بحثاً عن ربيع جابر... بين أزقّة بيروت وسطور رواياته

الروائي اللبناني ربيع جابر (يوتيوب)
الروائي اللبناني ربيع جابر (يوتيوب)
TT

بحثاً عن ربيع جابر... بين أزقّة بيروت وسطور رواياته

الروائي اللبناني ربيع جابر (يوتيوب)
الروائي اللبناني ربيع جابر (يوتيوب)

حتماً ستجد تلك الإبرة التائهة بين القشّ، قبل أن تجد أثراً لربيع جابر في شوارع بيروت وأزقّتها. كالشبح يتنقّل الروائي اللبناني في مدينته المُلهمة سيراً على الأقدام. يهرب من العيون والعيون تترصّده. يبحث عنه محبّوه وقرّاؤه في شارعٍ بيروتي أو في سطرٍ مكتوب، من دون جدوى.
يفضّل هذا الكاتب الغامض العيش بين الأوراق، كما شخصيات رواياته. أَغلِقْ عليه كتاباً، تَمنَحْه كل ما يريد من هذه الدنيا.
قبل 10 سنوات، صعد ربيع جابر إلى المنصة لتسلم الجائزة العالمية للرواية العربية «بوكر». كانت تلك المرة الأولى - وربما الأخيرة - التي يلمح له الجمهور فيها وجهاً. وجهٌ خبّأه بيَدِه حيناً وبرأسه المطأطئ خفَراً أحياناً. بصوتٍ خفيض وبكلماتٍ معدودة، شكر لجنة التحكيم على منحها جائزة العام لروايته «دروز بلغراد».

لم تكد تنتهي الاحتفاليّة حتى خرج ربيع من القاعة، هارباً من عدسات الصحافة وأسئلتها. عاد إلى غرفته في الفندق تاركاً الجميع خلفه يتساءلون عن الرجل الذي لا يحب الأضواء ولا الدعوات ولا التكريم. من غرفته، انتقل مباشرة إلى مطار أبوظبي، حيث استقلّ الطائرة وحيداً، عائداً إلى بيروت.
منذ ذلك اليوم، توارى ربيع جابر عن الأنظار لكنه حافظ على صِلَة الحبر بينه وبين قرّائه. بعد «دروز بلغراد»، أصدر رواية «طيور الهوليداي إن». سرديّة تاريخيّة معاصرة عن بيروت الحرب الأهليّة، المشلّعة بين «شرقيّة» و«غربيّة» لم تُرِدهما المدينة لنفسها.
كانت تلك الرواية الثامنة عشرة لجابر، وقد ظنّ الجميع أنّ عشراتٍ أخرى سوف تَليها، نظراً لغزارة إنتاج الكاتب الذي أصدر 18 كتاباً في أقلّ من 20 عاماً، وهو كان بالكاد قد بلغ الأربعين من عمره. لكن بعد أن أطلقَ سراح طيور الهوليداي إن، غاب جابر صورة وحبراً.

ربيع جابر على قيد القراءة

انقضى أكثر من 10 سنوات على الإصدار الأخير، وحتى اللحظة لا يمرّ أسبوع من دون أن يرنّ جرس الهاتف في «دار التنوير للطباعة والنشر» للسؤال عن ربيع جابر. فللدار حصريّة نشر كتب ربيع ولا بدّ أن يكون أهلُها على تواصلٍ معه.
قارئة من باريس تتصل للاطمئنان عنه وللسؤال عن سبب غيابه. جامعة في الولايات المتحدة الأميركية تدعوه إلى محاضرة وتكريم. صحافي يقتفي أثره ليكتب مقالاً أو ليُجري المقابلة الحلم.
يحترم صاحب دار النشر، حسن ياغي، صمتَ جابر. وهو قد يكون من القلّة القليلة القادرة على اختراق جدار الصمت هذا بين الحين والآخر. يخبر «الشرق الأوسط» أنّ آخر لقاءٍ جمعهما كان منذ شهرين. يُطَمئن محبّي ربيع مؤكّداً أنه «بخير وبصحّة جيّدة». يضيف: «كلما التقيتُه بعد غياب، رأيتُه ضاحكاً».
حالياً وكما في كل آنٍ منذ مسكَ أول كتاب في حياته، يمضي وقته في القراءة. يقول ياغي إنه لم يلتقِ أحداً يقرأ بقَدر ما يفعل ربيع جابر: «لم أذكر كتاباً أمامه إلا وعرفه». ويبدو أنّ القراءة تمتدّ حبلَ خلاص بين جابر والحياة، فهو قال يوماً إنّ «القراءة هي الوسيلة الوحيدة كي أتأكد أنني موجود وأشعر بالتوازن النفسي».

ربيع جابر إذن في حالة قراءة دائمة، لكنه لا يكتب أو على الأقل يكتب بينه وبين ورقِه، ولا نيّة واضحة لديه للنشر في الوقت الراهن. عندما يسأله ناشره عن غيابه الأدبي الذي طال، يجيبه: «لم أكتب يوماً من أجل المال ولا الشهرة».
يحب ياغي اللقاءات النادرة التي تجمعه بجابر، يتشوّق للجلوس مع رجل «لم يتخلَّ عن شفافيته ولا عن ابتسامته العريضة». يصِفُه بـ«الأليف، والطريف، والودود»، ليتّضح أنّ اعتزال الحياة الاجتماعية لا يعني بالضرورة القسوة والجفاء. أما في حالة ربيع جابر، فقد يكون التواري ناتجاً عن الزُهد الذي اختاره سبيلاً.
فحسب صديقه الصحافي إبراهيم العريس: «ربيع جابر متواضع وزاهد بالدنيا. لا يريد منها شيئاً. لا جوائز، ولا مقابلات، ولا حتى تحويل رواياته إلى أفلام ومسلسلات». العريس الذي تعرّف إلى جابر خلال عملهما معاً في جريدة «الحياة»، يتحدّث عن شخصٍ يحترف لعبة الظلّ، ولا يسوّق لنفسه أبداً، إلى درجة أنك قد تمضي بجانبه شهوراً في المكتب ذاته من دون أن تعرف أنه الروائي الشهير ربيع جابر.
يخبر العريس «الشرق الأوسط» أنه لم يحاول اختراق عزلة جابر، لكنه نجح في التقرّب منه ومصادقته. ورغم كثرة صمته، فإن الأحاديث عن الطبخ كانت إحدى المفاتيح التي تُطلق لسانه. «إلى جانب مواظبته على شرب المتّة، يعشق ربيع الطبخ وسيرتَه»، يقول العريس ويضيف: «يتحدث لساعات عن البهارات والصلصات. يتقن الطبخ اللبناني والحلبي والتركي وحتى العباسي».
مع العلم أنّ الطعام ثيمة متكرّرة في روايات جابر، غير أنّ ذلك لم ينعكس على عاداته الغذائيّة. فمعروفٌ عنه أنه يفقد الكثير من وزنه عندما يكون في طور التحضير لرواية. يتذكّر العريس: «حين كنا نراه نحيفاً فوق العادة، كنا نقلق بداية ونظنّه مريضاً. ثم نستوعب أنه مُنكبٌ على تأليف رواية جديدة».

مخيّلة أوسع من بيروت
يوم نزل ربيع جابر من بعقلين في الجبل اللبناني إلى بيروت لدراسة الفيزياء في الجامعة الأميركيّة عام 1989. وقع في شَرك المدينة التي سمّاها «مدينة العالم» في ثلاثيته الصادرة بين 2003 و2007. لم ينفر من بيوتٍ شوّهها الرصاص وأبنية طحنتها القذائف. تآلفَ معها وحاول اختراع حياة جديدة لها. وهو لم يكتفِ بالوقوف على الأسفلت، بل انجذب إلى العالم السفليّ، فراح يسبر أغوار بيروت لتولد بعد سنوات روايته الخياليّة «بيريتوس مدينة تحت الأرض».
في مكتبة الجامعة، غاص في التاريخ ونقّب في أرشيف الصحف التي عاصرت الحكم العثماني للبنان، لتخرج لاحقاً روايات واكبت المرحلة مثل «سيّد العتمة» و«يوسف الإنجليزي».
ما زال جابر حتى اليوم مسحوراً بالطوبوغرافيا البيروتيّة، وكأنه حفظ المدينة شبراً شبراً، بنسخاتها التي لا تُحصى لفرط ما تراكمت تحتها وفوقها الأنقاض. كل يومٍ تقريباً، يخرج من بيته البيروتي حيث يعيش وزوجته الكاتبة رينيه الحايك، ويتّجه مشياً إلى مكتبة الجامعة الأميركية. يقرأ، ويبحث، وينقّب.
لطالما استهواه العمل البحثي الاستقصائيّ. حسب ما يخبر الناشر حسن ياغي، هو وصل إلى حدّ تحضير استمارات وتوزيعها على السكان عندما كان في طور إعداد رواية «طيور الهوليداي إن». ويضيف ياغي أن «جابر ينطلق من أماكن وشخصيات واقعية ويخترع لهم تاريخاً خاصاً يبدو وكأنه التاريخ الحقيقي. يمسك التاريخ ويصنع تاريخاً موازياً».
يشتاق ياغي إلى تلك اللحظة التي كان يصل فيها إلى مدخل الدار في الصباح الباكر، ليتفاجأ بربيع واقفاً ينتظره أمام الباب، متأبّطاً مخطوطة كتابٍ جديد «لا تحتاج حتى إلى ترتيبٍ نَصي ولا إلى تدقيقٍ لغويّ».
وإلى أن يستفيق العالم العربي على رواية جديدة لربيع جابر، يبقى الرجل زاهداً بالظهور في زمنِ اللهاث خلف الضوء. يتماهى مع «ك»، بطل رواية «البيت الأخير»، الذي يركض في عتمة الشوارع تحت المطر، ولا يعرف وجهتَه سوى بحر بيروت.

 


مقالات ذات صلة

تعزيز «منصة الابتعاث الثقافي» السعودية بخدمات جديدة

يوميات الشرق تعزيز «منصة الابتعاث الثقافي» السعودية بخدمات جديدة

تعزيز «منصة الابتعاث الثقافي» السعودية بخدمات جديدة

أضافت وزارة الثقافة السعودية خدمات جديدة إلى «منصة الابتعاث الثقافي» بميزات متعددة تهدف من خلالها إلى تعزيز العدالة في ترشيح المبتعثين. وتحتوي المنصة على التفاصيل والمعلومات التي يحتاجها المهتمون بالابتعاث الثقافي، ومحتوى توعوي عنه، فضلاً عن تمكينهم من التقديم على برامجه، ومتابعة طلباتهم، وإنهاء كافة الإجراءات المتعلقة بذلك. وتعد المنصة بمثابة رحلة متكاملة تبدأ من خلال الدخول على صفحة برامج الابتعاث ليظهر مساران للتقدم، وهما: الدارسون على حسابهم الخاص، والحاصلون على قبول مسبق، ومن ثم الانطلاق في التقديم بإنشاء الملف الشخصي الموثق بالتكامل مع أنظمة وخدمات مختلف الجهات الحكومية، ومن ثم تعبئة الب

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق مسنّون «يروّجون» لشيخوخة سعيدة

مسنّون «يروّجون» لشيخوخة سعيدة

ينشر مسنّون على إحدى المنصات الاجتماعية فيديوهات مضحكة لأنفسهم مزيلين الأفكار السابقة، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وفي سن التاسعة والثمانين، تعيش دولوريس التي تستخدم اسم «دولي برودواي» على «تيك توك» «أفضل أيام حياتها»، وتشارك مقاطع فيديو طريفة لمتابعيها البالغ عددهم 2.4 مليون متابع. لا شيء يوقف هذه «السيدة الكبيرة» اللبقة التي تظهر تارة وهي ترقص على أغاني فرقة «أبا». وقال سيرج غيران عالم الاجتماع والمتخصص في الشيخوخة: «لم تعد للسن اليوم علاقة بما كانت عليه في السابق»، ومع سقوط الصور النمطية «لم يعد المسنون أشخاصاً يحتاجون حصراً إلى الأدوية والهدوء، بل يمكنهم أيضاً أن يكونوا في أفضل أحوالهم!»،

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق تنامي «المعتقدات الشاذة» يثير المخاوف في كينيا

تنامي «المعتقدات الشاذة» يثير المخاوف في كينيا

حالة من الذعر تعيشها كينيا مع توالي العثور على رفات في مقابر جماعية لضحايا على صلة بجماعة دينية تدعو إلى «الصوم من أجل لقاء المسيح»، الأمر الذي جدد تحذيرات من تنامي الجماعات السرية، التي تتبع «أفكاراً دينية شاذة»، خلال السنوات الأخيرة في البلاد. وتُجري الشرطة الكينية منذ أيام عمليات تمشيط في غابة «شاكاهولا» القريبة من بلدة «ماليندي» الساحلية، بعد تلقيها معلومات عن جماعة دينية تدعى «غود نيوز إنترناشونال»، يرأسها بول ماكينزي نثينغي، الذي قال إن «الموت جوعاً يرسل الأتباع إلى الله».

يوميات الشرق كم يُنفق اليابانيون لتزيين سياراتهم بالرسوم المتحركة؟

كم يُنفق اليابانيون لتزيين سياراتهم بالرسوم المتحركة؟

ينفق مجموعة من اليابانيين آلاف الدولارات على تزيين مركباتهم بشخصيات الرسوم المتحركة والشرائط المصوّرة وألعاب الفيديو المفضلة لديهم، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتُطلَق على هذه السيارات أو الدراجات النارية أو المقطورات تسمية «إيتاشا»، وهي كلمة مركبة تُترجم إلى «السيارة المُحرِجة» وتعكس السمعة السيئة التي كانت تحظى بها هذه الموضة لدى ولادتها في الأرخبيل الياباني في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. إلا أنّ العقليات تغيرت مذّاك، وباتت شخصيات الرسوم المتحركة والشرائط المصوّرة وألعاب الفيديو تُعد «ثقافة ثانوية» تحظى باعتراف أكبر في المجتمع الياباني. ولتزيين سيارته الفاخرة من نوع «جاغوار إكس جاي

«الشرق الأوسط» (طوكيو )
يوميات الشرق في اليوم العالمي للتراث... 6 معالم لبنانية بمتناول الجميع مجاناً

في اليوم العالمي للتراث... 6 معالم لبنانية بمتناول الجميع مجاناً

في 18 أبريل (نيسان) من كل عام، يحتفل العالم بـ«اليوم العالمي للتراث»، وهو يوم حدده المجلس الدولي للمباني والمواقع الأثرية (ICOMOS) للاحتفاء به. ويتم برعاية منظمة «اليونيسكو» ومنظمة «التراث العالمي لحماية التراث الإنساني». ويأتي لبنان من ضمن الدول التي تحتفل به. ويعوّل سنوياً وزير الثقافة القاضي محمد وسام المرتضى على هذه المناسبة، فيفتح أبواب بعض المعالم مجاناً أمام الزائرين لمدة أسبوع كامل. في رأيه أن مهمته تكمن في توعية اللبناني بموروثه الثقافي، فيشجعه على الخروج من حالة الإحباط التي يعيشها من ناحية، وللتعرف على هذه المواقع عن قرب، من ناحية ثانية.


«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)

كشف المستشار تركي آل الشيخ رئيس «الهيئة العامة للترفيه» السعودية عن إنجاز جديد حققه «موسم الرياض»، بعد تصدّره قائمة العلامات التجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصوله على المركز الأول ضمن جوائز Loeries العالمية المتخصصة في الإبداع الإعلاني، فيما تصدّر الشريك الإبداعي للموسم BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة.

وجاء ذلك في منشور للمستشار تركي آل الشيخ عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» قال فيه: «(موسم الرياض) يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ويحصد المركز الأول ضمن جوائز LOERIES، فيما يتصدر شريكه الإبداعي BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة. إنجاز يعكس قوة الإبداع السعودي، ويؤكد حضوره المؤثر عالمياً».

تصدر «موسم الرياض» العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (هيئة الترفيه)

ويُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة، ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً، من خلال محتوى متنوع وتجارب عالمية المستوى، وشراكات إبداعية وتسويقية أسهمت في بناء علامة تجارية سعودية ذات حضور دولي، وقدرة تنافسية عالية في كبرى المحافل العالمية.

من جانبها، رسّخت BigTime Creative Shop مكانتها كإحدى أبرز الوكالات الإبداعية في المنطقة، من خلال تطوير وتنفيذ حملات نوعية لموسم الرياض، جمعت بين الطابع الإبداعي والتأثير الواسع، وأسهمت في إيصال رسالة الموسم إلى جمهور عالمي بلغات وأساليب معاصرة.

وتُعد جوائز Loeries من أعرق وأهم الجوائز المتخصصة في مجالات الإعلان، والاتصال التسويقي، والإبداع المؤسسي في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تأسست عام 1978، وتُمنح وفق معايير دقيقة تعتمد على جودة الفكرة، والابتكار، والتنفيذ، والأثر الإبداعي. ويُنظر إلى الفوز بها بوصفه اعترافاً دولياً رفيع المستوى بالتميّز والريادة في الصناعات الإبداعية.


كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
TT

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

أصبح الشباب مؤخراً يستقون نصائحهم الغذائية من وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين أثناء تصفحهم لمحتوى المنصة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويقول الباحث أرتور سترتسيليكي، من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا: «يمكن للاتجاهات الغذائية المعروضة في فيديوهات (تيك توك) أن تحدد ما سيأكله الشباب، والمطاعم التي يرتادونها، وكيف يقيمون الوصفات المعروضة».

وكان سترتسيليكي ضمن فريق أجرى استطلاعاً لمستخدمي «تيك توك» في العام الماضي، وخلص إلى أن التطبيق «أداة فعالة في تشكيل تفضيلات المستهلكين الغذائية وسلوكياتهم».

ويؤكد سترتسيليكي أنه «في الوقت الحاضر، يميل الشباب إلى جعل معظم عاداتهم الغذائية متوافقة مع المحتوى الذي قد يشاهدونه على وسائل التواصل الاجتماعي».

وأشارت دراسة نُشرت في المجلة الدولية لدراسات المستهلك، إلى أن «الآليات الخوارزمية» لمنصة «تيك توك» تعد عاملاً رئيسياً في تحديد ما يراه المستخدمون، والذي غالباً ما يقدمه المؤثرون الذين يتقاضون أجراً مقابل الترويج للعلامات التجارية والأماكن.

ووفقاً لبرونو لوريو، مؤلف كتاب «تاريخ علم التغذية - من أبقراط إلى مؤشر التغذية» المنتظر صدوره قريباً، فإن النصائح الغذائية المُعاصرة تعاني من «جو من القلق» وتتأثر بـ«انتشار قادة الرأي».

وكان لوريو يتحدث إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ناشر الكتاب، حيث أشار إلى أن مجموعة من «الخبراء، وأشباه الأطباء، ومنظمات المستهلكين، والمؤثرين» يقدمون نصائح حول الطعام والنظام الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما كشفت دراسة أن «تيك توك» هي أكثر منصات التواصل الاجتماعي استهلاكاً لوقت المستخدمين، حيث يقضي المستخدمون عليها ما معدله 97 دقيقة يومياً، وفقا لمنصة «بلايرزتايم» للتوعية بمخاطر القمار، بينما تأتي «يوتيوب» في المرتبة الثانية بـ85 دقيقة يومياً.


عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.