شعراء قبل فوات أواننا

فراس عبد المجيد و«تماثيله الراقصة» نموذجاً

شعراء قبل فوات أواننا
TT

شعراء قبل فوات أواننا

شعراء قبل فوات أواننا

أتذكر قبل أكثر من 25 عاماً حين كنتُ طالباً في الجامعة المستنصرية في المرحلة الأولى من الدراسة الجامعية، حيث كنا نلتقي في رابطة للشعر في الجامعة، وكانت في الغرفة التي نلتقي فيها مئات النسخ من ديوان واحد لشاعر لا أعرفه، أتذكر أني أخذت أكثر من عشر نسخ من هذا الديوان، لكتابة المحاضرات، وبعض مسودات قصائدي عليه، ذلك أننا كنا في أيام حصار شديد، وكنا نعاني شحة في كل شيء، منها الورق الذي نكتب عليه. المهم أن هذه النسخ التي أخذتها نفعتني كثيراً في الكتابة عليها، لكنني - للأسف - لم أكلف نفسي خمس دقائق لقراءة هذا الديوان الذي رافقني طويلاً وأنا أخط مسوداتي على صفحاته الفارغة، وحتى الممتلئة، وحين عدت إلى ذلك الديوان بعد أكثر من عشرة أعوام، ومن باب المصادفة، فقد قرأته قراءة جيدة، شعرت لحظتها بندم، ذلك أنني لم أقف عند هذا الديوان، وأقرؤه قراءة تليق به في ذلك الوقت، الديوان هو للشاعر التونسي بوغديري الطيب، وعنوانه «حرائق تحت المطر»، وقد طبع في «دار الحرية للطباعة» سنة 8891 في بغداد:
(لا تبالي بشوق أصابعنا للمطر/ سأخاتل نهراً، يقص شواربه تحت صفصافه والصباح/ أطيل انحناءاته...).
لم أكن أعرف هذا الشاعر إلا بوساطة هذا الديوان، وهو ذو نزعة غنائية، لكنها غنائية صافية تشبه قصائد الشعراء القادمين من البساتين والقرى، نصوصهم ممتلئة نخيلاً وأعناباً، ماءً وعصافير، ذلك هو بوغديري الطيب الذي لم أعرف أين حلت به الدنيا، فلم أقرأ له غير هذا العمل.
أردت أن أقول من خلال هذه المقدمة أن هناك شعراء مهمين ورائعين مروا في حياتنا دون أن نلتفت لهم، ونقف عند نصوصهم مأخوذين بالأسماء المشهورة، والأسماء التي تحضر كل مهرجان وأمسية، وتقرأ في كل مكان، ولكن هناك أسماء شعرية نتفاجأ كثيراً بحجم إبداعهم، دون أن يعلنوا عنه، كما يفعل الشعراء في العادة، وهنا أتذكر أيضاً في التسعينات حينما مررت على إدارة اتحاد الأدباء لاستحصال الهوية منهم، خطها لي أحد الموظفين في إدارة الاتحاد وهو رجل كبير ومحترم كثيراً، وحين سلمني الهوية قال لي أنا أيضاً شاعر وعندي مجاميع شعرية، لكنني لم أتوقف عند ذلك الشاعر إلا بعد أن سمعت برحيله وهو الشاعر تركي الحميري، الذي يمثل تجربة مبدعة من تجارب الجيل الستيني دون صخب أو ضجيج.
(في أحجار الروح/ يشق الفجر طريق الولد المطروح على أبواب الزقورات/ يناغي البسمات الصبح/ يهذي تصفعه الريح المغبرة/ يبكي، يبتسم، يهذي، يبكي يصرخ/ هل تأتي الغابة؟/ هل يأتي الحقل؟....).
كم وكم اسم مثل تركي الحميري مر علينا دون أن ننتبه له، ونسمعه، فضاعت علينا دررٌ كثيرة، ربما كان أولئك الشعراء أنفسهم أحد الأسباب في عدم وصولهم لنا، وهذه مسألة خاضعة لطبيعة المزاج، ربما، أو لظروف موضوعية تتعلق بالشأن السياسي، أو الاجتماعي، فقد انزوى عددٌ من الشعراء خوفاً من منزلق السلطة، ولأن الجو العام للوسط الثقافي ربما يهيمن عليه مجموعة من الأسماء، يبقون في خانة التداول عشرات السنوات، وبهذا فإنهم يهيمنون على المشهد كله، وكأن الشعرية العراقية ترتبط بفلان أو فلان دون غيره، كما أن الشللية واحدة من مواصفات التجربة العراقية، ففي كل جيل تجد مجموعة من الشعراء «كروبات» يشكلون مجاميع محددة لهم مواصفاتهم ولهم أفكارهم، وهم دائماً يدعون تمثيلهم للشعر العراقي، وهؤلاء موجودون في كل الأجيال العراقية الشعرية، أما الشعراء الذين لم يدخلوا في تلك الشللية فقد عانوا كثيراً في مسألة الوصول للمتلقي من حيث النشر والطباعة والدعوات في المهرجانات، وما زالت هذه الظاهرة متفشية حتى هذه اللحظة.
أمثلة كثيرة من نمط هؤلاء الشعراء الذين كتبوا وأصدروا دواوينهم دون أن يصلوا إلينا، ونعيش هواجسهم وهمومهم، وبصراحة فإني منذ أيام وأنا أرتب مكتبتي، وجدت ديواناً للصديق فراس عبد المجيد عنوانه «رقص التماثيل»، وقد استغربت هل فراس شاعر؟ رغم أن عمره تجاوز الخامسة والسبعين عاماً، فكل ما أعرفه عنه أنه صحافي، فمن ورطه بالشعر؟ ولكنني أخذت قسطاً من ترتيب المكتبة، وسحبت ديوان فراس عبد المجيد وبدأت أقرأ، وكانت القصيدة الأولى «الزورق» فأخذني زورق فراس إلى أماكن من الدهشة والجمال حتى أنساني مكتبتي، ولم أفق إلا وأنا في الصفحة الأخيرة من الديوان الساحر، وسأورد لكم بعضاً من تلك القصيدة لتشاركوني جمالها:

الزورق الذي صنعته
«قبل عقود خمسة ونيفٍ».
من الورقْ
أطلقته
ونمتُ في ظلال نخلة
طاولها شراعه
ولم أفق
كنت نسيته
يهيم غافياً في ضحكات الجدول الغربي حتى يبلغ الأفق
كانت نوال «حلوة الحلوات» خلف غيمة شاردة تشير لي
والزورق النزقْ
ظل أميناً
مخلصاً لسيره
لم يتخط الموجة العذراء في اندفاعه
لم ينزلق...

وبقيت مسمراً أمام الديوان، هل هو هذا نفسه صديقنا الذي يزورني في دار الشؤون الثقافية هو وزوجته الكاتبة صبيحة شبر؟ هل هو نفسه الذي أراه في اتحاد الأدباء؟ طيب كيف لي وأنا في هذا الوسط منذ أكثر من 25 عاماً، كيف لم أقرأ له ولا نصاً واحداً؟ ولماذا لم أره يرتقي منصة شعرية ويقرأ عليها؟ ولماذا لم يذكر في أي حواراتنا بأنه شاعر؟ وأن لديه مجاميع ودواوين مطبوعة؟ هل يكمن الخلل في أنا الذي يجب عليّ أن أتابع الشعراء وأقرأ لهم وأتتبع تحولاتهم؟ أم أنني أكتفي بالموجودين الذين يملؤون الساحة الثقافية، ويتكررون في كل مشهد وفعالية ومهرجان؟ أم إن فراس نفسه مشترك بهذا الأمر؟ في أن ينزوي شاعراً؟ وليس أي شاعر بصراحة، فقد قرأت عمله هذا ووجدت بأن ديوانه «رقص التماثيل» أحد أجمل الأعمال الشعرية العراقية، التي يجب أن يتوقف عندها النقاد بدلاً من الوقوف عند هذيانات لا قيمة لها سوى ركام من اللغة، أما تجربة فراس في هذا الديوان فهي تنم عن شعرية أخاذة، موضوعاتٍ وأساليبَ، حيث تتنوع تجربته في هذا الديوان بين الغنائية والدرامية، وهو يمسك بقصيدة التفعيلة برشاقة عالية، يتنقل بين التفعيلات كأي لاعب سيرك ماهر لغة وصوراً إدهاشية، أما من حيث الموضوعة، فإن الديوان غني بالموضوعات، حيث أخذ من ثيمة التماثيل وتناول عشرة تماثيل، وبدأ يغير بحركاتهن، ويبث الروح في كل تمثال وينزله من قاعدته (حين رأى الجند بطروادة/ ينسلون فرادى وجماعات من قدميه/ أحس بأن فروسيته جرحت/ وضميره مات/ صهل صهيلاً مكتوماً/ أطلق ساقيه للريح/ وهام وحيداً في الفوات)، وتنوع الديوان أيضاً بأنه دخل في حوار مع شخصيات سماه «صور شخصية»، حيث أخذ العديد من الشخصيات الأدبية المعروفة وكتب عنها نصوصاً شعرية تكثف باختصار شديد تلك الشخصيات، وكأن فراس عبد المجيد يرسم «بورتريه» عن تلك الشخصية، لكنه «بورتريه» شعري يلخص حياة أولئك الشعراء، حيث يقول عن يوسف الصائغ:
(حين رأى الرفاق يرحلون/ لم يرتحل/ لكنه.../ حين ابتدا شارعه/ زقاقه/ وكل ما في دربه يضيق/ دون في دفتره خاطرة/ «ما أوحش الدنيا بلا رفيق»/ لا ما اشتكى من قلة الزاد/ ولا طول السفر/ لكنه/ مسافراً صار بلا طريق/ متخذاً جلاده صديق)، وهنا يكثف فراس ويختزل صورة يوسف الصائغ بهذه القصيدة القصيرة برشاقة عالية.
ما أريد أن أقوله إن هناك أسماءً شعرية مهمة لم نلتفت لها للأسف، وأعتقد أن الكل مساهم بهذه القضية، أعني الشاعر نفسه، والوسط الثقافي، والمؤسسات الثقافية، والمتلقين، ونحن المهتمين بصناعة الثقافة وترويجها، فليس كل الشعراء لديهم ذلك الحضور في المنتديات والمهرجانات، أو لديهم قابلية على السفر الدائم، ولكن عموماً أنا فرح كثيراً بتجربة فراس عبد المجيد في ديوانه «رقص التماثيل»، وهو مفتاح للبحث عن تجارب أخرى، ورسالة لنا جميعاً علينا ألا نتغافل أي تجربة شعرية دون أن نقف عندها متأملين وقارئين.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

دراسة: ممارسة الأنشطة في الطبيعة تحد من الشعور بالوحدة

المشي بجانب البحيرات أو الأنهار يقلل الشعور بالوحدة (جامعة جورج تاون)
المشي بجانب البحيرات أو الأنهار يقلل الشعور بالوحدة (جامعة جورج تاون)
TT

دراسة: ممارسة الأنشطة في الطبيعة تحد من الشعور بالوحدة

المشي بجانب البحيرات أو الأنهار يقلل الشعور بالوحدة (جامعة جورج تاون)
المشي بجانب البحيرات أو الأنهار يقلل الشعور بالوحدة (جامعة جورج تاون)

كشفت دراسة نرويجية عن أن ممارسة بعض الأنشطة في البيئات الطبيعية يمكن أن تساهم بشكل فعّال في تقليل الشعور بالوحدة، من خلال تعزيز الإحساس بالانتماء إلى المكان والطبيعة، وليس فقط إلى الآخرين.

وأوضح الباحثون بالجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا أن هذه الأنشطة لا تتطلب موارد كبيرة أو تدخلاً طبياً، ما يجعلها وسيلة وقائية بسيطة وقابلة للتطبيق على نطاق واسع، ونُشرت النتائج، الخميس، بدورية «Health & Place».

ويُعد الشعور بالوحدة حالة نفسية شائعة تنشأ عندما يفتقد الإنسان الإحساس بالانتماء أو التواصل، سواء مع الآخرين أو مع محيطه الأوسع. ولا يقتصر هذا الشعور على العزلة الاجتماعية، بل قد يظهر حتى في وجود علاقات، نتيجة ضعف الترابط العاطفي أو الشعور بعدم الفهم.

واعتمدت الدراسة على مقابلات مع نحو 2500 شخص ضمن دراسة أُجريت في مدينة غيوفيك النرويجية بالقرب من بحيرة ميوسا. واستهدفت البحث فيما إذا كان قضاء الوقت في الطبيعة يمكن أن يعزز الشعور بالانتماء ويساهم في الحد من الشعور بالوحدة. وأظهرت النتائج أن أكثر من 75 في المائة من المشاركين يزورون البحيرة عدة مرات سنوياً، بينما يزورها نحو 25 في المائة عدة مرات شهرياً.

كما بيّنت النتائج أن 6 في المائة من المشاركين يعانون من وحدة شديدة، و53 في المائة يعانون من بعض الشعور بالوحدة، في حين أفاد 41 في المائة بأنهم لا يشعرون بالوحدة على الإطلاق.

وحسب الباحثين، فإن أكثر الأنشطة الطبيعية ارتباطاً بتقليل الشعور بالوحدة تشمل، المشي الهادئ بجانب البحيرات أو الأنهار، والجلوس والتأمل في الطبيعة، ومراقبة تفاصيل البيئة مثل الأشجار والضوء وتغيرات المشهد الطبيعي، إضافة إلى قضاء الوقت في أماكن مفتوحة بعيداً عن الضوضاء، والاستمتاع بأنشطة بسيطة دون التركيز على الأداء الرياضي.

وأكد الباحثون أن الأنشطة الخارجية في البيئات الطبيعية تمتلك تأثيراً وقائياً مهماً ضد الوحدة، مشيرين إلى أن هذه النتائج تمثل إضافة مهمة لوسائل مواجهة هذه المشكلة المتزايدة.

كما أوضحت الدراسة أن الشعور بالانتماء لا يقتصر على العلاقات الاجتماعية، بل يشمل أيضاً الارتباط بالمكان والطبيعة، فعندما يشعر الإنسان بأنه جزء من الطبيعة، يتولد لديه إحساس بالانتماء إلى مجتمع أوسع، ما يخفف من مشاعر العزلة.

ورغم ذلك، أوضحت الدراسة أن مجرد الوجود في الطبيعة أو ممارسة الرياضة فيها، مثل الجري، لا يحقق التأثير نفسه بالضرورة، إذ يرتبط ذلك بمدى انتباه الشخص لتفاصيل البيئة المحيطة، مثل الأصوات والضوء والأفق وأنماط الأشجار.

وحذّر الباحثون من أن تراجع المساحات الطبيعية أو صعوبة الوصول إليها قد تكون له آثار اجتماعية وصحية سلبية كبيرة، مؤكدين أن الوحدة تُعد من أبرز التحديات الصحية العامة.

وأوصت الدراسة بتشجيع الأفراد على قضاء وقت منتظم في الطبيعة، حتى ولو لفترات قصيرة، مع التركيز على ملاحظة تفاصيلها والاستمتاع بها، باعتبار ذلك وسيلة بسيطة وفعالة لتحسين الحالة النفسية وتقليل الشعور بالوحدة.


ذئب هارب يشغل كوريا... والنهاية سعيدة

عاد من اتساع البرّ بسلام يُشبه النجاة (رويترز)
عاد من اتساع البرّ بسلام يُشبه النجاة (رويترز)
TT

ذئب هارب يشغل كوريا... والنهاية سعيدة

عاد من اتساع البرّ بسلام يُشبه النجاة (رويترز)
عاد من اتساع البرّ بسلام يُشبه النجاة (رويترز)

عمَّت موجة من الفرح منصات الإنترنت في كوريا الجنوبية بعد القبض الآمن على ذئب في الثانية من عمره، كان قد فرَّ من حديقة حيوانات، عقب عملية بحث استمرَّت 9 أيام أبقت البلاد في حالة ترقُّب، وجعلت الذئب حديث الرأي العام.

ووفق «أسوشييتد برس»، كان الذئب الذكر، المعروف باسم «نيوكغو»، قد فرَّ من قفصه في حديقة «أو-وورلد» بمدينة دايغون في 8 أبريل (نيسان) الحالي؛ مّا أدى إلى إطلاق عملية بحث واسعة أثارت القلق بشأن مصيره.

وأبدى ناشطون في مجال حقوق الحيوان مخاوفهم من عدم قدرته على التكيُّف خارج بيئته، كما حذَّروا من احتمال تعرُّضه للقتل خلال القبض عليه، على غرار حادثة مماثلة لحيوان هارب من الحديقة سابقاً.

وتصاعدت المخاوف إلى مستوى وطني؛ ما دفع الرئيس لي جاي ميونغ إلى طمأنة المواطنين، مؤكداً أنّ الجهات المعنية تبذل أقصى جهودها لإعادته حياً.

وفي إحدى المحاولات، اقتربت السلطات من الإمساك به بعد رصده على تل قريب من الحديقة، لكنه تمكَّن من الإفلات من الطوق الأمني. كما وثَّق أحد السائقين مشهداً للذئب وهو يركض على طريق جبلية مظلمة، تلاحقه أضواء سيارة، في لقطات أثارت تفاعلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي نهاية المطاف، عُثر على «نيوكغو» فجر الجمعة على تل قرب طريق سريعة، حيث خُدِّر بعد عملية مطوّلة شاركت فيها طائرات مسيّرة وفرق إنقاذ وأطباء بيطريون.

وأكد المسؤولون أنّ حالته مستقرّة بعد إعادته إلى الحديقة، حيث أُزيل خطاف صيد من معدته باستخدام منظار، من دون تسجيل أي مشكلات صحية أخرى.

خرج إلى المجهول فعاد إلى الأمان (أ.ف.ب)

ونشرت سلطات دايغون مقاطع تُظهر لحظة إنقاذ الذئب ونقله، إضافة إلى خضوعه لفحوص طبية داخل الحديقة، في حين تدفَّقت رسائل الترحيب على المنصات، من قبيل «مرحباً بعودتك» و«الخارج ليس آمناً لك». كما أعرب عمدة دايغون، لي جانغ وو، عن امتنانه لمساندة المواطنين في تأمين عودة الحيوان سالماً.

ويُذكر أن «نيوكغو» وُلد في الحديقة عام 2024، وينتمي إلى الجيل الثالث لسلالة ذئاب أُحضرت من روسيا عام 2008 ضمن مشروع لإعادة إحياء الذئاب التي اختفت من البرّية الكورية منذ ستينات القرن الماضي.

وأوضح مدير حديقة «أو-وورلد»، لي كوان جونغ، أنّ الذئب سيبقى في منطقة معزولة لتلقّي الرعاية حتى يتعافى بشكل كامل.

وأغلقت إدارة الحديقة، التي واجهت انتقادات بسبب تكرار حوادث هروب الحيوانات، أبوابها عقب الحادثة، مؤكدة أنها لم تحدّد بعد موعد إعادة الافتتاح.

وأشار مدير الحديقة إلى أنه ستجري مراجعة إجراءات السلامة، مع التركيز على تعافي «نيوكغو»، الذي يُتوقَّع أن يصبح أحد أبرز عوامل الجذب عند إعادة فتح الحديقة.


سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)
سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)
TT

سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)
سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)

من أجل العودة الباريسية المدوّية، لا بدّ من أغنيةٍ ناطقةٍ بالفرنسيّة توقظُ الحنين إلى زمن سيلين ديون وجان جاك غولدمان. وهو، لمَن لا يعرفُه، زمنُ الأحلام الممكنة وقصص الحب التي تصنع المعجزات.

استباقاً لسلسلة حفلاتها المرتقبة في العاصمة الفرنسية، الخريف المقبل، أصدرت الفنانة الكنَديّة العالميّة أغنية «Dansons» (هيّا نرقص) من تأليف الفنان الفرنسي جان جاك غولدمان وإنتاجه. بصوتٍ مكتملِ الإحساس والصلابة، تصدح ديون: «هيّا نرقص فوق الهاويات، على حواف القمم... هيّا نرقص حين يترنّح العالم كي ننسى آلامنا».

يا له من توقيتٍ صائبٍ لهكذا إعلان، في لحظةٍ ينفض العالم عنه ركام الحرب، كما تنفض سيلين ديون عنها أوجاعاً رافقتها خلال السنوات الـ6 الماضية بسبب إصابتها بمتلازمة الشخص المتيبّس.

وفق المعلومات التي تداولتها الصحافة الفرنسية، فإنّ الأغنية كُتبت عام 2020 بالتزامن مع أهوال جائحة «كورونا»، لكنها بقيت في أدراج غولدمان؛ وكأنها كانت تنتظر تَعافي صوت ديون كي ينسكب عليها. أما وقد حان موعد العودة، سحبت ديون الأوراق من الأدراج وغنّت بصوتها القويّ والممتلئ إحساساً، وإن ظَلّلَه طيفُ جُرح.

مع أنّ الأغنية لم تترافق وفيديو كليب، فإنّ أداء ديون وحدَه قادرٌ على رسم ما يكفي من الصور في المخيّلة؛ وكأنّ النجمة الطالعة من مرضها واقفةٌ في أعلى برج إيفل أو على تلّة مونمارتر في باريس، تدعو الناس للرقص معها فرحاً وانتصاراً للحياة والحب.

سيلين ديون في إحدى الصور المواكبة لإصدارها الغنائي الجديد (سوني ميوزيك)

تنتمي «Dansons» إلى خانة الأغاني الشعريّة الرومانسية، وهي لا تختلف كثيراً عن النمط الذي سبق وقدّمه ديون وغولدمان في أعمالهما المشتركة الكثيرة. هو نمطٌ لا يشبه ربّما موسيقى هذا الزمن ولا يتماشى وذوق الجيل الجديد، إلّا أنه أقرب إلى الأغاني الكلاسيكيّة المُفتَقَدة التي تُحيي القصيدة والكلمة الهادفة إنسانياً.

ومن المرتقب أن تستأنف ديون نشاطها الموسيقيّ بدخولها الاستوديو قريباً من أجل تسجيل مجموعة من الأغاني، على أن يكتمل ألبومها الجديد عشيّة سلسلة حفلاتها في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) المقبلَين في ميدان «باريس لا ديفانس».

جان جاك غولدمان مؤلّف ومنتج أغنية سيلين ديون الجديدة (أ.ف.ب)

منذ تشخيصها بمتلازمة الشخص المتيبّس، التي تصيب الجهازَين العصبي والمناعي، دخلت سيلين ديون في شبهِ اعتزال. كادت تفقد صوتها وقدرتَها على السير، لكنّ إرادتها الصلبة والعلاج المكثّف سمحا لها بإطلالاتٍ متفرّقة بين الحين والآخر.

عام 2023، وضعت صوتها على مجموعة من أغاني فيلم «Love Again» كما كانت لها مشاركة فيه بشخصيتها الحقيقية. وفي صيف 2024، أبهرت جمهور أولمبياد باريس عندما افتتحت الألعاب الرياضية الصيفيّة بتقديم إعادة لأغنية «Hymne à l’amour» (نشيد الحب) لإديث بياف. كما كانت لها إطلالات غنائية مقتضبة في مناسباتٍ خاصة.

تُعدّ أغنية «Dansons» العودة الغنائية الرسمية لسيلين ديون (58 سنة) بعد آخر إصداراتها الخاصة قبل المرض، أي ألبوم «Courage» (شَجاعة) عام 2019. ويأتي هذا التعاون مع غولدمان، بعد 10 سنوات على ألبومهما المشترك الأخير «Encore un soir» (مساءٌ واحدٌ بعد) الصادر عام 2016.

جان جاك غولدمان (74 سنة) معتادٌ على مواكبة «ديفا الأغنية» في لحظاتٍ مصيريّة عدّة من حياتها. فالألبوم الأخير الذي جمعهما قبل 10 أعوام صدرَ بعد أشهر قليلة على وفاة زوج ديون، المنتج رينيه أنجليل.

بين غولدمان وديون صداقة وشراكة مستمرة منذ 1995 (موقع غولدمان)

مدّ غولدمان يد العون لصديقته عندما أرادت أن تصعد إلى المسرح من جديد، بعد خسارتها الرجل الذي اكتشف موهبتها ثم صار حب حياتها وأب أولادها. تذهب الصحافة الفرنسية إلى درجة وصف العلاقة بين الفنانَين بـ«قصة الحب الفنية». وما أغنية ديون الجديدة سوى دليلٍ إضافي على فرادة تلك العلاقة والخصوصية التي يتعامل بها غولدمان مع ديون.

فهذه العودة الفنية ليست محصورة بالفنانة الكنديّة، إنما هي عودة كذلك بالنسبة إلى غولدمان نفسه الذي اختار الاعتزال والانكفاء عن الأضواء عام 2005. لكنّ كل المستحيلات تصبح ممكنة من أجل سيلين، التي اكتشفها غولدمان يوم كانت بعدُ في بداياتها فانذهل بصوتها. منحَها عام 1995 ألبومَها الفرنسي الأكثر مبيعاً «D’Eux» (مِنهُم)، وهو الذي أدخلَها فعلياً إلى فرنسا من أبوابها العريضة.

سارت الشراكة الفنية جنباً إلى جنب مع العلاقة الإنسانية التي نمت بينهما، وتَكرّر التعاون عام 1998 في ألبوم ناجح آخر باللغة الفرنسية بعنوان «S’il suffisait d’aimer» (لو كان الحب يكفي). وفي 2003، ألّف غولدمان الألبوم الثالث لديون بعنوان «1 fille et 4 types» (فتاة وأربعة أشخاص). لكن مع اعتكافه الفني عام 2005، سكتت أغانيهما إلى أن كسرَ صمته عام 2016 ومنحها أغنية الوداع لزوجها الراحل.

مرةً جديدةً، يكسر غولدمان صمته الكبير من أجل العودة الكبرى لسيلين ديون. فهل يكمل النجم الفرنسي رحلته مع صديقة عُمره ويوقّع لها ألبوماً كاملاً، أم يكتفي بأغنية واحدة؟ والسؤال الأكبر: هل يطلّ معها في إحدى حفلاتها المرتقبة على مسرح «لا ديفانس»، ليشعل الجماهير التائقة إلى ملاقاته من جديد؛ هو الذي اختير خلال 14 سنة متتالية، ورغم بُعدِه وصمته، «الشخصية الأحبّ إلى قلوب الفرنسيين»؟