روسيا تستعد للرد على خطوات ليتوانيا «العدائية»

لهيب الحرب الأوكرانية يمتد إلى منطقة روستوف الحدودية

ليتوانيا تغلق طرقها أمام حركة نقل البضائع الروسية إلى كالينيغراد بعد يوم على إغلاقها خطوط سكك الحديد (أ.ب)
ليتوانيا تغلق طرقها أمام حركة نقل البضائع الروسية إلى كالينيغراد بعد يوم على إغلاقها خطوط سكك الحديد (أ.ب)
TT

روسيا تستعد للرد على خطوات ليتوانيا «العدائية»

ليتوانيا تغلق طرقها أمام حركة نقل البضائع الروسية إلى كالينيغراد بعد يوم على إغلاقها خطوط سكك الحديد (أ.ب)
ليتوانيا تغلق طرقها أمام حركة نقل البضائع الروسية إلى كالينيغراد بعد يوم على إغلاقها خطوط سكك الحديد (أ.ب)

أعلن الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف، أن بلاده تعمل على إجراءات للرد على القيود التي فرضتها ليتوانيا على مرور البضائع إلى إقليم كالينينغراد الروسي. وحمل الإعلان الروسي إشارة إلى أن موسكو «لن تتساهل مع التطور الذي يهدد بحصار أراضٍ روسية»، وفقاً لتعليق مصدر دبلوماسي، أمس، أشار إلى أن القرار الليتواني «كما كان متوقعاً، لقي تأييداً واسعاً في واشنطن وعواصم أوروبية».
وكانت ليتوانيا قد أعلنت تطبيق حظر على عبور سلع خاضعة لعقوبات من الاتحاد الأوروبي، إلى منطقة كالينينغراد الروسية الواقعة على بحر البلطيق. وبعد مرور يوم على الإعلان عن إغلاق خطوط سكك حديدية أمام البضائع الروسية التي تعبر الأراضي الليتوانية إلى الإقليم المعزول، عززت خطوتها بإعلان إغلاق الطرق البرية أمام حركة نقل البضائع أيضاً.
ونددت موسكو بالتصرف «العدائي»، ولوحت بـ«رد صارم» على القرار الليتواني. وقال بيسكوف أمس، إنه يجري النظر في إجراءات مختلفة للرد على السلوك «غير الودي» من جانب الاتحاد الأوروبي.
لكن بيسكوف رفض الرد بشكل مباشر على سؤال الصحافيين عن إمكانية أن يكون هناك رد عسكري من جانب روسيا.
وكانت الولايات المتحدة قد انضمت أمس، إلى الأطراف التي أعلنت دعمها لليتوانيا، العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، في مواجهة التهديدات الروسية ضد فيلنيوس. وجدد الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس، لوسائل إعلام، تمسك واشنطن «الصلب» بالمادة الخامسة لميثاق «الناتو» التي تنص على أن «أي اعتداء على دولة حليفة هو هجوم على جميع الأعضاء». وقال: «نحن ندعم حلفاءنا في (الناتو) وندعم ليتوانيا»، مرحّباً بتنفيذ هذا البلد الأوروبي عقوبات على خلفية العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا.
في الأثناء، سار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خطوة إضافية أمس، في تأكيد عزمه على مواجهة العقوبات الغربية بقرارات غير مسبوقة. وبعدما كان قد أمر بتحويل أسعار مصادر الطاقة الروسية المبيعة إلى الغرب إلى العملة الوطنية الروبل، وقَّع مرسوماً حول آليات سداد روسيا التزامات الدين الخارجي للدولة من خلال حسابات بالروبل. ورأى خبراء روس أن الخطوة سوف تعزز أكثر العملة الروسية التي شهدت صعوداً إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات؛ لكن بعضهم حذر من أن الخطوة سوف تسفر عن تخفيض مستوى الثقة والتصنيف الائتماني لروسيا.
على صعيد آخر، وصف بيسكوف التقارير الإعلامية الغربية التي تفيد بأن روسيا تستعد لإعلان التعبئة العامة، بسبب تعرضها لنقص فادح في تعداد القوات المسلحة، بأنها «مزيفة ولا تمت إلى الحقيقة بصلة». ولفت الكرملين الشهر الماضي إلى أن موسكو لن تذهب نحو خطوات مماثلة، بعد بروز ترجيحات في الغرب بأن يعمد الرئيس الروسي إلى إعلان فرض الأحكام العرفية في البلاد.
على الصعيد الميداني، بدا أمس، أن شظايا الحرب الأوكرانية امتدت على نحو أوسع إلى مناطق داخل روسيا. وبعد سلسلة استهداف من جانب مروحيات أوكرانية لمنشآت نفطية أو مستودعات للوقود، شهدت مقاطعة روستوف الحدودية حادثين أمس، أثارا مخاوف جدية. وجاء الأول بعد إعلان وزارة الدفاع الروسية عن تحطم طائرة عسكرية من طراز «سوخوي 25» ومصرع طيارها. وأكد المكتب الصحافي للمنطقة العسكرية الجنوبية، أن الحادث وقع أثناء تحليق تدريبي للطائرة. وأضاف أن التحليق نُفذ من دون ذخيرة، وسقطت الطائرة بعيداً عن المناطق السكنية. لكن هذه المعطيات التي أشارت إلى أن الفرضية الرئيسية للحادث هي أن يكون ناجماً عن عطل فني، ترافق مع فتح تحقيق من جانب القوات الجوية الروسية، والبحث عن كل الاحتمالات الممكنة.
وفي حادث منفصل، أكد المكتب الصحافي لمصفاة نوفوشاختينسكي لتكرير النفط، حقيقة هجوم طائرتين مسيرتين على منشآت المصفاة الواقعة في مقاطعة روستوف، بالقرب من الحدود الأوكرانية.
وجاء في بيان صدر عن المكتب، أنه «نتيجة للأعمال الإرهابية من جانب الحدود الغربية لمقاطعة روستوف، نفذت طائرتان مسيرتان ضربة على المنشآت الفنية لمصفاة نوفوشاختينسكي لتكرير النفط، الأمر الذي أسفر عن وقوع انفجار، أدى بدوره إلى اندلاع حريق». وتعد مصفاة نوفوشاختينسكي لتكرير النفط أكبر منشأة للمنتجات البترولية في جنوب روسيا.
في المقابل، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن القوات الأوكرانية تكبدت خلال العمليات القتالية التي وقعت في الساعات الـ24 الماضية «خسائر فادحة»، وأفادت في بيان بأن نحو 500 عسكري لقوا حتفهم، جراء ضربة بأسلحة عالية الدقة استهدفت موقعاً في نيكولايف (جنوب) أمس. وقال المتحدث باسم الدفاع الروسية إيغور كوناشينكوف، في إفادة يومية: «نتيجة لضربة بأسلحة عالية الدقة نفذتها القوات الجوية الفضائية الروسية، تم القضاء على ما يصل إلى 500 جندي من اللواء الميكانيكي 59، التابع للقوات الأوكرانية، بأسلحتهم ومعداتهم التي كانت موجودة في ورشات مصنع بناء السفن (أوكيان) في مدينة نيكولايف».
وذكر كوناشينكوف أيضاً أن مواجهات ضارية وقعت في منطقة نيكولايفكا التابعة لإقليم دونيتسك، واضطرت القيادة الأوكرانية خلال الليل إلى إجلاء «ما يصل إلى 30 جريحاً و8 قتلى من المرتزقة الأميركيين والبريطانيين، لمنع وقوعهم في أيدي عناصر القوات الروسية».
وأشار المتحدث إلى أن الطيران الروسي دمر خلال اليوم الماضي، 5 مستودعات للذخيرة، ومنظومة صواريخ مضادة للطائرات من طراز «بوك»، إضافة إلى قوات ومعدات عسكرية في 151 منطقة. ووفقاً لإفادته فقد أصابت القوات الصاروخية والمدفعية 253 مركز تجمع للقوات والمعدات العسكرية الأوكرانية، بالإضافة إلى 6 مستودعات للذخيرة في لوغانسك، كما تم تدمير مستودع للوقود في نيكولايف، كان يستخدم لتزويد المعدات العسكرية الأوكرانية بالوقود.
وفي إطار مكافحة البطاريات، تمت إصابة 13 فصيلة أوكرانية لراجمات الصواريخ، و10 فصائل مدفعية في مواقع إطلاق نار بمناطق متفرقة. وفي المجموع، أدت الغارات الجوية والمدفعية خلال اليوم الماضي إلى «مقتل أكثر من 620 قومياً متطرفاً، وتدمير 24 دبابة ومدرعة أخرى، فضلاً عن 27 مركبة خاصة».


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين بجورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟