.

في أعمال أخرى، تنتقل تارا الخازن من البشر إلى الأشياء من دون أن تغادر الفكرة الأساسية. في «طيور من سلك» بصيدا، نرى مجسّمات تشبه الطيران. الصورة لا تُحمَّل معنى مباشراً لتترك للمُشاهد أن يقرأ ثمن الحرّية حين تُصنَع من مواد قاسية. إنها صورة عن الرغبة والمخيّلة التي تحاول التعويض في بلد يُتقن اختراع رموز للانعتاق فيما الواقع يُضيِّق الخناق.

الشارع والسوق يحضران في المعرض على هيئة مساحات للعيش الممكن. في «شارع علي» و«سوق صيدا»، لا تُراقب الفنانة من الأعلى ولا تبحث عن غرابة مُفتعلة. الكاميرا قريبة ومتأنّية، تتبع الوجوه والحركات والازدحام والفوضى الممتدَّة. تُريد معنى آخر للمعرض أن يتكشّف، فيفهم زائره أنّ الحياة تُصاغ في هذا العادي المُتكرّر الذي يتطلَّب جهداً هائلاً للاستمرار، وليس فقط في اللحظات الاستثنائية.

الشارع يُصوَّر مثل إيقاع حياة يُعاد كلّ يوم (تارا الخازن)

تبلغ هذه المقاربة ذروتها في «أطفال عليا» من عكار. صورة لا تستدرج العاطفة بسهولة ولا تُقدّم الطفولة على أنها مساحة براءة مصقولة. الأطفال واقفون بين عالمَيْن. بين اللعب والوعي المُبكر، وبين الخفَّة والثقل. قوة الصورة في ما لا تقوله. في الأسئلة التي تتركها معلّقة حول ما يُحمَّل لهؤلاء الصغار من أدوار قبل أوانها. وحول الفارق بين ما يُفترض أن تكونه الطفولة وما يُفرَض عليها أن تكون.

ثم تأتي «اصطدمتُ بجدار» من اللقلوق بمثابة اعتراف بصري. هي لحظة داخلية أكثر من كونها صورة عن المكان. فالجدار نفسي، مما يجعلها صورة عن الوصول إلى حدّ ما، وربما التعب من الحركة نفسها. ومع ذلك لا تصرخ، فتترك الوجع مستتراً ومضبوطاً، كأنّ الفنانة تعي أنّ التعب لا يحتاج دائماً إلى إعلان كي يكون صريحاً.

يصبح النظر فعلاً بديلاً عن الكلام (تارا الخازن)

يتوسَّع المعرض أيضاً ليشمل فعل المُشاركة. تحويل الطابق العلوي إلى مساحة تصوير تُتيح للزائرين الجلوس أمام العدسة، ينقلهم من موقع المُشاهدة إلى موقع الظهور. ومع ذلك، لا تُعدّ الفكرة تفاعلية بالمعنى الشائع. إنها فكرية. فإذا كانت الصور قد بدأت على أنها وسيلة لتماسُك الفنانة، فهي تتحوَّل إلى مساحة مشتركة وأرشيف يتكوَّن أمام العيون ويؤكّد أنّ الضعف الإنساني جماعي.

تختبر الصورة قدرتها على الإمساك بما يتفلّت (الشرق الأوسط)

يأتي «بين الأنفاس» في لحظة مفصلية من تجربة تارا الخازن، حيث تتعامل مع الصورة على أنها مساحة اختبار. ليس البحث عن موضوع كبير هو ما يلفت في أعمالها، وإنما الإصرار على التفاصيل المُنفلتة، والإقرار بأنّ الرؤية نفسها عمل جارٍ وليس نتيجة نهائية. هذا التردُّد الإيجابي، إن صحَّ التعبير، يمنح الصور قيمتها. فهي لا تدَّعي السيطرة على الواقع وإنما تتركه في حالته الأولى بين الوضوح والالتباس.

القراءة القيّميّة لكامي حجّار لا تُغلّف الأعمال بمعانٍ جاهزة (الشرق الأوسط)

يُواكب التنسيق القيّمي للمتخصّصة في فنون الإعلام الجديد والممارسات المعاصرة، كامي حجّار، هذا المنحى من دون أن يطغى عليه. فالقراءة القيّميّة لا تُغلّف الأعمال بمعانٍ جاهزة ولا تدفعها إلى استعراض مفاهيمي. ثمة ثقة واضحة بالصورة وبقدرتها على الكلام من داخلها. وذلك يظهر في ترتيب الأعمال وفي فتح مساحة مُشاركة للجمهور.

قراءة بصرية لثقافة كاملة تدرَّبت طويلاً على التكيُّف (الشرق الأوسط)

يقترح «بين الأنفاس» أن نمنح الصورة حقّها في أن تكون فعل تفكير. وهو اقتراح يكتسب أهميته اليوم لندرته في عصر يُطالِب الفنّ بأن يشرح نفسه سريعاً. فما يفعله هذا المعرض فعلياً هو أبعد من الدفاع عن البطء. إنه يُواجه فكرة باتت تحكُم علاقتنا بالصور كلّها، وليس بالفنّ وحده. فكرة أنّ الصورة إما أن تُقنِع فوراً وإما أن تُنسَى. والأهم أنه يتعامل مع الذاكرة على أنها شيء قيد التكوُّن. فالصور المُختارة، بين العائلة والشارع والأطفال والاصطدام بالجدار، تلتقط آليات العيش في لبنان عوض جَمْع حكاياته. وذلك يجعل المعرض أكثر من تجربة شخصية. إنه قراءة بصرية لثقافة كاملة تدرَّبت طويلاً على التكيُّف، حتى صار التكيُّف بذاته سؤالاً.


«مؤلف ومخرج وحرامي»... كوميديا مصرية تراهن على ثنائية أحمد فتحي ومي كساب

أحمد فتحي ومي كساب في العرض الخاص للفيلم (حساب فتحي على «فيسبوك»)
أحمد فتحي ومي كساب في العرض الخاص للفيلم (حساب فتحي على «فيسبوك»)
TT

«مؤلف ومخرج وحرامي»... كوميديا مصرية تراهن على ثنائية أحمد فتحي ومي كساب

أحمد فتحي ومي كساب في العرض الخاص للفيلم (حساب فتحي على «فيسبوك»)
أحمد فتحي ومي كساب في العرض الخاص للفيلم (حساب فتحي على «فيسبوك»)

عبر رهان على كوميديا الموقف التي تدور داخل شقّة مؤلِّف سينمائي شاب يواجه صعوبات في إخراج مشروعه الأول إلى النور، تدور أحداث الفيلم المصري الجديد «مؤلف ومخرج وحرامي»، الذي يتقاسم بطولته أحمد فتحي ومي كساب، وانطلق عرضه الأول الخميس، ليبدأ رحلة المنافسة على تصدّر شباك التذاكر في مصر.

الفيلم من تأليف ميشيل منير، ويشارك في بطولته ميمي جمال، ومحمد أوتاكا، وياسر الطوبجي، وإبرام سمير، وشريف حسني، وهو من إخراج أسامة عمر. وتدور معظم أحداثه في يوم واحد تقريباً داخل منزل السيناريست «نبيل شرابي» وزوجته «منى».

تنطلق الأحداث من مكتب «نبيل»، أو «بلبل» كما يُطلق عليه، وهو مكتب خصّصه لكتابة مشروعاته السينمائية التي يواجه صعوبة في تسويقها، في حين تنفق زوجته «منى»، التي تعمل مصفّفة شعر للسيدات، على شؤون المنزل، وتتعامل معه باستخفاف لعدم ثقتها بما يكتبه من أعمال فنّية.

أحمد فتحي في العرض الخاص للفيلم (حسابه على «فيسبوك»)

داخل المنزل الذي تدور فيه جميع المَشاهد تقريباً، تظهر شخصيات تنشأ بينها مواقف كوميدية قائمة على كوميديا الموقف، بدءاً من السيدات اللواتي يقصدن الزوجة للتزيُّن، مروراً بالحالة النفسية التي يعيشها «نبيل» نتيجة بقائه في المنزل لمدّة طويلة وعدم قدرته على التركيز بسبب الضجيج، وصولاً إلى تراكم السيناريوهات التي كتبها من دون أن تنجح في فتح باب رزق ثابت له.

تنقلب حياة «نبيل» بعدما يطرق الباب مَن يخبره بفوزه بجائزة مسابقة شارك فيها بسيناريو أحد أفلامه، بقيمة 400 ألف دولار، على أن تُسلَّم له في اليوم التالي داخل شقته مع تسجيل حلقة خاصة يتحدّث خلالها عن تجربته في الكتابة. ومع هذا الخبر، تتبدّل ملامح الحياة داخل المنزل، وتتغيّر نظرة المحيطين به، بدءاً من زوجته وصولاً إلى الجيران.

وخلال تطوّر الأحداث، تظهر تحوّلات متسارعة قبل تسلّم الجائزة المالية، مع سعي جميع الشخصيات إلى الاستفادة من المبلغ لتحسين أوضاعهم، بدءاً من الزوجة، مروراً بزوج والدته، وصولاً إلى محاولات للسرقة والاستحواذ على المال بطرق مختلفة.

ويتحوّل «نبيل» بعد الإعلان عن فوزه من شخص مهمَل لا يكترث بمظهره ولا يلتفت إليه أحد، إلى شخص يسعى الجميع للتقرّب منه والتودّد إليه، بل وطرح أفكار عليه للاستفادة من قيمة الجائزة، أخذاً في الحسبان أنه لن يكون بحاجة إلى هذا المبلغ الكبير.

وأكدت بطلة العمل مي كساب أنّ الفيلم يسجّل التعاون الـ11 بينها وبين أحمد فتحي، مشيرة إلى وجود تفاهم بينهما أمام الكاميرا، ومؤكّدة حماستها للتجربة لإعجابها بالسيناريو، إضافة إلى أنها لم تقدّم شخصية مصفّفة الشعر من قبل في أي عمل فنّي.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وعبّرت عن أملها في أن يُحقق الفيلم إيرادات جيدة في صالات السينما وينال إعجاب الجمهور، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «حرصت خلال التحضير على الاستعانة بمصفّف شعر حقيقي، وتعلُّم المهنة بشكل احترافي، حتى أكون واقعية عند تقديم المَشاهد».

من جهته، قال المؤلّف ميشيل منيرلـ«الشرق الأوسط» إنّ العمل على كتابة الفيلم استغرق نحو 8 أشهر، مرتكزاً على فكرة الصراع الذي يعيشه الفرد بين طموحه الإبداعي والتزامات الحياة اليومية، التي تدفعه أحياناً إلى البحث عن وظائف تؤمّن له الحدّ الأدنى من الدخل.

وأضاف أنّ صعوبة السيناريو تمثّلت في اعتماده على التصوير داخل موقع واحد، ممّا فرض تحدّياً في إدخال الشخصيات المختلفة إلى المنزل من دون أن تبدو مُقحمة على الأحداث، لافتاً إلى أنّه لم يُجرِ تعديلات كبيرة على النص بعد الاستقرار على الأبطال الرئيسيين.

وعن المقارنة بين اسم الفيلم وفيلم «مواطن ومخبر وحرامي» للراحل داود عبد السيد، أكّد عدم وجود أي تشابه أو علاقة بين العملين.

بدوره، أشار المخرج أسامة عمر إلى صعوبات التصوير في موقع واحد وخلال يوم واحد، ممّا استلزم تنسيقاً دقيقاً مع مدير التصوير ومسؤولي الإضاءة، مؤكداً أنّ التفاهم بين بطلَي العمل، وخبرته السابقة في التعاون معهما، سهَّلا كثيراً من تفاصيل التحضير.


«صحراء X العلا 2026» تجمع 11 فناناً رائداً في أعمال ضخمة داخل المشهد الصحراوي

عمل الفنان محمد السليم (فنون العلا)
عمل الفنان محمد السليم (فنون العلا)
TT

«صحراء X العلا 2026» تجمع 11 فناناً رائداً في أعمال ضخمة داخل المشهد الصحراوي

عمل الفنان محمد السليم (فنون العلا)
عمل الفنان محمد السليم (فنون العلا)

تكشف النسخة الرابعة من معرض «صحراء X العلا 2026» عن مجموعة من الأعمال الفنّية الأرضية، والمنحوتات، والتركيبات الفنّية، التي يقدّمها 11 فناناً رائداً ضمن المشهد الطبيعي الفريد للعلا.

وافتتح «صحراء X العلا 2026» أبوابه لاستقبال الزوّار من مختلف أنحاء العالم، لاستكشاف أعمال فنية ضخمة أُنجزت خصوصاً للمعرض الذي تقدّمه فنون العلا بالتعاون مع «ديزرت X»، ويضم أعمالاً ترتكز في جوهرها على علاقة مباشرة مع بيئة العلا المتفرّدة.

عمل الفنان أغنيس دينيس (فنون العلا)

«سديمٌ لا يُعدّ»

استلهمت نسخة هذا العام موضوعها الشعري «سديم لا يُعدّ» من إبداعات الكاتب اللبناني-الأميركي جبران خليل جبران، فتتحوّل القطع الفنّية والتركيبات المؤقتة إلى نقاط مضيئة على خريطة جديدة ترسم ملامح خيال متّسع بلا قيود، وتتشكَّل فيها آفاق لم يكن تصوّرها ممكناً من قبل.

وينسج هذا الموضوع رابطاً بين تأمّلات جبران المفتوحة وآفاق العلا، بوصفها مشهداً طبيعياً يحمل طبقات من التاريخ والذاكرة والخيال، لتغدو الصحراء فضاءً تتجدَّد فيه الرؤى وتتَّسع احتمالات الإبداع.

عمل الفنانة بسمة فلمبان (فنون العلا)

وعلى امتداد تاريخ يشمل قنوات المياه القديمة، وطريق البخور، وبدايات الملاحة اعتماداً على النجوم، تجمع القيّمتان المشاركتان زوي ويتلي ووجدان رضا فنانين من أجيال مختلفة، من السعودية والعالم العربي ومناطق أخرى من العالم، ليشكّل كلّ منهم نقطة مرجعية تُضيء على مسارات مشتركة من التلاقي الإنساني.

وتنبثق الأعمال الفنّية من قلب الرمال، وتنسجم مع الأخاديد التي شكّلتها الرياح والتكوينات الطبيعية في الصحراء، بحثاً عن مساحة يلتقي فيها الحسّي بما يتجاوز الملموس، في أعمال لا تُعنى بالاستدامة الزمنية بقدر ما تفتح مجالاً للتأمّل.

ويقدّم المعرض رؤى فنّية تتراوح بين أعمال ذات حضور هادئ وأخرى ذات أثر بصري طاغٍ، بين ما يحتضن الزائر وما يفرض حضوره بحجم الأعمال الضخمة، ويشكّل كلّ تكليف فني نقطة لقاء وتجربة حسّية ضمن فضاء العلا الصحراوي المفتوح.

عمل الفنان السعودي محمد الفرج (فنون العلا)

محطّة لافتتاح «وادي الفنّ»

ويُعدّ المعرض إحدى المحطات البارزة ضمن النسخة الخامسة من مهرجان فنون العلا 2026، كما يأتي بوصفه جزءاً من البرنامج التمهيدي لافتتاح «وادي الفن»؛ الوجهة الثقافية العالمية المرتقبة للأعمال الفنية الضخمة المتفاعلة مع المشهد الطبيعي.

ومن المقرَّر افتتاح «وادي الفن» في العلا عام 2028، وستُعرض أعمال فنية بشكل دائم لفنانين من مختلف أنحاء العالم ضمن المشهد الطبيعي الصحراوي في شمال غربي السعودية.

عمل الفنان هيكتور زامورا (فنون العلا)

وسيضمّ «وادي الفنّ» 5 أعمال فنّية ضخمة صُمِّمت خصوصاً للموقع، من إنجاز كلٍّ من منال الضويان من السعودية، وأغنيس دينيس من المجر، ومايكل هايزر من الولايات المتحدة، وأحمد ماطر من السعودية، وجيمس توريل من الولايات المتحدة الأميركية.

وتُمثّل هذه الأعمال الخمسة الانطلاقة الرسمية لمجموعة من المشروعات الفنّية الدائمة التي ستُطوَّر في «وادي الفن»، الممتدّ على مساحة نحو 65 كيلومتراً مربعاً، على أن تتواصل برامج التكليف والمعارض مستقبلاً مع إعلان مزيد من الفنانين والأنشطة ضمن هذا المشروع الثقافي العالمي.

وتستمر فعاليات «صحراء X العلا 2026» من 16 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 28 فبراير (شباط) المقبل، بإشراف قيّميّ مشترك لكلٍّ من وجدان رضا وزوي ويتلي، مع عودة نيفل وايكفيلد ورنيم فارسي مديرَيْن فنيَيْن لنسخة 2026.

ويشارك في هذه النسخة الفنانون: سارة عبدو، ومحمد الفرج، ومحمد السليم، وطارق عطوي، وبحريني دينش، وماريا ماغدالينا كامبوس بونس، وأغنيس دينيس، وإبراهيم الصلحي، وبسمة فليمبان، وفيبا غالهوترا، وهيكتور زامورا.