زعاف قاتل من العناكب والأفاعي لشفاء البشر

السموم الحيوانية تمتلك مكونات لآلاف الأدوية التي تنتظر استكشافها

زعاف قاتل من العناكب والأفاعي لشفاء البشر
TT

زعاف قاتل من العناكب والأفاعي لشفاء البشر

زعاف قاتل من العناكب والأفاعي لشفاء البشر

في غرفة صغيرة بـ«متحف الصحراء (أريزونا - سونورا)»، ترفع المشرفة على قسم اللافقاريات، إيما كاليف، صخرة في قلب صندوقٍ بلاستيكي. وتوضح كاليف وهي تعرض عقرباً بطول 3 بوصات، ذيله معقوف فوق ظهره، أنّ «هذا المخلوق واحدٌ من (مُشْعِرات) (الأحياء ذات الشعر) صحرائنا وأكبر عقارب أميركا الشمالية».
تحتفظ العالمة بهذا الكائن الحبيس المشعر إلى جانب سربٍ من عقارب النباح bark scorpions (بطول بوصة واحدة) في صندوقٍ آخر، و20 من الأفاعي الجرسية المجلجلة من أنواع وفصائل فرعية عدّة، للحصول على أبرز منتجاتها: الزعاف أو السمّ الحيواني.

سموم حيوانية
شهدت السنوات القليلة الأخيرة تبرعم مجال علميٍّ جديد يُعرف باسم «علم السموم الحيوانية» venomics يرتكز على جهودٍ حثيثة لرصد أكبر مجموعة من البروتينات الموجودة في الزعاف. وساهم الفهرس المتنامي لهذه المركّبات في اكتشاف عددٍ من الأدوية، ولا يزال الباب مفتوحاً لاكتشاف مزيد من الجزيئات الواعدة مع استمرار التجارب التي تستخدم أحدث التقنيات الثورية.
وقالت ليسلي في. بوير، الأستاذة الفخرية المختصة في علم الأمراض بجامعة أريزونا، إنّ «العلماء ظنّوا قبل مائة عام أنّ الزعاف عامّةً يحتوي على 3 أو 4 مكوّنات، ولكنّنا اليوم نعي أنّ نوعاً واحداً من السمّ الحيواني قد يحتوي على الآلاف منها. يشهد هذا المجال تطوّراً متسارعاً بفضل بعض المختبرات البارعة التي تعمل على توفير المعلومات لجميع الجهات القادرة على استخدامها للتوصّل إلى اكتشافات جديدة».
وأضافت: «يخفي عالم السموم تكوينا ً كاملاً من الأدوية التي تنتظر استكشافها». نحن أمام حالة مذهلة في عالم الكيمياء العلمية الحديثة ساعدت فيها السموم الحيوانية عالية التطوّر على الأرض في ابتكار عددٍ من الأدوية الفعالة وستساهم دون شكّ في اكتشاف أدوية أخرى.

حماية خلايا القلب
تعدّ الأدوية المستمدّة من سمّ العنكبوت الأسترالي القاتل الذي يعيش في جزيرة فريزر الأكثر وعداً اليوم؛ لأنها قادرة على وقف موت الخلايا بعد النوبة القلبية.
ينخفض تدفّق الدم إلى القلب بعد تعرّضه لنوبة، مما يزيد حمضية محيط الخلايا ويؤدّي إلى موتها. ويُعرف العقار المستخرج من العنكبوت الأسترالي باسم «Hi1A»، ومن المقرّر أن تبدأ تجاربه السريرية العام المقبل. أمّا في المختبر، فقد جرّبه العلماء على قلب بشريّ نابض ووجدوا أنّه قادر على إضعاف تحسّس القلب للحمضية؛ أي «تعطيل رسالة الموت، وتخفيض عدد خلايا الموت، وتعزيز احتمال نجاة الخلايا القلبية»، بحسب ما شرح ناثان بالبانت؛ الباحثٌ في جامعة كوينزلاند الأسترالية الذي شارك في اكتشاف هذا العقار.
وإذا ثبتت فاعلية هذا الدواء في التجارب السريرية، فسيُصبح بالإمكان استخدامه في أقسام الطوارئ لوقاية المرضى من الضرر الناتج عن النوبات القلبية، أو لتحسين نتائج عمليات زراعة القلب من خلال الحفاظ على صحّة قلب المانح لفترة أطول.
من جهته، رجّح براين فراي، الأستاذ المساعد المختص بعلم السموم في جامعة كوينزلاند، المطّلع على البحث دون المشاركة فيه، أن يكون هذا الدواء بمثابة «العقار العجائبي لحالات النوبات القلبية مع أنّه مستخرج من أكثر المخلوقات المكروهة في أستراليا».
لقد أصبحت التقنيات المستخدمة لمعالجة مركّبات الزعاف فعّالة جداً لدرجة أنّها فتحت الباب لكثير من الفرص الجديدة. فقد لفت فراي إلى أنّ «العلماء باتوا اليوم قادرين على القيام بكثير من التجارب باستخدام بعض الميكروغرامات من الزعاف، بعد أن كانوا يحتاجون إلى آلاف الميكروغرامات قبل 10 أو 15 سنة».

خصائص «تطورية»
يتألّف الزعاف من مزيج معقّد من السموم المؤلّفة بدورها من بروتينات تتمتّع بخصائص فريدة وقاتلة ساعد التطوّر الطبيعي في صقل فاعليتها لوقتٍ طويلٍ جداً (نحو 54 مليون سنة للأفاعي و600 مليون سنة لقناديل البحر).
والسمّ الحيواني هو نتاج سباق خاضته الأذرع البيولوجية مع الوقت؛ فمع ازدياد قدرة السموم على القتل، يطوّر الضحايا مزيداً من المقاومة التي تعزز بدورها قدرة السم أكثر على القتل في إطار دورةٍ طبيعية يلعب البشر دوراً بارزاً فيها. يشرح بوير، الذي أسّس «معهد كيمياء السموم المناعية وعلم الأدوية والاستجابة للطوارئ المعروف بـ(فايبر)»، أنّ «البشر مكوّنون من بروتينات، وهذه البروتينات تتألّف من تركيبات قليلة التعقيد تجعلنا بشراً، مما يجعلها الهدف الأوّل للزعاف».
تلعب البروتينات الخلوية التي طوّرتها جزيئات الزعاف للاستهداف الدقيق، الدور الأكبر في صناعة عقار أو دواء مشتقٍّ منها - يستخدم مسارات البروتينات نفسها - ليصبح عالي الفاعلية. ولكن بعض البروتينات تعاني من مشكلات متأصّلة قد تحول دون استخدامها لصناعة الأدوية.
يستغني العلماء عن فكرة جمع السمّ الحيواني عادةً بعد تحديد تركيبته؛ لأنّهم يصبحون قادرين على صناعته في المختبرات.ويتمتّع الزعاف بـ3 تأثيرات أساسية هي: السميّة العصبية التي تهاجم الجهاز العصبي وتشلّ الضحية؛ والسمّية الدموية التي تستهدف الدمّ؛ والسميّة النسيجية المحليّة التي تهاجم المنطقة المحيطة بالموقع الذي تعرّض للتسمّم.
تحتوي الأسواق على كثير من الأدوية المشتقّة من السموم الحيوانية؛ أبرزها «كابتوبريل» captopril الذي طوِّر في السبعينات من سمّ أفعى الجراراكا البرازيلية لعلاج ضغط الدم، وحقّق نجاحاً تجارياً مبهراً. ونذكر أيضاً عقار «إكسيناتيد» exenatide المشتقّ من سحلية الهيليّة الشهيرة أيضاً بـ«وحش جيلا»، ويوصف لمرضى السكري من النوع الثاني؛ وعقار «دراكولين» Draculin المضاد للتخثر والمشتقّ من سمّ الخفاش الماصّ للدماء، والمستخدم لعلاج الجلطات الدماغية ونوبات القلب. وأخيراً، يستخدم سمّ عقرب صحراء النقب لاستخراج مركّب لا يزال في مرحلة التجارب السريرية للعثور على أورام القولون والثدي وتحديد مكانها ضوئياً.

أدوية جديدة
توجد اليوم بروتينات كثيرة مرشحة لصناعة أدوية جديدة، ولكنّ طريقها لا تزال طويلة قبل التصنيع والاختبارات السريرية التي قد تحتاج إلى سنوات والملايين من الدولارات. وكان باحثون من جامعة يوتا قد أعلنوا في مارس (آذار) عن اكتشاف جزيئة سريعة المفعول في القواقع المخروطية التي تقصف الأسماك بسمّها، فينخفض مستوى الإنسولين في جسم الضحية بسرعة تؤدي إلى قتلها. يحمل هذا العقار وعوداً كبيرة لمرضى السكري. ويبدو أيضاً أنّ سمّ النحل قد يصلح لعلاج أمراض متنوعة وخطيرة؛ إذ تشير آخر الأبحاث إلى أنّه فتّاك في قتل خلايا سرطان الثدي.
ويعمل باحثون في البرازيل حالياً على استكشاف سمّ العنكبوت البرازيلي الجوّال بوصفه مصدراً محتملاً لدواء جديد يعالج الضعف الجنسي نظراً للتأثير الذي تحدثه لدغته في جسم الضحايا. فقد شرح فراي أنّ «الرجال الذين يتعرّضون للدغة هذا العنكبوت ويمتصّون سمّه يشعرون بانتصابٍ مؤلم وطويل. طبعاً؛ يبقى للعلماء فصل السمّ عن العنصر القاتل فيه وإيجاد طريقة لتعديله وتحويله إلى دواء».
ولكنّ الزعاف ليس المادّة الوحيدة التي دُرست جيّداً وتحسّن مفهومها في أيامنا هذه. فقد شهدت السنوات الأخيرة أبحاثاً منسّقة ومدعومة بتمويل مالي ضخم لتطوير مضادّات للسموم الحيوانية. ففي عام 2019، أسّست منظّمة «ويلكام تراست» صندوقاً بقيمة 100 مليون دولار لمتابعة هذه الأبحاث، ويشهد العالم منذ ذلك الحين جهوداً بحثية كثيرة وجادّة للتوصّل إلى علاج واحد موحّد يمكن توصيله إلى المناطق النائية لتقديم المساعدة الفورية لأيّ انسان تعرّض للدغة أفعى سامّة. ويحتوي العالم اليوم على العديد من مضادات السموم وكلّ واحدٍ منها يعالج لدغة أفعى مختلفة.
المشوار صعب ويزداد صعوبة بسبب تنوّع المكوّنات الموجودة في السموم الحيوانية وتعقيد عملية العثور على دواء يحيّدها. ولكن تجدر الإشارة إلى أنّ العالم يترقّب اليوم تطوير مضاد سموم شامل واعد اسمه «فاريسبلاديب» varespladib لا يزال في مرحلة التجارب السريرية.
وأخيراً، يأمل الخبراء أن يساعد الدور المهمّ الذي تلعبه السموم الحيوانية في إظهار مزيد من الاحترام والحماية للمخلوقات المخيفة التي تنتجها.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الولايات المتحدة​ الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

تواجه المحكمة العليا للولايات المتحدة، التي كانت تعدّ واحدة من أكثر المؤسّسات احتراماً في البلاد، جدلاً كبيراً يرتبط بشكل خاص بأخلاقيات قضاتها التي سينظر فيها مجلس الشيوخ اليوم الثلاثاء. وتدور جلسة الاستماع، في الوقت الذي وصلت فيه شعبية المحكمة العليا، ذات الغالبية المحافظة، إلى أدنى مستوياتها، إذ يرى 58 في المائة من الأميركيين أنّها تؤدي وظيفتها بشكل سيئ. ونظّمت اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، التي يسيطر عليها الديمقراطيون، جلسة الاستماع هذه، بعد جدل طال قاضيين محافظَين، قبِل أحدهما وهو كلارنس توماس هبة من رجل أعمال. ورفض رئيس المحكمة العليا جون روبرتس، المحافظ أيضاً، الإدلاء بشهادته أمام الك

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي كيفين مكارثي قبول دعوة الرئيس جو بايدن للاجتماع (الثلاثاء) المقبل، لمناقشة سقف الدين الأميركي قبل وقوع كارثة اقتصادية وعجز الحكومة الأميركية عن سداد ديونها بحلول بداية يونيو (حزيران) المقبل. وسيكون اللقاء بين بايدن ومكارثي في التاسع من مايو (أيار) الجاري هو الأول منذ اجتماع فبراير (شباط) الماضي الذي بحث فيه الرجلان سقف الدين دون التوصل إلى توافق. ودعا بايدن إلى لقاء الأسبوع المقبل مع كل من زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر (ديمقراطي من نيويورك)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب ميتش ماكونيل (جمهوري من كنتاكي)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز (ديمقراطي م

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

تمكّن تلميذ أميركي يبلغ 13 سنة من إيقاف حافلة مدرسية تقل عشرات التلاميذ بعدما فقد سائقها وعيه. وحصلت الواقعة الأربعاء في ولاية ميشيغان الشمالية، عندما نهض مراهق يدعى ديلون ريفز من مقعده وسيطر على مقود الحافلة بعدما لاحظ أنّ السائق قد أغمي عليه. وتمكّن التلميذ من إيقاف السيارة في منتصف الطريق باستخدامه فرامل اليد، على ما أفاد المسؤول عن المدارس الرسمية في المنطقة روبرت ليفرنوا. وكانت الحافلة تقل نحو 70 تلميذاً من مدرسة «لويس أي كارتر ميدل سكول» في بلدة وارين عندما فقد السائق وعيه، على ما ظهر في مقطع فيديو نشرته السلطات.

يوميات الشرق أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

كشفت دراسة أجريت على البشر، ستعرض خلال أسبوع أمراض الجهاز الهضمي بأميركا، خلال الفترة من 6 إلى 9 مايو (أيار) المقبل، عن إمكانية السيطرة على مرض السكري من النوع الثاني، من خلال علاج يعتمد على النبضات الكهربائية سيعلن عنه للمرة الأولى. وتستخدم هذه الطريقة العلاجية، التي نفذها المركز الطبي بجامعة أمستردام بهولندا، المنظار لإرسال نبضات كهربائية مضبوطة، بهدف إحداث تغييرات في بطانة الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة لمرضى السكري من النوع الثاني، وهو ما يساعد على التوقف عن تناول الإنسولين، والاستمرار في التحكم بنسبة السكر في الدم. وتقول سيلين بوش، الباحثة الرئيسية بالدراسة، في تقرير نشره الجمعة الموقع ال

حازم بدر (القاهرة)
آسيا شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

نقلت وكالة الإعلام الروسية الحكومية عن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قوله، اليوم (الجمعة)، إن موسكو تعزز الجاهزية القتالية في قواعدها العسكرية بآسيا الوسطى لمواجهة ما قال إنها جهود أميركية لتعزيز حضورها في المنطقة. وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، تملك موسكو قواعد عسكرية في قرغيزستان وطاجيكستان، لكن الوكالة نقلت عن شويغو قوله إن الولايات المتحدة وحلفاءها يحاولون إرساء بنية تحتية عسكرية في أنحاء المنطقة، وذلك خلال حديثه في اجتماع لوزراء دفاع «منظمة شنغهاي للتعاون» المقام في الهند. وقال شويغو: «تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها، بذريعة المساعدة في مكافحة الإرهاب، استعادة حضورها العسكري في آسيا الوسطى

«الشرق الأوسط» (موسكو)

أزمة غلاء المعيشة تربك حسابات الجمهوريين قبل انتخابات الكونغرس

ترمب في فاعلية انتخابية بتكساس في 1 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
ترمب في فاعلية انتخابية بتكساس في 1 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

أزمة غلاء المعيشة تربك حسابات الجمهوريين قبل انتخابات الكونغرس

ترمب في فاعلية انتخابية بتكساس في 1 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
ترمب في فاعلية انتخابية بتكساس في 1 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

«إنه الاقتصاد يا غبي»، عبارة أطلقها جيمس كارفيل مستشار الرئيس السابق بيل كلينتون لاختصار حملته الانتخابية عام 1992. وبعد أكثر من ثلاثة عقود، تعود هذه العبارة إلى الواجهة في واشنطن وكأنها تصف انتخابات اليوم.

فقبل أسابيع من الانتخابات النصفية، يتصدر الاقتصاد اهتمامات الناخب الأميركي، ليحسم مصير المرشحين لمقاعد تشريعية فيما يخوض الجمهوريون معركة صعبة للحفاظ على أغلبيتهم في مجلسي الشيوخ والنواب، لكن الضغوط هذه المرة لا تأتي من الداخل فقط، إذ تتقاطع أزمة غلاء المعيشة المدفوعة بارتفاع أسعار البنزين مع تداعيات حرب إيران، لتتشابك حسابات الداخل والخارج في قرار الناخب.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، ما إذا كانت أصوات نوفمبر (تشرين الثاني) ستُحسم بالاقتصاد والهجرة، أم أن حرب إيران ستدخل أيضاً في حسابات الناخبين، وما إذا كان ترمب يستطيع حشد القاعدة الجمهورية في وقت تتراجع فيه شعبيته.

الاقتصاد أولاً

تُجمع استطلاعات الرأي على أن الاقتصاد وغلاء المعيشة يتصدران اهتمامات الأميركيين، في وقت يتزايد فيه الاستياء من أداء الإدارة في هذا الملف. ويقول أليكس تراسيو، مدير الاستراتيجيات السياسية في مؤسسة (سيغنال) للحملات الانتخابية، إن الاستطلاعات تظهر تقدم الديمقراطيين على الجمهوريين وطنياً بفارق يتراوح بين 8 و9 نقاط، لكنه يحذر من قراءة هذه الأرقام على أنها تعبير عن رضا الأميركيين عن الحزب الديمقراطي.

تشهد أسعار الديزل في الولايات المتحدة ارتفاعاً مستمراً (أ.ب)

ويضيف: «صحيح أن الأميركيين غير راضين عن الحزب الجمهوري، وعن دونالد ترمب. لكن هذا لا يعني بالضرورة أنهم راضون عن الحزب الديمقراطي». ويعتبر أن ما يريده الناخب من الحزبين هو طرح حلول للتضخم وارتفاع تكلفة المعيشة. وبحسب تراسيو، تراجعت شعبية ترمب بين الأميركيين في المناطق الريفية ومن لا يحملون شهادات جامعية، رغم أن الفئتين شكلتا جزءاً أساسياً من ائتلافه الانتخابي عام 2024، وذلك بسبب الضغوط الاقتصادية التي يواجهونها.

وتكمن المعضلة بالنسبة إلى الجمهوريين في أنهم يسيطرون حالياً على البيت الأبيض ومجلسي الكونغرس، ما يجعل من الصعب التهرب من مسؤولية الوضع الاقتصادي. وترى المستشارة السياسية الديمقراطية، نيكول برينر شميتز، أن الناخبين «يوجهون الجزء الأكبر من اللوم إلى الحزب الذي يتولى زمام الأمور» عندما ترتفع أسعار الغذاء والوقود.

إيران تتحول قضية محلية

لكن الاقتصاد لم يعد ملفاً داخلياً فحسب. فحرب إيران دخلت المعركة الانتخابية بسبب ارتباطها بأسعار الطاقة وتكلفة المعيشة. ويقول أليخاندرو راموس، المدير التنفيذي لمعهد راموس للأبحاث، إن الناخبين يتذكرون وعود ترمب الانتخابية وعلى رأسها التعهد بعدم خوض حروب جديدة وإصلاح الاقتصاد. ويضيف: «مع اقتراب موسم انتخابات التجديد النصفي، بدأ الناخبون يفكرون جديّاً: هل تم الوفاء بهذه الوعود وهل أحرزنا أي تقدم في هذا الصدد؟ أعتقد أننا نرى أن الناخبين يربطون بين حرب إيران ووضعهم المعيشي بشكل قاطع. كما أن الرسوم الجمركية لا تساعد في هذا الشأن أيضاً، خاصة تلك التي فرضت على حلفائنا».

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر في 29 سبتمبر 2026 (رويترز)

وقد بدأ هذا الترابط بين الحرب والاقتصاد يظهر بوضوح في خطاب المرشحين. ففي عدد من الولايات المتأرجحة كميشيغان وأيوا، سعى المرشحون الجمهوريون للابتعاد عن موقف البيت الأبيض من الحرب، فيما امتدت التحفظات إلى الكونغرس، حيث صوّت عدد من الجمهوريين إلى جانب الديمقراطيين لصالح قرارات تهدف إلى تقييد قدرة ترمب على مواصلة العمليات العسكرية ضد إيران من دون تفويض من الكونغرس. لكن هذه المواقف تضع المرشحين الجمهوريين أمام معادلة دقيقة: الاستجابة لناخبين قلقين من تداعيات الحرب من جهة، وتجنب الصدام مع ترمب وقاعدته من جهة أخرى. ويرى راموس أن التجارب الانتخابية السابقة أظهرت الثمن الذي قد يدفعه الجمهوريون الذين يدخلون في مواجهة مباشرة مع الرئيس، ما يدفع بعض المرشحين إلى محاولة الموازنة بين متطلبات سباقاتهم المحلية والحفاظ على علاقتهم بالبيت الأبيض.

الهجرة «ملف ثانوي»

أما الهجرة، التي شكلت إحدى أبرز نقاط قوة ترمب في انتخابات 2024، فتبدو اليوم أقل أهمية أمام القلق الاقتصادي. ويرى تراسيو أن السبب يعود جزئياً إلى اعتقاد شريحة من الأميركيين بأن الوضع على الحدود أصبح أكثر انضباطاً، وهو ما ينسب بعض الناخبين الفضل فيه إلى ترمب. لكن نجاح الإدارة في هذا الملف، أتاح للناخب التركيز على قضايا أخرى وعلى رأسها تكلفة المعيشة.

متظاهرة تحتج على ممارسات «أيس» في نيويورك في 24 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

بالمقابل، يشير راموس إلى أن طريقة تنفيذ سياسات الهجرة أدّت إلى تراجع شعبية ترمب بين الناخبين من أصول لاتينية الذين أيّدوه في انتخابات عام 2024، خاصة بسبب أساليب تطبيق سياسات الترحيل وانعكاسها مباشرة على المجتمعات المحلية. ويعتبر أن هذا العامل يكتسب أهمية كبيرة في ولايات مثل تكساس وفلوريدا، حيث يشكل الناخبون من أصول لاتينية كتلة انتخابية مؤثرة.

من ناحيتها، تشير شميتز إلى أن بعض الأميركيين من الحزبين صوتوا لصالح ترمب في الدورة الانتخابية الماضية بناءً على وعوده باتخاذ إجراءات صارمة ضد الهجرة. لكن الطريقة التي اتبعتها إدارة ترمب في تنفيذ ذلك فاجأتهم، مضيفة: «لا أعتقد أنهم أرادوا أن يروا وكالة الهجرة والجمارك (أيس) تتحول إلى القوة العسكرية المتشددة التي هي عليها الآن. لم يتوقعوا أن يُلقى بالناس في مراكز الاحتجاز دون أي سبيل قانوني للخروج منها. لم يتوقعوا أن يُرسل الناس إلى بلدان لم يزوروها من قبل، دون أي إمكانية للعمل أو العيش هناك. أعتقد أن الأمر وصل إلى حد متطرف للغاية لا يشعر الجمهور الأميركي بالارتياح تجاهه».

معركة الكونغرس تتسع

انعكست كل هذه العوامل على خريطة انتخابية توسعت قبل موعد الاقتراع، مع احتمال أن تتحول ولايات حمراء إلى زرقاء في سباقات مجلس الشيوخ. وهذا ما أشار اليه تقرير «كوك» السياسي الذي رجح خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في مجلس النواب، وتحوُّل المنافسة على مجلس الشيوخ إلى معركة أكثر تقارباً مما كانت عليه في بداية الدورة الانتخابية.

المرشح الجمهوري في تكساس كين باكستون في 1 أكتوبر 2026 (رويترز)

ووصلت المنافسة إلى ولايات لم يكن الديمقراطيون يتوقعون قبل أشهر أن تكون في قلب المعركة، من ألاسكا إلى تكساس وأيوا. وقد دفع هذا بترمب إلى تكثيف حضوره الميداني لدعم مرشحي حزبه وحشد القاعدة الجمهورية، لكن السؤال المطروح هو مدى قدرته على نقل حماسة مؤيديه إلى المرشحين الجمهوريين وعدم إيذاء حظوظهم بين الناخبين المستقلين وسط تراجع شعبيته.

ترمب يتحدّث خلال فعالية انتخابية بتكساس في 1 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

ويرى تراسيو أن حضور ترمب يمكن أن يساعد المرشحين الجمهوريين، ليس في حشد القاعدة فحسب بل أيضاً في جمع الأموال، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن كل مرشح سيحتاج في النهاية إلى إقناع ناخبيه بما سيقدمه لهم، وليس الاكتفاء بتأييد ترمب له فحسب. وعن احتمال أن يخسر الجمهوريون مقعد مجلس الشيوخ في تكساس التي تعد معقلاً جمهورياً، يقول تراسيو إن «تكساس تتغير، فهناك الكثير من الناس الذين انتقلوا من كاليفورنيا ومن كولورادو ومن ولايات ذات معدل نمو منخفض و هم ليسوا من الجمهوريين. لذلك أصبح سكانها أصغر سناً وأكثر تنوعاً وهم أقل اهتماماً بالتصويت لصالح الجمهوريين».

وتعتبر شميتز أن مجرد الحديث عن احتمال انقلاب مجلس الشيوخ لصالح الديمقراطيين دليل على التغيير الهائل في الدورة الانتخابية. وتتوقع أن يسيطر الديمقراطيون على الأغلبية عبر انتزاع ولايات ألاسكا وماين وأوهايو وكارولاينا الشمالية والاحتفاظ بميشيغان ما سيعطيهم 51 مقعداً في مجلس الشيوخ، بحسب تقديرها.


السلطات الأميركية توقف رجلاً بتهمة تهريب خوادم متطورة إلى الصين

سيرفر في أحد مراكز البيانات (بيكسلز)
سيرفر في أحد مراكز البيانات (بيكسلز)
TT

السلطات الأميركية توقف رجلاً بتهمة تهريب خوادم متطورة إلى الصين

سيرفر في أحد مراكز البيانات (بيكسلز)
سيرفر في أحد مراكز البيانات (بيكسلز)

أعلنت وزارة العدل الأميركية توقيف رجل بتهمة تهريب خوادم حاسوب تزيد قيمتها على 300 مليون دولار إلى الصين.

وقالت الوزارة، في بيان، الخميس، إن غريغ لوي (38 عاماً) من كاليفورنيا، المعروف أيضاً باسم «يو كونغ لوي»، يُتهم باستخدام مستندات مزورة وشحنات تمر عبر دول ثالثة لتهريب خوادم حاسوب خاضعة لقيود التصدير إلى الصين.

وأضافت الوزارة أن الخوادم كانت تحتوي على «وحدات معالجة رسومات (جي بي يو) مصنّعة في الولايات المتحدة، تُستخدم عادة في تطبيقات (الذكاء الفائق)»، وهو المصطلح الجديد الذي تستخدمه إدارة ترمب للإشارة إلى الذكاء الاصطناعي.

وقال المدعي العام في كاليفورنيا بيل إسايلي إن «حماية الأمن القومي الأميركي تعني منع استخدام تكنولوجيا الذكاء الفائق المتقدمة لدينا في تعزيز القدرات العسكرية لخصومنا».

وأضاف، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية: «سنلاحق قضائياً، وبكل حزم، كل من يعرّض أمننا القومي للخطر من أجل الربح».

وحسب البيان، كان لوي يدير شركة تكنولوجيا تُدعى «إيرثميد كمبيوتر»، استخدمها لشراء وشحن منتجات إلى الصين بين عامي 2023 و2024 من دون الحصول على التراخيص المطلوبة من وزارة التجارة الأميركية.

وأوضح البيان أن الشركة شحنت المعدات إلى دول من بينها ماليزيا وسنغافورة، حيث لا يحتاج الشحن لتلك الدول إلى مثل هذه التراخيص، ثم أعادت تصديرها بطريقة غير قانونية إلى الصين. وفي حال إدانته، قد يواجه لوي حكماً بالسجن لمدة تصل إلى 50 عاماً.

ويُنظر إلى الصين منذ فترة طويلة على أنها متأخرة عن الولايات المتحدة في مجال تقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة، لكنها تقلّص هذه الفجوة بسرعة.

وقد سعت الولايات المتحدة منذ زمن إلى إبطاء تقدّم الصين من خلال فرض قيود على تصدير الرقائق المتقدّمة اللازمة لتطوير الذكاء الاصطناعي، ومنعها من الوصول إلى أشباه الموصلات الأميركية الأعلى كفاءة، مثل تلك التي تنتجها شركة «إنفيديا».


واشنطن تفرض عقوبات على شبكة متهمة بتمويل حركة «حماس»

واشنطن تفرض عقوبات على شبكة متهمة بتمويل حركة «حماس»
TT

واشنطن تفرض عقوبات على شبكة متهمة بتمويل حركة «حماس»

واشنطن تفرض عقوبات على شبكة متهمة بتمويل حركة «حماس»

فرضت الولايات المتحدة، الجمعة، عقوبات على 3 أفراد ومنظمتين خيريتين مقرهما فرنسا، قالت إنهم جزء من شبكة جمعت أكثر من مليونيْ دولار لصالح حركة «حماس» الفلسطينية.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التصنيفات تكشف عن هيكلية تمويل متطورة وممتدة لسنوات، قامت بتحويل أكثر من مليونيْ دولار إلى حركة (حماس) عبر واجهات خيرية مضللة وقنوات للعملات المشفرة، مما يبرهن على قدرة التنظيم المستمرة على تكييف آليات جمع الأموال لديه لتجنب الرصد».

وتضم قائمة المشمولين بالعقوبات سليم عبد الله سليم الزق، الذي وُصف بأنه «عضو في حركة (حماس) يتولى الإشراف على الشبكة المالية ويعمل مع المكتب الإعلامي للحركة».

كما تشمل العقوبات فوزي بريكة وآمال وليد، المرتبطين بجمعيتين خيريتين مقرهما فرنسا هما «أسوسياسيون بركة» و«أونسمبل سي مييو»، وقد أُدرجت الجمعيتان أيضاً ضمن إجراءات، الجمعة.

وذكرت وزارة الخزانة الأميركية أن «فوزي بريكة وآمال وليد ينشطان انطلاقاً من فرنسا، حيث يديران مؤسستين خيريتين يُزعم أنهما مخصصتان لجمع الأموال لأغراض إنسانية تهدف إلى مساعدة المدنيين في غزة».

وأضافت أن الشبكة جمعت أكثر من مليونيْ دولار بين عاميْ 2020 و2026، منها 1.5 مليون دولار جُمعت بعد هجوم حركة «حماس» على إسرائيل، في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وأدى هجوم «حماس» غير المسبوق إلى حملة عسكرية إسرائيلية مُدمرة في غزة، حوّلت مساحات شاسعة من القطاع الفلسطيني إلى ركام، وأسفرت عن مقتل أكثر من 70 ألف شخص.

وأثار الهجوم الإسرائيلي تعاطفاً عالمياً شعبياً مع القضية الفلسطينية، حتى وإن أحجمت الحكومات المتحالفة مع إسرائيل عن توجيه إدانة صريحة وقوية لها.