في «بينالي داكار»... الفن الأفريقي يتحدث بكل أصواته

أكبر تجمع للفنون في القارة السمراء مليء بالطاقات والإمكانيات

زائرو معرض الفنان توان أندرو نغوين بعنوان «شبح الأسلاف يصبحون» (نيويورك تايمز)
زائرو معرض الفنان توان أندرو نغوين بعنوان «شبح الأسلاف يصبحون» (نيويورك تايمز)
TT

في «بينالي داكار»... الفن الأفريقي يتحدث بكل أصواته

زائرو معرض الفنان توان أندرو نغوين بعنوان «شبح الأسلاف يصبحون» (نيويورك تايمز)
زائرو معرض الفنان توان أندرو نغوين بعنوان «شبح الأسلاف يصبحون» (نيويورك تايمز)

رغم صعود الفن الأفريقي المعاصر إلى الواجهة، فإن مصطلحاته لا تزال متأثرة إلى حد كبير بالمقومين الأجانب، من المتاحف، وصالات العرض، وجامعي التحف، ودور المزادات الغربية التي يتركز اهتمامها على النجوم ومنح القيمة.
في المدن الأفريقية، قد يكون دعم الدولة للفنون هزيلاً، نتيجة لعقود من الضغوط التي تفرضها الميزانية؛ خصوصاً من قبل الجهات المُقرضة، مثل صندوق النقد الدولي. وكثيراً ما تمثل الوكالات الثقافية الأجنبية، مثل المعهد الفرنسي أو معهد غوته، أهم مقدمي الفنون.
لكن الموائد تنقلب كل عامين. فعلى مدى الأسابيع الخمسة المحمومة من «بينالي داكار» للفن الأفريقي المعاصر، يجتمع هنا المنتجون الثقافيون من القارة ومن مهاجريها، من أجل أكبر وأكثر التجمعات الفنية كثافة وأكثرها استدامة، وهو الآن في نسخته الرابعة عشرة، على الأراضي الأفريقية بشروطها الخاصة، وتمويل أساسي من حكومة السنغال.
بينالي العام الحالي، المؤجل من سنة 2020 بسبب الجائحة، يحمل عنوان «أنا ندافا»، وهو تعبير «سيريري» (لجماعة عرقية دينية تقطن غرب أفريقيا، وثالث أكبر الجماعات العرقية في السنغال) الذي ترجمه الحاج مالك ندياي، المدير والمؤرخ الفني، إلى عبارة «الخروج من النار»، في إشارة إلى التحول؛ حيث تتغير طبيعة المواد وتُصنع المعاني. والمدينة نفسها هي بوتقة الانصهار، مع برنامج واسع النطاق يضم نحو 500 عرض وفعالية تابعة، تُعرف باسم «Le Off»، في جميع أنحاء العاصمة المزدحمة، وتمتد إلى مشارفها وبلداتها النائية.
تقول باسكال أوبولو، المخرجة الكاميرونية المقيمة في باريس: «يحدد بينالي دكار نغمة ودرجة حرارة المشهد الأفريقي المعاصر». وهي موجودة لإدارة معرض للكتب الفنية في ساحة عامة على طريق الكورنيش البحري، يضم عشرات دور النشر والمجلات الأفريقية المستقلة.
وفي مركز فني آخر بحي أواكام، عقدت المخرجة المصرية جيهان الطاهري، جلسة عمل عن أرشيف الصورة والصوت الأفريقي، ومن ثم فتحت الأبواب أمام العروض العامة على الأسطح. وفي قرية بوبينغوين الساحلية، نظمت الأمينة الغانية نانا أوفورياتا أييم «متحفاً متنقلاً» بمشاركة فنانين وسكان محليين.
وهذه البراعة الفكرية، أي الشعور بأن عدداً لا يحصى من المشاريع قد صيغ أو قُدم مع التوجه الأفريقي العام أو التوجه العالمي للجنوب، هي طاقة مميزة لبينالي داكار، يتردد صداها لأبعد من فعالياتها الرئيسية. والواقع أن العديد من المنظمين يقولون إنهم يأتون في الغالب لأجل الفعاليات غير الرسمية. (ينتهي العرض الرئيسي اليوم؛ بيد أن العديد من الفعاليات غير الرسمية مستمرة).
يعتبر نهج البينالي مفرطاً في الطموح، ومتقيداً بالحدود بصورة كبيرة؛ لكنه يفضل الاكتشافات. العرض الرئيسي الذي تستضيفه دار محكمة حداثية سابقة، يُحافظ عليها الآن في حالة تدهور مثيرة، وزاخرة بأسماء جديدة تختارها العروض المفتوحة. وتشمل الفعاليات غير الرسمية مجموعة كبيرة من المشاريع المفاهيمية الحادة، والمشاهد المعاكسة للرسامين السنغاليين، ومعارض المواهب الناشئة، وتصميم النوافذ المنبثقة، والمشاريع المجتمعية، والفن السياحي الممجد.
ولكن بعيداً عن الطاقة الهائلة والوفرة الكبيرة، تحولت مخاطر المجال العام على نحو يشكل تحدياً لـ«بينالي داكار» وغيره من المعارض للقيام بالمزيد. السنوات الأربع التي مرت منذ البينالي الأخير، فتحت الآفاق الجديدة أمام صناعة الفن الأفريقي، والأفكار الأفريقية الأكثر عمقاً في العالم.
الاسترداد هو أكثر الجبهات ازدحاماً. بعد عقود من التقاعس عن العمل، أصبحت إعادة الأشياء التي حُصل عليها خلال النهب الاستعماري، على رأس جدول الأعمال. وتشجع سلسلة من عمليات التسليم، لا سيما من فرنسا إلى بنين في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، على الاستثمار في أماكن جديدة لعرض هذه الأشياء، وكذلك مشاريع لفنانين معاصرين ينظرون متفكرين في عودة المقتنيات المسلوبة.
في متحف داكار للحضارات السمراء الذي افتتح عام 2018، أدت الممثلة الفرنسية السمراء ناتالي فيراك، ووجهها مُغطى بطلاء كاولينيت الطيني، دور قناع «بونو» من الغابون، من النوع الذي جلب ما يصل إلى 400 ألف دولار في مزاد علني، في «الأطلال العليا»، وهي مسرحية للكاتبة والمخرجة الرواندية دورسي روغامبا. تتبع القصة رحلة القناع عبر البيوت والمجموعات الاستعمارية، مؤكدة على التنافر المتراكم من جذوره وضرره الثقافي.
وفي غوري، الحي التاريخي لجزيرة داكار، وموقع إحياء ذكرى «الممر الأوسط»، قدم مصمم الرقصات الكونغولي فوستين لينيكولا، بصحبة عازف البوق، عرضاً رائعاً ومؤثراً سبر غور المخاطر الثقافية وحتى الروحانية، عندما يعود التمثال إلى مجتمع أجداده، عائداً إلى عالم متغير في الكلية.
يقدم الفنان الكاميروني هيرفيه يومبي حَلّه الخاص. في متحف تيودور مونو للفن الأفريقي، يضع قناعاً تقليدياً من شعب ديولا السنغالي مع قناع من صنعه، يمزج أشكالاً من مناطق مختلفة ومواد غير تقليدية مثل الدنيم (نسيج الجينز). ويعرض في شريط فيديو الأقنعة الهجينة الجديدة في الاستخدام الطقسي بالكاميرون والسنغال. صندوق شحن ونصان جداريان، أحدهما مكتوب على طريقة المتحف الإثنوغرافي، والآخر معاصر، يكملان الهيكل.
يقول الفنان يومبي: «كل شيء في أيدي الذين يصنعون الأشياء. لماذا يجب أن نكون أسرى لقطع خارج أفريقيا؟ يمكننا إنتاج الجديد والمضي قدماً».
تظل السوق عبارة عن عدسة مشوهة. إن هواة جمع الأعمال الفنية الأفريقية المعاصرة الأجانب، مهووسون حالياً بالاتجاه الحالي المتمثل في الرسم المجازي والتصوير الأسود، لا سيما من غانا؛ لكن الكثيرين هنا لا تبهرهم هذه الأعمال. ولا تزال متاحف الفن الأفريقية المعاصرة التي قد ترسل مقتنياتها إشارات قيمية مختلفة، نادرة إلى حد كبير.
وإذا ما نظرنا إلى الولايات المتحدة وأوروبا من داخل القارة، فلسوف نجد أن كلاً منهما تبدو هذه الأيام وكأنها بلا أفكار، عالقة في أزمات اجتماعية وانحدار ديمقراطي. كما خسرت المحاضرات في «الحكم الرشيد» زخمها. ومن أجل تجديد الرؤى الفنية الأفريقية للمجتمع العام، والمجتمعات المحلية، والبيئة، نادراً ما كان هذا المجال مفتوحاً. وتقول المخرجة أوبولو: «علينا كتابة تاريخنا الخاص بالفن المعاصر. لا يمكننا تفويت القارب هذه المرة».
وقال ندياي، المدير الفني في قاعة المحكمة القديمة، ذات الأعمدة الرقيقة حول الحديقة، إنه بنى قائمة العروض الرئيسية المكونة من 59 فناناً مع التحيز صوب الدعوة المفتوحة. وأضاف: «نمنح الفرصة للذين هم في بداية حياتهم المهنية. والمقصود من هذا البينالي أن يكون ديمقراطياً».
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

«الراكب رقم 53»... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
TT

«الراكب رقم 53»... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

عندما صعد الشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر في 21 ديسمبر (كانون الأول) 1988 إلى متن رحلة شركة «بان أميركان» رقم 103 المتجهة من فرانكفورت إلى نيويورك عبر لندن، لم يكن يعلم أنه ذاهب نحو الموت فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية، ودهاليز استخباراتية حوَّلت جثته إلى لغز جنائي وسياسي في القرن العشرين.

شبكة «نتفليكس» بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) أعادت إلى الأذهان في المسلسل الدرامي القصير «تفجير بان آم 103» اسم جعفر الذي ولد في إحدى بلدات البقاع وهاجر مع عائلته بحثاً عن الأمان والفرص في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان الأميركية.

فور وقوع الكارثة، التفتت أعين المحققين سريعاً نحو قائمة الركاب بحثاً عن ملامح شرق أوسطية. هنا، برز اسم جعفر، الطالب في قسم الهندسة المعمارية بجامعة سيراكيوز، كصيد سهل للمحققين والصحافة الغربية، خاصة أنه كان العربي الوحيد على متن الرحلة (الراكب رقم 53). افترضوا أنه ربما كان «انتحارياً» أو حاملاً قنبلة وُضعت في أمتعته دون علمه من قبل منظمات فلسطينية أو إيرانية.

غير أن التحقيقات أكدت خلو أمتعته اليدوية تماماً من أي آثار لبارود، أو حروق، أو تفحم داخلي. ولكن رغم هذه التبرئة القضائية، بقي اسمه راسخاً في الأرشيف السياسي الدولي، شاهداً على حقبة صراع مريرة، راح ضحيتها أبرياء تحت رماد لوكربي.


مصر: اكتشافات أثرية تُعيد رسم خريطة طريق حورس الحربي بسيناء

جانب من الآثار بطريق حورس الحربي (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الآثار بطريق حورس الحربي (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشافات أثرية تُعيد رسم خريطة طريق حورس الحربي بسيناء

جانب من الآثار بطريق حورس الحربي (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الآثار بطريق حورس الحربي (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت البعثة الأثرية المصرية العاملة بموقع آثار تل أبو صيفي بمدينة القنطرة شرق بمحافظة الإسماعيلية، عن توصلها، خلال موسم حفائر هذا العام، إلى عدد من النتائج العلمية المهمة التي تلقي مزيداً من الضوء على تاريخ المواقع الأثرية الواقعة على الحدود الشرقية لمصر، وتكشف عن ملامح طريق حورس الحربي التاريخي، وتطوره المعماري والعسكري عبر العصور التاريخية المختلفة.

ومن أهم هذه النتائج، العثور على نصف عتب علوي ضخم من الحجر الرملي، مكسور إلى جزأين، ومنقوش من 3 جهات بألقاب الملك رمسيس الثاني، وفقاً لما ذكره رئيس الإدارة المركزية لوجه بحري وسيناء ورئيس البعثة، الدكتور هشام حسين، مضيفاً، في بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت، أنه عُثر أيضاً على نص كتابي يشير إلى أعمال الترميم التي أُجريت لتمثال المعبود «حورس سيد مدينة مسن»، وهو ما يُمثل دليلاً بالغ الأهمية على هوية الموقع ودراسة تاريخه.

الموقع تم استخدامه في أغراض شتى عبر العصور (وزارة السياحة والآثار)

وأكد وزير السياحة والآثار، شريف فتحي، أن «النتائج الجديدة تُمثل إضافة مهمة إلى جهود الوزارة في الكشف عن تاريخ المواقع الأثرية بشمال سيناء ومنطقة القنطرة»، مشيراً إلى أن «ما يجري الكشف عنه بالموقع يُبرز الدور الاستراتيجي والحضاري الذي لعبته هذه المنطقة في حماية الحدود الشرقية لمصر عبر العصور».

وأضاف أن «استمرار أعمال الحفائر المصرية في المواقع المرتبطة بطريق حورس يُسهم في إعادة بناء الصورة التاريخية لهذا الطريق ومحطاته، كما يؤكد أهمية الاستثمار العلمي في أعمال التنقيب والتوثيق الأثري للكشف عن جوانب جديدة من تاريخ مصر القديم».

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن «أعمال الموسم الحالي استكملت سلسلة من الحفائر التي أجريت بالموقع على مدار العقود الماضية، وأسفرت عن نتائج أعادت قراءة بعض العناصر المعمارية المكتشفة سابقاً بصورة أكثر دقة، بما يدعم فهم التخطيط الأصلي للموقع وتتابعه التاريخي»، مشيراً إلى أن «البعثة استكملت الكشف عن سور ضخم من الطوب اللبن ببواباته وغرفه الداخلية وطبقاته المختلفة؛ حيث تبيّن، من خلال الدراسة، أنه يُمثل السور الخارجي للحرم المحيط بالمعبد وليس المعبد نفسه، وهو ما يُصحح التفسير السابق لبعض أجزاء الموقع».

جانب من الآثار المكتشفة (وزارة السياحة والآثار)

ولفت إلى أن الأدلة الجديدة تطرح فرضية أثرية وتاريخية قوية بشأن ارتباط الموقع بمدينة «مسن» المصرية القديمة.

ورصدت البعثة كذلك بقايا طريقين حجريين متعاقبين يؤديان من خارج منطقة التحصين إلى داخل المعبد؛ أولهما طريق من العصر البطلمي، يعلوه طريق روماني أقل اتساعاً.

كما جرى الكشف عن بقايا المعبد، مع غرف تخزينية متتابعة في الناحية الشمالية، وغرف خدمية أوسع في الناحية الجنوبية، وصولاً إلى منطقة قدس الأقداس التي تعرضت للهدم نتيجة أعمال التحجير أواخر العصر الروماني، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع.

وأكد مدير البعثة، محمود جلال، أن الحفائر كشفت كذلك عن مجموعة من اللقى الأثرية ذات الدلالات الإدارية والعسكرية، من بينها جزء من تمثال من حجر الشست، يعود إلى عصر الأسرة السادسة والعشرين، لكاتب الجيش يحمل ناووساً مكسوراً، بما يعكس بوضوح الطبيعة الاستراتيجية والعسكرية للموقع.

كما عُثر على تمثال فاقد الرأس والقدمين يعود إلى العصر المتأخر، وجذع تمثال ملكي من البازلت، إلى جانب أجزاء من تماثيل لصقور مصنوعة من البازلت والحجر الجيري.

نقوش مصرية قديمة على صخور الموقع (وزارة السياحة والآثار)

وتُشير نتائج الحفائر إلى أن الموقع شهد مراحل متعددة من التطور والتحول؛ إذ بلغ المعبد ذروة ازدهاره المعماري خلال العصر البطلمي، قبل أن يُعاد استخدام أجزاء من الموقع في إنشاء ثكنات عسكرية خلال القرن الثالث الميلادي.

وفي أواخر العصر الروماني تحوّل الموقع إلى محجر لإنتاج الجير؛ حيث كشفت البعثة عن فرنين دائريين ضخمين، أقيما فوق ركني منطقة قدس الأقداس، يحتويان على بقايا أحجار جيرية تعرضت للحرق.

وتؤكد النتائج التي توصلت إليها البعثة أن تل أبو صيفي يُمثل أحد المواقع الرئيسية على امتداد طريق حورس الحربي، ويكشف عن تعاقب وظائف عسكرية ودينية واقتصادية على الموقع، بما يعكس أهميته الاستراتيجية ودوره في حماية الحدود الشرقية لمصر.


مصر: الداخلية تنفي شائعات «التحرش» في حفل محمد رمضان بالساحل

محمد رمضان يتوقف عن الغناء خلال الحفل (إكس)
محمد رمضان يتوقف عن الغناء خلال الحفل (إكس)
TT

مصر: الداخلية تنفي شائعات «التحرش» في حفل محمد رمضان بالساحل

محمد رمضان يتوقف عن الغناء خلال الحفل (إكس)
محمد رمضان يتوقف عن الغناء خلال الحفل (إكس)

توقف الفنان المصري محمد رمضان عن الغناء خلال إحدى فقرات حفله الذي أقيم، مساء الجمعة، في «بورتو غولف العلمين» بالساحل الشمالي بعد الأحداث التي جرت وسط عدد من الحضور، خصوصاً الفتيات نتيجة التكدس والزحام الشديد ووجودهن وسط تجمعات لعدد كبير من الشباب، وما أشيع حسب تعليقات «سوشيالية» بتعرضهن للتحرش.

وانتشرت لقطات من حفل محمد رمضان عبر «السوشيال ميديا» خلال الساعات الماضية أظهرت فتيات في حالة انهيار عصبي وبكاء شديد بسبب التدافع وعدم استطاعتهن الخروج من السياج الحديدي؛ ما استدعى توقفه عن الغناء، وطلب من مسؤولي تأمين الحفل مساعدتهن في الخروج الآمن قبل استكمال فقرات حفله.

وتصدر اسم محمد رمضان، ولقطات من حفل الساحل «الترند» على موقع «إكس» في مصر، السبت، واعترضت تعليقات ومشاركات عدة على طريقة التنظيم خصوصاً مع الحضور الجماهيري الكبير الذي شهده الحفل، إذ طالبت تعليقات بمحاسبة الشركة المنظمة بسبب أزمة التكدس.

جانب من حفل محمد رمضان (إنستغرام)

وفي السياق، حرص محمد رمضان، خلال الحفل على التدخل بنفسه مرة أخرى لمساعدة إحدى السيدات المسنات وإخراجها من بين الحضور إلى منطقة آمنة بجوار المسرح.

وعن رأيه بما جرى في حفل محمد رمضان، واتهام الشركة المنظمة بعدم وجود ضوابط صارمة مما تسبب في حدوث فوضى وتجاوزات بين الحضور، عدّ الناقد الفني المصري عماد يسري «ما حدث في الحفل مهزلة بكل المقاييس، ويتحمل ما جرى المسؤول عن التنظيم؛ لأنه لم يضع في حسبانه خطة شاملة لكل الأحداث المحتملة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الحفلات الجماهيرية التي تحظى باهتمام فئات عمرية معينة مثل الشباب لا بد أن يوضع في الاعتبار حالات التدافع وربما التعرض للتحرش، لذلك كان لا بد من الفصل، وتخصيص ممرات آمنة للخروج».

وتعليقاً على ما جرى خلال الحفل أكدت وزارة الداخلية المصرية في بيانها، السبت، عدم تعرض الفتيات للتحرش، وجاء في نص البيان: «في إطار كشف ملابسات عدة مقاطع فيديو تم تداولها بمواقع التواصل الاجتماعي تضمنت الزعم بتعرض فتاتين للتحرش بإحدى الحفلات بالساحل الشمالي بمطروح، بالفحص تبين أنه بتاريخ 15 الحالي وصل بلاغ لقسم شرطة العلمين من (طالبة جامعية وشقيقتها... مقيمتين بنطاق محافظة الجيزة) بتضررهما من تداول أخبار ومقاطع الفيديو والزعم بتعرضهما للتحرش خلال وجودهما بحفل بإحدى القرى السياحية بدائرة القسم، وذلك على خلاف الحقيقة بصورة مسيئة لهما».

وأوضح البيان «أن ما حدث كان نتيجة التزاحم الشديد للمشاركين بالحفل، ولم يتهما أحداً بالتحرش بهما، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية».

وقال عماد يسري إن بيان وزارة الداخلية الذي أفاد بعدم وجود حالات تحرش يؤكد أن الأزمة تكمن في سوء تنظيم، ووجود ثغرات أدت إلى تلك الأحداث.

وقبل حفله بساعات، كتب محمد رمضان عبر حسابه على موقع «إنستغرام»: «تمنياتي لجميع حضور حفلي بقضاء وقت ممتع وطاقة موسيقية تليق بكم، وأرجو من كل شاب مصري جدع أن يحافظ على سلامة كل بنت ويقول لصاحبه في غيابه (أختك أمانة في رقبتي)»، مضيفاً: «ليلة جميلة وأمان وسلام على كل حبايبي، وأنتظر تكتبوا لي هنا ما هي أكثر أغنية أعجبتكم ع المسرح.. ثقة في الله أقوى حفل مصر».

رمضان يتحدث إلى الجمهور والمنظمين خلال الحفل (إكس)

وقدم محمد رمضان خلال الحفل أغنيات عدة من بينها «نمبر وان»، و«جميلة»، و«محمد»، و«حبيبي أنا من غيرك» والأخيرة طرحها قبل أيام، وحازت على مشاهدات عدة عبر منصات موسيقية مختلفة، كما ظهر محمد رمضان على المسرح بالقناع، وفي فقرات أخرى بسيارته، وبالحنطور، إلى جانب الاستعراضات الغنائية التي اعتمدت على الإبهار البصري، كما أعلن قبل ساعات عن إقامة حفل غنائي جديد يوم 20 أغسطس «آب» الحالي.