لوت ألتمان وستيفان زفايغ... الحب وحده ليس كافياً للرد على خراب العالم

دفعهما هتلر إلى الانتحار متعانقين قبل أن يواجه مع عشيقته المصير نفسه

زفايغ وزوجته لوت ألتمان
زفايغ وزوجته لوت ألتمان
TT

لوت ألتمان وستيفان زفايغ... الحب وحده ليس كافياً للرد على خراب العالم

زفايغ وزوجته لوت ألتمان
زفايغ وزوجته لوت ألتمان

ليس ثمة توصيف مناسب لشخصية الكاتب النمساوي الشهير ستيفان زفايغ سوى القول بأنه كان أشبه بعاصفة تمشي على قدمين. ذلك أن زفايغ لم يعرف الراحة أبداً على امتداد سني حياته الستين، ليس فقط بسبب قلقه الإبداعي وشغفه الدائم بالترحال، بل لأن أوروبا التي نعمت في طفولته وصباه، بشيء من السكينة والاستقرار، لم تلبث بفعل تضارب المصالح وحمّى العصبيات القومية، أن أغرقت نفسها عبر حربين عالميتين متتاليتين في دوامة من التطاحن الدموي، أدت إلى مقتل وإصابة وتشريد ملايين البشر. لكن ما أحدث في قلب الكاتب الإنساني ثلماً عصياً على الاندمال، لم ينحصر في الجانب المادي من الخسارات، ولا في تسوية مدن وقرى وصروح بكاملها بالتراب، بل في لجوء القارة التي أحبها بكل جوارحه إلى تدمير المعنى الحضاري والأخلاقي الذي جسدته في حقبة نهوضها السابقة، وإلى بيع نفسها للشيطان مقابل الإمساك بمفتاح المعرفة العقلية، تماماً كما كان غوته قد تنبأ لها في كتابه «فاوست» قبل قرن واحد من ذلك التاريخ.
لم يكن ستيفان زفايغ كاتباً هامشياً أو مغموراً لتظل حياته طي الخفاء أو التجاهل، بل كان بوصفه واحداً من ألمع كتّاب النصف الأول من القرن العشرين، محلّ متابعة واهتمام من النقاد والدارسين والمترجمين، كما ملايين القراء الموزعين بين رياح الأرض الأربع، إلا أن خوفه من انتصار الفاشية وتعرُّض وقائع حياته للتزوير، دفعه إلى كتابة سيرته بنفسه، بدءاً من طفولته المبكرة ووصولاً إلى الفترة التي سبقت انتحاره بقليل. ولهذا السبب بدا كتابه «عالم الأمس» إضافة إلى كونه مدونته الشخصية المفصلة، أقرب إلى وثيقة تاريخية وسياسية وثقافية هامة عن واقع القارة العجوز في زمن المنعطفات الكبرى، وإعادة ترسيم الخرائط والإمبراطوريات والحدود بين الدول، التي تشاء المصادفات أن تتكرر بنسخة جديدة في أيامنا الراهنة. والواقع أن زفايغ الذي ولد عام 1881 لأبوين يهوديين بالغي الثراء، لم يكن ليظن على الإطلاق أن الأرض الوادعة التي ولد في كنفها ستطحنها مرتين سنابك العنف الهمجي، وأن ما سماه «عصر الأمن الذهبي» في أوروبا، سيخلي مكانه لأعتى الحروب وأكثرها فتكاً بالبشر ومنجزاتهم. ففي الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى كانت فيينا التي تسند ظهرها إلى تاريخ حافل بالإبداع، وإلى عبقريات هايدن وموزارت وبيتهوفن وشوبيرت وبرامز ويوهان شتراوس، تُلبس كبرياءها الوطني لبوس الثقافة والفن، وتبني على ضفتي الدانوب صروحاً للتقدم، بالغة الرهافة، ومترعة بالمتع الحسية والروحية.
يكشف صاحب «السر الحارق» في مذكراته عن السلوكيات المحافظة التي حكمت العلاقة بين الجنسين عند نهايات القرن التاسع عشر. وهو أمر لم تنحصر تجلياته في القوانين المتشددة والصارمة للعصر الفكتوري، بل تعداه إلى الأدب نفسه؛ حيث أدى النقص في الحرية إلى كبح التعبير عن الرغبات، وتقليص منسوب الجرأة والبوح في روايات ذلك القرن، إلى حد أن القضاء الفرنسي أصدر، بدعوى مكافحة التهتك والزنا، قراراً بحظر رواية فلوبير «مدام بوفاري». وقد ذهب زفايغ إلى القول بأن الخوف من كل ما هو جسدي ورغبي في تلك الفترة، هو الذي دفع المجتمع الأوروبي إلى إطلاق العنان لنزواته المكبوتة عبر تشجيع البغاء، وإنشاء دور مخصصة له. إلا أن الأمور راحت تنقلب تماماً في مطالع القرن العشرين؛ حيث بات الاختلاط متاحاً بين الجنسين، إضافة إلى ما تبعه من انتشار الملاهي والحانات وصيحات الموضة والفن الحديثين.
إن التأمل ملياً في مجريات الأمور لا بد أن يدفعنا إلى التساؤل عما إذا كان هناك شيء من الازدواجية والتناقض بين مواقف زفايغ النظرية المتقدمة، وبين سلوكه الفعلي على أرض الواقع. إذ ثمة في حياة صاحب «لاعب الشطرنج»، وهو الصديق الأثير لفرويد، ما يشير إلى عناصر وترسبات محتبسة في تكوينه الشخصي والنفسي، كانت تفوق وعيه النظري والمعرفي، وتجعله كائناً محكوماً بكثير من التناقضات. فالبعد الإنساني والأخلاقي في أدبه لم يكن ليحجب أثرته المقابلة والتفافه الواضح حول ذاته الفردية. وهو ما أكد عليه صديقه الأثير توماس مان، الذي علّق على انتحاره اللاحق بالقول: «إنه أناني، لم يفكر لحظة انتحاره إلا في نفسه. ألا يعرف أن جميع الكتاب الألمان الذين شردهم هتلر بوحشيته وهمجيته في سائر أنحاء الأرض، أصبحوا أذلاء يقفون على أبواب الناس، فيما ظل هو معززاً مكرّماً يعيش حياة الملوك؟!». كما أن ولاء زفايغ العاطفي لبلده الأم لم يمنعه من النجاة بنفسه حين تمت مداهمة منزله في سالزبورغ، والفرار من بلد إلى بلد، طلباً للأمان ومجانبة المخاطر.
على أن مواقف زفايغ الخجولة من البطش الهتلري الدموي، لا تعني بأي حال تواطؤاً مع العنصرية النازية، بقدر ما تعكس هشاشة وخوفاً من المواجهة متأصلين في تكوينه الشخصي. ولن تفوتنا الإشارة هنا إلى أن زفايغ لم يتحرج من القول بأن سلاح الكاتب الأهم في مقارعة الاستبداد يتمثل في إبداعه الأدبي، قبل أي شيء آخر. ومع ذلك، فإن جزءاً من الثمن الباهظ الذي دفعه الكاتب في لحظات يأسه القصوى، كان متصلاً بعقد الذنب والتقصير، في مواجهة العتو الظلامي الذي ظل يلاحقه من كتاب إلى كتاب، ومن منفى إلى منفى.
وبالعودة إلى علاقاته العاطفية، يُظهر زفايغ في أدبه اهتماماً غير قليل بالمرأة، ينعكس بشكل جلي في أعماله «رسالة من امرأة مجهولة» و«ماري ستيوارت» و«ماري أنطوانيت» وغيرها. لكن هذا الاهتمام الأدبي يقابله في الحياة الفعلية قدرٌ غير مبرر من التجاهل والتغييب لعلاقاته العاطفية بزوجتيه، وبالنساء بشكل عام. والأرجح أن العراك الذي كان يدور في أعماقه بين تربيته اليهودية المحافظة ووعيه المتنور، جعله شديد الحذر في الكشف عن فتوحاته العاطفية ومكنونات قلبه. كما أن اغتباطه المفرط أثناء إقامته الباريسية «بتفاني زوجات أصدقائه الشعراء في إدارة منازلهن والقيام بالطبخ والعناية بالأطفال، مقابل حق الأزواج في الحرية، والمغامرة في عالم الفن» لا بد أنه يعكس شيئاً من قناعاته المتصلة بدور المرأة وفاعليتها الاجتماعية والإنسانية. كما لن يغيب عن البال من ناحية أخرى أن مذكرات زفايغ قد كُتبت تحت وطأة الانهيار المريع لجبهات الحلفاء، وبحضور زوجته لوت وتحت أنظارها. الأمر الذي دفع بحياته العاطفية إلى مكان خلفي من السيرة.
أما بشأن حياته العاطفية، فقد تزوج زفايغ للمرة الأولى من فريدريكا ونترنتز، التي التقاها عام 1908، وكانت في ذلك الوقت امرأة متزوجة وأماً لابنتين اثنتين. وإذ أغرم كل منهما بالآخر، لم يتحقق ارتباطهما الشرعي إلا عام 1920، أي بعد حصول فريدريكا على الطلاق من زوجها الأول. وفي حين أن الكاتب لم يأتِ على ذكر فريدريكا مطلقاً في مذكراته، يُجمع كثير من كتّاب سيرته على القول بأن نجومية زفايغ ونمط حياته المترحلة وكثرة المعجبات من حوله، هي التي أثارت مجتمعة غيرة الزوجة، وأوصلت علاقتهما إلى نهايتها المحتومة بعد عقد ونيف من الزمن. وهذا النزوع إلى المغامرة تؤكده الكاتبة الفرنسية دومينيك بونا في كتابها «ستيفان زفايغ... الصديق الجريح»؛ حيث تشير إلى أن الكاتب الذي حرص على الظهور أمام قرائه بمظهر الرجل الزاهد والجديّ، ظل يجد متعته القصوى في المغامرات الحياتية والعاطفية، حتى نهاية حياته.
أما زوجة زفايغ الثانية لوت التمان، التي ارتبط بها الكاتب أثناء إقامته في بريطانيا عام 1939 بعد أن عملت سكرتيرة ومساعدة له، فقد اعتبرتها كاتبة سيرته (بونا) معجبته الأبدية، «والمرأة التي أسهم قربها من كل ما يحبه في إيقاظ غريزة الحب في أعماقه». وحين قرر الزوجان المتحابان الانطلاق نحو الولايات المتحدة، ومنها إلى البرازيل، شرعا بتعلم اللغة البرتغالية على متن السفينة التي قادتهما باتجاه البلد النائي، الذي وصفه زفايغ لاحقاً بالجنة الموعودة التي لا يتقن أهلها سوى الحب والرقص والإخاء الإنساني. وما لبث زفايغ أن وضع كتاباً عن الدولة المضيفة يشيد فيه بالبرازيل بوصفها نموذجاً زاهياً لأرض المستقبل، مقابل النموذج الأوروبي الغارق في وحول الماضي. وهو ما أثار استهجان المثقفين البرازيليين الناقمين آنذاك على سلطتهم الاستبدادية الحاكمة، كما اعتبره الكاتب الأميركي جورج بروكنيك، في كتاب له عن زفايغ بعنوان «المنفى المستحيل»، عملاً مخيباً للأمل ودلالة على «سذاجة» مفرطة في وعي الكاتب السياسي.
الحب الغامر الذي وفّر لزفايغ وزوجته بعض أسباب التفاؤل لم يستطع الصمود طويلاً أمام ما واجهه الطرفان من وطأة اليأس وكوابيس المنفى. وهو ما عكسته الرسائل المتلاحقة التي بعث بها زفايغ إلى عدد من أقاربه وأصدقائه ومحبيه؛ حيث كان الشعور بالذنب وعقدة الفرار من المواجهة هما سيدي الموقف. تضاف إليهما بالطبع قراءة الكاتب المتشائمة لمستقبل الكوكب الأرضي. وإذ تمكن الكاتب «المهيض» من إقناع زوجته الشابة بالانتحار، بعد أن بذلت جهوداً مضنية لثنيه عن قراره، عمد كل منهما إلى تناول كمية كبيرة من الحبوب المنومة، ثم تمددا جنباً إلى جنب، في مشهد عناق أبدي بات مع الزمن، أحد أكثر المشاهد الإنسانية تعبيراً عن اتحاد الحب والموت في حسرة واحدة.
وفي رسالته الأخيرة إلى العالم، كتب زفايغ قبيل انتحاره بلحظات: «إن الذي بلغ الستين من العمر يحتاج إلى طاقات غير عادية ليبدأ بداية جديدة. وما لديّ من طاقات قد استنزفتْها أعوام التشرد المديدة. لذلك من الأفضل في اعتقادي أن أختم في الوقت المناسب، وأنا منتصب القامة، حياة كان العمل الفكري فيها يعني الفرح الأصفى، والخير الأسمى على الأرض».
ورغم أن رسالة زفايغ المؤثرة تبدو أشبه بمضبطة اتهام دامغة، ضد الهجوم العنصري المروع الذي شنّه موسوليني وهتلر على الجانب الجميل والمضيء من الكوكب الأرضي، فإن الكاتب النمساوي الذي قتله نفاد صبره، ويأسه من المصير البشري، لم يكن يعلم أن للتاريخ ميزان عدالته المترع بالمفارقات. فبعد 3 سنوات ونيف من انتحار الزوجين الطريدين، سيتم إعدام موسوليني وعشيقته كلارا بيتاتشي، رمياً بالرصاص في العام 1945. أما أدولف هتلر فسيلجأ بعد ذلك بأيام، وتجنباً لمصير حليفه المذل، إلى إنهاء حياته الدامية برصاصة في الرأس، فيما اختارت حبيبته إيفا براون، التي أصرت على إقامة مراسيم زواجه منها قبيل انتحارهما بقليل، أن تنهي حياتها بسمّ السيانيد القاتل، وهي بعد في الثالثة والثلاثين، أي في العمر نفسه الذي قضت لوت ألتمان نحبها فيه. كأن القدر الذي قدّم للعالم نُسخاً مزيدة ومنقحة من التراجيديا الشكسبيرية روميو وجولييت، كانت له هو الآخر رسالة، مفادها أنه في مكان ما من اللجج السوداء للنفس الإنسانية، ثمة مكان للحب، يتشابه فيه الجلادون والضحايا إلى حدود التطابق التام. مكان يمكن له أن ينقلب تماماً على معناه، كما يحدث لأوروبا الراهنة في لحظة من التدمير الهستيري للذات، بقدر ما يمكنه أن يكون في لحظات أخرى، بقعة الزيت المؤسسة التي استرشد بهدْيها قبل قرنين اثنين كلّ من بوشكين وتولستوي ودوستويفسكي وآخرين غيرهم، ممن اعتبرهم ستيفان زفايغ ذات يوم «بناة العالم» ومناراته وينابيعه الملهِمة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.


تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
TT

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية مايكل بولس، في تنشيط السياحة.

وتجولت تيفاني، الابنة الصغرى لترمب، رفقة زوجها في منطقة الأهرامات، الجمعة، قبل أن تتجه إلى الأقصر (جنوب مصر)، السبت؛ حيث زارت «معابد الكرنك»، ومعبد الأقصر، ومتحف التحنيط، قبل أن تتجه إلى البر الغربي، وتزور «معبد حتشبسوت»، ومقابر وادي الملوك والملكات، ومعبد «الرامسيوم» ومنطقة تمثالي ممنون.

واحتفت وسائل إعلام محلية بالرحلة الشتوية لابنة الرئيس الأميركي. وتداولت صوراً ومقاطع فيديو لها في المعالم المصرية، ونقلت عن الدكتور محمود موسى مدير آثار «البر الغربي» بالأقصر، تأكيده على أن تيفاني ترمب «أبدت انبهاراً شديداً بالنقوش الفرعونية على الجدران، وبكيفية حفاظ قدماء المصريين على تاريخهم وكنوزهم من السرقات».

ووصف الخبير السياحي محمد كارم الزيارة بأنها «مهمة». وعدَّها «رسالة غير مباشرة لتنشيط السياحة في مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستشكل نقطة انطلاق للترويج السياحي، ولا سيما جذب السوق الأميركية للسياحة الثقافية في مصر خلال الفترة المقبلة».

معبد حتشبسوت في الأقصر (الشرق الأوسط)

وهو ما أكده رئيس غرفة السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الزيارة بأنها «دعاية لا تقدَّر بثمن للمعالم السياحية المصرية». وتوقع أن «تؤتي الزيارة عائداتها على السياحة المصرية سريعاً، على غرار ما أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير».

وأشار إلى أنه «سيتم استغلال الزيارة في الترويج السياحي»، ولكنه عاد وأكد أن «السياحة ستزيد تلقائياً بعد الزيارة»، لافتاً إلى أن «زيارات المشاهير للمعالم السياحية توازي دعاية سياحية بمليارات، وهي فرصة ذهبية لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل».

وساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في الترويج السياحي لمصر، وشهد زحاماً وتكدساً من مصريين وسياح في الأيام الأولى لافتتاحه.

وفي تصريحات متلفزة مساء السبت، أشار رامي فايز، عضو غرفة المنشآت الفندقية، إلى «سعيهم لاستغلال واستثمار زيارة تيفاني ترمب في الترويج للسياحة المصرية»؛ مشيراً إلى أن مصر «تستهدف الوصول لنحو 22 مليون سائح بنهاية 2026»، مضيفاً أن «العائد عن كل مليون سائح يوازي ملياراً و200 مليون دولار».

مقابر أثرية بالبر الغربي في الأقصر (الشرق الأوسط)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن معدل النمو المحقق يفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 5 في المائة، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، مما يعكس ثقة السائحين في مصر.

وجددت المطالب باستثمار زيارة تيفاني لمصر الدعوات السابقة لاستغلال زيارة اثنين من المشاهير العالميين للمناطق الأثرية في مصر الشهر الماضي، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه من ركائز الدخل القومي، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

تيفاني ترمب زارت أهرامات الجيزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعلى هامش وجوده بالمعرض السياحي الدولي (EMITT) بتركيا، قال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، لوسائل إعلام تركية، حسبما أفادت به الوزارة في بيان لها، الأحد، إن مصر تستهدف تحقيق نمو إضافي في أعداد السائحين بنسبة 10 في المائة في عام 2026. كما أشار إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السائحين القادمين من تركيا بنسبة 43 في المائة خلال 2025، متوقعاً استمرار النمو خلال 2026، في ظل توقعات بزيادة حجوزات الطيران القادمة من السوق التركية بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة.

وأكد الوزير أن «مصر بلد آمن، وأن الصورة الإيجابية عنها تنتقل بالأساس من خلال تجارب الزائرين أنفسهم، بعد عودتهم إلى بلدانهم، أو من خلال سفراء الدول المعتمدين لدى مصر»؛ مشيراً إلى «حرص كثير من السفراء على التجول في شوارع القاهرة التاريخية بصفة منتظمة، في رسالة واضحة تعكس الأمن والاستقرار، وتدعم الصورة الإيجابية عن مصر».

وأضاف فتحي أن «مصر تمتلك منتجات سياحية متنوعة وفريدة لا مثيل لها عالمياً، والتي يمكن دمجها لتقديم تجارب جديدة، إلى جانب الاعتماد على أدوات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحملات الترويجية»، موضحاً أن «الموسم السياحي في مصر ممتد طوال العام، مع ازدياد الطلب على السياحة الفاخرة والرحلات النيلية».


إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)

كشفت دراسة كندية أن إجراءً جراحياً مبتكراً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان المبيض، أحد أخطر أنواع السرطان النسائية.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية، أن الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بأكثر أنواع سرطان المبيض شيوعاً وفتكاً، ونُشرت النتائج، الجمعة بدورية «JAMA Network Open».

وغالباً ما يظهر سرطان المبيض دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة، مما يجعل تشخيصه صعباً، وغالباً بعد تفاقم المرض. ويصيب سنوياً آلاف النساء حول العالم، مع ارتفاع معدلات الوفيات بسبب تأخر التشخيص؛ إذ لا يتوافر حتى الآن فحص مبكر فعّال للكشف عنه. وأكثر الأنواع شيوعاً هو سرطان المبيض المصلي، الذي يشكّل تحدياً علاجياً كبيراً نظراً لسرعته وخطورته.

وتعتمد الاستراتيجية الجراحية المبتكرة على إزالة قناتَي فالوب بشكل استباقي أثناء خضوع المرأة لجراحة نسائية روتينية، مثل استئصال الرحم أو ربط قناتي فالوب، مع الحفاظ على المبيضين لإنتاج الهرمونات الطبيعية وتقليل أي آثار جانبية.

وكانت مقاطعة كولومبيا البريطانية أول منطقة في العالم تعتمد هذا النهج عام 2010، بعد أن اكتشف باحثو جامعة كولومبيا البريطانية أن معظم حالات سرطان المبيض تنشأ في قناتَي فالوب، وليس في المبيضين كما كان يُعتقد سابقاً.

وحللت الدراسة بيانات صحية سكانية لأكثر من 85 ألف سيدة أجرين جراحات نسائية في المقاطعة بين عامي 2008 و2020، وقارن الباحثون معدلات الإصابة بسرطان المبيض المصلي بين من خضعن للاستئصال الوقائي لقناتي فالوب ومن أجرين جراحات مماثلة دون هذا الإجراء.

استئصال وقائي

وأظهرت النتائج أن السيدات اللاتي خضعن للاستئصال الوقائي كن أقل عرضة للإصابة بسرطان المبيض المصلي بنسبة 78 في المائة. وفي الحالات النادرة التي ظهر فيها السرطان بعد الإجراء، كان أقل شراسة بيولوجياً. كما دعمت بيانات من مختبرات تشريح مرضي حول العالم هذه النتائج، مؤكدة وجود تأثير وقائي مماثل.

ومنذ اعتماد هذا النهج، أصبح يُطبق على نطاق واسع في مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث تُجرى إزالة قناتي فالوب في نحو 80 في المائة من عمليات استئصال الرحم وربط القنوات. وعلى الصعيد العالمي، توصي منظمات طبية في 24 دولة بهذا الإجراء كاستراتيجية للوقاية من سرطان المبيض، من بينها الجمعية الكندية لأطباء النساء والتوليد التي أصدرت إرشادات رسمية عام 2015.

وقال الدكتور ديفيد هانتسمان، أستاذ علم الأمراض وأمراض النساء والتوليد بجامعة كولومبيا البريطانية والباحث المشارك بالدراسة: «هذه النتائج هي خلاصة أكثر من عقد من العمل بدأ هنا في كولومبيا البريطانية، وتأثير هذا الإجراء كان أكبر مما توقعنا».

وأضاف أن توسيع نطاق تطبيق الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب عالمياً قد يمنع آلاف حالات سرطان المبيض سنوياً، مشيراً إلى أن إدراج هذا الإجراء ضمن جراحات البطن والحوض الأخرى، كان مناسباً، وقد يزيد من عدد النساء المستفيدات بشكل كبير.