الكرملين مرتاح لموقف الصين حيال «تصرفات روسيا المشروعة» لحماية مصالحها

شي وبوتين ناقشا «تعميق التعاون الاستراتيجي» وتعزيز التنسيق في مسائل الأمن القومي

الرئيسان الصيني والروسي خلال لقائهما في بكين فبراير الماضي (أ.ب)
الرئيسان الصيني والروسي خلال لقائهما في بكين فبراير الماضي (أ.ب)
TT

الكرملين مرتاح لموقف الصين حيال «تصرفات روسيا المشروعة» لحماية مصالحها

الرئيسان الصيني والروسي خلال لقائهما في بكين فبراير الماضي (أ.ب)
الرئيسان الصيني والروسي خلال لقائهما في بكين فبراير الماضي (أ.ب)

حملت المحادثات الهاتفية التي أجراها الرئيس الصيني شي جينبينغ، أمس، مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين تطوّراً على صعيد موقف بكين حيال الحرب في أوكرانيا، إذ كشف الكرملين أن الزعيم الصيني أعرب عن قناعة بأن «تصرّفات روسيا لحماية أمنها القومي على صعيد التحديات الخارجية تعد أمراً مشروعاً».
ومع تأكيد الجانبين على تعزيز التعاون الاستراتيجي؛ خصوصاً في قطاعات حيوية لروسيا في ظروف الحصار والعقوبات المفروضة عليها، عكس التأكيد على «تنشيط التنسيق في المسائل المتعلقة بالأمن القومي والسيادة للبلدين» إشارة غير مسبوقة من جانب بكين منذ اندلاع المعارك في أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) الماضي. وكانت بكين حافظت على موقف حذر في التعامل مع الحرب الأوكرانية، وعلى الرغم من أنها أبدت «تفهّماً» لمتطلبات روسيا على صعيد الأمن الاستراتيجي، ودعت الغرب إلى الحوار مع موسكو في هذا الشأن، لكنها تجنّبت إعطاء إشارات مباشرة إلى دعم العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.
وكان لافتاً أن هذا الحذر انعكس جزئياً في لهجة البيان الرسمي الصيني حول المكالمة الهاتفية، إذ أكّدت بكين أن الزعيم الصيني «أكد أن بلاده مستعدّة لتطوير التعاون الثنائي المستقر مع روسيا». ونقل التلفزيون الصيني المركزي عن الرئيس الصيني قوله إن «الجانب الصيني مستعد للتعاون مع الجانب الروسي لضمان التنمية المستقرة وطويلة الأجل للتعاون التجاري الثنائي». ونوّه بـ«الديناميكية الجيدة لتنمية العلاقات، رغم الأحداث الجارية في العالم».
ووفقاً للبيان الصيني، فإنه «منذ بداية هذا العام، على الرغم من التغيرات العالمية وعدم الاستقرار في العالم حافظت العلاقات الصينية - الروسية على قوة دفع جيدة للتنمية». كما أكّد الرئيس الصيني لبوتين استعداده لمساعدة روسيا في شؤون الأمن القومي، ووفقاً له فإن «الصين مستعدة لتعاون استراتيجي وثيق مع الاتحاد الروسي، لتقديم الدعم المتبادل، مع مراعاة المصالح الرئيسية للجانبين فيما يتعلق بالسيادة والأمن القومي».
وكانت الصين أصبحت أكبر مستورد لموارد الطاقة الروسية، بعد أن حوّلت إليها روسيا جزءاً كبيراً من صادراتها النفطية. كما تم افتتاح أول جسر بري للسيارات بين روسيا والصين في بلاغوفيشتشينسك في 10 يونيو (حزيران)، ما سهل عبور الشاحنات التجارية إلى الصين.
في المقابل، حمل بيان الكرملين حول المكالمة تفاصيل أوسع حول تطور موقف بكين حيال الحرب الجارية، ما عكس ارتياحاً لدى الكرملين في هذا الشأن. وقالت الرئاسة الروسية إن شي أكد خلال المحادثة أن «تصرفات روسيا لحماية المصالح الوطنية في مواجهة التحديات الخارجية لأمنها أمر مشروع».
وقال إن الرئيس الروسي أوجز لمحاوره «التقييمات المبدئية بشأن الوضع في أوكرانيا والمهام التي يتم حلّها في سياق العملية العسكرية».
ووفقاً لبيان الرئاسة، فقد «قيّم الزعيمان العلاقات الروسية الصينية في مستوى عالٍ غير مسبوق، وأكدا أنها تتحسن باستمرار. كما أكدا مجدداً رغبتهما في تعميق الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي باستمرار في جميع المجالات».
وأشار إلى أن بوتين وشي «بحثا بالتفصيل آفاق التعاون التجاري والاقتصادي، التي يمكن أن يصل حجمها السنوي، وفقاً للتوقعات، إلى مستويات قياسية».
واتفق الرئيسان على «توسيع التعاون في مجالات الطاقة والتمويل والإنتاج الصناعي والنقل، وكذلك في مجالات أخرى، مع مراعاة الوضع المعقد في الاقتصاد العالمي بسبب العقوبات الغربية غير القانونية. كما تطرّق بوتين وشي جينبينغ إلى زيادة تطوير العلاقات العسكرية والعسكرية الفنية».
وفي ملف السياسة الدولية، تم التأكيد، وفقاً لبيان الكرملين، على أن روسيا والصين «كما في السابق، تنطلقان من موقف مشترك أو وثيق للغاية، وتلتزمان باستمرار بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي، وتسعيان إلى بناء نظام متعدد الأقطاب وعادل بحق العلاقات الدولية».
على صعيد آخر، أكد الكرملين أن الاتصالات ما زالت «ضرورية» في العلاقات مع الولايات المتحدة، برغم تصاعد التوتر بشأن الوضع في أوكرانيا.
وقال الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف للصحافيين رداً على سؤال عن العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا إن «الاتصالات ضرورية، وسيبقى التواصل واجباً في المستقبل». وأضاف: «الولايات المتحدة باقية، وأوروبا باقية، لذا بطريقة ما يتعين علينا التواصل معهم». وقال بيسكوف إن الوضع الحالي يجعل من «غير المحتمل» عودة الجانبين إلى ما أسماه «روح جنيف»، في إشارة إلى قمة بين الرئيسين جو بايدن وفلاديمير بوتين العام الماضي، التي أحيت الآمال في انفراج محدود. وزاد الناطق الروسي: «هل من الممكن العودة إلى روح جنيف، عندما كان هناك بصيص من الأمل؟ هذا احتمال ضعيف جداً»، مضيفاً: «من غير المحتمل أن نعيش في أحلام قديمة ونحن نرى ما يحدث الآن».
في غضون ذلك، دعا نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، الغرب إلى توخي أقصى درجات الحذر والامتناع عن التصعيد. وقال إن الولايات المتحدة «تواصل اللعب بالنار، وهو أمر خطير»، مشدّداً على أنه «حان الوقت لإظهار أقصى درجات الحذر من الجانب الغربي، والامتناع عن التصعيد، وعن تزويد نظام كييف بالأسلحة، خاصة تلك المزعزعة للاستقرار، وأعني أنظمة هيمارس للصواريخ والمدفعية».
وردّاً على سؤال بشأن مخاطر الصدام المباشر، أشار ريابكوف إلى أن الدول الغربية تحاول اتهام روسيا بلعب نوع من «الألعاب الإنشائية» فيما يتعلق باستخدام الأسلحة النووية. إلا أن ذلك «غير صحيح بالمرة. فتلك حجج لا قيمة لها، ولا تتوافق مع الواقع. لكننا اعتدنا على حقيقة أن الغرب لم يعد لديه سوى التزييف والكذب، علاوة على محاولات تشويه الواقع المعقد لإرضاء أفكارهم الجيوسياسية وأولوياتهم. ذلك هو المعيار، والملاحظ بشكل خاص في وسائل الإعلام». وزاد الدبلوماسي: «لقد حذّرنا الغربيين بقيادة الولايات المتحدة أكثر من مرة، من أن محاولاتهم الافتراضية للتدخل المباشر (في الحرب الأوكرانية) ستكون لها عواقب وخيمة بعيدة المدى. وتحدثت قيادتنا السياسية، والرئيس، وقادتنا العسكريون، ووزير الخارجية، مراراً حول هذا الموضوع». وشدد قائلاً: «أعتقد أن جميع تحذيراتنا قد سمعت جيداً، وأتمنى أن تكون عاملاً يؤخذ في الاعتبار».


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟